أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

«سيناريو» التصعيد يخدم أهداف قادة الطرفين

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا
TT

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

على مدى الأسبوع الماضي، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي في كل من روسيا وأوكرانيا حملات واسعة جمعت ملايين من الطرفين تدعو إلى ضبط النفس وتحاشي الانزلاق إلى حرب واسعة ومفتوحة بين البلدين.
إلا أن رسم الكفين المتصافحتين اللتين حملتا ألوان علمي البلدين، وعلى خلفيتهما تبرز حمامة سلام بيضاء، لم يعكس طبيعة الحملات الإعلامية والسياسية القوية التي أججت الأزمة أكثر، ولا دقات «طبول الحرب» التي باتت تقرع بقوة في موسكو وكييف، عبر تصريحات المسؤولين التي عزّزتها الحشود العسكرية التي أرسلها الطرفان إلى منطقة بحر آزوف، المتصل بشمال البحر الأسود. وقد يكون عنصر الردع الوحيد الذي منع الانزلاق نحو مواجهة نتائجها كارثية، هو موقف أوروبا القلقة من تطور «السيناريو» العسكري، إذ دفع القلق دولها إلى توجيه رسائل واضحة إلى الطرفين برفضها منحى التصعيد.

منذ إقدام حرس الحدود الروس على احتجاز ثلاث سفن حربية أوكرانية، يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، تبادل الطرفان الروسي والأوكراني اتهامات حادة بالسعي إلى تأجيج الموقف.
كان الحادث لافتاً لأنها ليست المرة الأولى التي تعبر فيها سفن أوكرانية مضيق كيرتش، إذ سبق لأوكرانيا أن أرسلت سفينة إلى هناك قبل ثلاثة أسابيع ولم يعترضها أحد. لكن هذه المرة استخدم الجانب الروسي السلاح وفتح النار على السفن، وأجبرها على التوقف بعدما أصيب ثلاثة بحارة بجروح وجرى اعتقال طواقم السفن واحتجازها.
وفي حين أعلنت هيئة الأمن الفيدرالي الروسية، بعد الحادث، أن السفن الأوكرانية (وهي زورقان مصفّحان وقاطرة) دخلت مياه روسيا الإقليمية «بتوجيه من السلطات في كييف»، في خطوة وُصفت بأنها «استفزازية»، رفضت كييف الاتهامات، وردت بأن السفن كانت في طريقها من البحر الأسود إلى ميناء أوكراني في بحر آزوف، ما يعني أنها عبرت ممراً دولياً لا يخضع للسيطرة الروسية.
خلف هذا السجال، يقف التباين الرئيسي حول ملف ضم روسيا شبه جزيرة القرم إليها عام 2014، إذ حتى ذلك التاريخ كان مضيق كيرتش ممراً مشتركاً روسياً أوكرانياً، لكن روسيا باتت تعتبره تحت سيادتها منذ قرار الضم.
ومن ثم، دلّت التداعيات التي برزت لاحقاً، على سعي الطرفين لاستخدام «الاستفزاز المتعمد». ففي أوكرانيا التي تتحضّر لانتخابات رئاسية خلال الربيع المقبل، تدلّ استطلاعات الرأي على أن فرص التجديد للرئيس بيترو بوروشينكو تبدو ضئيلة، فهو يواجه مرشحين يتقدّمون عليه كثيراً. ولذا رأت الأوساط الروسية أن تحريك كييف السفن، مع علمها المُسبق بأن موسكو ستواجهها، هدَف إلى تحسين فرص بوروشينكو داخلياً، من بوابة مواجهة «العدوان الروسي». وهذا أمر تحقق جزئياً، إذ اصطفت القوى السياسية الأوكرانية خلف بوروشينكو مباشرة بعد الحادث، وغدا عنصر «المواجهة مع روسيا» الأبرز في الدعاية الانتخابية الداخلية.
في المقابل، سعت موسكو إلى التأثير في الحملة الانتخابية الأوكرانية من بوابة «تخويف» الشارع الأوكراني، من «الرئيس الذي بات يشكل خطراً على بلاده وعلى المنطقة كلها»، وفقاً لبيان الخارجية الروسية. ودخل الكرملين على هذا الخط من خلال إعلان الرئيس فلاديمير بوتين أنه لا يستجيب لمحاولات رئيس أوكرانيا، يبترو بوروشينكو، للتحدث معه عبر الهاتف، لأنه «لا يريد المشاركة في حملته الانتخابية».
ومقابل إعلان بوروشينكو أنه سعى لمحاصرة الموقف عبر الاتصال مع بوتين، لكن الأخير امتنع عن الحديث معه، قال بوتين: «الأمر ليس أني أتجنّب، أولاً أريد التحدث مع بيترو أليكسييفيتش (بوروشينكو)... الأمر ليس كذلك، بل يكمن في أنني لا أريد المشاركة في حملته الانتخابية. إنها خدعة، وأنا لا أرغب في المشاركة في هذا الخداع». ثم اتهم بوروشينكو بأنه «يتفنن في خلق الأزمات والاستفزازات وتحميل روسيا مسؤولية ذلك، ثم يحاول بعد ذلك إظهار أنه قادر على حل المشكلات».
لكن، في مقابل «الخداع الأوكراني» برزت إشارات عدة إلى أن بوتين أيضاً سعى إلى الإفادة من أزمة مضيق كيرتش. ووفقاً لمحللين روس، فإن الكرملين كان يتطلع إلى فرصة لتعزيز شعبية بوتين، التي تدهورت بقوة خلال الشهور الأخيرة على خلفية تردي الوضع المعيشي بسبب العقوبات الغربية والقرارات الداخلية للحكومة. وترافق التردي مع ارتفاع معدلات التذمر الشعبي من سياسات بوتين إلى درجة أن أحدث استطلاع للرأي، أجراه مركز «ليفادا» المرموق، بيّن أن ثلثي الروس لا يرون أن بوتين يفي بتعهداته الانتخابية ولا يوافقون تماماً على سياساته.
بالتالي، لا يوجد أفضل من إبراز «ورقة القرم» في هذه الظروف. ويكفي أن أعلى صعود لشعبية «سيد الكرملين» كان على خلفية ضمه القرم في 2014. ويرى خبراء أن دق طبول الحرب الإعلامية مجدداً حول القرم من شأنه استعادة حشد الرأي العام الروسي خلف بوتين في هذه المرحلة الصعبة سياسياً واقتصادياً.

حشود عسكرية في البحر الأسود
لكن الاستخدام الداخلي للأزمة لدى الطرفين، ليس الوجه الوحيد للتصعيد الحاصل، بل تدل التحركات العسكرية الجارية في المنطقة إلى خطورة التطورات الجارية، وتحوّلها إلى وضع قابل للتفجر مجدداً. وبدا أن مسارعة حلف شمال الأطلسي (ناتو) - الذي كان أعلن قبل أقل من شهرين إطلاقه مسار ضم أوكرانيا إليه - إلى إعلانه تأييد مواقف كييف، جزءاً من مشهد جديد في المنطقة تجري بلوَرته بمشاركة أطراف عدة، ليس أقلها حضوراً الولايات المتحدة.
الأمين العام لـ«ناتو» ينس ستولتنبيرغ قال قبيل لقاء وزراء خارجية دول الحلف، إنه لا يرى مبرراً لاستخدام القوة ضد السفن الأوكرانية. وأشار إلى أن الحلف يدعو «إلى الهدوء وضبط النفس... وأن على روسيا الإفراج عن البحارة الأوكرانيين وسفنهم وضمان حرية الملاحة في مضيق كيرتش وبحر آزوف».
كانت هذه مقدمة للإعلان بعد ذلك في الاجتماع الوزاري لـ«ناتو»، الذي دُعي إليه «خصما» روسيا الأساسيان في «الفضاء السوفياتي السابق»، جورجيا وأوكرانيا، أن «الحلف سيعمل للحفاظ على وجوده العسكري في البحر الأسود، رداً على تصرّفات روسيا».
وأكد البيان: «رداً على تصرفات روسيا العدوانية، قام الحلف بتعزيز ملحوظ لوجوده في منطقة البحر الأسود، بحراً وجواً وبراً»، مضيفاً أن «لقاء اليوم مع الحلفاء أعطى رسالة واضحة بشأن مواصلة تقديم الدعم العملي لأوكرانيا، وكذلك بشأن الحفاظ على وجودنا في منطقة البحر الأسود». ودعا الأمين العام للحلف، موسكو، إلى سحب اعترافها بانفصال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا، الذي أعلنت روسيا عنه عام 2008. وتابع ستولتنبيرغ أن «على روسيا وقف الاعتراف باستقلال الإقليمين وسحب قواتها العسكرية من هذه الأراضي الجورجية»، مجدداً بذلك تمسك الحلف بمبدأ «سلامة جورجيا الإقليمية».
هذه اللهجة قُوبلت بترحيب أوكراني، إذ طالبت كييف بتعزيز وجود «ناتو» في المنطقة، بينما رأى الكرملين فيها تأجيجاً للتوتر.
في هذه الأثناء، بدا أن واشنطن بدأت تحركاً عملياً على خلفية أزمة مضيق كيرتش، لتضييق الخناق على روسيا. وبعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاجتماع مع الرئيس بوتين في الأرجنتين على خلفية الأزمة، برزت في موسكو اتهامات قوية لواشنطن بأنها تسعى لإشعال حرب روسية - أوكرانية. ورأت أوساط روسية أن تطبيق الأحكام العرفية في المناطق الأوكرانية المتاخمة لروسيا، وتركيز القوات الأوكرانية في حوض الدونباس (شرق البلاد)، وبداية استدعاء جنود الاحتياط، خطوات تشير بوضوح إلى بداية تحضير كييف للحرب.
وأوردت وزارة الدفاع الروسية تقارير عن «مراقبة» الأميركيين بدقة لتطورات الموقف في مضيق كيرتش. وذكرت أن طائرة استراتيجية بلا طيار قامتا الأسبوع الماضي برحلات طويلة هناك. ومنذ اندلاع أزمة مضيق كيرتش، نفذ سلاح الجو الأميركي هذه العمليات الاستطلاعية سبع مرات. وتزامن ذلك مع تبني الرئيس الأوكراني دعوات انطلقت أولاً في واشنطن لإغلاق مضايق البحر الأسود ومنع السفن الروسية من دخول الموانئ الأوروبية. وكانت مقترحات بهذا الشأن نُشرت على الموقع الإلكتروني للمجلس الأميركي الأطلسي في 21 نوفمبر الفائت، أي قبل أربعة أيام من الحادث الذي وقع في كيرتش. وفي وقت سابق، أعلن وزير الداخلية الأميركي ريان زينكي عن أفكار مماثلة، إذ قال في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) إن الولايات المتحدة يمكن أن تنظم حصاراً بحرياً على روسيا «لمنع سيطرتها على إمدادات الطاقة من دول الشرق الأوسط، على غرار السيطرة الروسية على الإمدادات إلى أوروبا حالياً».
وفقاً للعقيد إدوارد روديوكوف، عضو أكاديمية العلوم العسكرية الروسية، فإن «نوايا الولايات المتحدة في أوكرانيا لا تتجه بالدرجة الأولى لحل مشكلات كييف في بحر آزوف، بل تتعلق بخطط واشنطن الطموحة لعزل النشاط العسكري للاتحاد الروسي في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم. وبالتالي، منع روسيا من تنفيذ مشروعاتها الخاصة بنقل إمدادات الطاقة إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب قيد الإنشاء حالياً». وتابع: «تعمل واشنطن على تنفيذ توجهاتها عبر تعزيز رُزَم العقوبات على روسيا، وهذا واحد من أسباب دفع الأميركيين كييف لإطلاق حرب في شرق أوكرانيا رداً على ما يوصف بأنه عدوان روسي... هذا سيوفر آلية جديدة لفرض مزيد من القيود والعقوبات على روسيا وصولاً إلى محاولة عزلها بالكامل».
في المقابل، اتهم بوروشينكو أخيراً روسيا بالتخطيط للاستيلاء على مدينتي بيرديانسك وماريوبول الأوكرانيتين. ويبدو هذا التخويف جزءاً من التحضير لـ«سيناريو» تفجير الموقف. وهنا، كما لاحظ روديوكوف، فإنه «منذ 3 ديسمبر (كانون الأول)، عندما أعلن بوروشينكو حالة التأهب في أوكرانيا وأرسل قوات النخبة إلى جبهة الدونباس، تتغاضى الولايات المتحدة ودول (ناتو) عن حقيقة أن القوات المسلحة الأوكرانية تعمل على تعزيز الحشود على طول خط المواجهة في الدونباس، ونُقل الجيش الأوكراني إلى أعلى درجة من الاستعداد القتالي».
في المقابل، أعلنت روسيا عن دفع قوات إضافية إلى شبه جزيرة القرم. ونشرت منظومة رابعة من صواريخ «إس 400» موجهة نحو الأراضي الأوكرانية، كما زادت بقوة من وجود سفنها الحربية ومجموعات التدخل السريع في المنطقة.
أيضاً يخطط الجيش الروسي لبناء محطة رادار عالية التطور في شبه جزيرة القرم، لكي تكون بديلاً عن سابقتها القديمة سوفياتية الصنع، وستصبح أيضاً محطة رئيسة للإنذار المُبكر. وتهدف روسيا من خلال المشروع الجديد لتعزيز إمكاناتها في مراقبة المجال الجوي في جنوب البلاد وغربها، وكذلك في رصد وملاحقة الأجسام المعادية. ويبدأ الجيش الروسي تشييد المحطة الجديدة خارج مدينة سيفاستوبول مع بداية عام 2019، في حين ستكون قدراتها العسكرية مشابهة لرادار «فورونيج» للإنذار المُبكر.

حرب بين «شقيقين»
الجدير بالذكر، أنه منذ اندلاع المواجهة الروسية الأوكرانية إثر ضم القرم في 2014، عمل الطرفان على هدم روابط تاريخية كانت تجمع الشعبين اللذين تربطهما أصول سلافية مشتركة، بجانب تداخل ثقافي وحضاري يمتد إلى قرون طويلة. ومن رُزَم القرارات في هذا الاتجاه حظر الكتب والأفلام السينمائية، والتضييق على اللغة والعمالة الوافدة في البلدين، وإغلاق الطرق البرية وتعطيل رحلات سكك الحديد، إلى جملة من الإجراءات التي ألغي بعضها لاحقاً بعدما ثبت أنها غير عملية. لكن في المحصّلة بدا أن الشعبين يدفعان ثمن الخلاف السياسي، وأكثر من هذا، تحوّل «هاجس العدوان الروسي» إلى عنصر داخلي مهم في أوكرانيا لدفع السياسات واتخاذ القرارات، حتى أن أوكرانيا قررت أخيراً إلغاء «معاهدة الصداقة والتعاون» الموقعة منذ سنوات طويلة مع روسيا، في خطوة تبدو أنها المسمار الأخير في نعش العلاقات التاريخية بين البلدين.
ومع أن «الشقيق الأكبر» (أي روسيا) كان أكثر تحفّظاً في التعامل مع هذه القرارات، لجأ الكرملين بعد أزمة كيرتش إلى اتخاذ قرارات جديدة تصبّ في الاتجاه ذاته. إذ وقع الرئيس بوتين مرسوماً لاتخاذ تدابير اقتصادية خاصة ضد إجراءات أوكرانيا «غير الودية». ويوعز المرسوم للحكومة الروسية بتحديد الأفراد والهيئات الاعتبارية الأوكرانية التي ستشملها التدابير الاقتصادية الخاصة، إضافة إلى تحديد نوع التدابير. ووفقاً للمرسوم، ستلغي موسكو تدابيرها الاقتصادية الخاصة بحق أوكرانيا، في حال ألغت كييف قيودها، التي فرضتها منذ 2014 على مواطنين وشركات روسية.
وتضمّنت الإجراءات الأوكرانية وقف شراء الغاز الروسي بشكل مباشر، وحظر رحلات الطيران بين روسيا وأوكرانيا. وفي سبتمبر (أيلول) 2015 فرضت أوكرانيا عقوبات على 388 شخصية و105 شركات روسية، كما فرضت عام 2017 قيوداً على 5 مصارف روسية لها فروع فيها، بجانب فرضها عقوبات على وسائل إعلام روسية.
وتزامن هذا مع عودة الحديث عن «حروب الغاز» إلى الواجهة، وهذا أمر مقلق جداً لأوروبا التي تعمل على توفير حد أدنى من استقرار صادرات الغاز الروسي إليها. وللعلم، فإن نحو 34 في المائة من الغاز الطبيعي الروسي المرسل إلى أوروبا يمر عبر الأراضي الأوكرانية. ودعا الاتحاد الأوروبي، الروس والأوكرانيين أخيراً، لمناقشة مستقبل إمدادات الغاز الروسية لأوروبا عبر أوكرانيا، قبل انتهاء مدة الاتفاق الحالي في نهاية 2019.
لكن المهمة الأوروبية تبدو صعبة، لأن مجموعتي الغاز الروسية «غاز بروم» والأوكرانية «نافتو غاز» تخوضان صراعاً قضائياً أمام المحاكم الأوروبية منذ سنوات. وتعتزم «غاز بروم»، التي خفضت كثيراً كميات الغاز التي تصدرها عبر أوكرانيا التوجه نحو خفض إضافي بعد إتمام مشروعي أنابيب الغاز اللذين سيلتفان على أوكرانيا، وهما «التيار التركي» الذي أطلقه الجانبان الروسي والتركي أخيراً، و«نورد ستريم 2» الذي تأمل «غاز بروم» بدء عمله بنهاية 2019. وهو خط ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق.
ونذكر هنا، أن خط الإمداد الجاري تطويره «نورد ستريم 1» غدا في الفصل الأول من العام 2018 الخط الرئيسي لنقل الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي (36 في المائة من مجمل صادرات الغاز مقابل 34 في المائة عبر أوكرانيا)، وفق المفوضية الأوروبية. لكن «حروب الغاز» لا تبدو مرشحة للتسوية، ذاك أنه على الرغم من تأكيدات برلين لفترة طويلة أن هذا الخط «تجاري»، سدّدت المستشارة أنجيلا ميركل ضربة مفاجئة إلى المشروع في أبريل (نيسان) الماضي، عندما طالبت بتكريس دور أوكرانيا في نقل الغاز الروسي إلى أوروبا.
في المقابل، طالب الرئيس الأوكراني، أوروبا، بألا تتعامل مع الغاز الروسي، بحجة أن «روسيا تشن سياسة عدوانية يجري تمويلها من عائدات الغاز». وهو الموقف نفسه الذي ينادي به الرئيس ترمب.


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».