لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

أجواء «مشجّعة» واكبت اجتماعات الوفد الوزاري في واشنطن

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.


مقالات ذات صلة

لبنان يلغي الترخيص المحلي لبنك «صادرات إيران»

المشرق العربي مبنى «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (المصرف)

لبنان يلغي الترخيص المحلي لبنك «صادرات إيران»

ألغى «مصرف لبنان» هذا الأسبوع الترخيص المحلي لبنك «صادرات»؛ أحد أكبر البنوك الإيرانية، وسط ضغوط الولايات المتحدة...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت (إ.ب.أ)

مساعد عراقجي في بيروت يستطلع هواجس «الثنائي الشيعي»

توقفت الأوساط السياسية على اختلاف مشاربها أمام الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بالرئيس جوزيف عون، والذي تلازم مع وصول مساعده إلى بيروت.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي فعالية دينية سابقة في بلدة بعبدات في جبل لبنان (مواقع تواصل)

ملف شراء متموّل شيعي لعقارات في جبل لبنان ينتقل إلى القضاء

انتقلت المعلومات عن شراء متمول شيعي لعقارات واسعة في جبل لبنان، من التراشق الإعلامي إلى القضاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله (الوكالة الوطنية للإعلام)

«حزب الله» يتبنى شاحنة المتفجرات... ويطالب الدولة بالتراجع عن إجراءاتها

أعلن «حزب الله» رسمياً تبنّيه شاحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية عند حاجز ضهر البيدر، شرق لبنان، الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)

صندوق النقد الدولي يوفد بعثة إلى لبنان في نوفمبر لمواصلة محادثات الإصلاح

يعتزم صندوق النقد الدولي إيفاد بعثة إلى لبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ لمواصلة المناقشات بشأن معالجة الأزمة المصرفية واستعادة استدامة الدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.