ماريا غراتزيا كيوري... مصممة من هذا الزمن

ماريا غراتزيا كيوري... مصممة من هذا الزمن

«ديور» تحط في دبي لتقدم أول عرض «هوت كوتور» في المنطقة العربية
الخميس - 15 رجب 1440 هـ - 21 مارس 2019 مـ رقم العدد [ 14723]
دبي: جميلة حلفيشي
كان اختيار ماريا غراتزيا كيوري في عام 2016 مناسباً جداً، من باب أن الأوان آن لكي تقود امرأة داراً عريقة قامت على الأنوثة والرومانسية، لكن تعاقب عليها ستة مصممين رجال قبلها. لكن لم يتوقع أحد أن تكون أفضل اختيار لهذه الفترة تحديداً؛ لما تشهده من ثورات نسوية على كل المستويات. ماريا غراتزيا أعطت بنات جنسها صوتاً عالياً وراقياً في مجال الموضة. الآن، لا يختلف اثنان على أنها واحدة من أقوى النساء في ساحة الموضة. منذ أول عرض لها في الدار، جعلت مناصرة المرأة شاغلها، والجميل في الأمر أن هذا التوجه كان عن قناعة، ويعكس ازدواجية في الشخصية، بالمعنى الإيجابي؛ لجمعها القوة والنعومة في الوقت ذاته.

كانت تعرف منذ البداية أن «ديور» مرادفة للرومانسية، لكن اللافت أنها لا تُعطي أي انطباع بأنها رومانسية على المستوى الشخصي. على الأقل ليست تلك الرومانسية بالمفهوم الذي رسّخته قصص الأطفال أو تصاميم المؤسس، كريستيان ديور، بتنوراته المستديرة وخصوره المشدودة، التي تشد الأنفاس، برقتها. أسلوبها الشخصي أقرب إلى القوطي. فهي تميل إلى ارتداء أزياء عملية بألوان داكنة وماكياج عيون أسود يغطي معظم الجفن، كما تحب رص مجوهرات متعددة حول أصابعها وعنقها. بعد خمس دقائق من الحديث معها، تتضح الصورة أكثر وتفهم أن مفهومها للأنوثة يختلف عن كل من سبقوها في الدار. «فالزمن اختلف، ونحن نعيش تغيرات كثيرة يجب مواكبتها وقراءتها جيداً»، حسب قولها.

كان اللقاء في دبي، وكانت المناسبة أول عرض «هوت كوتير» تشهده المنطقة على الإطلاق. فقد أحضرت الدار الفرنسية العريقة تشكيلتها التي عرضتها في باريس مؤخراً ومعها سيرك كامل. واحتراماً للمنطقة أضافت 15 قطعة حصرية. تُبادر بالشرح: «مهم عندما تذهب إلى أي بلد تعرض فيه تشكيلة سبق عرضها في مكان آخر، أن تضيف شيئاً جديداً. كان بودي أن تكون كل القطع جديدة لكن الـ(هوت كوتير) يتطلب الكثير من العمل والتفاصيل الدقيقة، وبالتالي وقتاً طويلاً».

ما يُحسب لماريا غراتزيا في الـ15 قطعة الإضافية والحصرية التي خصت بها المنطقة العربية، أنها لم تقع في فخ الكليشيهات المرتبطة في الأذهان عن عُشق المرأة الشرقية للبريق. صحيح أنها أدخلت عليها خيوطاً من الذهب والفضة وطعّمتها بألوان متوهجة، إلا أنها استعملت فيها تقنيات متطورة جعلتها متداخلة مع بعضها؛ ما أكسبها خفة تتراقص على الشقاوة والترف.

«عندما أفكر في دبي لا يخطر ببالي اللون الرمادي مثلاً»، تقول هذا ثم تتوقف لتضحك وهي تنظر إلى سماء رمادية. فهي لم تكن تتوقع أن يكون الطقس متقلباً في دبي التي ترتبط غالباً بأشعة الشمس والرمال الذهبية الساطعة. ثم تستطرد بطريقة عملية جداً: «هذا يحدث في أحسن الأحوال»، مضيفة: «كذلك الأمر بالنسبة لعرضنا المقبل بمراكش، فعندما أفكر في دبي أو مراكش تخطر ببالي صور سماء صافية وأجواء متوسطية، لكني في الوقت ذاته حرصت ألا أغرق في البريق، بمزجي الذهبي والفضي بألوان أخرى للتخفيف من توهجهما. أنا أكره الكليشيهات، ولا أريد أن أذهب إلى أي بلد بصورة نمطية. فأهم شيء أضعه نصب عينَيّ وأنا أصمم أي قطعة أن أترجم رموز الدار وإرثها باحترام، وهذا يعني مخاطبة امرأة عصرية عالمية». ماريا غراتزيا تعرف جيداً أن كل شيء تغير في الحياة، وهو ما ينعكس على الموضة. فما كان مناسباً في القرن الماضي لم يعد مناسباً اليوم. «في السابق مثلاً كنا نقدم تشكيلة للربيع والصيف وأخرى للخريف والشتاء، الآن لم يعد هذا ممكنا. فقد نكون في فصل الشتاء في بلد الإقامة، ونسافر إلى وجهة صيفية إما للعمل أو الاستجمام؛ لهذا لا بد من تقديم تشكيلة تخاطب كل مكان وزمان».

بعد ذلك، تشير وهي تنظر إلى عارضة تمشي أمامها لتتأكد من أن الفستان على مقاسها، أنها حرصت في هذه التشكيلة أن تُدخل الفرح والسعادة على النفس. تقول هذا وهي تهز كتفيها بحسرة «نعيش الكثير من الأحداث التي لا تسر القلب؛ ما يجعلنا في أمس الحاجة إلى جرعة من التفاؤل بالمستقبل». وهذا تحديداً ما يعنيه السيرك في مخيلتها. ففيه تلعب الأزياء دوراً أساسياً للتعبير عن شخصية صاحبها، إلى حد أنها تعكس الدور الذي سيلعبه كل واحد يعمل فيه. «وهذا ما تعنيه الموضة أيضاً، فعندما نتكلم عن الموضة أحياناً نفكر فقط في جوانبها الجمالية، وننسى أنها أكثر من ذلك بكثير، فهي مرآة للعصر كما أنها مرآة لما يعتمل بداخلنا، وهذا ما أردت أن أركز عليه هنا. فعندما اخترنا قبعات العرض، كانت الفكرة ألا نتعرف على العارضة حتى يتركز الاهتمام على الأزياء. فمن خلال الأزياء والماكياج وحدهما، نعرف إن كان المهرج سعيداً أو حزيناً، وربما لن نعرف أبداً الإنسان خلف القناع الذي يلبسه».

كلما تطور الحديث معها يزيد ذلك الشعور بعُمقها الفكري والإنساني على حد سواء. فما قد تراه مجرد فكرة بسيطة لـ«التحلية» تكتشف أنه ليس بهذه السطحية، وأنه يرتبط إما بالتاريخ أو بالسينما أو الفن. فالسيرك ليس مجرد رمز من رموز الدار؛ كون السيد كريستيان ديور عشقه وسبق له أن صمم بعض أزيائه، بل يرتبط أيضا بفيدريركو فيللني وغيره من عبأقرة السينما الإيطالية، كما أنه تقليد يدخل في صلب الثقافة الفرنسية. وتشير إلى أن فيلليني عندما قرر إخراج فيلمه عن المهرجين والسيرك توجه إلى باريس لدراسته عن قرب. هي الأخرى تلعب على المظهر الخارجي وما يخفيه من الداخل، سواء تعلق الأمر بالأحاسيس أو التقنيات التي تأخذ كل جزئية بعين الاعتبار.

بذكائها وحنكتها، تعرف ماريا غراتزيا أكثر من أي أحد أن أول صفة تلتصق بـ«ديور» هي الأنوثة، إلا أنها وبصفتها أول امرأة تدخل الدار مصممة أزياء بعد ستة مصممين، تنظر إلى مفهوم الأنوثة بعين الأنثى. تفهم رقتها وتعرف مدى عمليتها. تُشير لي بأن المرأة تتمتع بوجوه عدة وتواجه تحديات عدة، مستشهدة بتجربتها الخاصة بصفتها امرأة وزوجة وأماً. فعندما تلقت العرض من «ديور»، كان القرار صعباً للغاية بالنسبة لها. فهي إيطالية تعشق الدفء العائلي وتُؤمن به. «كانت فكرة ترك العائلة والتنقل بين روما وباريس شيئاً مرعباً لي كامرأة وكأم. كنت قد تعودت على روتين معين، ولم أكن أتصور ترك عائلتي وحياتي الدافئة لأعيش حياة مختلفة عما تعودت عليه». كانت تعرف أن مشاعرها هاته تعكس حالات كثيرة، منذ أن تغير دور المرأة في المجتمع إثر دخولها مجالات العمل.

بيد أنها تفاجأت من ردة فعل أسرتها خصوصاً ابنتها وابنها. ردة فعلهما فتحت عيونها على مدى الفرق بين الجيل القديم والجيل الجديد. فهما لم يتوقعا أن تتردد لثانية ولم يفهماه. «كان العرض من منظورهما رائعاً، ولا يمكن التردد فيه. اكتشفت حينها كم أن هذا الجيل مختلف عنا. فبينما كنت خائفة من تغيير حياتي كانا متحمسين؛ لأن الأمر كان بمثابة مغامرة مثيرة، فضلاً عن أنه فرصة لا تُعوض».

ومع ذلك، جعلتها هذه التجربة وما اعتمل بداخلها من صراع، تفكر في الملايين من النساء حول العالم. بعضهن لسن محظوظات مثلها. تعترف بأنها من جيل يشعر بالذنب والتمزق عندما يتعلق الأمر بالاختيار بين الأسرة والعمل. «أتذكر معاناتي عندما كنت أترك أطفالي لأتوجه إلى العمل، وذلك الإحساس القوي بالذنب، لكن الجيل الجديد له نظرة مختلفة، ربما تكون مناسبة لاحتياجاته. فهو لا يرى أن التضحية يجب أن تأتي على حسابه. وبالفعل بدأت أفهمه وأقدّر تفكيره، وأتساءل مع نفسي لماذا تلهث المرأة وراء صورة مثالية أو لتُرضي الآخر، وغالباً على حسابها».

نظرتها هاته، تجعل البعض يتهمها بأنها تحمل راية الحركة النسوية بتطرف يخاطب امرأة قوية على وجه الخصوص، لكنها تدفع عنها هذه التهمة قائلة إنها تخاطب المرأة بكل أوجهها. «فكل واحدة منا لها جانب قوي وآخر ضعيف. أنا مثلاً قد أكون رقيقة وناعمة أحياناً، وصارمة أحياناً آخر، ولا أعتقد أن هناك شخصاً صارماً في كل الأوقات أو العكس، فالظروف والمواقف هي التي تتحكم في هذه الحالات. أنا أخاطب المرأة كإنسانة وليس كأنثى فقط. إنسانة تتطور مع الوقت وعلى كل المستويات. ربما يكون مكمن قوتي أن لدي ابنين أعيش من خلالهما تغيرات العصر؛ وهو ما يُسهل عليّ التأقلم معها. تمر عليّ أوقات كثيرة أفكر فيها بالماضي. أضحك وأقول مع نفسي إننا كنا نعيش في عصر حجري، فكيف كنا نعيش من دون هواتف ولا كومبيوتر أو إنترنت؟ لكنني أعود وأتذكر أننا كنا مكتفين من دونها، ولم نشعر بأنها تنقصنا. وهذا ما يجعلني أفكر أحياناً ما إذا كان الماضي أجمل أم الحاضر أفضل، كل ما أعرفه أن الزمن تغير».

من كل هذا، لا ترى ماريا غراتزيا الفرق بينها وبين كريستيان ديور، في اختلاف نظرتهما إلى المرأة أو الرومانسية أو مفهوم الأنوثة بقدر ما تراه في اختلاف الزمن. فديور عاش في حقبة مختلفة تماماً. كان ذلك بعد الحرب العالمية الثانية التي ولدت حنيناً إلى الماضي ورغبة في التخلص من التقشف الذي فرضته سنوات الحرب على المرأة. ماريا غراتزيا في المقابل تعيش حالياً فترة مختلفة تشهد هي الأخرى حركة نسوية تتطلب معالجة عصرية. ومع ذلك يبقى القاسم المشترك بينهما هو أنهما قارئان جيدان للتغيرات ونبض الشارع. فعندما زار نيويورك لأول مرة، مثلاً التقط بحسه أن أسلوب المرأة الأميركية يفرق كثيراً عن أسلوب المرأة الباريسية. فالأولى بدأت تدخل مجالات العمل وتحتاج إلى تصاميم عملية ومريحة موجهة للنهار أكثر، وهو ما لباه. «كان يعرف أن عليه أن يخاطب امرأة عالمية»، حسب قولها. المرأة المعاصرة لم تتغير، بل ظروفها هي التي تغيرت وتحتم عليها أن تجاريها. فمسؤولياتها زادت وأدوارها تنوعت، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس كل هذا من دون أي تنازل عن الأناقة.

لهذه المرأة أنزلت ماريا غراتزيا الـ«هوت كوتير» من بُرجها العاجي. قد يبدو الأمر صادماً ببساطته للوهلة الأولى مقارنة بما يقدمه غيرها من أحجام ضخمة وتطريزات سخية، لكن الحقيقة التي تلمسها، عندما تلمس كل قطعة أن أقمشتها في غاية الترف بتقنياتها المتطورة. فما قد يبدو قطعة من الصوف هو في الحقيقة من التول المغزول. كما تكتشف أن تحت تنورة منسدلة تتطاير بخفة مع كل خطوة، طبقات متعددة وأمتار طويلة ومئات الساعات من العمل. ما قامت به المصممة هنا أنها أضفت على كل قطعة مرونة غير مسبوقة تمنح لابستها حرية حركة وأناقة. وهذا يعني أنها أكسبتها أيضاً حداثة لمست وتراً حساساً لدى الشابات اللواتي تبنين تنورات التول مع «تي - شيرت» بسيط مطبوع برسائل نسوية، تعبر عن أهوائهن وطموحاتهن.

تكرر ماريا غراتزيا كيوري مرات عدة أنها لا تريد أن تتوقف عند الماضي، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تتجاهله فتفقد جمالياته، وتحديداً أي شيء يتعلق بالحرفية والتقاليد اليدوية. فقد يكون التطور الآلي مهم بالنسبة لها كمصممة، ولا شك أنه جزء من التطور الحضاري، لكن لا يجب أن يأتي على حساب التقاليد المتوارثة جيلاً عن جيل. «ربما يعود الأمر إلى كوني إيطالية. فهذه التقاليد تدخل في صلب ثقافتنا، بيد أن هذا لا يعني تقديس الماضي. فقط يعني احترامه والحفاظ عليها حتى تستمتع به أجيال أخرى».

مهم جداً في هذه الحالة التوصل إلى نقطة متوازنة. فالمشكلة بالنسبة لها عند ذكر الماضي، هي تلك العلاقة الغريبة التي باتت تربط البعض بالزمن. علاقة تُلغي الماضي والمستقبل وتركز على الحاضر وحده. «الكل يريد أن يعيش اللحظة فقط، وهذا برأيي جنون؛ لأننا لا نوجد في الحاضر من دون ماضٍ، كما يجب أن يكون لنا مستقبل. هذا الإحساس يسكنني كثيراً، ربما لأني ولدت وعشت في روما، حيث يتمازج الماضي مع الحاضر في كل جوانب الحياة، وأعرف أنه سيبقى كذلك في المستقبل».

هذه النظرة تنعكس على أسلوبها في «ديور». فهي تقدر تاريخ الدار وإرثها الممتد من المؤسس إلى باقي المصممين الذين ساهموا في إثرائها بشكل أو بآخر، وذلك باعترافها أنها جزء من كل «فالدار كانت قبلي وستبقى بعدي، مهمتي تتلخص في الحفاظ على أساسيتها مع تطويرها. وأعتقد أن هذا هو دور المدير الفني عموماً. عندما ينظر الأغلبية إلى ما قدمه باقي المصممين السابقين الذين تعاقبوا على الدار، فإن الشيء الذي يرونه هو بصمة (ديور) وشخصيتها وقلما يتعرفون على المصمم الذي رسمها. لكن الجميل في الأمر، هو ذلك الحوار بين كل واحد منهم وبين المرأة التي عاصروها. كل بأسلوبه ولغته، لكن دائماً ضمن المعقول. وهذا ما أعرفه جيداً، بل وأومن به، بحيث أرى أنه إذا كان لأي أحد طموحات شخصية، فعليه أن يؤسس داره ويلعب فيها كما يشاء، أما إذا كنت ستتعامل مع دار أزياء لها تاريخ غني وإرث عريق فلا بد من احترام رموزها والعمل ضمنها».
الامارات العربية المتحدة موضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة