أميركا 2020: رهان الديمقراطيين على غالبية سلبية قد لا يكفي لهزيمة أقلية معبأة ومتحمسة لترمب

قراءة في الديناميكيات الانتخابية للسباق الرئاسي المقبل

أميركا 2020: رهان الديمقراطيين على غالبية سلبية قد لا يكفي لهزيمة أقلية معبأة ومتحمسة لترمب
TT

أميركا 2020: رهان الديمقراطيين على غالبية سلبية قد لا يكفي لهزيمة أقلية معبأة ومتحمسة لترمب

أميركا 2020: رهان الديمقراطيين على غالبية سلبية قد لا يكفي لهزيمة أقلية معبأة ومتحمسة لترمب

يوم الانتخابات الأميركية عام 2016، ورغم أن المرشح الجمهوري (يومذاك) دونالد ترمب كان يحظى بتأييد 38 في المائة من اتجاهات التصويت، تمكّن من الفوز بعدما حصل على 304 أصوات من أصوات المجمع الانتخابي الـ535، علماً بأن الفائز يحتاج إلى غالبية مطلقة، أي 270 صوتاً للفوز. وسبق لهذا الأمر أن حدث غير مرة في انتخابات سابقة.
والحال أن الانتخابات الأميركية، الرئاسية والعامة، ترتبط بشروط تسعى الماكينات الانتخابية لمرشحي الحزبين الرئيسيين، الديمقراطي والجمهوري، إلى توفيرها عبر آليات ودراسات ميدانية واستطلاعات رأي متواصلة ومُضنية.
وقد يكلّف الخطأ في تقدير تلك المعطيات المرشح الذي يعتبر أنه الأوفر حظاً خسارة المعركة.

يتنافس المرشحون الأميركيون على كسب تأييد شرائح وفئات اجتماعية وعرقية وعُمرية، عبر استمالتها أو تحييدها قسراً أو إحباطاً من المشاركة في الانتخابات.
هذا ما جرى مع هيلاري كلينتون، المرشحة الرئاسية الديمقراطية السابقة، عندما خسرت عام 2016 أصوات الشباب في الحزب الديمقراطي بعد تغلبها في المعركة الحزبية الترشيحية على منافسها اليساري بيرني ساندرز، ونجاح الرئيس السابق بارك أوباما بأصوات الشباب والملوّنين عموماً، وكذلك النساء، خصوصاً السود منهن.
أيضاً، فاز الرئيس الحالي دونالد ترمب عام 2016 بفضل أصوات الطبقة العاملة، وبالذات غير الماهرة أو المنخرطة في الصناعات التقليدية، في أربع ولايات تشكّل قلب «حزام الصدأ»، هي بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن (مجموع أصواتها الانتخابية 46 صوتاً كانت كافية لفوز كلينتون) وأوهايو.
وهكذا، رغم تفوق كلينتون على ترمب في عدد الأصوات الشعبية، بفارق نحو 3 ملايين صوت، فإنها خسرت الانتخابات أمام ترمب بفضل تقدّمه عليها بعدد أصوات المجمع الانتخابي التي تساوي عدد ممثلي الولايات في مجلسي الكونغرس (الشيوخ والنواب). وما حصل أن «الماكينة الانتخابية» الجمهورية بنت استراتيجيتها على كسب «الولايات المتأرجحة» أو غير المحسومة (حيث ليس لأي من الحزبين غالبية كبيرة) ونتيجة لكسبها... فاز ترمب، ودخل البيت الأبيض.

الشريحة الانتخابية المستهدفة
خبراء الانتخابات الأميركيون يشدّدون على أن المرشح، سواء كان ينافس على منصب الرئاسة أو على عضوية مجلس الشيوخ أو النواب أو حاكمية ولاية، عليه معرفة طبيعة القاعدة الانتخابية التي يتوجه إليها. وهذا يعني تركيبة شرائحها العُمرية والجندرية (الجنسية) والعرقية والتعليمية بجانب الاتجاهات والولاءات الآيديولوجية لقاعدته الحزبية.
يقول هؤلاء إن الرئيس ترمب يعتقد أن بإمكانه الاستناد إلى دعم قاعدته الحزبية الصلبة لتجديد انتخابه. وهذا، مع أن نتائج الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 قرعت جرس إنذار كبير للحزب الجمهوري، إذ أجمعت معظم الدراسات الانتخابية على أن إقبال الفئات العُمرية الشابة على المشاركة في التصويت أتاح للحزب الديمقراطي تحقيق الفوز بغالبية مقاعد مجلس النواب في نتيجة لم يشهدها منذ عام 1972.
في المقابل، بيّنت الإحصاءات أن غالبية الأصوات التي حصل عليها ترمب عام 2016 كانت من المسيحيين البيض وكبار السن والذكور والناخبين الأقل تعليماً والولايات الريفية والجمهوريين التقليديين. ورغم أن استطلاعات الرأي أظهرت يوم الانتخاب أن 18 في المائة من الناخبين، لديهم نظرة سلبية تجاه ترمب وكلينتون معاً، استطاع ترمب في نهاية المطاف الحصول على تأييد 47 في المائة من هذه الكتلة (الساخطة على كلا المرشحين) مقابل 30 في المائة لكلينتون.

ناخبون ديمقراطيون تاريخياً
أيضاً أظهرت نتائج انتخابات 2016 أن ترمب حصل على تأييد «الولايات المتأرجحة»، مدعوماً بانحياز فئات اجتماعية من فقراء الطبقة الوسطى، ومن فئات عمال الصناعات التقليدية والعمال غير المهرة، خصوصاً في ولايات ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن، التي كانت تصوّت في العقود الأخيرة لمصلحة الحزب الديمقراطي. فلقد تمكن ترمب من استمالة القاعدة العمالية فيها، إثر إغداقه الوعود بأن يعيد عجلة الإنتاج إلى مصانع ما يُعرف بـ«الاقتصاد التقليدي»، في إشارة إلى مناجم الفحم الحجري وصناعات الصلب والصناعات الغذائية، ومهاجمته «العولمة» و«هجرة الوظائف» إلى بلدان اليد العاملة فيها رخيصة.
ولكن، بمرور الوقت، ومع النتائج الضئيلة التي حققها على صعيد إعادة النهضة لتلك الولايات، يواجه ترمب منافسة شديدة من المرشح الديمقراطي جو بايدن الذي يحظى بشعبية قديمة في تلك الولايات، علماً بأنه أطلق حملته من ولاية بنسلفانيا، ليشير إلى أهمية استعادة تلك الولايات من قبضة ترمب. وللعلم، بايدن من ولاية ديلاوير الصغيرة يشكل معظم سكانها «ضاحية» كبيرة لمدينة فيلادلفيا، كبرى مدن بنسلفانيا. وعليه، يُجمع خبراء الانتخابات على أن معركة عام 2020 ستتمحور حول خمس أو ست ولايات «متأرجحة»، من أصل 50. يختصر تركيبتها العرقية والطبقية مشهد الانتخابات.

انقسام الديمقراطيين الآيديولوجي
حقّاً، يراهن ترمب والحزب الجمهوري على الانقسام الآيديولوجي في الحزب الديمقراطي بين اليمين والوسط واليساريين. ويعتقد الجمهوريون أن نجاح يساريي الديمقراطيين، الذين يطالبون بـ«الصحة للجميع» و«التعليم للجميع» وبالقيود البيئية، في إقصاء بايدن وغيره الوسطيين سيؤدي إلى إحجام الناخبين في ولايات كثيرة عن دعم ما يتهمهم الجمهوريون بـ«الاشتراكيين». كما يعتقد المخططون الجمهوريون أن تعهد المرشحين الديمقراطيين بمنح الحق في الطبابة للمهاجرين غير الشرعيين، سيحفّز قاعدتهم المحافظة المتشدّدة على التماسك حول ترمب، والتوجه مجدداً بكثافة إلى صناديق الاقتراع.
وفي الاتجاه نفسه، تحذر مراكز أبحاث ودراسات متخصّصة في الانتخابات من أن العديد من المرشحين الديمقراطيين لم يتعلموا الدرس الرئيسي للديمقراطية الأميركية، وهو «لا يمكن الفوز في الانتخابات عبر الرهان على غالبية سلبية (أي متراخية وغير مجيّشة)، بل يتحقق الفوز عبر الأقليات المعبّأة المتحمسة». ومع أن الغالبية السلبية قد تكون مع الديمقراطيين، فإن الأقلية المعبأة قد تكون مجدداً العامل المؤدي لتجديد فوز ترمب في انتخابات 2020.
أضف إلى ذلك، بحسب المؤشرات الاقتصادية التقليدية، فإن حالة الاقتصاد الأميركي ممتازة. وبالتالي، فإن نماذج التنبؤ التي تعتمد أساساً على المؤشرات الاقتصادية، والتي تنبأت بشكل صحيح بفوز ترمب في انتخابات عام 2016، تتنبأ له أيضاً بفوز كبير عام 2020.

قاعدة ترمب متماسكة
على صعيد متّصل، تشير استطلاعات رأي كثيرة إلى أن الجمهوريين العاديين الذي يُشار إليهم عموماً باسم «الجمهوريين المعتدلين»، غير معجبين بترمب ويتهمونه بالابتذال، إلا أنهم، مع ذلك، حصلوا منه على الشيء الوحيد الذي يهمّهم، ألا وهو خفض معدلات الضرائب. ولذا، فهؤلاء لخوفهم من «اشتراكية» الديمقراطيين... قد يخرجون عام 2020 لحماية مكاسبهم عبر التصويت لترمب.
أكثر حماسة من هؤلاء، طبعاً، حماسة اليمين المسيحي المتوقع أن يخرج بقوة مرة أخرى. وبينما يتحير الليبراليون في تفسير أسباب دعم الناخبين المتديّنين لترمب، فإن ثمة من يشير إلى أنه رجح عبر التعيينات الأخيرة في المحكمة العليا كفة اليمين المحافظ فباتت أكثر يمينية مما كانت عليه منذ عقود، إذ عيّن ترمب قاضيين محافظين بشدة ضد الإجهاض، هما نيل غورسيتش، وبريت كافانوه، ووعد بتعيين المزيد، في ظل احتمال شغور منصبين في الفترة الرئاسية الجديدة، هما روث بيدر غينزبرغ (يهودية ليبرالية)، وربما كلارنس توماس (أسود محافظ) أيضاً.
غير أن رهان ترمب الرئيس سيكون على الاحتفاظ بولاء الطبقة العاملة من المسيحيين البيض وفقراء الطبقة الوسطى الذين يريدون «بناء الجدار» (مع المكسيك) إبعاداً للعمالة الرخيصة الوافدة من أميركا اللاتينية وحفاظاً على «الصفاء الأميركي» القومي، وأيضاً ولاء «الشعبويين» المعادين للهجرة، الذين يريدون (كما يزعمون) «تجفيف مستنقع الفساد» في واشنطن.
حتى الآن لم يحصل هؤلاء على ما يبتغونه، إذ إن «الجدار» (رغم كل وعود ترمب) ما زال أقرب إلى السور، في حين «تجفيف المستنقع» يراوح مكانه، لا بل توسع بعد سلسلة الفضائح التي طالت العديد من المعينين الفاسدين في إدارته.

استطلاعات رأي... وخلفيات
بحسب استطلاع لجامعة كوينيبياك نُشر في 11 يونيو (حزيران) الماضي، ما زال ترمب متخلفاً وراء المرشحين الديمقراطيين البارزين، إلا أن الاستطلاع نفسه أظهر أنه متقدم على كل الديمقراطيين بنسبة 6 من 10 في المائة بين الناخبين البيض، باستثناء جو بايدن، إذ تساوى الرجلان في الفوز بتأييد البيض بنسبة 47 في المائة تقريباً. وللعلم، ثمة استطلاعات رأي وطنية أخرى تشير إلى أن ترمب متقدّم بين الناخبين البيض بمعدل 10 نقاط مئوية.
ما يُذكر أنه منذ أكثر من 50 سنة، بات الحزب الجمهوري أكبر منظمة سياسية للبيض، وظهر الفرز بين الحزبين الرئيسيين بشكل متزايد على أساس عرقي. ويرتبط الشعور بالهوية العرقية مع تزايد المخاوف لدى البيض بأنهم «يخسرون أميركا»، وأن مستقبلهم معرَّض للخطر. ولذا، فإن ناخبي ترمب من المسيحيين البيض يدعمونه رغم كل التهم التي وُجّهت له، سواء ما أحاط بقضية الدعم الروسي المفترض له واتهامه بالكذب وتجاهله للدستور وفضائحه الجنسية المزعومة ووضع الأطفال وأسر الملوّنين في معسكرات اعتقال وعلاقاته السياسية مع الحلفاء والأصدقاء وجيران الولايات المتحدة. ومع أن استطلاعات كثيرة تظهر أن كثيرين من ناخبي ترمب يشعرون بالحرج والخجل منه، بمن فيهم البيض، فهم ما زالوا يدعمونه.

النساء السود قوة مؤثرة
مقابل هذه القاعدة البيضاء المعبّأة، برزت في الآونة الأخيرة النساء السوداوات، ككتلة تصويت مهمة في سباق الرئاسة عام 2020، فالتقدم الملحوظ الذي حققته هذه الكتلة في انتخابات التجديد النصفي العام الماضي، أظهرها كتلة سكانية سجّلت إحدى أعلى نسب الإقبال على التصويت. ووفق مكتب الإحصاء الأميركي، فإن 55 في المائة من الناخبات السود أدلين بأصواتهن في نوفمبر 2018، أي أعلى من المعدل الوطني بـ6 في المائة. وقالت غليندا كار، رئيسة مؤسسة «أميركا هاي هيلز»، وهي منظمة تسعى إلى تعزيز القوة السياسية للمرأة السوداء، إن ما تريده السوداوات من سباق البيت الأبيض عام 2020 هو أن يتبنى قضاياهن المهمة. وأشارت إلى أن النساء السود يمثلن 4.1 في المائة فقط من مجلسي النواب والشيوخ مقابل 8 في المائة من سكان البلاد.
من ناحية ثانية، تقول إيميه أليسون، مؤسسة ورئيسة جماعة «ذي بيبول» موضحة: «إن الارتفاع الحالي لعدد الناخبات السود ظهر حديثاً في أول انتخابات لرئيس أسود هو باراك أوباما عام 2008. لقد كانت النساء السود المحركات وراء حملته المبنية على مجموعات منظمة، وعلى المانحين بدولارات قليلة».
ولكن، في حين أن هناك مرشحة سوداء قوية كالسيناتورة الديمقراطية كامالا هاريس عن ولاية كاليفورنيا، ويتوقع علماء السياسة وغيرهم من الخبراء أن تشهد انتخابات عام 2020 معدلات مشاركة قياسية، يُعتقد أن الناخبين السود والملوّنين والشباب المرجح أن يقترعوا بكثافة ضد ترمب، يتركزون أصلاً في الولايات والمناطق التي يسيطر عليها الديمقراطيون.
في المقابل، يرى الخبراء أن القوة الدافعة والأسباب التي تقف وراء تحفيز الفئات المعارضة لترمب قد تكون أيضاً حافزاً وراء تحشد القوة الداعمة له خلفه أيضاً، فالشكوى من النظام الانتخابي والفوز بالتزكية وقمع الناخبين وتزوير الأصوات والتدخل الخارجي المتوقع، قد تكون سبباً لمواصلة الناخبين البيض التأثير على نتائج انتخابات عام 2020.

قضايا مهمة للناخب
وبينما يتركز الاهتمام على القضايا التي تثير حساسية الناخب، كقضايا التأمين الصحي، والفساد السياسي والإداري، وقضية الهجرة والتعليم، يحرص كلا الحزبين على «تحريض» قاعدته الأكثر تمسكاً بقيمها في تلك القضايا الخلافية. وترمب هو المرشح الذي أشعل حملة خفض مستويات الهجرة وبناء «الجدار»، وسعى لتحقيق ما يرى أنه «يحافظ على النسيج الصحيح للبلاد»، كما يراه الأميركيون البيض.
وهنا يقول أشلي جاردينا الباحث في جامعة ديوك «ترمب هو مرشح الهوية البيضاء إلى حد كبير»، ثم يضيف: «من الواضح أن سياسات الهوية البيضاء، ورد الفعل الأبيض ضد الديمقراطية متعددة الأعراق، تجعل ترمب يتمتع بشعبية كبيرة بين ناخبيه. لذا فانتخابات عام 2020 ليست استفتاءً عادياً على سياسات اقتصادية متباينة، أو على كفاءة الرئيس الحالي من حيث تحسين الصالح العام. بل سيقيّم ناخبو ترمب هذه المرة مواهبه كرمز للقوة البيضاء والضحية البيضاء».

ترمب يطبق خطط 2016
وبالفعل، ترمب هو الآن الشخصية الحاسمة في السياسة الأميركية، وقد قرر معظم الناخبين منذ وقت طويل إما أن يحبه أو يكرهه. ومن جهته، أثبت الرئيس قدرة خارقة على تكوين رواية سلبية لمعارضيه وإقناع جمهوره بها. وبنى استراتيجيته على جذب تلك القاعدة من خلال «شيطنة» خصومه، سواء في الانتخابات التمهيدية أو العامة. وكان هذا أمراً أساسياً لنجاحه في عام 2016، وسيكون عنصراً أساسياً في استراتيجية إعادة انتخابه عام 2020. أما الحزب الديمقراطي، فلم يكن ملهماً إلى حد كبير، بل قدم نفسه حزباً لا هوية واضحة له، منقسماً على أكثر من 20 مرشحاً، يختلفون على أكثر مما يتفقون عليه.
وحول هذه النقطة، يقول دوغ سونيك، أحد كبار مستشاري الرئيس السابق بيل كلينتون، شارحاً: «مع أقل من 500 يوم على يوم الانتخاب، ينقلب الديمقراطيون على بعضهم، ويخوض المانحون المناهضون لليساريين حروباً عليهم، بينما هؤلاء يجمعون الأموال لخوض معركة ضد المؤسسة الحزبية الديمقراطية». ويتابع: «قد يكون ترمب غير مرغوب فيه من الناحية التاريخية، لكنه يتمتع بشعبية كافية لإعادة انتخابه بشكل مريح. فمؤيدوه يتمتعون بالسلطة والتصميم، وهما أمران ما زال الديمقراطيون يفتقرون إليهما. وقد نضطر للتعايش في نهاية المطاف مع أربع سنوات جديدة من ترمب».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.