الخميرة... مخلوق سحري لم يبح بكل أسراره

الخميرة... مخلوق سحري لم يبح بكل أسراره

«الشرق الأوسط» ترصد تطبيقاتها في الدواء والغذاء وأبحاث الجينوم
الاثنين - 11 ذو القعدة 1439 هـ - 23 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14482]
القاهرة: حازم بدر
لا تتجاوز معلومات الكثيرين عن الخميرة نطاق استخدامها في مجال الصناعات الغذائية، فهي بالنسبة لهم عبارة عن كائنات حية دقيقة، تفرز إنزيماتها عند وجود الماء والسكر، لتقوم تلك الإنزيمات بتحليل السكر وإنتاج ثاني أكسيد الكربون، الذي يعمل على نفش العجين وانتفاخه.
ومع أهمية هذا الاستخدام الذي يعود الفضل في اكتشافه إلى العالم الفرنسي لويس باستور، إلا أن العلم لم يتمكن إلى الآن من سبر أغوار هذا المخلوق العجيب الذي لا يزال يحتفظ بالكثير من أسراره التي يتنافس الباحثون في التوصل إليها وتوظيفها لخدمة البشرية.
- الخميرة والإنسان
وكانت إحدى الاكتشافات التاريخية في المجال، عندما توصل العلماء لحقيقة اشتراك الخميرة مع الإنسان في 30% من جيناته، ليقوم العلماء بتوظيف هذا الاكتشاف في فهم التركيبة البيولوجية للإنسان وتقدمه في العمر، وهو ما أحدث تحولا في الأبحاث الإكلينيكية وفهم الأمراض.
ويشير بحث نشرته، أخيراً، دورية Nature reviews Molecular Cell Biology إلى أهم الإنجازات التي ترتبت على اكتشاف اشتراك الخميرة مع الإنسان في 30 في المائة من الجينات، ومنها اكتشاف إنزيم (TDP2) باستخدام مسح لجينات الإنسان في خلايا الخميرة.
وتقول د.منة الله الصيرفي، الباحثة بقسم البيولوجيا الجزئية بمعهد كريبس في جامعة شيفلد البريطانية، التي شاركت في البحث لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الاكتشاف ساعد في تحديد الطفرات الموجودة في إنزيم TDP2 بمجموعة من المرضى الذين يعانون من مرض عصبي يسبب الإعاقة الذهنية، ليقود ذلك إلى اكتشاف الدور الذي يلعبه هذا الإنزيم في الحفاظ على التكامل الوراثي في الأنسجة العصبية.
وساعد على هذا الاكتشاف الاختيار الجيد لسلالة الخميرة، لذلك كان أحد أهم أهداف البحث هو توجيه الباحثين إلى اختبار احتواء سلالة الخميرة على هذا الجين تفاديا لأي تفسير خاطئ للنتائج نفقد معه أحد أهم مزايا الخميرة وهي فهم التركيبة البيولوجية للإنسان والأمراض.
- تطبيقات الخميرة
> إنتاج السكر الكحولي. وإذا كان للخميرة دور مباشر في اكتشاف إنزيم (TDP2)، كما كشفت د.منة الله، فإن لها توظيف آخر في مجال الاستفادة من المخلفات الزراعية، كما كشف الباحث هيثم أحمد زكي في أطروحته للحصول على درجة الماجستير من قسم الكيمياء الحيوية بكلية الزراعة جامعة الأزهر.
واستخدم الباحث في دراسته الخميرة للمساعدة في إنتاج الزيلتول (السكر الكحولي) من قوالح الذرة (الثمرة الجافة بعد تقشيرها).
وتحتوي القوالح على الكربوهيدرات المتمثلة في السليلوز والهيمسليلوز حيث تتراوح نسبه السليلوز من 33.7 - 41.2 في المائة والهيمسليلوز 31.9 - 36.6 في المائة، كما تحتوي على اللجنين (من 6.1 - 15.9 في المائة).
وقام الباحث في دراسته التي نشر تفاصيلها الموقع الإلكتروني للكلية باستخدام الأحماض لتكسير الهيميسليلوز والسليلوز، الأمر الذي أدى إلى إنتاج كميات كبيرة من السكريات المختزلة والذي يكون أغلبه الزيلوز (السكر البسيط الذي يوجد بشكل طبيعي في كثير من الأطعمة النباتية).
واستخدم الباحث بعد ذلك الزيلوز كمادة أولية في بيئة التخمر بواسطة بعض الخمائر لإنتاج الزيليتول (السكر الكحولي).
> عامل محفز. ومن أبرز تطبيقات الخميرة هو استخدامها في مجال الأدوية، كما فعلت الباحثة إيمان وهبة الجمال بقسم كيمياء المنتجات الطبيعية والميكروبية بشعبة الصيدلة بالمركز القومي للبحوث بمصر، في البحث الذي نشر بدورية «Journal of Bacteriology & Parasitology».
واستخدمت الباحثة الخميرة كعامل محفز لبكتريا أكتينومايستيس Actinomycetes واستربتوميسس جرسيولس Streptomycees griseolus، على إفراز الإنزيمات المحللة والتي يمكن استخدامها في القضاء على بيض الدودة الكبدية (الفاشيولا).
وكانت الباحثة اختبرت ثلاث طرق للاستفادة من الإنزيمات التي تفرزها البكتريا في القضاء على بيض الفاشيولا، الأولى وضع البكتريا مع البيض في طبق لمدة 21 يوما، والثانية زراعة البكتريا أولا في الطبق ثم وضع البيض، والثالثة زراعة البكتريا على وسط غذائي «خميرة الخباز»، ثم معاملة بيض الفاشيولا بالراشح البكتيري الذي يكون ضمن مكوناته الإنزيمات التي تفرزها البكتريا.
وتقول الباحثة لـ«الشرق الأوسط»: «كانت أفضل الطرق تلك التي استخدمت الخميرة، حيث أعطت تأثيرا مثبطا لبيض الفاشيولا بنسبة 95 في المائة، بينما أعطت الطريقتين الأخريين تأثيرا أقل وصل في إحداها إلى 75 في المائة، والثانية 80 في المائة، وهو ما يرجع إلى احتواء الخميرة على (بايو بوليمرز) biopolymers، والتي تحث البكتريا على إفراز الإنزيمات المحللة.
> خميرة الخبز. ولم يخل الاستخدام الأشهر للخميرة من بعض المحاولات للتطوير، التي كانت من نصيب مركز التميز البحثي للنخيل والتمور بجامعة الملك فيصل بالسعودية، والذي حاز على براءة اختراع في إنتاج خميرة الخبز من التمور، من مكتب براءة الاختراع الأميركي US PATENT OFFICE.
والوسط المستخلص من المولاس هو المادة التقليدية لإنتاج الخميرة حول العالم، ولكن مركز التميز البحثي للنخيل والتمور نجح في توفير وسط مستخلص من التمر.
ويكشف تقرير نشره الموقع الإلكتروني للمركز، أنه تمت مقارنة وسط مستخلص التمر مع المولاس، ليتم اكتشاف أن الأول لا يقل بأي حال من الأحوال عن الثاني بل يتفوق عليه في بعض الجوانب مثل محتواه من السكر الذي يعتبر المكون الغذائي الأساسي لإنتاج الخميرة، هذا بالإضافة إلى محتواه من الفيتامينات والعناصر المعدنية اللازمة لنمو خميرة الخبز.
مصر مذاقات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة