الجزائر... مسرح صراع للحراك الشعبي

قائد الجيش متمسك برئيس وحكومة وانتخابات في مواجهة رفض الملايين

الجزائر... مسرح صراع للحراك الشعبي
TT

الجزائر... مسرح صراع للحراك الشعبي

الجزائر... مسرح صراع للحراك الشعبي

على الرغم من مرور قرابة ثلاثة أشهر على رحيل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم، تجتهد الطبقة السياسية ونشطاء الحراك الشعبي والجيش في البحث عن مخرج للمأزق السياسي الحاد الذي تسبب فيه الرئيس السابق بسبب تشبثه بالحكم. غير أن ما تقترحه المؤسسة العسكرية في الجزائر من حلول لا يرضي المتظاهرين الذين يرفعون سقف مطالبهم في كل جمعة، كلما هاجمهم قائد الجيش ودعاهم إلى «التحلي بالعقلانية في طرح المطالب».

يبدو الشرخ أعمق من أي وقت مضى، بين الجنرال أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الجزائري وملايين المتظاهرين، فالضابط الكبير الذي أضحى الحاكم الفعلي في البلاد، يرفض التخلي عن رئيس الدولة عبد القادر بن صالح ورئيس الوزراء نور الدين بدوي. بينما يعتبرهم المتظاهرون من «بقايا النظام البوتفليقي»، وأنهما غير جديرين بثقة الجزائريين لبناء «الجمهورية الثانية». ولقد قال أحد المتظاهرين معلقاً على ذلك: «يستحيل أن تبني سفينة جديدة عصرية بخشب قديم».
أيضاً، يتمسك قائد أركان الجيش بـ«خارطة الطريق» التي رسمها هو كحلّ وحيد للأزمة، وهي تتمثل أساساً في تنظيم انتخابات رئاسية يوم 4 يوليو (تموز) المقبل. أما المتظاهرون فيرفضونها بشدّة على أساس أن «الكادر البشري» في الأجهزة الحكومية الذي سيشرف على الانتخابات لا يزال على ولائه للنظام. وبالتالي، سيزوّر الانتخابات لمصلحة مرشح السلطة، وفق منطق أصحاب هذا الرأي.

أزمة «المرحلة الانتقالية»

ثم إن قائد الجيش يتعامل بحساسية شديدة مع المطالبين بـ«مرحلة انتقالية»، لأنها تعني بالنسبة إليه تأجيل الانتخابات إلى أجل غير محدد، بينما يريدها نشطاء الحراك بإصرار كبير ومدتها، حسبما يقولون، يجب ألا تقلّ عن عام. وهم يرونها خطوة ضرورية لتعديل الدستور ومراجعة قانون الانتخابات، وهذان شرطان لا بد من توافرهما لتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود.
وفي آخر خطاب له (الأربعاء الماضي)، انتقد قايد صالح بشدة أصحاب هذا الطرح، فاتهمهم بـ«البحث عن التأزيم وإطالة أمد هذه الأزمة، وتعمُّد نشر الإشاعات والأخبار المزيفة والأكاذيب بطريقة مستمرة، عبر كثير من الوسائط الإعلامية. ومن يفعل ذلك لا يمكنه بأي حال من الأحوال، أن يسهم في إحداث مناخ ملائم للتفاهم المتبادل أو حتى من أجل حوار هادئ ورصين، وتلكم أهداف غير بريئة تماماً يتحمل أصحابها تبعاتها أمام الله والشعب والتاريخ».
وكان قائد الجيش يقصد بـ«نشر الإشاعات والأكاذيب»، شيئاً يخصه هو يتمثل في تداول خبر عن رغبته في أن يصبح رئيساً للبلاد.
ولكن، في محاولة لإرضاء «الحراك» عبر الاستجابة لبعض المطالب التي يرفعها، كان قايد صالح قد أمر القضاء بسجن رموز بارزة من النظام طالب المتظاهرون بـ«رؤوسهم» خلال الاحتجاج الشعبي الأسبوعي. فجرى سجن السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق، ومديري المخابرات سابقاً الفريق محمد مدين واللواء بشير طرطاق. ووجه اتهام إلى الثلاثة بـ«التآمر على سلطة الجيش والدولة»، غير أن هذه الخطوة لم تُرضِ المتظاهرين تماماً، لأن متابعة الثلاثة في القضاء العسكري جاءت بسبب أنهم كانوا يخططون لتنحية رئيس أركان الجيش، بينما يريد الجزائريون أن يحاسبهم القضاء على تهم هدر قدرات البلاد واختلاس المال العام وسوء التسيير، وسجن سياسيين بسبب آرائهم ومواقفهم.
باختصار، هذه هي التهم التي كان «الحراك الشعبي» يريد أن يوجهها القضاة إلى رموز النظام.
في أي حال، لم تتوقف قيادة الجيش عند سجن أشخاص كانوا على صلة مباشرة بالرئيس السابق، بل اعتقلت رئيسة حزب قديم بعد اتهامها هي أيضاً بـ«التآمر على الجيش»، بحجة أنها كانت على صلة بالسعيد ومدين وطرطاق، هي لويزة حنون المرشحة اليسارية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. ولقد أحدث سجن حنون تبايناً في مواقف المتظاهرين، بين قطاع يراها «صنيعة النظام القديم» وآخر يعتبرها «ضحية مواقفها السلبية من قايد صالح». وليس خافياً على أحد في الجزائر أن حنون لا تطيق رؤية قايد صالح، وهو يخوض في السياسة و«يخوّن» السياسيين. وكما هو معلوم عند كثيرين، فإن قائد الجيش «لا يحمل حنون في قلبه» لأنها كانت على تواصل دائم مع السعيد بوتفليقة قبل تنحّي شقيقه.

أخطاء استراتيجية

الناشط السياسي والباحث في التاريخ، الدكتور محمد أرزقي فراد، يقول معلقاً على الوضع الراهن: «من دواعي القلق أن يرى المرء بعض التسرّع في التعاطي مع قضية المحاسبة، حتى جعلت القائمين عليها يظهرون بمظهر «حاطب ليل» أحياناً، وإلاّ فبماذا نفسّر حبس السيدة لويزة حنون وهي رئيسة حزب سياسي معروف في الساحة ينشط منذ عقود... له وجود في المجالس المحلية والولائية والبرلمان، ومشهود له بمواقفه الوطنية المدافعة عن الثروات الوطنية، كرفض قانون شكيب خليل (وزير الطاقة سابقاً متابع في قضايا فساد) للمحروقات، وحماية الخدمة العمومية، وحق الدولة في عدم التنازل للخواص عن القطاعات الاستراتيجية الكبرى، حفاظاً على مصالح الشعب وهيبة الدولة واستقلالها؟».
وتساءل فراد: «لماذا تسرّع القضاء العسكري في حبس السيدة لويزة حنون، أسوة برموز الفساد النّاهبة والمبدّدة للمال العام التي يجمع الرأي العام على إدانتها؟ ألا يُعتبر حشرها مع هؤلاء نوعاً من التسرّع غير المبرّر؟ ألا يعتبر ذلك مساساً بشرعية العمل السياسي الذي يخوّل لها ممارسة وظيفة نقد السلطة القائمة؟ أليس من حقها أن تلتقي برموز السلطة في ظل عهدة الرئيس السابق بوتفليقة على غرار بقية الطبقة السياسية؟ ثم هل من «روح القانون» الزجّ بالسيدة لويزة حنون في الحبس المؤقت (وهو إجراء استثنائي يقرّره قاضي التحقيق) في شهر رمضان دون مراعاة ظروفها الاجتماعية والصحية؟ ألم يكن من الأنسب ونحن نعيش ظرفاً سياسياً متميزاً، أن تتحلى السلطة بالنباهة في تعاملها مع القضية، مراعاة لمطالب الشعب المركّزة على ملفات الناهبين للمال العام (كْلِيتُو لبْلادْ)؟ على أي حال، إذا كانت هناك مبرّرات تجيز حبسها، فمن واجب القضاء العسكري تنوير الرأي العام بها دون المساس بسرّيّة التحقيق».

أبرز الموقوفين

للتذكير، فقد سجن القضاء رجال أعمال بارزين كانوا على صلة بالرئيس السابق، أشهرهم علي حداد مالك أكبر شركات المقاولات في البلاد، والإخوة كونيناف وهم أربعة مُلاّك لشركات كبيرة مختصة في حفر آبار النفط والتنقيب عن المياه الجوفية، وفي النقل والري. ولقد لقي سجن هؤلاء استحساناً من جانب الحراك الشعبي، الذي يرفع صورهم كل أسبوع خلال «مليونيات الجمعة»، غير أن ما لم يفهمه «الحراك» هو سجن الملياردير يسعد ربراب، الذي كان مغضوباً عليه من طرف النظام السابق، وكثيراً ما «أدَّبه» بوتفليقة بعرقلة مشاريعه ومنعه من استثمارات كثيرة، حتى إن سبب سجنه هو مشروع يتعلق بعتاد مستورد لتطهير المياه، قالت الجمارك إن فواتيره مضخّمة. وعبَّر محاموه عن استياء شديد من سجنه بسبب نزاع تجاري بين إحدى شركاته والجمارك. وراهناً، يلقى ربراب دعماً من قطاع من وسائل الإعلام (يملك جريدة مفرنسة)، ويخرج عمال شركاته وهم بالآلاف إلى الشوارع يومياً للمطالبة بإطلاق سراحه. وعدَّ مراقبون اعتقاله خطأً استراتيجياً ارتكبته قيادة الجيش، فهو بذلك يعطي انطباعاً سيئاً في الخارج عن مناخ الأعمال في الجزائر، ولا يشجع رجال الأعمال الأجانب على استثمار أموالهم بها.

مسألة إجراء الانتخابات

من جهته، كتب المحلل السياسي نجيب بلحيمر عن «توزيع تهمة التآمر» وعن تمسك الجيش بأجندته المتعارضة مع أهداف «الحراك»، فقال: «لن تكون هناك انتخابات في الرابع من يوليو المقبل، كان هذا قرار الشعب الجزائري السيد. ومهما تكن المبرّرات التي ستساق لعدم إجراء الانتخابات، فإن الأولى بنا أن نبدأ العمل من الآن لصياغة الحل الذي يجنبنا إهدار مزيد من الوقت. فما سُمّي بالخيار الدستوري أظهر قصوره، وتخوين من كان يدعو إلى حل سياسي وقذفه بتهمة التآمر على الجيش بالزج به في السياسة أظهر هزال الخطاب الرسمي، وفشل الأساليب القديمة في إدارة مثل هذه الأوضاع الحساسة».
ويرى بلحيمر أن تنظيم انتخابات «ليس مسألة (لوجيستيك)، وقد أكدت السلطات العمومية قبل فترة أنها جاهزة تماماً لتنظيم الاقتراع، لكنه مسألة سياسية في المقام الأول. وعندما نزل الشعب الجزائري إلى الشوارع في 22 فبراير الماضي، معلناً رفضه للعهدة الخامسة، لم يكن ضد مبدأ الانتخاب، بل كان ضد الانتخاب الذي يكرّس وضعاً غير شرعي وغير طبيعي، وهذا هو المبدأ الذي حكم موقفه من انتخابات 4 يوليو التي ناضل من أجل إسقاطها».
وبحسب الكاتب «هناك أمر لا يجوز إغفاله، وهو أن التمسك بما يسمى الخيار الدستوري أضاع علينا وقتاً ثميناً كان يجب استغلاله من أجل التقدم في صياغة حل يتفق عليه الجزائريون، ويكون منطلقاً لعملية بناء الدولة على أسس جديدة. وعلينا أن نفهم الآن أننا سنضطر إلى الابتعاد عن الدستور بطريقة أو بأخرى، لأن الحل لا يوجد في الدستور. ولو استمعنا إلى ما طرح من مبادرات وأفكار بهدوء بعيداً عن التخوين والاتهامات لكنَّا قد تقدّمنا كثيراً على طريق الحل، ثم إن المبرّرات التي سيقت لرفض الحل السياسي لا تقنع أحداً في الداخل أو الخارج، وعلينا أن نكفّ عن البحث عن تبرير لخيارات غير شعبية وغير عقلانية»، ثم أضاف: «إن المطلوب الآن هو أن نغير منهجية التعامل مع الوضع. والفشل في إيجاد حل من داخل الدستور يشير بوضوح إلى أن المجتمع تجاوز هذا النص القانوني الذي وضع في ظروف معروفة، ومن أجل أهداف سلطوية لا علاقة لها ببناء الدولة. وهذا يحيلنا إلى أولوية المرحلة المقبلة، وهو وضع أسس متينة لبناء الدولة، وسيكون دستور جديد من ضمن هذه الأسس بكل تأكيد. وحتى إن كانت هناك خلافات حول كيفية إطلاق هذه العملية، فإن الإجماع حاصل على أن تغييراً عميقاً وحقيقياً لنظام الحكم هو وحده من يستجيب لطموحات الجزائريين».

تمسك بالانتخابات الرئاسية

في آخر إطلالة له عبر الإعلام، صرَح قائد الجيش بأنه مستعد للتجاوب مع مبادرات للحل تطرحها أحزاب وشخصيات سياسية غير متحزبة. وعدَّ مراقبون كلامه بمثابة خطوة إيجابية نحو حل سياسي بدل التقيد بالحلول الدستورية. إلا أن ذلك ليس كافياً في نظر الكثيرين، لأن قايد صالح ما زال يرفض إلغاء موعد الرئاسيات. وعن هذا الأمر يقول أستاذ العلوم السياسية محمد هناد: «يدعو السيد قايد صالح إلى (حوار جاد ومعقول) من أجل تنظيم انتخابات رئاسية في (أقرب وقت ممكن)... لكن ألا يبدو ذلك ما يتمناه (الحراك)؟ شريطة أن يجري الحوار بين ممثلين للقوى السياسية الوطنية والسلطة، بوصفها مجرد طرف وليس صاحبة قرار باسم دستور لم يعد ينفع. أيُعقل التحاور تحت إمرة سلطة فاسدة، أهلكت البلد وجعلته أضحوكة بين أمم العالم؟ أهذا ما تريده السيد قايد صالح؟ فبالنسبة إلى رئيس الأركان، يبقى الحوار (مثلما يراه طبعاً) المخرج الوحيد الكفيل بتجنيبنا العودة إلى ويلات التسعينات (أي فترة الإرهاب)، لكن مثل هذا الكلام هل هو تحذير خالص أم تهديد مقنَّع؟ ثم يتحدث السيد صالح عن ضرورة تقديم تنازلات من جميع الأطراف! لكن لصالح من تكون هذه التنازلات؟ هل لنظام أفلس البلاد؟!».
وهنا يعرب المحلل السياسي وأستاذ الجامعة رابح لونيسي عن اعتقاده بأنه «يجب التمييز أولاً بين الجيش وقائد الأركان، الذي يتصرف بوصفه نائب وزير دفاع في حكومة بدوي. أعتقد أن قايد صالح فوجئ بـ(الحراك) في البداية مثل كل النظام. والدليل هو وصف (المغرّر بهم) الذي أطلقه على المتظاهرين، وحاول احتواء الحراك بتنحية بوتفليقة ثم محاربة الفساد، مع الإصرار على تطبيق حرفي للمادة 102 بهدف الإبقاء على النظام نفسه... وهو ما أوصله إلى صدام مع الشعب الذي يريد استعادة سيادته كاملة، في الوقت الذي يريد فيه قائد الأركان الحفاظ على ما يعتبره البعض «أحقية» مجموعة صغيرة جداً من قيادة الجيش في اختيار رئيس الجزائر والقائد الأعلى للقوات المسلحة، كما كان يقع منذ 1962 إلى 1999. هنا يكمن الصراع اليوم في نظرنا. ولو أننا نعتقد أن هذه النظرة محصورة في عدد محدود جداً في قيادة الجيش ويتمثل في قدمائه، أما إطاراته الشبابية المتفتحة، التي تلقت تعليماً عالياً، فهي تريد الدخول في الاحترافية، ويمكن أن تلعب دوراً إيجابياً كما لعبه شبان جيش البرتغال أثناء ثورة القرنفل في 1974».
وحسب رأي لونيسي «أثبت الشعب الجزائري وعياً كبيراً جداً، فأفشل كل مناورات السلطة لتفتيته. ولهذا نعتقد أنه سيحقق كثيراً من أهدافه، وأن جزائر ما بعد 22 فبراير (شباط) ستكون مختلفة تماماً عما قبله. وقد استبشرنا في بداية (الحراك) خيراً، وقلنا: لعله سيتحول إلى ثورة سلمية، وأنه سيفرز نظاماً سياسياً جديداً مبنياً على الشرائح المجتمعية والمهنية بعد خروج هؤلاء إلى الشارع، لكن مناورات السلطة ضيعت هذا الهدف نوعاً ما...».

الجيش طوّر موقفه

ويتفق مع هذا الطرح الكاتب الصحافي عثمن لحياني الذي يقول: «كان واضحاً، منذ فترة، أن الصدام في الخيارات بين (الحراك) والجيش، وارد. فالحراك يريد تغييراً حذراً للنظام، والجيش يعتبر ذلك خياراً غير مأمون. أعتقد أن الوضع الآن وصل إلى مرحلة التباين، ما يفرض مراجعة المواقف وتطويرها. فالجيش برأيي طوّر موقفه وبدأ يتحدث عما وصفه بالتنازلات المتبادلة خارج المرحلة الانتقالية التي يتحفظ عليها بشدة. وأفهم من هذا أن المؤسسة العسكرية تبدي استعداداً لتقديم تنازل في شكل القبول بتنحي حكومة بدوي، مقابل تنازل من جانب (الحراك) والمعارضة بقبول بقاء بن صالح رئيساً مؤقتاً... الحكومة ليس لها مستند دستوري بخلاف بن صالح، كما أتوقع رحيل الحكومة مباشرة بعد امتحانات البكالوريا (شهر يونيو/ حزيران)، ذلك أن المخرج المتاح الآن هو تبادل التنازلات، وتشكيل حكومة جديدة سيدة يتوفر لها حزام سياسي ومدني، وتتولى إنهاء المقاطعة السياسية والشعبية لمؤسسات الدولة، وتتولى إدارة الحوار السياسي، وتحضر قانون الانتخابات والمساعدة في تشكيلة هيئة مستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات».

أحمد قايد صالح

> وُلِد يوم 13 يناير (كانون الثاني) 1940 في ولاية باتنة، شمال شرقي الجزائر. التحق بالحركة الوطنية في سن الـ17 يوم أول أغسطس (آب) 1957، وتدرج في الكفاح المسلح، ومن ثم تدرج سلم القيادة ليعين قائد كتيبة على التوالي بالفيالق 21 و29 و39 لجيش التحرير الوطني. وبعد الاستقلال أجرى دورات عسكرية في الجزائر والاتحاد السوفياتي السابق، وترقى في مراتب الجيش.
رُقّي إلى رتبة لواء عام 1993، وفي العام التالي عُيّن قائداً للقوات البرية. ثم عام 2004 رئيساً لأركان الجيش الوطني الشعبي ورُقّي لرتبة فريق. ومنذ 2013 تولى منصب نائب وزير الدفاع.

عبد القادر بن صالح

> دبلوماسي وسياسي مخضرم، ثمة خلاف حول مكان وتاريخ ولادته بين ولاية تلمسان ومحيط مدينة سطيف وبين 1941 و1942. تولى عدداً من المناصب الدبلوماسية والإدارية السياسية، بينها السفارة في المملكة العربية السعودية.
كان يتولى منصب رئيس مجلس الأمة (البرلمان) قبل الحراك الشعبي. عُيّن رئيساً مؤقتاً بعد إعلان شغور منصب الرئاسة بتنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

نور الدين بدوي

> أصله من وارقلة في الجنوب الجزائري، لكنه من مواليد الجزائر العاصمة عام 1959. خريج المدرسة الوطنية للإدارة وتقلد كثيراً من المناصب الإدارية في أماكن مختلفة من البلاد.
عيّن وزيراً للتكوين والتعليم المهنيين عام 2013. وعام 2015 تولى وزارة الداخلية واحتفظ به في الحكومات المتعاقبة حتى أسندت إليه رئاسة الحكومة خلفاً لأحمد أويحيى قبل أشهر.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.