الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

محللون لـ«الشرق الأوسط»: زيارة شهباز شريف تبني موقفاً مشتركاً تجاه تحولات المنطقة

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


مقالات ذات صلة

تعيين «إتش إس بي سي» متعاملاً أول دولياً في أدوات الدين المحلية بالسعودية

الاقتصاد تعيين «إتش إس بي سي» متعاملاً أول دولياً في أدوات الدين المحلية بالسعودية

تعيين «إتش إس بي سي» متعاملاً أول دولياً في أدوات الدين المحلية بالسعودية

أعلن بنك «إتش إس بي سي HSBC» أنه تم تعيينه متعاملاً أول دولياً في أدوات الدين المحلية من قبل وزارة المالية السعودية والمركز الوطني لإدارة الدين في السعودية؛ في…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد «مركز الملك عبد الله المالي» في العاصمة السعودية الرياض (واس)

«مؤشر ثقة الأعمال» السعودي يعاود الارتفاع خلال أبريل

أظهرت بيانات «الهيئة العامة للإحصاء» ارتفاع «مؤشر ثقة الأعمال» في السعودية خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، ليعاود تسجيل مستويات أعلى تفاؤلاً لدى قطاع الأعمال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

تضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال الفنانَيْن سعد المسعري والدكتور فؤاد مغربل، اللذين أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية في السعودية...

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد الحجاج السوريين لهذا العام 22500 حاج جرى توزيعهم على عدة نقاط انطلاق (الشرق الأوسط)

مدير الحج السوري لـ«الشرق الأوسط»: خدمات السعودية للحجاج تفوق الوصف وتشهد تطوراً سنوياً

أكَّد، مدير الحج والعمرة في سوريا، محمد نور أعرج، أن ما يقدم من خدمات ورعاية للحجاج من قبل الجهات المعنية بالحج في السعودية يفوق الوصف.

سعيد الأبيض (جدة)
رياضة سعودية خيسوس (نادي النصر)

خيسوس: وصلت إلى اتفاق نهائي لتدريب المنتخب السعودي... ووقّعت للهلال!

كشف المدرب البرتغالي للنصر، خورخي خيسوس، تفضيله تدريب الهلال على المنتخب السعودي في 2023، وتواصُل المنتخب البرازيلي معه لقيادته إلى مونديال 2026 قبل عامين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الإمارات تؤسس لجنة وطنية لتوثيق «العدوان الإيراني» والجرائم الدولية

جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)
TT

الإمارات تؤسس لجنة وطنية لتوثيق «العدوان الإيراني» والجرائم الدولية

جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)

أعلنت الإمارات تأسيس اللجنة الوطنية لتوثيق أعمال العدوان والجرائم الدولية والأضرار المترتبة عليها، بموجب قرار أصدره الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس البلاد ونائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، في خطوةٍ تستهدف بناء مسار مؤسسي وقانوني لتوثيق الانتهاكات والأضرار الناجمة عن «العدوان الإيراني» وفق معايير قانونية وفنية معتمَدة دولياً.

ونص القرار على تشكيل اللجنة برئاسة النائب العام في البلاد، لتتولى توثيق الهجمات والأعمال العسكرية وما ترتَّب عليها من أضرار استهدفت أراضي الإمارات ومواطنيها والمقيمين والزائرين؛ بهدف إعداد سِجل وطني متكامل يستند إلى أدلة وبيانات موثوقة.

يأتي القرار وفقاً للمعلومات الصادرة اليوم لتعزيز مسارات التوثيق القانوني ودعم إجراءات المساءلة على المستويين الوطني والدولي، من خلال جمع وتحليل الأدلة والوثائق والتقارير الفنية والطبية والهندسية والجنائية، مع ضمان سلامة سلسلة الحيازة القانونية للأدلة بما يعزز موثوقيتها وقابليتها للاستخدام القضائي.

وتضم اللجنة ممثلين عن عدد من الوزارات والجهات الاتحادية والمحلية، بما يعكس تكاملاً مؤسسياً بين الجهات القضائية والأمنية والفنية والاقتصادية؛ لضمان شمولية ودقة عمليات الرصد والتوثيق. كما أجاز القرار للجنة الاستعانة بخبرات وطنية ودولية متخصصة، مع الالتزام بأحكام الدستور والقوانين النافذة والمعايير الدولية الخاصة بتوثيق الجرائم الدولية.

وحدد القرار اختصاصات واسعة للجنة تشمل رصد وتوثيق جميع وقائع الهجمات والأعمال العسكرية المرتبطة بالاعتداءات، والتحقق من طبيعتها وتوقيتها وملابساتها الميدانية، إضافة إلى حصر الأضرار البشرية والمادية والاقتصادية وفق منهجيات فنية معتمَدة، وتوثيق الخسائر البشرية والإصابات، استناداً إلى سِجلات وبيانات رسمية.

كما تتولى اللجنة تعزيز التنسيق مع الجهات المحلية والتواصل مع المنظمات والهيئات الدولية المعنية عبر القنوات الرسمية؛ بهدف دعم موثوقية أعمال التوثيق وإحكامها وفق الأطر القانونية الدولية.

وفي الجانب الفني، نص القرار على إنشاء أمانة فنية تتولى تنفيذ أعمال اللجنة وإعداد قاعدة بيانات مركزية مؤمَّنة لحفظ وتصنيف الأدلة والمعلومات والتقارير المرتبطة بالهجمات، باستخدام أنظمة تقنية متقدمة تضمن حماية البيانات ومنع العبث بها، مع توثيق عمليات الاطلاع والتعديل وحفظ النسخ الاحتياطية للأدلة المادية والرقمية.

وأكد القرار أن أعمال اللجنة تأتي في إطار التزام الإمارات بترسيخ سيادة القانون وصون حقوق الإنسان، بما يدعم جهود الدولة في إعداد ملف توثيقي متكامل يستند إلى أدلة موثَّقة ومعايير معترَف بها دولياً، تمهيداً لدعم إجراءات المساءلة القانونية أمام الجهات المختصة.


«مراكز التوزيع الخيري»… منظومة سعودية تنظّم العمل الإنساني في المشاعر المقدسة

أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)
أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)
TT

«مراكز التوزيع الخيري»… منظومة سعودية تنظّم العمل الإنساني في المشاعر المقدسة

أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)
أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)

في قلب المشاعر المقدسة، حيث تتقاطع ملايين الخطوات وتتسارع إيقاعات الزمن خلال موسم الحج، تبرز مبادرة «مراكز التوزيع الخيري لضيوف الرحمن» بوصفها نموذجاً تنظيمياً يعيد صياغة العمل الخيري، وينقله من الجهود الفردية المتفرقة إلى منظومة تشغيلية متكاملة، تسعى إلى تحسين تجربة الحاج وتعزيز جودة الخدمات المقدمة له.

المشروع، الذي تشرف عليه جمعية «هدية الحاج والمعتمر» بالشراكة مع شركة «كدانة» ومؤسسة «سقاية الأهلية»، يأتي استجابة لحاجة ميدانية ملحّة، بعد سنوات من تقديم مبادرات خيرية متنوعة لتوزيع المياه والوجبات، لكنها ظلت، حسب القائمين عليه، متفرقة وتفتقر إلى إطار تنظيمي يقلل الهدر ويرفع كفاءة التوزيع.

وقال لـ«الشرق الأوسط»، رئيس قطاع البرامج والعمليات التشغيلية، المهندس عبد الرحمن العوفي، إن «أكبر التحديات التشغيلية في المواسم السابقة تمثلت في تقديم خدمات السقيا والإعاشة بشكل متفرق، مع ضغط الحشود وارتفاع درجات الحرارة وصعوبة ضبط الكميات في أوقات الذروة».

وأضاف أن النسخة الحالية «انتقلت من فكرة التوزيع التقليدي إلى منظومة تشغيلية منظمة عبر مراكز توزيع خيري داخل المشاعر المقدسة، تعمل وفق خطة تشغيل واضحة، وفرق ميدانية متخصصة، ومؤشرات متابعة تقيس زمن الانتظار، والالتزام بالخطة، وجودة الخدمة، ورضا المستفيدين»، مؤكداً أن الهدف «لم يعد فقط توزيع كميات أكبر، بل الوصول إلى الحاج في الوقت والمكان المناسبين وبجودة أفضل».

من العشوائية إلى التنظيم

قبل إطلاق هذه المنظومة، كانت عمليات السقيا والإعاشة تتم عبر جهود فردية أو مبادرات متفرقة، ما أدى إلى تفاوت في التغطية وارتفاع معدلات الهدر، خصوصاً في أوقات الذروة واشتداد درجات الحرارة. ومع تزايد أعداد الحجاج وتعقّد المشهد الميداني، برزت الحاجة إلى نموذج تشغيلي موحد يضمن العدالة في التوزيع وسهولة الوصول إلى الخدمات.

ومن هنا، تأسست فكرة «مراكز التوزيع الخيري» لتكون شبكة من المواقع المجهزة داخل المشاعر المقدسة، تعمل وفق معايير تشغيل احترافية، وتقدم خدمات تشمل توزيع المياه المبردة، والمشروبات، والوجبات الخفيفة، إضافة إلى المواد التوعوية والخدمات الإنسانية.

وأوضح العوفي أن «الهدر غالباً لا ينتج من قلة النية أو ضعف الجهد، بل من ضعف التنظيم»، مشيراً إلى أن المراكز الجديدة «تعرف مواقعها وكمياتها وطاقتها التشغيلية وأوقات الذروة واحتياجات الحجاج في نطاقها».

وأضاف أن هذا التنظيم «يساعد على توزيع المياه والمشروبات والوجبات الخفيفة، حسب الحاجة الفعلية، ويقلل من الفائض أو التلف أو التوزيع العشوائي»، مؤكداً أن المشروع «لا يُنظر إليه بوصفه عملية توزيع فقط، بل بوصفه منظومة لإدارة الموارد الخيرية بكفاءة داخل بيئة شديدة الحساسية مثل المشاعر المقدسة».

أرقام تعكس حجم الأثر

تعكس مؤشرات المشروع حجمه وتأثيره على أرض الواقع؛ إذ تشير البيانات إلى تشغيل 70 مركز توزيع في مشاعر عرفات ومزدلفة، يعمل فيها أكثر من 570 كادراً تشغيلياً، لتقديم خدمات يومية يستفيد منها نحو 210 آلاف حاج.

كما توزع المراكز أكثر من 6 ملايين عبوة مياه ومشروبات خلال الموسم، في وقت تعمل فيه هذه المراكز على مدار 24 ساعة، مع تحقيق نسبة رضا مستفيدين تصل إلى 95 في المائة، وهو مؤشر يعكس نجاح التجربة في تلبية احتياجات الحجاج.

خدمات إنسانية تتجاوز التوزيع

لا تقتصر خدمات المراكز على الإعاشة، بل تمتد لتشمل جوانب إنسانية وصحية، مثل توزيع الأدوات الصحية بالتعاون مع الجهات المختصة، وتقديم الإرشاد والتوعية، والمساهمة في التخفيف من الإجهاد الحراري الذي يواجه الحجاج.

كما توفر المراكز هدايا رمزية تعزز البعد المعنوي للتجربة، إلى جانب تنظيم عمليات التوزيع بشكل يقلل الازدحام ويضمن انسيابية الحركة داخل المشاعر.

وبشأن ما يتعلق بتأهيل العاملين والمتطوعين، قال العوفي إن «العمل في المشاعر المقدسة لا يشبه أي بيئة تشغيلية أخرى؛ فهناك كثافة بشرية عالية، ودرجات حرارة مرتفعة، وحجاج من ثقافات ولغات مختلفة».

وأوضح أن برامج التأهيل تشمل «التعريف بخطة العمل، وآلية التوزيع، والتعامل مع الحشود، والسلامة الشخصية، ومسارات الحركة، وآلية التصعيد عند الطوارئ، وأهمية التعامل الإنساني مع الحاج».

وأضاف أن الأدوار تُوزع بوضوح «بين المشرفين، وفرق التوزيع، والنظافة، والدعم اللوجستي، والطوارئ، حتى لا يكون العمل اجتهادياً بل منضبطاً وموجهاً».

نموذج تشغيلي يعزز الاستدامة

يعتمد المشروع على فرق ميدانية متخصصة تضم مديرين ومشرفين ومئات العاملين والمتطوعين، إضافة إلى فرق لوجستية وإعلامية، ما يعكس تحوله إلى منظومة تشغيل متكاملة، وليس مجرد مبادرة موسمية.

ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق أثر مستدام، من خلال تقليل الهدر في الموارد، وتنظيم العمل الخيري، وتعزيز الشراكات بين القطاع الحكومي والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص، بما يسهم في تطوير منظومة خدمة ضيوف الرحمن.

وأكد العوفي أن نجاح المبادرة «لا يُقاس فقط بعدد العبوات أو الوجبات الموزعة، رغم أهمية ذلك، بل بالأثر الحقيقي على تجربة الحاج».

وأوضح أن المؤشرات المعتمدة تشمل «رضا المستفيدين، وزمن الانتظار، وانتظام الخدمة، والالتزام بالخطة التشغيلية، وانخفاض الأعطال، وكفاءة استخدام الموارد، وجودة التعامل مع الحجاج».

وأضاف: «السؤال الأهم بالنسبة لنا ليس: كم وزعنا؟ بل: هل وصلت الخدمة للحاج بسهولة، وفي الوقت المناسب، وبطريقة تحفظ كرامته وتحسن تجربته؟».

أثر يتجاوز الموسم

حسب القائمين على المشروع، فإن أثر هذه المنظومة لا يقتصر على تحسين تجربة الحاج فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الصورة الحضارية للمملكة في إدارة الحشود، ودعم استدامة المبادرات الخيرية، وتحفيز مشاركة المجتمع في خدمة الحجاج.

وفي ظل التحولات التي تشهدها منظومة الحج، تبدو هذه التجربة نموذجاً عملياً لكيفية تحويل العمل الخيري إلى منظومة مؤسسية قادرة على مواكبة الأعداد المتزايدة، وتحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والبعد الإنساني.


الكويت: «جنايات أمن الدولة» تقضي بحبس متهمين بإثارة الفتن الطائفية بينهم رجل دين

قصر العدل في الكويت (كونا)
قصر العدل في الكويت (كونا)
TT

الكويت: «جنايات أمن الدولة» تقضي بحبس متهمين بإثارة الفتن الطائفية بينهم رجل دين

قصر العدل في الكويت (كونا)
قصر العدل في الكويت (كونا)

أصدرت محكمة «الجنايات»، دائرة أمن الدولة، في الكويت، الخميس أحكاماً بالسجن بحق 11 متهماً، بينهم رجل الدين حسين المعتوق الذي يعيش خارج البلاد، حيث صدر حكم بسجنه 5 سنوات مع الشغل والنفاذ في قضية إثارة الفتن الطائفية.

وقضت المحكمة، التي عقدت برئاسة المستشار ناصر البدر، وعضوية القضاة: عمر المليفي، وعبد اللّٰه الفالح، وسالم الزايد، بحبس حسين المعتوق 5 سنوات مع الشغل والنفاذ، وفي قضايا أخرى، قضت المحكمة ببراءة متهمين اثنين من تهمة نشر الأخبار الكاذبة، بينما أصدرت حكماً بحبس متهم ثالث 3 سنوات.

كما أصدرت المحكمة أحكاماً متفاوتة في قضايا الانضمام إلى جماعة محظورة، تراوحت بين الحبس 3 سنوات و10 سنوات بحق 4 متهمين، بعد إدانتهم بالتهم المسندة إليهم.

كما قضت المحكمة في 3 قضايا تتعلق بإثارة الفتن الطائفية، بحبس متهمين لمدة 3 و5 سنوات، بينما قررت الامتناع عن عقاب متهم ثالث مع إلزامه بكفالة ألف دينار.

وفي قضية جريمة أمن دولة، انتهت المحكمة إلى القضاء ببراءة المتهم، بينما قررت في قضية مخالفة قانون الامتناع عن عقاب متهم آخر مع إلزامه بكفالة 3 آلاف دينار.

سحب الجنسية من 316 شخصاً

وفي شأن آخر، صدرت في الكويت الخميس، 5 مراسيم وقراران بسحب الجنسية الكويتية من 316 شخصاً.

ونص المرسوم رقم 72 لسنة 2026 على سحب الجنسية من 288 شخصاً وممن يكون قد اكتسبها معهم بالتبعية، والمرسوم رقم 73 بسحب شهادة الجنسية من 5 أشخاص ومن اكتسبها معهم بالتبعية، والمرسوم رقم 74 بسحب الجنسية من شخصين وممن اكتسبها معهما بالتبعية. كما نص المرسوم رقم 75 لسنة 2026 على سحب الجنسية من شخص وممن يكون قد اكتسبها معه بالتبعية، والمرسوم رقم 78 على سحب شهادة الجنسية من 3 أشخاص وممن يكون قد اكتسبها معهم بالتبعية.

ونص القرار رقم 84 لسنة 2026 على سحب شهادة الجنسية من 11 شخصاً وممن يكون قد اكتسبها معهم بالتبعية، والقرار رقم 125 على سحب شهادة الجنسية من 6 أشخاص وممن يكون قد اكتسبها معهم بالتبعية.