«دويتشه بنك» يواجه تحقيقاً جنائياً في سقطات محتملة تتعلق بغسل أموال

يتضمن مراجعة لطريقة تعامل المصرف مع أنشطة مريبة

يتضمن التحقيق مراجعة لطريقة تعامل المصرف مع ما توصف بأنها تقارير عن أنشطة مريبة (رويترز)
يتضمن التحقيق مراجعة لطريقة تعامل المصرف مع ما توصف بأنها تقارير عن أنشطة مريبة (رويترز)
TT

«دويتشه بنك» يواجه تحقيقاً جنائياً في سقطات محتملة تتعلق بغسل أموال

يتضمن التحقيق مراجعة لطريقة تعامل المصرف مع ما توصف بأنها تقارير عن أنشطة مريبة (رويترز)
يتضمن التحقيق مراجعة لطريقة تعامل المصرف مع ما توصف بأنها تقارير عن أنشطة مريبة (رويترز)

تحقق السلطات الفيدرالية فيما إذا كان مصرف «دويتشه بنك» قد التزم بالقوانين التي تستهدف منع غسل الأموال وغيرها من الجرائم، أم لا، وذلك في إطار أحدث عملية تحرٍ حكومية عن سقطات وممارسات خاطئة محتملة داخل واحد من أكبر مصارف العالم، وأكثرها تعثراً واضطراباً في الوقت ذاته، بحسب 7 أشخاص مطلعين على التحقيق.
يتضمن التحقيق مراجعة لطريقة تعامل المصرف مع ما يوصف بأنها تقارير عن أنشطة مريبة أعدها موظفون به تتعلق بمعاملات مثيرة للجدل يرتبط بعضها بصهر الرئيس الأميركي ترمب، ومستشاره البارز جاريد كوشنر، بحسب أشخاص مقربين من المصرف، ومصادر أخرى مطلعة على الأمر. ويعد التحقيق الجنائي في أعمال «دويتشه بنك» من عمليات فحص وتحرٍ حكومية منفصلة، لكنها متداخلة ومتشابكة عن كيفية تدفق الأموال ذات المصادر غير المشروعة إلى النظام المالي الأميركي، على حد قول 5 أشخاص غير مصرح لهم بالحديث عن الأمر. كذلك يتم التحقيق في ممارسات مصارف أخرى.
وقد تواصل مكتب التحقيقات الفيدرالي مؤخراً مع محامٍ يمثل تامي ماكفادين، التي أبلغت عن ممارسات «دويتشه بنك»، والتي انتقدت علناً أنظمة المصرف الخاصة بمكافحة غسل الأموال، بحسب المحامي براين مكافيرتي. وقد صرحت تامي، مسؤولة سابقة عن ضمان الالتزام بمكافحة غسل الأموال في المصرف، لصحيفة «نيويورك تايمز» خلال الشهر الماضي، بأنها رصدت معاملات خاصة بشركة مملوكة لأسرة كوشنر عام 2016. لكن قرر مديرو المصرف عدم تقديم التقرير الذي أعدته وكان يتعلق بوجود نشاط مريب ومشبوه. كذلك كان لدى بعض زملائها تجارب مماثلة عام 2017 تضمنت رصد معاملات في حسابات الكيانات القانونية الخاصة بترمب، رغم أنه ليس واضحاً ما إذا كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يحقق في طريقة تولي المصرف أمر تلك المعاملات أم لا.
العميل الفيدرالي، الذي تواصل مع محامي ماكفادين، هو نفسه الذي شارك في مقابلات تم إجراؤها مع ويليام بروكسميت، ابن مسؤول تنفيذي بارز راحل كان يعمل لدى المصرف. وقد أخبر العملاء الابن فال بروكسميت أن التحقيق في أمر «دويتشه بنك» قد بدأ بالنظر في عمل البنك لصالح روس متورطين في عمليات غسل أموال، وامتد ليشمل مجموعة كبرى من السقطات والممارسات الخاطئة المحتملة التي تتم داخل المصرف، وفي مؤسسات مالية أخرى. من الأمور التي يتم التحقيق فيها تورط المصرف المحتمل في فضيحة غسل أموال كبرى خاصة بـ«دانسك بنك» الدنماركي، بحسب أشخاص مطلعين على التحقيق.
لا يزال النطاق الأوسع للتحقيقات، فضلاً عن تفاصيل كثيرة خاصة بما يتم التدقيق فيه، غير واضح، وليس من المعلوم بعد ما إذا كانت التحقيقات سوف تسفر عن توجيه اتهامات جنائية أم لا. إضافة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي، تجري كل من إدارة غسل الأموال واستعادة الأصول بوزارة العدل في واشنطن، ومكاتب ممثلي الادعاء العام الأميركي في كل من مانهاتن وبروكلين تحقيقات. مع ذلك رفض ممثلون لتلك الهيئات التعليق على الأمر.
على الجانب الآخر، ذكر «دويتشه بنك» أنه يتعاون مع جهات التحقيق، ويتخذ خطوات لتحسين أنظمة مكافحة غسل الأموال به. مع ذلك كان لعملية التدقيق الحكومية من جانب منظمين، وأعضاء في الكونغرس، ووزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي تأثير سلبي على المصرف، حيث أدت إلى انخفاض أسهمه في سوق الأوراق المالية إلى أدنى مستوياته تقريباً، وذلك بسبب شكوك المستثمرين في مستقبل المصرف.
وتركز التحقيقات، التي يجريها الكونغرس، على العلاقة الوثيقة التي تربط ترمب وعائلته بـ«دويتشه بنك»، فعلى مدى العقدين الماضيين كان هو المؤسسة المالية الأساسية التي ترغب في استمرار العمل مع ترمب، رغم تاريخه الطويل في التخلف عن سداد الديون. وكان المصرف قد أقرضه مبالغ تزيد على ملياري دولار، وكان منها مبلغ قيمته 350 مليون دولار مستحق الدفع وقت أدائه اليمين الدستورية رئيساً للولايات المتحدة.
- الكونغرس يحقق في علاقة «دويتشه بنك» بترمب
وقد استدعت لجنتان في الكونغرس «دويتشه بنك» للتعليق على سجلات تتعلق بالرئيس الأميركي دونالد ترمب وعائلته تضمنت سجلات خاصة بطريقة تولي المصرف أمر معاملات من المحتمل أن تكون مريبة ومشبوهة. وقد أقام الرئيس دعوى قضائية لمنع كل من «دويتشه بنك» و«كابيتال وان»، حيث يودع أمواله أيضاً، من الاستجابة لأوامر الاستدعاء تلك. ورفض قاضٍ فيدرالي طلب ترمب بالحصول على أمر قضائي مانع، واستأنف الرئيس على ذلك الحكم.
جدير بالذكر أن وزارة العدل تحقق في أمر «دويتشه بنك» منذ عام 2015 حين كان ينظر العملاء الفيدراليون فيما إذا كان له دور، أم لا، في غسل مليارات الدولارات لصالح أثرياء روس في إطار خطة تعرف باسم «تداول المرآة» - وهو نظام تداول يتيح للمتداولين نسخ أو تتبع عمليات التداول من خلال متداولين آخرين. وكان عملاء المصرف يستخدمونه في تحويل مبالغ مالية بالروبل الروسي إلى مبالغ بالدولار واليورو من خلال سلسلة معقدة من تداولات الأوراق المالية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وفي بداية 2017، فرض منظمون فيدراليون، وآخرون تابعون للولايات المختلفة في أميركا، إلى جانب السلطات البريطانية جزاءات وغرامات مالية مدنية تقدر بملايين الدولارات على «دويتشه بنك» بسبب ذلك النوع من الممارسات، لكن لم يقم ممثلو الادعاء العام دعوى جنائية ضد المصرف أبداً. وقد دفع ذلك بعض المسؤولين التنفيذيين في مصرف «دويتشه بنك» إلى الاعتقاد بأنهم في مأمن، بحسب ما ذكره أشخاص مطلعون على الأمر.
وبحلول الخريف، كان العملاء الفيدراليون يحققون في مجموعة متنوعة من ممارسات خاطئة تتم في مكافحة غسل الأموال وغيرها من الممارسات المريبة المحتملة الأخرى داخل المصرف. وقد التقى عملاء فيدراليون خلال العام الحالي مع فال بروكسميت، الذي انتحر والده في يناير (كانون الثاني) 2014. وقد أعطاهم بروكسميت وثائق داخلية خاصة بالمصرف، إضافة إلى معلومات استعادها من حسابات البريد الإلكتروني الشخصية الخاصة بوالده. وكان ويليام حتى يوم وفاته عضواً في مجلس الإشراف في منشأة كبيرة تابعة لـ«دويتشه بنك» في الولايات المتحدة الأميركية، وهي «دويتشه بنك تراست كامبني أميركاز» التي انتقدها منظمون لضعف أنظمة مكافحة غسل الأموال بها.
- عمليات البنك في جاكسونفيل
يتم كثير من عمليات غسل الأموال داخل المصرف في مدينة جاكسونفيل في ولاية فلوريدا، حيث كانت تعمل ماكفادين ضمن مئات الموظفين الذين يتولون التدقيق في معاملات رصدتها وسجلتها أنظمة الكومبيوتر كمعاملات من المحتمل أن تكون مشبوهة ومثيرة للريبة. وأخبرت ماكفادين «نيويورك تايمز» بأنها قد حذرت خلال صيف 2016 من معاملات خاصة بشركات كوشنر تتضمن تحويل أموال إلى أفراد روس. وفي عام 2017، أعد موظفون آخرون في «دويتشه بنك» تقارير تشير إلى الاشتباه في معاملات خاصة بكيانات قانونية مرتبطة بترمب؛ من بينها مؤسسة خيرية تم إيقاف نشاطها، بحسب موظفين حاليين وسابقين في المصرف. وفي الحالتين لم يتم تقديم تلك التقارير الخاصة بذلك النشاط المريب إلى وزارة الخزانة.
على الجانب الآخر، ذكر مسؤولون في «دويتشه بنك» أنه قد تم التعامل مع تلك التقارير كما ينبغي وعلى النحو الأمثل، وأنه من المعتاد بالنسبة للمديرين بسط نفوذهم على الموظفين، والاتجاه نحو الامتناع عن تسليم تقارير خاصة بنشاط مشبوه إلى الحكومة. ولا يوجد ما يشير إلى إجراء تحقيق في أمر شركات كوشنر. وقد أكدت الشركة عدم صحة أي اتهامات تشير إلى وجود علاقة بينها وبين «دويتشه بنك» تتضمن غسل أموال. وقالت متحدثة باسم مجموعة شركات ترمب إنها ليس لديها أي معلومات عن أي معاملات مشبوهة تم رصدها داخل «دويتشه بنك».
ويلزم قانون سرية المصارف الفيدرالي المؤسسات المالية بإخطار الحكومة بأي اشتباه في تضمن أي معاملة مالية أفعالاً جنائية أو استخدامها لأي غرض غير قانوني. وربما تواجه المصارف عقوبات مدنية أو جنائية لامتناعها عن إرسال تقارير خاصة بمعاملات يتبين أنها غير قانونية. وقد تحملت مصارف مثل «جي بي مورغان تشيس» و«إتش إس بي سي» عقوبات من هذا النوع خلال السنوات القليلة الماضية. وتشير المصارف إلى أنها عندما تخطئ فيما يتعلق بالإبلاغ عن مشكلات محتملة، ينتهي بها الحال إلى إغراق الحكومة بمعلومات إرشادية زائفة ومضللة.
وصرح موظفون سابقون في «دويتشه بنك»، تحدثوا شريطة عدم ذكر أسمائهم، لصحيفة «نيويورك تايمز»، بأن الشركة قد دفعتهم نحو التعجل في إجراء مراجعات لمعاملات، وأن المديرين كانوا يلقون بالعراقيل في طريقهم من أجل تثبيط همتهم، ومنعهم من تقديم تقارير خاصة بأنشطة مريبة. وقد جاهد «دويتشه بنك» من أجل تشديد إجراءاته الخاصة بغسل الأموال، حيث استعان بمتعاقدين لمعالجة الشكاوى من نقص العاملين، وذلك بزيادة القوى العاملة في فرعه في جاكسونفيل، رغم قول بعض الموظفين إن المتعاقدين كانوا عديمي الخبرة ويفتقرون إلى التدريب المناسب.
وقد أرسل مصرف «دويتشه بنك» مؤخراً خطابات إلى مئات الشركات محذراً إياها بوقف الخدمات التي يقدمها لهم المصرف إذا لم يقدموا معلومات محدّثة عن مصادر أموالهم، وأسماء شركائهم في العمل، وذلك بحسب موظفين يعملون في المصرف اطلعوا على تلك الخطابات. وكذلك ذكر مسؤولون في المصرف أن الخطابات، التي كان لصحيفة «فاينانشيال تايمز» السبق في نشرها، تأتي في إطار الجهود، التي يبذلها المصرف من أجل الالتزام بقواعد «اعرف عميلك»، التي تمثل جزءاً أساسياً من الجهود التي يبذلها أي مصرف لمكافحة غسل الأموال.
وفي جاكسونفيل، يعمل فريق مكافحة الجرائم المالية في «دويتشه بنك» داخل مبنى أبيض مكون من 3 طوابق تحيط به أشجار النخيل. ولمكتب التحقيقات الفيدرالي مكتب ميداني قريب من ذلك المبنى، حيث يمكن رؤيته بوضوح من موقع المصرف. وقد أخذ العاملون في المصرف يتندرون مؤخراً بقولهم إنه عندما يبدأ العملاء الفيدراليون في التوجه إلى مكاتبهم سيعرفون ذلك فوراً.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أوروبا علم اليونان (رويترز)

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

قالت اليونان إنها ستحاول الحصول على صور تظهر على ما يبدو اللحظات الأخيرة لـ200 مواطن يوناني أعدمتهم فرقة إعدام نازية في أثينا خلال الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.