مدارس فكرية غربية ثارت على الحتمية الاقتصادية

مرحلة ثرية تستحق القراءة بعيداً عن الانفعالات المباشرة بالأحداث

لويس ألتوسير
لويس ألتوسير
TT

مدارس فكرية غربية ثارت على الحتمية الاقتصادية

لويس ألتوسير
لويس ألتوسير

ربما يكون مناسباً للمؤرخين المعنيين بتاريخ الفكر المعاصر أن يشرعوا من يومهم في صياغة مراجعات حول تجربة جدّ ثريّة مسرحها الأساسي بريطانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان لها الأثر البالغ في تطوير المعارف الإنسانيّة عبر فروع العلوم الاجتماعيّة، وإنقاذ الفكر الفلسفي المادي الذي أطلقته الماركسيّة قبل قرنين وكاد يتحجّر قوالب ثلجيّة في المرحلة الستالينيّة من تاريخ اليسار.
تلك التجربة؛ التي يتفق الباحثون هذي الأيّام على وسمها بمدرسة «الماركسيّة الثقافيّة» البريطانيّة، وتضم أسماء ساطعة مثل ستيوارت هول وريتشارد هوغارت وريموند ويليامز... وغيرهم، تمثل بديناميكيتها العمليّة ومعطياتها النقديّة وإنتاجاتها الفكريّة نداً موازياً بعمقه للتيار الثقافي الآخر بالغ التأثير في الغرب؛ وأعني به «مدرسة فرنكفورت»؛ إن لم يتفوّق عليه بالفعل. لقد استفادت الأخيرة من حقيقة أنها سبقت اليساريين البريطانيين إلى بناء منهجيّة نقديّة صارمة بعقدين على الأقلّ، كما كان انتقال عتاولة «الفرنكفورتيّة» من أمثال ثيودور أدورنو، وماكس هوركيمر، وهيربرت ماركوزه، إلى الولايات المتحدة بداية الأربعينات قد منحها مساحة معرفيّة وقدرة انتشار هائلتين بالاستفادة جانبياً من ماكينة الثقافة الأميركيّة الجبارة، مقارنة برفاقهم البريطانيين الذين عاشوا تجربتهم بين دمارين: الحرب العالميّة الثانية، والثاتشريّة النيوليبراليّة في وقت كانت فيه الإمبراطوريّة البريطانيّة العجوز قد فقدت أسنانها، وتحوّلت إلى مجرد جزيرة رماديّة باهتة تجاه الغرب من البرّ الأوروبيّ.
لكن التجربتين؛ كلتيهما، خرجتا اليوم من سياق القيادة الثقافيّة المباشرة، وتحطمت طاقتهما الدافعة على صخرة أزمة اليسار الوجوديّة بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتيّ، وقد مرّ ما يكفي من الوقت لإعادة قراءة المرحلة كلّها بتجرد بعيداً عن الانحيازات اللحظيّة والانفعالات المباشرة بالأحداث، لا سيما فيما يتعلق بالبريطانية منها التي لم تحظ حتى راهن الوقت بتأريخ تستحقه.
أهميّة المهمّة هذه ليست متأتية من القيمة الرّفيعة لنتاج المدرستين الألمانيّة والبريطانيّة كلتيهما الفكري فحسب؛ والذي رغم كل شيء فإنه ما زال أفضل الأدوات المعرفيّة المتوفرة لنقد تجربة العيش في المجتمعات المعاصرة، بل وأيضاً لأن المنهج الرائد الذي سلكتاه بالتوازي انطلاقاً من الفكر الفلسفي المادي يمثل ثورة مفاهيم كليّة (برادايم) أكاديميّة شاملة في تحليلها لمنتجات الميديا والإعلام ونتاجات المجموعات الحضريّة وتمثلات ثقافات الشباب والإنتاج الأدبي والفنيّ، والهياكل الثقافيّة التي أنشئت حولها مفاهيم مثل العرق والجندر، والثقافة الشعبيّة، كما طبيعة الآيديولوجيا، وهو تحليلٌ كُسرت فيه الحدود بين التخصصات المعرفيّة الضيقة كالفلسفة والتاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والسّياسة والفنون واللغة؛ بحيث أمكن الحديث لأوّل مرّة عن ممارسة معرفيّة عريضة عابرة لأبواب العلم في رؤية الأشياء والأحداث والعالم. وفوق ذلك كلّه فقد أطاحت - المدرستان بالتوازي دائماً - بذلك التفريق الملفّق بين ثقافة عليا رفيعة وأخرى شعبية وضيعة، وجعلتا منهما صعيداً ثقافياً واحداً وإن ضم تمثّلات متفاوتة.
نشأ تيار «الماركسيّة الثقافيّة» البريطاني بوصفه محاولة من مثقفين وأكاديميين - جاء كثيرون منهم من خارج النّخب الإنجليزيّة التقليديّة - لفهم التحوّلات المفصليّة التي كانت تعيشها بلادهم بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية في الثقافة والفكر والمجتمع بدت الأدوات الماركسيّة التقليديّة - التي هيمن عليها الاتحاد السوفياتي والشيوعيون الكلاسيكيّون وتمحورت حول العوامل الاقتصادية والسياسيّة - غير كافية لفهمها، ناهيك بنقدها. لقد تأكد حينها أن الطبقات العاملة في الغرب لن تقوم بثورات على نسق الثورة الروسيّة عام 1917، فكان مهماً للجميع البحث عن صيغ أخرى مختلفة من الصّراع الاجتماعي وبناء أدوات مواجهة ممكنة في ظل قواعد اللّعب داخل ديمقراطيّات الرأسماليّة المتأخّرة.
مدرسة فرنكفورت (انطلقت من معهد العلوم الاجتماعيّة بجامعة غوته في فرنكفورت بألمانيا؛ ولذا جاءت التسمية) التي سبقت التيار البريطاني بعقدين تقريباً كانت نشأت في ظل ظروف مماثلة عاشتها ألمانيا إثر الحرب العالميّة الأولى، وشهدت رأي العين فشل الثورات اليساريّة الأوروبيّة جميعها باستثناء نموذج «الحزب الطليعي» في روسيا عام 1917، كما عاصرت صعود الفاشيات بوصفها أداة ثورة مضادة من قبل تحالف البرجوازيات - الأرستقراطيات في غير ما بلد. وقد قدّمت فرنكفورت إسهامات لافتة ثمنت بمجملها دور العوامل الثقافيّة والآيديولوجية في الحياة الاجتماعية المعاصرة، وبحثت هناك تحديداً عن الأسباب التي تفسّر خنوع الطبقات المحكومة.
ومع أن المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي كان سبق الجميع في تثوير الفكر الماركسي وتوظيفه أداةً معرفيّة شاملة الطابع لتحليل المنهجيّات العمليّة التي تلجأ إليها الطبقات الحاكمة في فرض هيمنتها على المجتمع، إلا إن الهزيمة القاسية التي لحقت باليسار الإيطالي ما بعد الحرب العالميّة الأولى، وإبعاد غرامشي إلى السجن وقتله البطيء هناك من قبل السّلطات الفاشستيّة، وعدم ترجمة أعماله أو نشرها في العالم الغربي حتى بداية السّبعينات من القرن الماضي... تسبب ذلك كله في تأخر اطلاع منسوبي المدرستين لعقود عدة على التجربة الإيطاليّة المثيرة للاهتمام.
ما جمع بين المدارس الفكريّة الثلاث هذه كان رفضها الحتميّة الاقتصادية التي بدا أن ماركسيّة تلك الأيّام بقيت مصرّة على أولويتها في تفسير سلوك المجتمعات. ومع ذلك، فإن اختلافات منهجية كثيرة جعلتها أيضاً تتمايز؛ بل وتتباعد أحياناً. فبينما كان توجُّه «فرنكفورت» فهم نتاجات الثقافة المعاصرة بوصفها أدوات سيطرة تستهدف تحويل الكتل الشعبيّة إلى مستهلكين سلبيين للأفكار، وتجعلهم تدريجياً غير قادرين على نقد ما يعرض عليهم أو إدراك تأثيره على سلوكهم المجتمعي أو فهم علاقتهم بالعالم، فإن «الماركسيّة الثقافيّة» البريطانيّة، ورغم اعترافها بسيطرة الطبقات الحاكمة على معظم الإنتاج الثقافي، كان ديدنها أن ترى الأمور من وجهة نظر متلقي ذلك الإنتاج، وتدلّل على أن ذلك المتلقي بإمكانه أيضاً أن يستهلك تلك المادة بصفة نقديّة وأن يستجيب لها بطرق مبدعة، لتتحول بذلك الثقافة - في عُرفها - ساحة مواجهة بين الجانبين لا يمكن حسمها بالمطلق لصالح أحدهما. وحده غرامشي، مع ذلك، كان قدّم خريطة دقيقة ومتكاملة لآلية عمل منتجي الثقافة في المجتمعات المعاصرة، والتي يمكن للطبقات المحكومة الاستفادة منها في بناء أساليب المواجهة. وللحقيقة فإن الأميركيين الذين اطلعوا على التجارب الثلاث انقسموا بينها؛ وإن كان غرامشي تحديداً حاز إعجاب مثقفي الإمبراطوريّة وأجهزتها الذين استعاروا بعضاً من أفكاره في بناء برامجهم لاستهداف مجتمعات تسعى الإمبراطوريّة لمد مظلّتها فوقها لا سيّما خلال الحرب الباردة وما تلاها من ثورات ملونة.
أيضاً فإن المدارس الثلاث تباينت كثيراً في الصّيغة التي تبنتها لناحية العلاقة بين النظريّة والممارسة. «فرنكفورت» رفضت وجود علاقة مباشرة بينهما، وعدّت الفكر النقدي عملاً ثورياً متكاملاً ليس له أن يرتبط بالضرورة بنضالات الطبقات العاملة. ومع أنهم بمجملهم كانوا يقبلون فكرة لينين بأن الطبقات العاملة ليس بمقدورها إنجاز شيء دون حزب ثوريّ، إلا إنهم رفضوا بشدّة التجربة البلشفيّة بوصفها تؤدي إلى ديكتاتورية بيروقراطيّة تخنق الأصوات المعارضة. وقد تجنّب أغلبهم العلاقات المباشرة بالأحزاب الرّاديكاليّة. في المقابل، لم تجد «الماركسيّة الثقافيّة» بطبعتها البريطانيّة - رغم احتكاكات سلبيّة الطابع أحياناً مع الطبقة العاملة أو نقاباتها على الأقل - أي تبرير للتعالي على الجمهور، بل وعدّت دائماً أن مهمتها في المحصلة توعيته وتنويره، ولذلك فإنها احتفظت دائماً بمسحة شعبويّة، وكثيراً ما التقى رموزها بمجموعات من الطبقة العاملة في إطار أنشطة تثقيفيّة كانت تنظّم باستمرار من قبل جمعيات العمّال. أما «الغرامشيّة» بوصفها فكراً؛ فقد كانت نتاج قراءة واعية بعين مثقفة لتجربة مباشرة مديدة في قيادة النشاط العمالي على الأرض، وتحليل للخبرات اليوميّة من المصانع والمتاريس والشوارع، في صحف ومنشورات تقرأها أساساً الطبقة العاملة.
لم تكن تلك التجارب وحدها صيغ انتقال اليسار في الغرب من الماركسيّة الكلاسيكيّة إلى آفاق أرحب من خلال التدقيق بمسائل الثقافة واعتبارها الأساس في تمتين الهيمنة التي تمنحها العوامل الاقتصادية. فالفرنسيون مثلاً أنتجوا بدورهم تياراً من النقاد المثقفين الذين قدموا فلسفات جريئة انطلق معظمها بشكل أو بآخر من ماركس، لكنها انتقلت إلى فضاءات أبعد. لقد قرأ الفرنسيّون غرامشي قبل غيرهم من الأوروبيين، وتأثروا به بشكل أو بآخر، لكن أعمالهم بقيت على العموم متمحورة حول إنجازات مفكرين نجوم أفراد أمثال رولاند وفوكو وألتوسير، دون أن تتحول يوماً إلى مدرسة متكاملة كما عند الألمان والإنجليز.
إنها مرحلة ثريّة تستحق التسجيل.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً