دليلك إلى تغيير العالم

إقبال متزايد على كتاب منظّر تقنيات اللاعنف

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية
TT

دليلك إلى تغيير العالم

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية

الطلب يتزايد على كتاب «مخطط للثورة»، للناشط الصربي الشهير سيرخا بوبوفيتش (وزميله ماثيو ميللر)، بعد 4 سنوات على صدوره (2015)، ولذا فقد أطلق ناشره الأميركي لتوه طبعة خامسة من النسخة الإنجليزية، كما ترجمات له بالفرنسية والألمانية والصربية والكورية. وهذا الإقبال يعكس، لا شك، فضولاً عاماً بين جمهور متزايد تجاه فلسفة الثورات الملونة اللاعنفية التي أسقطت منذ بداية هذا القرن أنظمة غير ما دولة، لا سيما في شرق أوروبا: صربيا وجورجيا وأوكرانيا، أو تسببت بزلازل سياسية عميقة داخل دول أخرى: ما سمي الربيع العربي، كما حراكات «احتلوا»، و«ثورات المناخ»، و«استقلال» برشلونة، وأيضاً «الثورات» الجارية حالياً ضد الأنظمة في العراق ولبنان وهونغ كونغ، وغيرها. قراء بوبوفيتش ينقسمون إلى نوعين لا ثالث لهما: طلاب ثورات ملونة يبحثون عن إلهام، أو منتقدون ينقبون عن وسائل لإدانة الثوريين الجدد، وطرائق مواجهتهم، لكن الطرفين مع ذلك يبدوان - بحكم مبيعات الكتاب - متفقين على أهمية ما يقوله الرجل.
اكتسب بوبوفيتش سمعته، كخبير ثورات ملونة، بعد أن نجح وزملاؤه منسوبو حركة المقاومة الصربية (أتبور) في حراكهم اللاعنفي عام 2000 ضد حكم الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش. قبلها، كان مجرد عازف جيتار مغمور بالمشهد الثقافي البوهيمي الطابع ببلغراد نهاية التسعينات. الموسيقيون كانوا وقتها الصوت الأعلى تجاه انتقاد النظام الصربي الحاكم، عبر أغانٍ شبابية اتسمت ببذاءة ملحوظة، وتدريجياً وجد بوبوفيتش نفسه أكثرهم تفرغاً للتركيز على قيادة حراك معارض يحاول أن يستقطب طلاب الجامعات وجيل الشباب المتمرد عبر الأنشطة الموسيقية أساساً، بالنظر إلى صعوبة خوض نضالات عنفية ضد سلطة مدججة بالسلاح. لاحقاً، التقى بوبوفيتش مستشارين أميركيين عرفوه على أعمال البروفسور جين شارب الذي كان قد وضع ما يشبه مسرداً بـ198 تكتيكاً للثورات السلمية، في إطار فلسفة شاملة لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية بغير العنف المسلح، وعلى أساسها تحقق أول نجاح عملي على الأرض لما صار يعرف عند الصحافة والمتخصصين بالثورات الملونة.
ورغم أنه وزملاؤه في حركة «مقاومة» الصربية سقطوا من المشهد السياسي الصربي بعد الثورة، بعدما فشل مرشحوهم إلى البرلمان في الحصول على الحد الأدنى المطلوب من الأصوات، فإن تجربتهم في إدارة ثورة ناجحة منحتهم مصداقية لتأسيس «كانفاس» (مركز الأنشطة والاستراتيجيات اللاعنفية التطبيقية) CANVAS)) لتدريب الثوريين من الدول الأخرى ونقل الخبرات إليهم، الذي خرّج ناشطين كثراً من لبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان، وغيرها من دول العالم الثالث، إضافة إلى جولات بوبوفيتش لترويج كتبه عبر العواصم، ومحاضرات يلقيها في مختلف الجامعات المرموقة، بما فيها هارفارد نفسها بالولايات المتحدة.
وكتاب بوبوفيتش ينقسم إلى جزأين: بداية هناك كثير من دراسات الحالات الثورية، يستعيد فيها دروس النجاح والفشل، سواء من تجربة «مقاومة» في صربيا أو من دول أخرى: الصين (ميدان تيانانمين)، وبولندا (حركة تضامن في الثمانينات)، ومصر (حركة كفاية، ولاحقاً ثورة يناير)، وغيرها، بينما يقدم في نصفه الثاني نصائح عملية، وتكتيكات للثوريين الطامحين إلى زعزعة أنظمة الحكم في بلادهم.
ومع كثير التكتيكات المتناثرة عبر الكتاب، فإن الدرس الأساسي الذي يقدمه بوبوفيتش هو ضرورة تأسيس هدف واستراتيجية واضحة للعمل الثوري، يتم على أساسها اختيار أفضل الأنشطة المناسبة، التي يرى أن تبدأ دائماً صغيرة فاعلة مرحة لتجلب القطاع الأوسع من الجمهور، قبل التورط بالمظاهرات الضخمة والاعتصامات العامة. وهو يغرف في ذلك من أعمال البروفسور شارب، لا سيما لناحية التحليل الدقيق للأعمدة السياسية والاقتصادية التي تستند إليها منظومة السلطة، واستهداف تلك الأعمدة عبر التكتيكات المختلفة إلى أن يسقط النظام، دون تدمير الهيكلية الأساسية للدولة التي من المفترض أن تسقط لقمة سائغة في يد الثوار.
ويشدد بوبوفيتش كثيراً على حماية مبدأ السلمية مهما كان الثمن، لأن متحمساً أحمق يحمل مسدساً قد يفشل جهود عشرات الآلاف عبر أسابيع، ويمنح السلطات نوعاً من الحافز والشرعية لسفك الدماء، بينما ينفر الكتل الشعبية من العملية برمتها، نتيجة تشوش صور الضحية والمعتدي في الأذهان (تجربة سوريا وليبيا). كما يحذر من الاحتفال المبكر بالنصر (تنحي الرئيس حسني مبارك في مصر، دون تحقق تحول ديمقراطي)، أو التشرذم بعد تحقيقه (ثوار أوكرانيا المتنازعين بعد سقوط النظام)، أو التطرف في المطالب (كل شيء أو لا شيء على الإطلاق، كما ثوار ميدان تيانانمين)، أو الخلط بين الاستراتيجية والتكتيك (احتلال الساحات والمباني العامة في حراك «احتلوا» في الولايات المتحدة وأوروبا، كان يجب أن يكون تكتيكاً لا استراتيجية).
وصياغة نص الكتاب ممعنة بالمتعة، لوفرة القصص والأمثلة والإضاءات على أحداث سمعنا عنها أو عشناها، لكنه مع ذلك يتضمن نزعة لا تخفى لتعظيم الذات، والمبالغة في دور «مقاومة - أتبور» الصربية، ومعهد كانفاس في أحداث العالم المعاصر: فثورة بورما نجحت بعدما هرب أحدهم شريط «دي في دي» من حركة «مقاومة» إلى دير بوذي في قلب الأدغال، والمصريون خرجوا بملايينهم إلى ميدان التحرير بعدما تلقى ناشطون مصريون تدريبات على يد «كانفاس»، وغيرها من المبالغات السطحية الساذجة.
وللحقيقة، فإن محاولة احتكار فكرة اللاعنفية لـ«مقاومة» أو لـ«كانفاس» لا تخدم للكتاب قضية، فهناك تاريخ طويل لثوريين سلميين في القرن العشرين صنعوا فرقاً لمجتمعاتهم: غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينغ وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وحركة المقاطعة لنظام جنوب أفريقيا العنصري، وغيرها. وكثير من التكتيكات التي يقترحها بوبوفيتش (ومعهد كانفاس) إنما هي مستلهمة من أنشطة فاعلة قامت بها تلك الحراكات الرائدة قبل الثورة الملونة بعقود. كما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان الجهد النظري الهائل الذي قام به البروفسور الأميركي جين شارب منذ 1992 حتى وفاته (2018) في هذا المجال، والذي اعتمده المستشارون والقادة الثوريون كدليل عمل يرجعون إليه عند إطلاق ثوراتهم الملونة. وقد أجرت إريكا تشينويث وزميلتها مسحاً شاملاً لـ323 صراعاً طوال القرن العشرين، عنفية ولاعنفية، وتوصلتا إلى قناعة بأن فرص نجاح الحراكات اللاعنفية على العموم أعلى إحصائياً (53 في المائة)، بمعدل أكثر من الضعف لفرص نجاح تلك العنفية (23 في المائة)، محذرتين في الوقت ذاته من أنه لا وصفة أكيدة للنجاح، وأنه في بعض الحالات (مثل الجزائر وكوبا مثلاً، كان يستحيل عملياً تحقيق انتصار على الأنظمة القائمة من دون حمل السلاح).
كما لا يجدر أن يغيب عن ذهن المراقب المنصف دور الدعم الغربي، سواء الاستخباراتي أو المادي أو الإعلامي منه، في إطلاق معظم الثورات الملونة، ونجاح بعضها، ومنها في الصدارة بالطبع ثورة صربيا 2000. وهو أمر إنكاره لم يعد يجدي نفعاً، بعدما توفرت في ذلك شهادات ووثائق كثيرة. لكن تساؤل اللحظة الراهنة هو عن معنى مثل ذلك الدعم، وهل يرتبط بالتزامات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية حال نجاح الثورة؟ الثوريون بالطبع يقولون إنهم بحاجة للدعم من دول العالم «الديمقراطي» لتعظيم فرص نجاح حراكاتهم الشعبية التي من دون الضغط الإعلامي والدبلوماسي من الولايات المتحدة وكثير من الدول الكبرى ستنتهي غالباً إلى الفشل، وأنهم سيأخذون مثل ذلك الدعم وقت الشدة في تقرير مواقفهم السياسية وانحيازاتهم في مرحلة ما بعد الثورة، بينما تبرر الولايات المتحدة وبقية حكومات الغرب بأنها عبر دعمها للثورات الملونة تساند نضالات الشعوب للتحرر من الأنظمة الديكتاتورية، والتحول إلى الديمقراطية، وهي بالطبع مواقف تسمح للأنظمة بتوجيه تهم العمالة والخيانة للحراكات وللقائمين عليها، مهما كانت مطالبهم عادلة مستحقة. بوبوفيتش، الثرثار ذو الجعبة المتخمة بالقصص والأمثولات، يصمت تماماً أمام هذي المفارقة الصعبة، رغم أنها قد تكون تحديداً سر نجاح الثورة أو فشلها.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً