الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي

26 مكتباً تنفق أكثر من مليار دولار سنوياً

الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي
TT

الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي

الأمم المتحدة في لبنان... مظلة استقرار دبلوماسي واقتصادي

ترفع الأمم المتحدة مظلة أمنية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية مستدامة فوق لبنان الذي يعاني تردياً اقتصادياً، ويواجه تهديدات أمنية على الحدود الجنوبية، وتخنقه الاصطفافات السياسية والعثرات في التوصل إلى اتفاقات سريعة بين أركان الحكم المنقسمين، وبينها الفراغ الحكومي الذي دام نحو 9 أشهر وانتهى أول من أمس الخميس، فحلت الأمم المتحدة كبديل حامٍ للاستقرار الداخلي، من خلال 26 مكتباً لها في لبنان، ومنظمات أخرى تتخذ من بيروت مقراً لها، وتنفق ما يزيد على مليار دولار سنوياً على شكل مساعدات تُضخ في السوق اللبنانية.
ويمثل هذا الوجود الدبلوماسي الدولي في المقام الأول، رافعة للشأن اللبناني في المحافل الدولية، وأكسبه صلابة نتيجة الإصرار الدولي على حماية الاستقرار على مختلف الصعد. فالبلد الذي يستضيف عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وأكثر من مليون لاجئ سوري، يتصدر الحفاظ على الاستقرار فيه قائمة الأوليات، فيما بات نموذجه التعددي في الحكم، وتمثيل مختلف المذاهب الدينية والتشارك في السلطة، ضرورة للحفاظ على هذا النموذج، رغم هشاشته، ومعضلات الفساد والتخبط الإداري. ويتطلب هذا النموذج الحاجة المستمرة للحوار وهي تعتبر واحدة من ميزات الديمقراطية التوافقية المعمول بها في البلاد. واستناداً إلى ذلك، يبرز الاهتمام الدولي بلبنان الذي تقول التقارير إنه يحصل على واحدة من أعلى نسب المساعدات الأممية في المنطقة، وربما أكبرها، وتكسبه مناعة اقتصادية.

جردة لمؤسسات منظمة الأمم المتحدة العاملة في لبنان، ومكاتبها التمثيلية، تظهر أن هناك أكثر من 26 مكتباً يقوم رواده بمهام دبلوماسية وخدمية لجهة تنسيق مساعدات، يتصدرها مكتب المنسق الخاص لأمين عام الأمم المتحدة في لبنان، ووضع برامج مساعدة، تشمل وضع آليات تنفيذية لقوانين مثل «برنامج الأمم المتحدة للتنمية» UNDP، وتقديم مساعدات معنية باللاجئين مثل «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» UNHCR، فضلاً عن منظمات أخرى مثل «الأونروا» و«اليونيسكو» و«منظمة الأغذية والزراعة» (الفاو) و«منظمة العمل الدولية» و«صندوق الطفولة الدولي» (اليونيسيف) وغيرها كثير. وتصل المساهمات إلى «قوات حفظ السلام المؤقتة العاملة في الجنوب» (اليونيفيل)، ومراقبي الهدنة... فالأمم المتحدة موجودة في لبنان منذ أكثر من 70 سنة، أما عدد مكاتب الأمم المتحدة الموسع في البلاد فله دور يتجاوز لبنان، ليشمل دوراً إقليمياً».
يرأس المنسق المقيم للأمم المتحدة فيليب لازاريني فريق الأمم المتحدة في البلاد، الذي يضم كل مكاتب الأمم المتحدة المعنية بالبرامج المكرسة كلياً لدعم لبنان ويتألف من 26 عضواً، وهذه المكاتب لا تضم بالتأكيد قوة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة التي لا ينحصر دورها في لبنان فقط.
ويشير لازاريني في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الأمم المتحدة طوّرت خلال السنوات الثلاث الماضية ما يسمى المقاربة الكاملة للبنان، لافتاً إلى أن «مساهمتنا في لبنان ستتمثل في تقديم الدعم في الصعوبات، وأثناء التعرض للأزمات في المنطقة، وفي وقت الضعف». ويؤكد أن الدعم «للحفاظ على الاستقرار والمساعدة في التعامل مع تأثير الأزمات الإقليمية».

- ركائز الدعم الأممي
في الأساس، ركزت المقاربة الأممية في البداية بشكل كبير على السلام والأمن. ومن أجل ذلك، يوجد «اليونيفيل» في الجنوب الذي يلعب دورا مهما للحفاظ على الاستقرار على الحدود الجنوبية، فضلاً عن منظمات تقدم أنشطة أخرى مثل «المنظمة الدولية للهجرة» أو «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» لدعم بعض أنشطة الإدارة. وتركز مساهمات الأمم المتحدة أيضاً على دعائم أخرى تطلق عليها «ركائز الاستقرار» مرتبطة بمعالجة القضايا المتعلقة بالحكم وسيادة القانون وحقوق الإنسان، ودعم الانتخابات البلدية أو البرلمانية.
أما الركيزة الثالثة التي تنطلق منها الأمم المتحدة، فهي مقاربة اجتماعية واقتصادية، وتنقسم إلى قسمين. أحدها هو مساعدة البلد على التخفيف من تأثير الأزمة السورية، وهذا يعني الدعم المباشر للاجئين السوريين والدعم المباشر للمجتمعات المضيفة التي تستضيف اللاجئين. أما الجزء الثاني من الدعامة فهو مرتبط بمساعدة الحكومة على معالجة البرامج الموجودة سابقاً وتفاقمت خلال هذه السنوات السبع الماضية، وهو أمر مرتبط بالإصلاح بغية الحصول على بيئة أكثر ملاءمة للأنشطة الاقتصادية.
ولا تخفِ الأمم المتحدة أنه بعد سبع سنوات من الصراع في سوريا، كان العبء على لبنان مرتفعاً جداً، لكون الوضع الاقتصادي ضعيفا، وتقلص فرص خلق وظائف، وارتفعت البطالة بشكل كبير، وتزايدت هجرة الأدمغة. لهذه الأسباب، تشدد الأمم المتحدة على عمل الأمم المتحدة مع شركاء دوليين آخرين مثل البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي لمساعدة البلاد في الحصول على طرق للتعامل مع هذه التحديات الاقتصادية، بحسب ما يقول لازاريني الذي يشغل موقع «منسق الشؤون الإنسانية» أيضا في لبنان، «وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت إلى عقد كثير من المؤتمرات في العام الماضي لدعم لبنان، بينها مؤتمر باريس»، إذ يتم حشد المجتمع الدولي لـ«تمكين البلد من التعامل مع تأثير الأزمة السورية»، إلى جانب تعزيز اقتصادها وبنيتها التحتية.

- تعثر سياسي واقتصادي
خلصت المداولات الاقتصادية في العام الماضي إلى أن الوضع الاقتصادي متأزم وغير مطمئن وهو مرشح للأسوأ ما لم تُتخذ تدابير سريعة وفعّالة، وعلى رأس أولوياتها تشكيل الحكومة اللبنانية التي أنتج غيابها (حتى أول من أمس) تراجعاً في تصنيفات لبنان الاقتصادية في الوكالات العالمية مثل «موديز»، فضلاً عن تراجع النمو والانكماش المتواصل منذ سبتمبر (أيلول) 2013. وتفاقم الوضع نتيجة التوترات في المنطقة وتداعياتها على لبنان من خلال أزمة النزوح، وتراجع العمل في قطاع السياحة والسوق العقارية، وهما يعتبران من أهم الموارد المالية في البلاد. أما الانقسامات السياسية والتغييرات في المنطقة والعقوبات، فخفضت من تحويلات المغتربين، وبالتالي، تفاقم الوضع الاقتصادي وبات يهدد الأمن الاجتماعي، بالنظر إلى أن تداعياتها انعكست مباشرة على تقديمات حكومية للسكان، أهمها دعم القروض السكنية.
في المقابل، واظبت الهيئات والمنظمات الدولية على تقديم الدعم، رغم يقينها أن المساعدات الإنسانية لا تعالج وحدها التأثير السياسي والأمني والتنموي والاقتصادي بالكامل على الاقتصاد. لذلك، ذهبت إلى مبادرات أخرى. إذ يؤكد لازاريني أن لبنان «حظي باهتمام كبير من المجتمع الدولي»، مشيراً إلى ثلاثة مؤتمرات دولية عقدت على التوالي في عام 2018 بدءاً من مؤتمر روما الهادف للتركيز على دعم الأمن والقوى العسكرية واستقرار البلاد، ثم عقد مؤتمر في بروكسل الهادف إلى المساعدة على التخفيف من تأثير أزمة النازحين، مع التركيز بشكل رئيسي على اللاجئين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة على المستوى الاقتصادي، إضافة إلى مؤتمر «سيدر» في فرنسا الذي جمع ما يناهز الـ12 مليار دولار، على شكل قروض وبعض الهبات، وجميعها مشروطة بالإصلاحات.
يقول لازاريني: «لذلك، كان هناك كثير من الاهتمام. ظل لبنان على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي على الرغم من الأولويات المتنافسة في جميع أنحاء العالم». ومع أن لبنان ليس في البيئة الملائمة لاستعادة المسار الطبيعي من الازدهار، بالنظر إلى أن الحرب السورية لا تزال قائمة، يؤكد لازاريني: «لا يزال كفاحنا مستمرا لإبقاء البلد في صدارة جدول أعمال المجتمع الدولي. نجحنا حتى الآن وآمل أن نواصل النجاح».

- آلاف الموظفين ومليار دولار
تستقطب مؤسسات الأمم المتحدة في لبنان مئات الموظفين، توفّر فرص عمل للبنانيين. وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن هناك ما يزيد على 2700 موظف يعملون ضمن وكالاتها في البلاد. وتشير الأرقام إلى أن غالبية الموظفين، أي نحو 80 في المائة منهم لبنانيون و20 في المائة دوليون، وتتفاوت الأرقام بين منظمة وأخرى من حيث عدد الموظفين اللبنانيين والدوليين ونسبتهم، بالنظر إلى طبيعة عملها. ولا تشمل تلك الأرقام «قوات حفظ السلام العاملة في الجنوب» (اليونيفيل) التي يفوق عددها الـ10500 جندي في اليونيفيل. وتُعد ميزانية الموظفين جزءاً من المساعدات بشكل عام التي تقدمها الأمم المتحدة للبنان.
المؤشرات تسلط الضوء على السنوات الثلاث الأخيرة وخاصة منذ عام 2015، تضاعفت التقديمات بشكل قياسي، بعد عام 2014 شهد انخفاضا في المساعدة التي كان لها تأثير فوري. زادت المساعدة لدعم الميزانية في عام 2015. ومنذ ذلك الوقت وحتى نهاية عام 2018، تنفق الأمم المتحدة كمتوسط إنفاق بين 1.3 و1.5 مليار دولار سنويا. أنفق نحو مليار دولار عبر وكالات الأمم المتحدة والباقي من خلال شركاء آخرين ومنظمات أخرى في البلاد.

- دعم اقتصادي
في الواقع، تمثل هذه المساعدات، مظلة حماية دولية للاستقرار الاقتصادي في لبنان. ويعتبر لازاريني هذه المساهمة ساعدت البلد بالتأكيد، ولو أنها لم تحط بجميع المشكلات، ولا يمكن للمساعدات أن تعالج جميع المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في البلاد لأن الجزء الأكبر من المساعدة له طابعه الإنساني في الوقت الحاضر. ويضيف المسؤول الأممي: «إذا قارنت لبنان مع كثير من البلدان الأخرى في العالم، تجده قد تصدر على مدى السنوات الأربع الماضية مجموعة المتلقين للمساعدات الإنسانية أو الدولية، لكون حجم التقديمات يفوق المليار دولار سنوياً، من غير أن يشمل هذا الدعم للقوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، كما لا يشمل الميزانية السنوية لبعثة اليونيفيل». ويضيف: «صحيح أننا لم نعوض عن تباطؤ نمو الاقتصاد ولكننا ساهمنا في منع المزيد من التراجع في الاقتصاد. لأن مليار دولار وما يزيد عليها، تُضخ كحقنة في الاقتصاد، وهذا يساعد على التخفيف من الأعباء».

- «مظلة استقرار»
يعاني لبنان من مشكلة بنيوية، بسبب تعقيدات الوضع اللبناني سياسيا، وموقعه الجغرافي، والاستقطابات التي تعصف بأقطابه الداخلية في صراعات المحاور، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية وتداعيات وجود النازحين، على الرغم من أن المجتمع الدولي، يتطلع إلى لبنان من زاوية تتخطى موقعه الجغرافي ونموذجه. لكن كل هذه التعقيدات، التي تُضاف إلى التطورات الإقليمية والتهديدات الإسرائيلية، لم تؤدِ إلى سقوطه بسبب «مظلة الاستقرار» الدولية التي رفعت سياسيا ودبلوماسيا وأمنيا فوقه، إلى جانب المساعدات الاقتصادية.
ولا تخفي الأمم المتحدة أن الهدف من الحضور هو أولاً المساهمة في استقرار لبنان، وبعد ذلك لمساعدة البلاد على معالجة بعض الأهداف المتعلقة بالازدهار، والمرتبطة بالتحديات التي قد تواجهها البلاد مع انعدام المساواة والفقر والبيئة. وبالنظر إلى أن جدول الأعمال الشهير لعام 2013 يتحدث عن التنمية المستدامة، يعرب مسؤولو المنظمة الأممية أن وجودهم ساهم خلال السنوات الثماني الماضية في مساعدة البلاد على التعامل مع الوضع الاستثنائي والتعرض للأزمات في المنطقة، كما ساهم في تعزيز السلام والأمن الاجتماعي - الاقتصادي.
يتذكر لازاريني بدايات عمله في لبنان قبل أربع سنوات. يومها قال له مسؤول كبير في الأمم المتحدة كان عائداً للتو من بيروت: «سترى أن البلد يشبه رجلاً معلقاً في الطابق الثاني عشر من المبنى، ويتوقع الحي بأكمله أن هذا الرجل سيسقط. بعد ثلاثة أشهر لم يتغير شيء». ويضيف: «كان هذا المشهد ليقول كيف تختبر البلاد التجاذب، لأن الجميع على مدى السنوات السبع الماضية كان يخشى من سقوط البلد، لكنه في الواقع يتدلى ولا يسقط».
ويعتقد المسؤول الأممي أن بصمة الأمم المتحدة وأنشطتها ساهمت أيضاً في الحفاظ على بعض الاستقرار، لكن دون إبقاء لبنان بعيداً عن المخاطر. واستهلت الأمم المتحدة عام 2019 بأسئلة وإجابات حول التحديات بشأن البيئة والسلامة المالية ومستوى الفقر المرتفع، ووجود 1.5 مليون لاجئ، وتراجع فرص العمل، إضافة إلى ضبابية تحيط بديناميات المشهد السياسي والأمني في المنطقة. مع ذلك، يؤكد لازاريني أن البلاد «لا تزال خارج منطقة الخطر، لكنها أظهرت قدرتها في السنوات الثماني الأخيرة على عدم الوقوع فيها، وسنضاعف الجهود لإخراجها من منطقة الخطر».

- أولويات مشتركة تستدعي توحيد الجهود
تخوض الأمم المتحدة ورشة إصلاح هادفة لتحقيق أفضل استخدام لطرق العمل والمصادر، يتأكد من خلالها أن الأمم المتحدة هي المكان الذي يمكن فيه للبلدان والشعوب التواصل. وكلما تضاعف العمل المشترك، تزايدت فرص الاستفادة من الميزات المشتركة، وزيادة التأثير في البلاد التي توجد فيها.
وتقوم هذه الجهود على تحقيق المزيد من التنسيق والبرامج المشتركة بين وكالاتها انطلاقاً من الأولويات المشتركة، لتصب في دعم الأولويات الوطنية. وتشمل هذه الاستراتيجية العمل في لبنان، انطلاقاً من قناعة بأن تضافر الجهود والعمل المشترك يزيد الإنتاجية وبالتالي تحقيق أهداف الأمم المتحدة وتعود بالفائدة بفاعلية أكبر على الشعب والبلاد التي يوجدون بها.

- بيروت مقر إقليمي لبرامج الأمم المتحدة
يعود اختيار بيروت لاستضافة أكبر عدد من مكاتب الأمم المتحدة في المنطقة إلى عاملين أساسيين: أولهما، تاريخ إنشاء بعض الوكالات في الأربعينات، والثاني يعود إلى الأزمات في المنطقة مؤخراً.
تمركزت بعض مكاتب الأمم المتحدة منذ وقت طويل لأنها كانت مركز استقطاب لوقت طويل. أساساً، ثمة وكالات إقليمية تابعة للأمم المتحدة مقرها في بيروت والقاهرة وافتتح عدد قليل منها حديثا في عمّان، وتركز بشكل أساسي على تقديم الدعم لمناطق تعرضت لأزمات أثرت على العراق وسوريا واليمن. وعلى الدوام وضعت برامج لتطوير الأنشطة الوطنية والإقليمية.
ويقول مسؤولو الأمم المتحدة إنه كان من السهل الوصول إلى بيروت، حيث يمكن للمنظمة الدولية أن تلعب دوراً إقليمياً منه. ومنذ بداية الأزمة، كان هناك تطور ملحوظ في البرامج التي تواكب تأثيرات الأزمات على لبنان. لذلك، تضاعفت بعد عام 2011. واليوم هناك برامج تتخطى المليار دوﻻر، فضلاً عن أن البرنامج يراعي تداعيات وجود 1.5 مليون ﻓﻲ اﻟﺑﻼد وﺗﺄﺛﯾر وجودهم ﻋﻟﯽ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﻣﺿﯾف.

- الحكومة تتجه لاتخاذ قرارات صعبة لا تشمل تمويل النازحين
أعطى رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إشارات صعبة حول الوضع المالي ومساهمة الحكومة اللبنانية في دعم النازحين، حيث قال خلال إطلاقه: «خطة لبنان للاستجابة اللازمة المستحدثة لعام 2019»، أنّ «أزمة النازحين تزداد خطورة وحدة يوماً بعد يوم، على صعيد المجتمعات المضيفة... كما أنّ أوضاع المالية العامة في لبنان لم تعد تحتمل. فالحكومة المقبلة ستكون مرغمة على اتخاذ قرارات صعبة لخفض الاعتمادات السابقة في الموازنة العامة».
وإذ أشار إلى أنه «لن يكون هناك ضمن اعتمادات الموازنة المقبلة أي تمويل يتعلق بأزمة النزوح السوري»، قال: «يجب تأمين التمويل اللازم لخطة لبنان للاستجابة لأزمة النزوح. فخلال عام 2018 بلغت مساهمات المانحين لتمويل خطة لبنان لمواجهة هذه الأزمة نحو 1.1 مليار دولار أي ما نسبته 41 في المائة من مجمل حاجة لبنان المقدرة بـ2.7 مليار دولار. مع الإشارة إلى أن هذه الحاجة تشكل 6 في المائة فقط من الكلفة التي كان سيتكبدها المجتمع الدولي لو قدر له استضافة المليون ونصف المليون نازح الذين يستضيفهم لبنان».


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.