«العصامي اليتيم» عبد الله حمدوك... هل يحمل مفتاح الحل لمعضلات السودان؟

رحلة أكاديمي من قريته الصغيرة إلى رئاسة الوزارة

«العصامي اليتيم» عبد الله حمدوك... هل يحمل مفتاح الحل لمعضلات السودان؟
TT

«العصامي اليتيم» عبد الله حمدوك... هل يحمل مفتاح الحل لمعضلات السودان؟

«العصامي اليتيم» عبد الله حمدوك... هل يحمل مفتاح الحل لمعضلات السودان؟

في أول حديث له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً لوزراء السودان، في 20 من أغسطس (آب) الماضي، ترك الدكتور عبد الله حمدوك انطباعاً مغايراً لدى الرأي العام السوداني، بتشخيصه البسيط لمشاكل البلاد وكيفية الخروج منها. وأرسل رسالة بصرية ونظرية مفادها أن اختياره لوزراء حكومته سيقوم على أساس الكفاءة، مستهلاً عهده باعتراف يقول: «المهمة التي أوكلت إليّ صعبة وعظيمة، ولكن سأعمل مع الشعب السوداني للعبور بالبلاد إلى بر الأمان».
برز اسم عبد الله حمدوك وأصبح يتردد كثيراً، بعد اعتذاره عن تولي منصب وزير المالية والاقتصاد، في التشكيل الوزاري الأخير لنظام الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير قبل سقوطه بأشهر، وتحت رئاسة رئيس الوزراء الذي عيّنه البشير معتز موسى.
فُصل حمدوك، الموظف بوزارة المالية عن العمل، أثناء متابعته دراساته الجامعية العليا في جامعة مانشستر البريطانية، إبان الهجمة الشرسة للنظام السابق التي أحال بها المئات من الموظفين للصالح العام والتمكين لمنسوبيه في أجهزة الدولة. وعندما طُرح مرشحاً لرئاسة الحكومة تباينت آراء النخبة السودانية حوله. فالبعض لا يرى فيه السياسي المتمرّس القادر على قيادة البلاد بعد ثلاثة عقود من الحكم الشمولي القابض، بل يرى أن الموقع الأنسب له وزارة المالية والاقتصاد، لما يتمتع به من خبرات كبيرة في هذا المجال. وفي المقابل، رأى آخرون أن الكفاءة والخبرات إلى جانب العلاقات الخارجية التي نسجها حمدوك إبان سنوات عمله في المنظمات الأممية والدولية، من المؤهلات التي ربما تمكنه بسهولة من قيادة السودان بسلام خلال الفترة الانتقالية.

مرشح بلا منافس

«تجمّع المهنيين السودانيين» وهو الفصيل الرئيسي في قيادة الحراك الشعبي الذي قاد الثورة الشعبية السودانية، وكان الجهة التي رشّحت حمدوك لرئاسة الحكومة. ومن ثم، حظي الاختيار بتوافق مقدّر من غالبية الكتل الأخرى المكونة لقوى «إعلان الحرية والتغيير»، ولم يجد اعتراضا من قادة الجيش في المجلس العسكري الانتقالي قبل حلّه.
ويقول أحمد حضرة، عضو لجنة الترشيحات لقوى «الحرية والتغيير»، إنه خلال الاجتماعات مع حمدوك، لاختيار المرشحين في التشكيل الوزاري «بدا لنا مرتّب الذهن والتفكير، ويعرف ماذا يريد».
ثم يضيف: «لم نجد صعوبة كبيرة في التعامل معه. وحتى عندما دَفع بعدد من المرشحين للوزارات، احتفظ بحقنا في تطبيق المعايير المتفّق عليها في اختيارهم دون تدخّل من جانبه، تمسّك بحقه أيضاً في اختيار المرشحين بالمعايير ذاتها، من دون أن يبصم بالعشرة على القوائم المقدمة من قوى الحرية والتغيير، وكان يشدد على التمثيل العادل لأقاليم البلاد والمرأة في الحكومة». أما القيادي الإسلامي السابق المحبوب عبد السلام، فقال إن مهمة حمدوك تواجه بواقع غير منتظم وكثير التعقيدات والتشوّهات، وتتساوى فرص نجاحه وفشله في قيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، لكنه يستدرك مشيراً إلى أن «حمدوك يتميز دائماً بأنه شديد التركيز على العمل الذي يؤديه».

مسيرته العملية
بعدما نال حمدوك درجة الدكتوراه من كلية الدراسات الاقتصادية من جامعة مانشستر، بدأ حياته العملية في زيمبابوي مستشاراً في شركة خاصة، ثم مستشاراً في منظمة العمل الدولية في زيمبابوي أيضاً، حتى عام 1997. ومن هناك انتقل للعمل مع «بنك التنمية الأفريقي» في ساحل العاج حتى عام 2001، ثم انضم إلى اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة لهيئة الأمم المتحدة ومقرها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وبعدها، تنقّل في عدة مواقع تابعة للأمم المتحدة حتى أصبح نائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا.

قبول إقليمي ودولي
الدكتور عبد الله حمدوك عمل خلال الفترة من 2003 حتى 2008، مديراً إقليمياً لأفريقيا والشرق الأوسط بالمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA)، وفي 2016 عيّن أميناً تنفيذياً للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا. وإلى جانب ذلك يعد رئيس وزراء السودان الجديد، خبيراً اقتصادياً في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي، وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية.
وفي ضوء هذا السجلّ، فإنه عقب توليه رئاسة الوزراء أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودول المنطقة العربية والأفريقية ترحيبها ودعمها لحكومته في الفترة الانتقالية.
ومن جانب آخر، يعول السودان على حمدوك لكسر العزلة الدولية المفروضة على النظام بسبب إخفاقات سياسات النظام السابق، وفي هذا، قال في تصريحات إن تفاهمات كبيرة تجري مع الولايات المتحدة لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وحول احتمالات نجاحه، يقول أحد المقربين منه، إن لحمدوك معرفة عميقة بمشاكل البلاد، وذلك رغم وجوده في الخارج لسنوات طويلة، ويتابع: «ثم إنه يعرف تماماً من أين يبدأ، وهو أكثر حرصاً على إنجاح الفترة الانتقالية، لذلك تجده دائما يتلمّس التعاون مع الجميع لإيجاد الحلول».
من ناحية ثانية، يقول حامد علي التيجاني، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة بالجامعة الأميركية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط» إن حمدوك «شخصية تميل أكثر إلى التوافق والوسطية في التعامل مع الآخرين... ونتوقع منه أن يعطي الأولوية لمسألة وقف الحرب وإحلال السلام، لأنها المدخل الحقيقي للإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد». ويتابع: «إذا أراد حمدوك أن يصل إلى تلك الغايات، فعليه أن يلجأ إلى تحقيق السلم الاجتماعي، وإقامة شراكة حقيقية مع المتضررين من الحرب في أقاليم السودان كافة، وليس الجنوح للمحاصصات الحزبية التي تسعى لها النخب». ثم يضيف: «كذلك من المسائل المهمة التي ستواجهه خلال فترة حكمه، تتمثّل في كيفية إدارة التنوّع والتعدّد، وهي المعادلة الحقيقة التي يفترض أن يوليها اهتمامه الشديد». التيجاني يشير أيضاً إلى أن رئيس الوزراء، باختياره الدكتور إبراهيم البدوي وزيراً للمالية، وهو من أفضل الكفاءات السودانية في الاقتصاد، الأجدر لمعالجة وإصلاح الاقتصاد باعتباره المرتكز الذي تقوم عليه التنمية، إلى جانب إجراء عمليات إصلاح قانوني، يستطيع أن يقيم فترة انتقالية ناجحة، ويردف: «السودان سيشهد خلال الفترة المقبلة انفتاحاً كبيراً على العالم، ولا بد من التعاطي مع المجتمع الدولي لرفع كل العقوبات المفروضة عليه».
ويلحظ التيجاني ما يسميه حاجة رئيس الوزراء لفريق عمل متكامل في الحكومة، الأمر الذي يتطلب منه اتخاذ كثير من القرارات الحاسمة وفي الأوقات الصحيحة، فيقول: «شخصية حمدوك متّزنة ولا تميل إلى المواجهات، كما أن خطابه السياسي رزين بعيداً عن التطرف، وهذه السمات ضرورة في رجل الدولة ويحتاج لها السودان في هذه المرحلة».
وفي السياق نفسه، يكشف القيادي بقوى إعلان الحرية والتغيير المحامي ساطع الحاج، أن اختيار الدكتور عبد الله حمدوك مرشحا لرئاسة الحكومة في الفترة الانتقالية، جاء بعد مشاورات ونقاشات طويلة، وأجمعت بشكل كامل الكتل المكونة لقوى إعلان الحرية والتغيير، على أنه الشخصية المؤهلة لقيادة البلاد في هذه المرحلة. ويضيف: «لا شك أن حمدوك من الكفاءات السودانية المقدرة، وله القدرة الكبيرة على مواجهة المشاكل التي تواجه الحكومة خلال الفترة الانتقالية... وإضافة لذلك فإن حمدوك سياسي من الطراز الأول، فهو يمتلك قدرة فائقة على قراءة المشهد بشكل سليم، والوصول إلى حلول لكل المشاكل التي ستعترضه خلال توليه المنصب».

أولويات الحكومة
وحقاً، من خلال المقابلات التي أجريت مع رئيس الوزراء الجديد، تحدث الرجل عن أهم القضايا والتحديات التي ستواجه حكومته، فقال إن أبرزها بناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج وليس الهبات والمنح، فضلا عن إصلاح مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، وبناء دولة القانون والعدل، وإقامة علاقات خارجية، تنبني على أساس مصالح السودان، وتمثيل النساء في الجهاز التنفيذي بكل عدالة.
وللعلم، يعد ملف إعفاء ديون السودان الخارجية والمقدرة بنحو 60 مليار دولار أميركي، من أبرز الملفات الساخنة التي تنتظر على طاولة حكومة حمدوك.
وكان حمدوك قد كشف في تصريحات له عن شروعه في نقاشات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الهدف منها إعادة هيكلة ديون السودان، بيد أنه أشار إلى أن التفاوض قد يستغرق أشهرا، قبل أن تتمكن حكومته من الحصول على تمويل للتغلب على الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد. وأوضح أن حكومته بحاجة إلى خطط للحصول على المساعدات والمنح من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، خلال الفترة المقبلة للخروج بالبلاد من الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعيشها.
أما الملف الثاني الملتهب الذي ينتظر حمدوك، فهو تحقيق السلام عبر التفاوض مع الحركات المسلحة في مناطق النزاعات، أي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وهو الملف الذي ينتظر أن تضطلع به الحكومة خلال الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية، وفقا لما نصت عليه الوثيقة الدستورية.
وحمدوك بحسب تصريحاته، يرى أن ملفي الاقتصاد والسلام مرتبط أحدهما بالآخر وبشدة. وهو يركز على إنهاء الحرب وإحلال السلام، للقضاء على «اقتصاد الحرب»، ويلفت النظر إلى أن نسبة تزيد على 70 في المائة من ميزانية البلاد كانت عبارة عن ميزانية حرب، بوقف الحرب وإقامة السلام، يمكن توظيفها في إعادة تصحيح أوضاع الاقتصاد.

التفاوض لا السلاح
هذا، وينتظر أن تشرع حكومة عبد الله حمدوك المدنية في التفاوض المباشر مع قادة الحركات المسلحة، بعد تكوين مفوضية السلام التي سيتقاسم مهامها مجلس السيادة والحكومة التنفيذية. وهو الأمر الذي أشار إليه بوضوح في مؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه تشكيل حكومته أول من أمس، بقوله إنه ومجلس السيادة شرعا في تكوين لجنة أولية تمهد لتكوين مفوضية السلام، التي ينتظر تكوينها للتفاوض مع حركات الكفاح المسلح. واستخدم حمدوك في خطاب تشكيل الحكومة لهجة تصالحية هادئة وجهها لقادة الحركات المسلحة، ووصفهم فيها بأنها «رفاق الكفاح المسلح»، ومن جهتهم، فقد صدرت عن قادة الحركات المسلحة تصريحات إيجابية تجاه الرجل أبدوا خلالها قبولهم لتوجهاته السياسية ونظرته لقضايا الحرب والسلام، وأعلنوا استعدادهم للدخول في تفاوض معه على الفور.

المولد والنشأة
> ولد عبد الله حمدوك في الأوّل من يناير (كانون الثاني) 1956 في قرية الدبيبات الصغيرة، في جنوب كردفان. وهي منطقة تقع على خط التماس بين مجموعة الثقافات العربية والأفريقية، ويقع فيها تقاطع خط السكة الحديد الذي كان يتجه أحد فروعه إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور، ويتفرّع الآخر إلى واو في جنوب السودان.
فقد حمدوك والده وهو صغير السن، لكنه شقّ طريقه بعصامية لافتة، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بمعهد المعلمين. إذ كان ينوي العمل معلماً، بيد أنه دخل كلية الزراعة في جامعة الخرطوم وتخرج فيها ببكالوريوس في الاقتصاد الزراعي. ولاحقاً تابع دراسته العليا في بريطانيا؛ حيث حاز درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر.
وعنه يقول ابن منطقته الصحافي محمد الأسباط، إنه كان عصامياً فقد والده وهو صغير السن، وكفله أحد أعمامه، إلى أن تخرج في الجامعة. ويضيف الأسباط أن حمدوك كان مثالاً للرجل الوفي، الذي لم تنقطع علاقته بمنطقته على الرغم من وضعه الاجتماعي والمهني، متابعاً: «أثناء عمله في وزارة المالية كان مواصلا لأهل الدبيبات لم ينقطع عنهم، ولم ينس أبناء عمه الذين ساعدوا في تربيته وتعليمه». ثم يقول عنه إنه رجل هادئ في تعامله مع الأحداث ويتريّث كثيراً قبل اتخاذ القرارات، و«هذه الصفات مجتمعة تجعل منه شخصية مقبولة من الجميع، وقد تساعد حكومته الانتقالية في تحقيق أهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول)». وبحسب الأسباط، فإن حمدوك تزوج من الدكتورة آمنة عبد الله، وهي «بنت الخرطوم 2» أحد أرقى أحياء العاصمة السودانية الخرطوم، وهي حائزة درجة الدكتوراه أيضاً، وعلّمت في كثير من المنظمات الأممية والدولية، وله منها بنين وبنات.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».