دليلك إلى تغيير العالم

إقبال متزايد على كتاب منظّر تقنيات اللاعنف

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية
TT

دليلك إلى تغيير العالم

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية

الطلب يتزايد على كتاب «مخطط للثورة»، للناشط الصربي الشهير سيرخا بوبوفيتش (وزميله ماثيو ميللر)، بعد 4 سنوات على صدوره (2015)، ولذا فقد أطلق ناشره الأميركي لتوه طبعة خامسة من النسخة الإنجليزية، كما ترجمات له بالفرنسية والألمانية والصربية والكورية. وهذا الإقبال يعكس، لا شك، فضولاً عاماً بين جمهور متزايد تجاه فلسفة الثورات الملونة اللاعنفية التي أسقطت منذ بداية هذا القرن أنظمة غير ما دولة، لا سيما في شرق أوروبا: صربيا وجورجيا وأوكرانيا، أو تسببت بزلازل سياسية عميقة داخل دول أخرى: ما سمي الربيع العربي، كما حراكات «احتلوا»، و«ثورات المناخ»، و«استقلال» برشلونة، وأيضاً «الثورات» الجارية حالياً ضد الأنظمة في العراق ولبنان وهونغ كونغ، وغيرها. قراء بوبوفيتش ينقسمون إلى نوعين لا ثالث لهما: طلاب ثورات ملونة يبحثون عن إلهام، أو منتقدون ينقبون عن وسائل لإدانة الثوريين الجدد، وطرائق مواجهتهم، لكن الطرفين مع ذلك يبدوان - بحكم مبيعات الكتاب - متفقين على أهمية ما يقوله الرجل.
اكتسب بوبوفيتش سمعته، كخبير ثورات ملونة، بعد أن نجح وزملاؤه منسوبو حركة المقاومة الصربية (أتبور) في حراكهم اللاعنفي عام 2000 ضد حكم الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش. قبلها، كان مجرد عازف جيتار مغمور بالمشهد الثقافي البوهيمي الطابع ببلغراد نهاية التسعينات. الموسيقيون كانوا وقتها الصوت الأعلى تجاه انتقاد النظام الصربي الحاكم، عبر أغانٍ شبابية اتسمت ببذاءة ملحوظة، وتدريجياً وجد بوبوفيتش نفسه أكثرهم تفرغاً للتركيز على قيادة حراك معارض يحاول أن يستقطب طلاب الجامعات وجيل الشباب المتمرد عبر الأنشطة الموسيقية أساساً، بالنظر إلى صعوبة خوض نضالات عنفية ضد سلطة مدججة بالسلاح. لاحقاً، التقى بوبوفيتش مستشارين أميركيين عرفوه على أعمال البروفسور جين شارب الذي كان قد وضع ما يشبه مسرداً بـ198 تكتيكاً للثورات السلمية، في إطار فلسفة شاملة لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية بغير العنف المسلح، وعلى أساسها تحقق أول نجاح عملي على الأرض لما صار يعرف عند الصحافة والمتخصصين بالثورات الملونة.
ورغم أنه وزملاؤه في حركة «مقاومة» الصربية سقطوا من المشهد السياسي الصربي بعد الثورة، بعدما فشل مرشحوهم إلى البرلمان في الحصول على الحد الأدنى المطلوب من الأصوات، فإن تجربتهم في إدارة ثورة ناجحة منحتهم مصداقية لتأسيس «كانفاس» (مركز الأنشطة والاستراتيجيات اللاعنفية التطبيقية) CANVAS)) لتدريب الثوريين من الدول الأخرى ونقل الخبرات إليهم، الذي خرّج ناشطين كثراً من لبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان، وغيرها من دول العالم الثالث، إضافة إلى جولات بوبوفيتش لترويج كتبه عبر العواصم، ومحاضرات يلقيها في مختلف الجامعات المرموقة، بما فيها هارفارد نفسها بالولايات المتحدة.
وكتاب بوبوفيتش ينقسم إلى جزأين: بداية هناك كثير من دراسات الحالات الثورية، يستعيد فيها دروس النجاح والفشل، سواء من تجربة «مقاومة» في صربيا أو من دول أخرى: الصين (ميدان تيانانمين)، وبولندا (حركة تضامن في الثمانينات)، ومصر (حركة كفاية، ولاحقاً ثورة يناير)، وغيرها، بينما يقدم في نصفه الثاني نصائح عملية، وتكتيكات للثوريين الطامحين إلى زعزعة أنظمة الحكم في بلادهم.
ومع كثير التكتيكات المتناثرة عبر الكتاب، فإن الدرس الأساسي الذي يقدمه بوبوفيتش هو ضرورة تأسيس هدف واستراتيجية واضحة للعمل الثوري، يتم على أساسها اختيار أفضل الأنشطة المناسبة، التي يرى أن تبدأ دائماً صغيرة فاعلة مرحة لتجلب القطاع الأوسع من الجمهور، قبل التورط بالمظاهرات الضخمة والاعتصامات العامة. وهو يغرف في ذلك من أعمال البروفسور شارب، لا سيما لناحية التحليل الدقيق للأعمدة السياسية والاقتصادية التي تستند إليها منظومة السلطة، واستهداف تلك الأعمدة عبر التكتيكات المختلفة إلى أن يسقط النظام، دون تدمير الهيكلية الأساسية للدولة التي من المفترض أن تسقط لقمة سائغة في يد الثوار.
ويشدد بوبوفيتش كثيراً على حماية مبدأ السلمية مهما كان الثمن، لأن متحمساً أحمق يحمل مسدساً قد يفشل جهود عشرات الآلاف عبر أسابيع، ويمنح السلطات نوعاً من الحافز والشرعية لسفك الدماء، بينما ينفر الكتل الشعبية من العملية برمتها، نتيجة تشوش صور الضحية والمعتدي في الأذهان (تجربة سوريا وليبيا). كما يحذر من الاحتفال المبكر بالنصر (تنحي الرئيس حسني مبارك في مصر، دون تحقق تحول ديمقراطي)، أو التشرذم بعد تحقيقه (ثوار أوكرانيا المتنازعين بعد سقوط النظام)، أو التطرف في المطالب (كل شيء أو لا شيء على الإطلاق، كما ثوار ميدان تيانانمين)، أو الخلط بين الاستراتيجية والتكتيك (احتلال الساحات والمباني العامة في حراك «احتلوا» في الولايات المتحدة وأوروبا، كان يجب أن يكون تكتيكاً لا استراتيجية).
وصياغة نص الكتاب ممعنة بالمتعة، لوفرة القصص والأمثلة والإضاءات على أحداث سمعنا عنها أو عشناها، لكنه مع ذلك يتضمن نزعة لا تخفى لتعظيم الذات، والمبالغة في دور «مقاومة - أتبور» الصربية، ومعهد كانفاس في أحداث العالم المعاصر: فثورة بورما نجحت بعدما هرب أحدهم شريط «دي في دي» من حركة «مقاومة» إلى دير بوذي في قلب الأدغال، والمصريون خرجوا بملايينهم إلى ميدان التحرير بعدما تلقى ناشطون مصريون تدريبات على يد «كانفاس»، وغيرها من المبالغات السطحية الساذجة.
وللحقيقة، فإن محاولة احتكار فكرة اللاعنفية لـ«مقاومة» أو لـ«كانفاس» لا تخدم للكتاب قضية، فهناك تاريخ طويل لثوريين سلميين في القرن العشرين صنعوا فرقاً لمجتمعاتهم: غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينغ وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وحركة المقاطعة لنظام جنوب أفريقيا العنصري، وغيرها. وكثير من التكتيكات التي يقترحها بوبوفيتش (ومعهد كانفاس) إنما هي مستلهمة من أنشطة فاعلة قامت بها تلك الحراكات الرائدة قبل الثورة الملونة بعقود. كما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان الجهد النظري الهائل الذي قام به البروفسور الأميركي جين شارب منذ 1992 حتى وفاته (2018) في هذا المجال، والذي اعتمده المستشارون والقادة الثوريون كدليل عمل يرجعون إليه عند إطلاق ثوراتهم الملونة. وقد أجرت إريكا تشينويث وزميلتها مسحاً شاملاً لـ323 صراعاً طوال القرن العشرين، عنفية ولاعنفية، وتوصلتا إلى قناعة بأن فرص نجاح الحراكات اللاعنفية على العموم أعلى إحصائياً (53 في المائة)، بمعدل أكثر من الضعف لفرص نجاح تلك العنفية (23 في المائة)، محذرتين في الوقت ذاته من أنه لا وصفة أكيدة للنجاح، وأنه في بعض الحالات (مثل الجزائر وكوبا مثلاً، كان يستحيل عملياً تحقيق انتصار على الأنظمة القائمة من دون حمل السلاح).
كما لا يجدر أن يغيب عن ذهن المراقب المنصف دور الدعم الغربي، سواء الاستخباراتي أو المادي أو الإعلامي منه، في إطلاق معظم الثورات الملونة، ونجاح بعضها، ومنها في الصدارة بالطبع ثورة صربيا 2000. وهو أمر إنكاره لم يعد يجدي نفعاً، بعدما توفرت في ذلك شهادات ووثائق كثيرة. لكن تساؤل اللحظة الراهنة هو عن معنى مثل ذلك الدعم، وهل يرتبط بالتزامات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية حال نجاح الثورة؟ الثوريون بالطبع يقولون إنهم بحاجة للدعم من دول العالم «الديمقراطي» لتعظيم فرص نجاح حراكاتهم الشعبية التي من دون الضغط الإعلامي والدبلوماسي من الولايات المتحدة وكثير من الدول الكبرى ستنتهي غالباً إلى الفشل، وأنهم سيأخذون مثل ذلك الدعم وقت الشدة في تقرير مواقفهم السياسية وانحيازاتهم في مرحلة ما بعد الثورة، بينما تبرر الولايات المتحدة وبقية حكومات الغرب بأنها عبر دعمها للثورات الملونة تساند نضالات الشعوب للتحرر من الأنظمة الديكتاتورية، والتحول إلى الديمقراطية، وهي بالطبع مواقف تسمح للأنظمة بتوجيه تهم العمالة والخيانة للحراكات وللقائمين عليها، مهما كانت مطالبهم عادلة مستحقة. بوبوفيتش، الثرثار ذو الجعبة المتخمة بالقصص والأمثولات، يصمت تماماً أمام هذي المفارقة الصعبة، رغم أنها قد تكون تحديداً سر نجاح الثورة أو فشلها.



هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.