الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي

26 مكتباً تنفق أكثر من مليار دولار سنوياً

الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي
TT

الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي

الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي

ترفع الأمم المتحدة مظلة أمنية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية مستدامة فوق لبنان الذي يعاني تردياً اقتصادياً، ويواجه تهديدات أمنية على الحدود الجنوبية، وتخنقه الاصطفافات السياسية والعثرات في التوصل إلى اتفاقات سريعة بين أركان الحكم المنقسمين، وبينها الفراغ الحكومي الذي دام نحو 9 أشهر وانتهى أول من أمس الخميس، فحلت الأمم المتحدة كبديل حامٍ للاستقرار الداخلي، من خلال 26 مكتباً لها في لبنان، ومنظمات أخرى تتخذ من بيروت مقراً لها، وتنفق ما يزيد على مليار دولار سنوياً على شكل مساعدات تُضخ في السوق اللبنانية.
ويمثل هذا الوجود الدبلوماسي الدولي في المقام الأول، رافعة للشأن اللبناني في المحافل الدولية، وأكسبه صلابة نتيجة الإصرار الدولي على حماية الاستقرار على مختلف الصعد. فالبلد الذي يستضيف عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وأكثر من مليون لاجئ سوري، يتصدر الحفاظ على الاستقرار فيه قائمة الأوليات، فيما بات نموذجه التعددي في الحكم، وتمثيل مختلف المذاهب الدينية والتشارك في السلطة، ضرورة للحفاظ على هذا النموذج، رغم هشاشته، ومعضلات الفساد والتخبط الإداري. ويتطلب هذا النموذج الحاجة المستمرة للحوار وهي تعتبر واحدة من ميزات الديمقراطية التوافقية المعمول بها في البلاد. واستناداً إلى ذلك، يبرز الاهتمام الدولي بلبنان الذي تقول التقارير إنه يحصل على واحدة من أعلى نسب المساعدات الأممية في المنطقة، وربما أكبرها، وتكسبه مناعة اقتصادية.

جردة لمؤسسات منظمة الأمم المتحدة العاملة في لبنان، ومكاتبها التمثيلية، تظهر أن هناك أكثر من 26 مكتباً يقوم رواده بمهام دبلوماسية وخدمية لجهة تنسيق مساعدات، يتصدرها مكتب المنسق الخاص لأمين عام الأمم المتحدة في لبنان، ووضع برامج مساعدة، تشمل وضع آليات تنفيذية لقوانين مثل «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» UNDP، وتقديم مساعدات معنية باللاجئين مثل «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» UNHCR، فضلاً عن منظمات أخرى مثل «الأونروا» و«اليونيسكو» و«منظمة الأغذية والزراعة» (الفاو) و«منظمة العمل الدولية» و«صندوق الطفولة الدولي» (اليونيسيف) وغيرها كثير. وتصل المساهمات إلى «قوات حفظ السلام المؤقتة العاملة في الجنوب» (اليونيفيل)، ومراقبي الهدنة... فالأمم المتحدة موجودة في لبنان منذ أكثر من 70 سنة، أما عدد مكاتب الأمم المتحدة الموسع في البلاد فله دور يتجاوز لبنان، ليشمل دوراً إقليمياً».
يرأس المنسق المقيم للأمم المتحدة فيليب لازاريني فريق الأمم المتحدة في البلاد، الذي يضم كل مكاتب الأمم المتحدة المعنية بالبرامج المكرسة كلياً لدعم لبنان ويتألف من 26 عضواً، وهذه المكاتب لا تضم بالتأكيد قوة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة التي لا ينحصر دورها في لبنان فقط.
ويشير لازاريني في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الأمم المتحدة طوّرت خلال السنوات الثلاث الماضية ما يسمى المقاربة الكاملة للبنان، لافتاً إلى أن «مساهمتنا في لبنان ستتمثل في تقديم الدعم في الصعوبات، وأثناء التعرض للأزمات في المنطقة، وفي وقت الضعف». ويؤكد أن الدعم «للحفاظ على الاستقرار والمساعدة في التعامل مع تأثير الأزمات الإقليمية».

- ركائز الدعم الأممي
في الأساس، ركزت المقاربة الأممية في البداية بشكل كبير على السلام والأمن. ومن أجل ذلك، يوجد «اليونيفيل» في الجنوب الذي يلعب دورا مهما للحفاظ على الاستقرار على الحدود الجنوبية، فضلاً عن منظمات تقدم أنشطة أخرى مثل «المنظمة الدولية للهجرة» أو «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» لدعم بعض أنشطة الإدارة. وتركز مساهمات الأمم المتحدة أيضاً على دعائم أخرى تطلق عليها «ركائز الاستقرار» مرتبطة بمعالجة القضايا المتعلقة بالحكم وسيادة القانون وحقوق الإنسان، ودعم الانتخابات البلدية أو البرلمانية.
أما الركيزة الثالثة التي تنطلق منها الأمم المتحدة، فهي مقاربة اجتماعية واقتصادية، وتنقسم إلى قسمين. أحدها هو مساعدة البلد على التخفيف من تأثير الأزمة السورية، وهذا يعني الدعم المباشر للاجئين السوريين والدعم المباشر للمجتمعات المضيفة التي تستضيف اللاجئين. أما الجزء الثاني من الدعامة فهو مرتبط بمساعدة الحكومة على معالجة البرامج الموجودة سابقاً وتفاقمت خلال هذه السنوات السبع الماضية، وهو أمر مرتبط بالإصلاح بغية الحصول على بيئة أكثر ملاءمة للأنشطة الاقتصادية.
ولا تخفِ الأمم المتحدة أنه بعد سبع سنوات من الصراع في سوريا، كان العبء على لبنان مرتفعاً جداً، لكون الوضع الاقتصادي ضعيفا، وتقلص فرص خلق وظائف، وارتفعت البطالة بشكل كبير، وتزايدت هجرة الأدمغة. لهذه الأسباب، تشدد الأمم المتحدة على عمل الأمم المتحدة مع شركاء دوليين آخرين مثل البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي لمساعدة البلاد في الحصول على طرق للتعامل مع هذه التحديات الاقتصادية، بحسب ما يقول لازاريني الذي يشغل موقع «منسق الشؤون الإنسانية» أيضا في لبنان، «وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت إلى عقد كثير من المؤتمرات في العام الماضي لدعم لبنان، بينها مؤتمر باريس»، إذ يتم حشد المجتمع الدولي لـ«تمكين البلد من التعامل مع تأثير الأزمة السورية»، إلى جانب تعزيز اقتصادها وبنيتها التحتية.

- تعثر سياسي واقتصادي
خلصت المداولات الاقتصادية في العام الماضي إلى أن الوضع الاقتصادي متأزم وغير مطمئن وهو مرشح للأسوأ ما لم تُتخذ تدابير سريعة وفعّالة، وعلى رأس أولوياتها تشكيل الحكومة اللبنانية التي أنتج غيابها (حتى أول من أمس) تراجعاً في تصنيفات لبنان الاقتصادية في الوكالات العالمية مثل «موديز»، فضلاً عن تراجع النمو والانكماش المتواصل منذ سبتمبر (أيلول) 2013. وتفاقم الوضع نتيجة التوترات في المنطقة وتداعياتها على لبنان من خلال أزمة النزوح، وتراجع العمل في قطاع السياحة والسوق العقارية، وهما يعتبران من أهم الموارد المالية في البلاد. أما الانقسامات السياسية والتغييرات في المنطقة والعقوبات، فخفضت من تحويلات المغتربين، وبالتالي، تفاقم الوضع الاقتصادي وبات يهدد الأمن الاجتماعي، بالنظر إلى أن تداعياتها انعكست مباشرة على تقديمات حكومية للسكان، أهمها دعم القروض السكنية.
في المقابل، واظبت الهيئات والمنظمات الدولية على تقديم الدعم، رغم يقينها أن المساعدات الإنسانية لا تعالج وحدها التأثير السياسي والأمني والتنموي والاقتصادي بالكامل على الاقتصاد. لذلك، ذهبت إلى مبادرات أخرى. إذ يؤكد لازاريني أن لبنان «حظي باهتمام كبير من المجتمع الدولي»، مشيراً إلى ثلاثة مؤتمرات دولية عقدت على التوالي في عام 2018 بدءاً من مؤتمر روما الهادف للتركيز على دعم الأمن والقوى العسكرية واستقرار البلاد، ثم عقد مؤتمر في بروكسل الهادف إلى المساعدة على التخفيف من تأثير أزمة النازحين، مع التركيز بشكل رئيسي على اللاجئين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة على المستوى الاقتصادي، إضافة إلى مؤتمر «سيدر» في فرنسا الذي جمع ما يناهز الـ12 مليار دولار، على شكل قروض وبعض الهبات، وجميعها مشروطة بالإصلاحات.
يقول لازاريني: «لذلك، كان هناك كثير من الاهتمام. ظل لبنان على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي على الرغم من الأولويات المتنافسة في جميع أنحاء العالم». ومع أن لبنان ليس في البيئة الملائمة لاستعادة المسار الطبيعي من الازدهار، بالنظر إلى أن الحرب السورية لا تزال قائمة، يؤكد لازاريني: «لا يزال كفاحنا مستمرا لإبقاء البلد في صدارة جدول أعمال المجتمع الدولي. نجحنا حتى الآن وآمل أن نواصل النجاح».

- آلاف الموظفين ومليار دولار
تستقطب مؤسسات الأمم المتحدة في لبنان مئات الموظفين، توفّر فرص عمل للبنانيين. وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن هناك ما يزيد على 2700 موظف يعملون ضمن وكالاتها في البلاد. وتشير الأرقام إلى أن غالبية الموظفين، أي نحو 80 في المائة منهم لبنانيون و20 في المائة دوليون، وتتفاوت الأرقام بين منظمة وأخرى من حيث عدد الموظفين اللبنانيين والدوليين ونسبتهم، بالنظر إلى طبيعة عملها. ولا تشمل تلك الأرقام «قوات حفظ السلام العاملة في الجنوب» (اليونيفيل) التي يفوق عددها الـ10500 جندي في اليونيفيل. وتُعد ميزانية الموظفين جزءاً من المساعدات بشكل عام التي تقدمها الأمم المتحدة للبنان.
المؤشرات تسلط الضوء على السنوات الثلاث الأخيرة وخاصة منذ عام 2015، تضاعفت التقديمات بشكل قياسي، بعد عام 2014 شهد انخفاضا في المساعدة التي كان لها تأثير فوري. زادت المساعدة لدعم الميزانية في عام 2015. ومنذ ذلك الوقت وحتى نهاية عام 2018، تنفق الأمم المتحدة كمتوسط إنفاق بين 1.3 و1.5 مليار دولار سنويا. أنفق نحو مليار دولار عبر وكالات الأمم المتحدة والباقي من خلال شركاء آخرين ومنظمات أخرى في البلاد.

- دعم اقتصادي
في الواقع، تمثل هذه المساعدات، مظلة حماية دولية للاستقرار الاقتصادي في لبنان. ويعتبر لازاريني هذه المساهمة ساعدت البلد بالتأكيد، ولو أنها لم تحط بجميع المشكلات، ولا يمكن للمساعدات أن تعالج جميع المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في البلاد لأن الجزء الأكبر من المساعدة له طابعه الإنساني في الوقت الحاضر. ويضيف المسؤول الأممي: «إذا قارنت لبنان مع كثير من البلدان الأخرى في العالم، تجده قد تصدر على مدى السنوات الأربع الماضية مجموعة المتلقين للمساعدات الإنسانية أو الدولية، لكون حجم التقديمات يفوق المليار دولار سنوياً، من غير أن يشمل هذا الدعم للقوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، كما لا يشمل الميزانية السنوية لبعثة اليونيفيل». ويضيف: «صحيح أننا لم نعوض عن تباطؤ نمو الاقتصاد ولكننا ساهمنا في منع المزيد من التراجع في الاقتصاد. لأن مليار دولار وما يزيد عليها، تُضخ كحقنة في الاقتصاد، وهذا يساعد على التخفيف من الأعباء».

- «مظلة استقرار»
يعاني لبنان من مشكلة بنيوية، بسبب تعقيدات الوضع اللبناني سياسيا، وموقعه الجغرافي، والاستقطابات التي تعصف بأقطابه الداخلية في صراعات المحاور، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية وتداعيات وجود النازحين، على الرغم من أن المجتمع الدولي، يتطلع إلى لبنان من زاوية تتخطى موقعه الجغرافي ونموذجه. لكن كل هذه التعقيدات، التي تُضاف إلى التطورات الإقليمية والتهديدات الإسرائيلية، لم تؤدِ إلى سقوطه بسبب «مظلة الاستقرار» الدولية التي رفعت سياسيا ودبلوماسيا وأمنيا فوقه، إلى جانب المساعدات الاقتصادية.
ولا تخفي الأمم المتحدة أن الهدف من الحضور هو أولاً المساهمة في استقرار لبنان، وبعد ذلك لمساعدة البلاد على معالجة بعض الأهداف المتعلقة بالازدهار، والمرتبطة بالتحديات التي قد تواجهها البلاد مع انعدام المساواة والفقر والبيئة. وبالنظر إلى أن جدول الأعمال الشهير لعام 2013 يتحدث عن التنمية المستدامة، يعرب مسؤولو المنظمة الأممية أن وجودهم ساهم خلال السنوات الثماني الماضية في مساعدة البلاد على التعامل مع الوضع الاستثنائي والتعرض للأزمات في المنطقة، كما ساهم في تعزيز السلام والأمن الاجتماعي - الاقتصادي.
يتذكر لازاريني بدايات عمله في لبنان قبل أربع سنوات. يومها قال له مسؤول كبير في الأمم المتحدة كان عائداً للتو من بيروت: «سترى أن البلد يشبه رجلاً معلقاً في الطابق الثاني عشر من المبنى، ويتوقع الحي بأكمله أن هذا الرجل سيسقط. بعد ثلاثة أشهر لم يتغير شيء». ويضيف: «كان هذا المشهد ليقول كيف تختبر البلاد التجاذب، لأن الجميع على مدى السنوات السبع الماضية كان يخشى من سقوط البلد، لكنه في الواقع يتدلى ولا يسقط».
ويعتقد المسؤول الأممي أن بصمة الأمم المتحدة وأنشطتها ساهمت أيضاً في الحفاظ على بعض الاستقرار، لكن دون إبقاء لبنان بعيداً عن المخاطر. واستهلت الأمم المتحدة عام 2019 بأسئلة وإجابات حول التحديات بشأن البيئة والسلامة المالية ومستوى الفقر المرتفع، ووجود 1.5 مليون لاجئ، وتراجع فرص العمل، إضافة إلى ضبابية تحيط بديناميات المشهد السياسي والأمني في المنطقة. مع ذلك، يؤكد لازاريني أن البلاد «لا تزال خارج منطقة الخطر، لكنها أظهرت قدرتها في السنوات الثماني الأخيرة على عدم الوقوع فيها، وسنضاعف الجهود لإخراجها من منطقة الخطر».

- أولويات مشتركة تستدعي توحيد الجهود
تخوض الأمم المتحدة ورشة إصلاح هادفة لتحقيق أفضل استخدام لطرق العمل والمصادر، يتأكد من خلالها أن الأمم المتحدة هي المكان الذي يمكن فيه للبلدان والشعوب التواصل. وكلما تضاعف العمل المشترك، تزايدت فرص الاستفادة من الميزات المشتركة، وزيادة التأثير في البلاد التي توجد فيها.
وتقوم هذه الجهود على تحقيق المزيد من التنسيق والبرامج المشتركة بين وكالاتها انطلاقاً من الأولويات المشتركة، لتصب في دعم الأولويات الوطنية. وتشمل هذه الاستراتيجية العمل في لبنان، انطلاقاً من قناعة بأن تضافر الجهود والعمل المشترك يزيد الإنتاجية وبالتالي تحقيق أهداف الأمم المتحدة وتعود بالفائدة بفاعلية أكبر على الشعب والبلاد التي يوجدون بها.

- بيروت مقر إقليمي لبرامج الأمم المتحدة
يعود اختيار بيروت لاستضافة أكبر عدد من مكاتب الأمم المتحدة في المنطقة إلى عاملين أساسيين: أولهما، تاريخ إنشاء بعض الوكالات في الأربعينات، والثاني يعود إلى الأزمات في المنطقة مؤخراً.
تمركزت بعض مكاتب الأمم المتحدة منذ وقت طويل لأنها كانت مركز استقطاب لوقت طويل. أساساً، ثمة وكالات إقليمية تابعة للأمم المتحدة مقرها في بيروت والقاهرة وافتتح عدد قليل منها حديثا في عمّان، وتركز بشكل أساسي على تقديم الدعم لمناطق تعرضت لأزمات أثرت على العراق وسوريا واليمن. وعلى الدوام وضعت برامج لتطوير الأنشطة الوطنية والإقليمية.
ويقول مسؤولو الأمم المتحدة إنه كان من السهل الوصول إلى بيروت، حيث يمكن للمنظمة الدولية أن تلعب دوراً إقليمياً منه. ومنذ بداية الأزمة، كان هناك تطور ملحوظ في البرامج التي تواكب تأثيرات الأزمات على لبنان. لذلك، تضاعفت بعد عام 2011. واليوم هناك برامج تتخطى المليار دوﻻر، فضلاً عن أن البرنامج يراعي تداعيات وجود 1.5 مليون ﻓﻲ اﻟﺑﻼد وﺗﺄﺛﯾر وجودهم ﻋﻟﯽ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﻣﺿﯾف.

- الحكومة تتجه لاتخاذ قرارات صعبة لا تشمل تمويل النازحين
أعطى رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إشارات صعبة حول الوضع المالي ومساهمة الحكومة اللبنانية في دعم النازحين، حيث قال خلال إطلاقه: «خطة لبنان للاستجابة اللازمة المستحدثة لعام 2019»، أنّ «أزمة النازحين تزداد خطورة وحدة يوماً بعد يوم، على صعيد المجتمعات المضيفة... كما أنّ أوضاع المالية العامة في لبنان لم تعد تحتمل. فالحكومة المقبلة ستكون مرغمة على اتخاذ قرارات صعبة لخفض الاعتمادات السابقة في الموازنة العامة».
وإذ أشار إلى أنه «لن يكون هناك ضمن اعتمادات الموازنة المقبلة أي تمويل يتعلق بأزمة النزوح السوري»، قال: «يجب تأمين التمويل اللازم لخطة لبنان للاستجابة لأزمة النزوح. فخلال عام 2018 بلغت مساهمات المانحين لتمويل خطة لبنان لمواجهة هذه الأزمة نحو 1.1 مليار دولار أي ما نسبته 41 في المائة من مجمل حاجة لبنان المقدرة بـ2.7 مليار دولار. مع الإشارة إلى أن هذه الحاجة تشكل 6 في المائة فقط من الكلفة التي كان سيتكبدها المجتمع الدولي لو قدر له استضافة المليون ونصف المليون نازح الذين يستضيفهم لبنان».


مقالات ذات صلة

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.