تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر

ثورة في علاج الأمراض الوراثية والسرطان

تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر
TT

تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر

تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني في عامها العاشر

تحتاج الابتكارات الطبية عادةً إلى مرور 17 عاماً من نشأتها حتّى تسجيل أوّل فائدة لها لتصبح موجودة حقاً. ولكن في بعض الأحيان، تكون الفكرة قويّة وعميقة جداً بحيث نشعر بتأثيراتها بسرعة أكبر.
تنطبق هذه الحالة على تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني التي تحتفل بعيدها العاشر هذا الشهر. حتّى اليوم، طالت تأثيرات هذه التقنية علوم المختبر، وأسهمت في تحسين الدقّة وتسريع البحث، ولعبت دوراً محورياً في تجارب عيادية لمجموعة من الأمراض النّادرة والسرطانات.
ويتوقّع العلماء أن تؤسّس تقنية «كريسبر» في السنوات العشر المقبلة لعدّة علاجات وأن تُستخدم في تعديل المحاصيل الزراعية لجعلها أكثر إنتاجية ومقاومة للأمراض والتغيّر المناخي.
«إنّها ثورة في طور التقدّم»، كما وصفها د.إريك توبول، طبيب قلب ومؤسس ومدير معهد «سكريبس ريسرتش ترانزليشونال إنستيتيوت». من جهته، يرى براد رينجيسن، المدير التنفيذي لمعهد «إنوفيتف جينوميكس» التابع لجامعة كاليفورنيا، بيركلي، أنّ بروز «كريسبر» أمر «لم يشهد مثيلاً أو نظيراً» في ميدان العلوم، وأنّه «غيّر الطريقة التي تُمارَس بها علوم الأحياء».

تقنية طبيعية رائدة
ما هي تقنية «كريسبر CRISPR»؟ في الطبيعة، تستخدم البكتيريا أنظمة «كريسبر» لتعريف جينات الفيروسات المهاجمة وتعطيلها.
وبناءً عليه، رأى العلم أنّ هذا النظام المناعي البكتيري، الذي يُعرف باسم «التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد clustered regularly interspaced short palindromic repeats»، قابل لإعادة التوجيه لاستخدامه في تعديل خلايا النباتات والحيوانات والبشر.
تتمتّع «كريسبر» بقدرة تتيح لها العثور على بقعة محدّدة في واحدة من سلاسل الحمض النووي واقتطاع جزءٍ منها، وإضافة أو حذف «حرف» أو حتّى كلمة جينية. ووصف فيودور أورنوف، المتخصص بالتعديل الجيني من معهد «إنوفيتف جينوميكس» التابع لجامعة كاليفورنيا، بيركلي، هذا الأمر «بالعجائبي حقاً. فقد نجح في كلّ موضع بيولوجي جُرِّب فيه».
في أواخر يونيو (حزيران) من عام 2012، نشرت عالمتا الكيمياء الحيوية جينيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه، ورقة بحثية تصف طريقة عمل «كريسبر» لتعديل الجينات. (فازت العالمتان بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 لاكتشافاتهما في هذا المجال). وفي يناير (كانون الثاني) 2013، أثبت باحثون من جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتقنية أنّهم يستطيعون استخدام «كريسبر» لتعديل الخلايا في الثدييات (اللبائن).
وفي بداية هذا الشهر، نشرت العالمة دودنا، أستاذة محاضرة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، ورقة بحثية في دورية «ساينس»، تسلّط فيها الضوء على التقدّم الذي تحرزه التقنية ووعودها المستمرّة.
وقالت دودنا في رسالة إلكترونية لاحقة: «قطع كريسبر شوطاً طويلاً في 10 سنوات، أبعد بكثير مما تخيّلنا عندما نشرنا ورقتنا البحثية الأولى. في كلّ عام، نرى المزيد من التجارب العيادية والعلاجات الجديدة المدفوعة بتقنية كريسبر».

تعديلات جينية
كان التعديل الجيني موجوداً قبل «كريسبر» ولكنّه لم يكن فعّالاً. تتميّز هذه التقنية بالسهولة والسرعة، وتتيح المزيد من الدقّة في التعديلات مقارنةً بالتقنيات السابقة، حسب بعض الخبراء.
من جهتها، رأت بيفرلي دايفدسون، عالمة متخصصة بالأعصاب في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، أنّ «حياتنا كعلماء من دون (كريسبر) كانت ستصبح أصعب بكثير، والأمثلة على ذلك كثيرة».
وأضافت أنّ التقنية تتسم بقابلية التكيّف والدقّة لأنّها تسهّل الكثير من الأنشطة المخبرية، لافتةً إلى أنّ الطلّاب الجامعيين حتّى في مخبرها مؤهلون للتدرّب على استخدام «كريسبر» بطريقة صحيحة وفعّالة.
لا يخلو «كريسبر» من التأثيرات خاطئة التصويب لأنّه أحياناً يستهدف جينات غير مقصودة ولكنّ هذا الخطر لديه أقلّ بكثير من أدوات التعديل الأخرى.
ورأى د.جون ليونارد، الرئيس والرئيس التنفيذي في شركة «إنتيليا ثيرابوتيكس» التي تطوّر علاجات باستخدام «كريسبر» لأمراض نادرة وسرطانات، أنّ هذا هو السبب الكامن خلف التقدّم البطيء والمتأنّي لمجال تعديل الجينات خصوصاً أن العمل الفوضوي يمكن أن يسبِّب سرطانات ومشكلات أخرى. وأضاف ليوناردو أنّه «لا أحد يريد ارتكاب خطأ يضرّ بإمكانيات هذه التقنية لأنّها استثنائية».
> علاج السرطان: تملك تقنية «كريسبر» القدرة على تحسين علاجات السرطان من خلال تنشيط الجهاز المناعي. وقد استُخدمت منذ 2016 في تجارب على مرضى سرطان الدم لتعديل خلاياهم المناعية خارج الجسم وتحضيرها للمهاجمة السرطان.
أظهرت هذه المقاربة، التي تسمّى «كار - تي CAR - T» (مستقبلات المستضد الخيمرية للخلايا التائية) فاعلية في مواجهة أنواع عدّة من سرطان الدم.
ولكنّ صناعة مستقبلات «كار - تي» لا تزال حتّى اليوم فردية لكلّ مريض لقاء مبالغ مالية مرتفعة قد لا يملكها الشخص.
تعمل اليوم شركة «كاريبو بيوساينسز» على تطوير نسخة تجارية من العلاج تكون محضّرة بانتظار المريض الذي يحتاج إليها، حسب رايتشل هورويتز، الرئيسة التنفيذية للشركة، والشريك المؤسس لها مع جينيفر دودنا. يوفّر هذا الأمر أسابيع من وقت التحضير والكلفة المحتملة.
وكشفت هورويتز أنّه لم يتم رصد أي أثر للسرطان في التجربة العيادية الأولى وبعد جرعة واحدة من هذا العلاج لدى ستّة مرضى غير مصابين بداء «هودجكن».
> علاج الأمراض النادرة: يتسبب «سوء التهجئة» الجيني الواحد (أي ارتباك تركيبة أحد الجينات) بأكثر من ستّة آلاف مرض وراثي نادر. في هذه الحالات، تقدّم تقنية «كريسبر» فرصة لقصّ الجين العائب وتنشيط جين آخر، أو إزالة «الأحرف» الجينية المسبِّبة للمشكلات.
من المتوقّع أن يشهد هذا العام الترخيص لأوّل علاج جيني لفقر الدم المنجلي بالاعتماد على قصّة «كريسبر».
في المقابل، قالت د.تيبّي ماكينزي، جرّاحة متخصصة بالأطفال والأجنّة في جامعة كاليفورنيا - سان فرنسيسكو، إنّه «من الصعب تطوير مقصّ واحد لعلاج كلّ تلك الطفرات في أمراض أخرى». وماكينزي هي مديرة مركز «إيلي وإديث برود للطبّ التجديدي وأبحاث الخلايا الجذعية» في جامعة كاليفورنيا – سان فرنسيسكو. وأشارت مثلاً إلى مرض «داء اختزان الغلايكوجين Pompe disease»، الذي يُضعف عضلات القلب والهيكل العظمي، ويملك مائة متغيّر يحتاج كلّ واحدٍ منها لتعديل جيني مختلف لتصحيحه.
في هذه الحالة، سيتوجب على الباحثين إمّا التوصّل إلى تعديلٍ جيني يصحّح أكثر من متغيّر، أو إلى طريقة تتيح لهم تطوير تعديل خاص بكلّ شخص يعاني من المرض.
في عملها، تسعى ماكينزي لتطوير مقاربات تعديل جيني يمكن استخدامها في الأجنّة في آخر الفصل الثاني أو في الفصل الثالث من الحمل، لعلاج الأمراض في الرحم والتي قد تسبب أضراراً مع تقدّم نموّ الطفل.
قد يصحّح التعديل الجيني مرضاً يعاني منه الجنين، ولذا فإنه لن ينتقل إلى الأولاد الذين قد ينجبهم لاحقاً. وتؤكّد ماكينزي أنّ «علاج الأمراض قبل الولادة له مكاسب عدّة».
> فرص التعديل الجيني في المحاصيل: يصف رينجيسن قدرات «كريسبر» في تحسين المحاصيل «بالملحوظة»، ويرجّح أنّها قد تساعد في تأمين الغذاء لمليارات الأشخاص حتّى مع ارتفاع مخاطر التغير المناخي كالفيضانات والجفاف والأمراض.

تحديات المستقبل
وقع الجدل الأكبر حول تقنية «كريسبر» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، عندما اتّهمت تقارير إعلامية العالِم الصيني هي جيانكوي، باستخدام أداة التعديل الجيني لتعديل أجنّة بشرية.
يدعم معظم العلماء وخبراء الأخلاق الطبية فكرة استخدام التعديل الجيني لتحسين حياة شخصٍ يعاني من مرض خطير، ولكنّهم يرتعبون من فكرة تعديل جينوم جنين بشري وإحداث تغيير ستتوارثه الأجيال التالية.
في هذا السياق، قال ليوناردو، من شركة «إنتيليا ثيرابوتيكس»: «نحن لا نملك المعرفة الكافية في البيولوجيا البشرية للقيام بتغييرات هندسية جينية نيابةً عن البشر غير المولودين، ولا يمكننا الحصول على موافقة الطفل غير المولود لإخضاعه لهذه الإجراءات». نظرياً، يمكن علاج أو تجنّب جميع الحالات التي قد تستفيد من هذا النوع من التعديل بطريقة أخرى.
قد يعمد بعض الفاسدين إلى الاستمرار في هذا المجال في محاولة منهم «لتصميم الأطفال»، ولكنّ العلم والشركات تركّز على حلّ مشكلات طبية واجتماعية ملحّة.
تواجه تقنية «كريسبر» أيضاً تحديين كبيرين آخرين يعيقان اكتسابها القبول الواسع كعلاج طبي، وهما: الكلفة الباهظة لها، وإيجاد طريقة تتيح توصيل التعديل الجيني إلى المزيد من الأعضاء والخلايا.
تصل كلفة علاج واحد للبالغين المصابين بنزف الدم الوراثي (هيموفيليا)، (حصل على ترخيص إدارة الغذاء الدواء الأميركية العام الماضي)، إلى نحو 3.5 مليون دولار في المرّة الواحدة.
يعاني 300 مليون شخص حول العالم من أمراض يسببها جين واحد، وتعيش الغالبية الساحقة من هؤلاء في دولٍ غير مجهّزة بأنظمة عناية صحيّة متطوّرة. هنا، يتساءل أورنوف: «هل نريد مستقبلاً تكون فيه كلفة كلّ واحدٍ من هذه العلاجات ثلاثة ملايين دولار؟ ونعلم طبعاً أين يمكن أن يتوفر ومن يستطيع دفع ثمنه».
ويأمل الباحثون أن يصبحوا قادرين يوماً ما على الاعتماد على تعديل عدّة جينات في وقتٍ واحد، الأمر الذي سيتيح لتقنية «كريسبر» علاج أمراض أكثر شيوعاً وتعقيداً.

* «يو إس إيه توداي»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف أعاد «المنطق الضبابي» رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي؟

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
TT

كيف أعاد «المنطق الضبابي» رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي؟

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري

عندما يدخل مريض إلى العيادة وهو يشكو من ألم في الصدر، نادراً ما تكون الإجابة الطبية فورية أو قاطعة. فالطبيب لا يفكر عادة بمنطق «مريض» أو «سليم»، بل يتحرك داخل مساحة واسعة من الاحتمالات: خطر منخفض أو متوسط أو مرتفع، وأعراض قد تشير إلى أكثر من مرض، وتشخيصات تتغير مع كل معلومة جديدة.

هذه المنطقة الرمادية هي جوهر الممارسة الطبية اليومية، فالجسد البشري لا يتحدث بلغة الأرقام الحاسمة، بل بلغة الاحتمالات وعدم اليقين. ولهذا ظل الطب، لعقود طويلة، أكثر تعقيداً من أن يُختزل في معادلات بسيطة أو قرارات ثنائية جامدة.

ومن هنا برز أحد أكثر المفاهيم إثارة للاهتمام في الذكاء الاصطناعي الحديث: «المنطق الضبابي» (Fuzzy Logic)، وهو نموذج رياضي يسمح للآلة بالتعامل مع درجات الاحتمال والتدرج، بدل الاكتفاء بأحكام صارمة من نوع «نعم» أو «لا». وقد طوّر هذا المفهوم البروفيسور لطفي زادة، عالم الرياضيات الأميركي من أصل أذربيجاني وأستاذ جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في ستينات القرن الماضي، قبل أن يعود اليوم إلى قلب النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي بوصفه من الأدوات الواعدة لجعل الذكاء الاصطناعي أقرب إلى الطريقة التي يفكر بها الأطباء في العالم الحقيقي.

كيف يفكر المنطق الضبابي؟

«المنطق الضبابي»

• عودة علمية قوية. لم يكن المنطق الضبابي مجرد فكرة رياضية قديمة عادت إلى الحياة فجأة، بل جاء رجوعه استجابةً لمشكلة بدأت تزداد وضوحاً مع انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة في الطب. ففي مراجعة علمية موسعة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «أنظمة الخبراء مع التطبيقات» (Expert Systems With Applications)، قادها الباحث الإيطالي ماسيمو سالفي من جامعة البوليتكنيك في تورينو، حلّل الباحثون 88 دراسة منشورة بين عامي 2017 و2025 تناولت استخدام المنطق الضبابي في التطبيقات الصحية. وكشفت النتائج عن عودة ملحوظة للاهتمام بهذا المجال منذ عام 2023، بعد سنوات من هيمنة نماذج التعلم العميق التي بدت لفترة طويلة الخيار الأكثر تطوراً في الذكاء الاصطناعي الطبي.

لكن مع اتساع استخدام هذه النماذج، ظهرت مشكلة جوهرية. فأنظمة كثيرة كانت قادرة على الوصول إلى نتائج دقيقة، لكنها لم تكن قادرة دائماً على تفسير الكيفية التي وصلت بها إلى تلك النتائج. وهكذا برز ما يعرف في الأوساط العلمية بـ«مشكلة الصندوق الأسود»، حيث تقدم الخوارزمية الإجابة، لكنها لا تكشف بوضوح مسار التفكير الذي قاد إليها.

وفي الطب، لا تكفي الدقة وحدها. فالأطباء لا يريدون معرفة التشخيص فقط، بل يريدون فهم المنطق الذي يقف وراءه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تؤثر في حياة المرضى. وهنا عاد المنطق الضبابي إلى الواجهة، ليس بوصفه منافساً للذكاء الاصطناعي الحديث، بل أداةً قد تساعد على جعل قراراته أكثر شفافية وقابلية للفهم.

• كيف يفكّر المنطق الضبابي؟ تكمن الفكرة الأساسية في المنطق الضبابي في أنه لا يجبر الآلة على الاختيار بين «نعم» و«لا» فقط، بل يسمح لها بالتعامل مع درجات متعددة من الاحتمال وعدم اليقين. فبدل أن تصنّف الحالة على أنها مرض أو لا مرض، تستطيع الخوارزمية أن تقدّر أن خطر الإصابة مرتفع أو متوسط أو منخفض، وأن بعض المؤشرات تميل إلى تشخيص معين أكثر من غيره.

وهذا ما يجعل المنطق الضبابي أقرب إلى طريقة التفكير السريري التي يعتمدها الأطباء في حياتهم اليومية. فالقرار الطبي لا يُبنى غالباً على معلومة واحدة حاسمة، بل على مجموعة من المؤشرات التي تختلف قوتها وأهميتها من مريض إلى آخر.

ووفقاً للمراجعة العلمية، دخل المنطق الضبابي اليوم إلى عدد كبير من التطبيقات الطبية، شملت تحليل صور الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، واكتشاف أورام الدماغ، وتشخيص الأمراض العصبية المرتبطة بتدهور وظائف الدماغ مثل ألزهايمر وباركنسون، فضلاً عن تحليل إشارات الدماغ والقلب ودعم القرار السريري داخل المستشفيات.

واللافت أن بعض الأنظمة التي جمعت بين المنطق الضبابي وتقنيات التعلم العميق حققت مستويات دقة تجاوزت 95 في المائة ببعض تطبيقات التصوير الطبي وتحليل الإشارات الحيوية، ما يشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يعتمد على قوة الخوارزميات وحدها، بل على قدرتها على التعامل مع التعقيد وعدم اليقين اللذين يميزان الطب الحقيقي.

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري

تحديات الجيل الحديث للذكاء الاصطناعي

يرى الباحثون أن عودة المنطق الضبابي لا تعكس حنيناً إلى فكرة قديمة، بل استجابة لتحديات جديدة فرضها الجيل الحديث من أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمع ازدياد قوة الخوارزميات وقدرتها على تحليل كميات هائلة من البيانات، برزت في المقابل مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن الدقة نفسها: قابلية التفسير.

فالطب بطبيعته لا يقوم على حقائق مطلقة دائماً. فالأعراض قد تتشابه بين أمراض مختلفة، وصور الأشعة قد تحتمل أكثر من قراءة، والبيانات السريرية قد تكون ناقصة أو غير مكتملة. وفي مثل هذه البيئات المليئة بالغموض وعدم اليقين، تبدو الأنظمة القادرة على التعامل مع التدرج والاحتمالات أكثر قرباً من التفكير السريري الحقيقي.

ولهذا يكتسب المنطق الضبابي أهمية متجددة، لأنه لا يكتفي بتقديم إجابة نهائية، بل يستطيع التعبير عن درجة الثقة ومستوى عدم اليقين المرتبطين بالقرار الطبي نفسه. وبذلك لا يحصل الطبيب على النتيجة فقط، بل على صورة أوضح لكيفية الوصول إليها وحدود الثقة بها.

ومن هنا يرى عدد كبير من الباحثين أن الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يُقاس فقط بسرعة المعالجة أو حجم البيانات التي يحللها، بل بقدرته على تفسير قراراته بطريقة يفهمها الطبيب ويستطيع الدفاع عنها أمام المريض.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

«الذكاء المرن»

• من «الآلة الدقيقة» إلى «الذكاء المرن». وربما تكمن أكثر النتائج إثارة في هذه المراجعة العلمية في التحول الفكري الذي بدأ يتشكل داخل أبحاث الذكاء الاصطناعي الطبي نفسها. فبعد سنوات من التركيز على بناء أنظمة تعتمد على البيانات الضخمة والقدرات الحسابية الهائلة، بدأ الباحثون يدركون أن التفكير الطبي البشري لا يقوم على الأرقام وحدها.

فالطبيب الخبير لا يتخذ قراره اعتماداً على نتيجة مخبرية أو صورة شعاعية فقط، بل يدمج بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والتقدير التدريجي للمخاطر والاحتمالات. وبعبارة أخرى، فإن جزءاً مهماً من التفكير الطبي يعيش داخل المنطقة الرمادية التي يصعب اختزالها في معادلات رقمية صارمة.

ولهذا بدأت تظهر أنظمة هجينة تجمع بين تقنيات التعلم العميق والمنطق الضبابي، في محاولة للاستفادة من قوة الحوسبة الحديثة دون التخلي عن المرونة التي تميز التفكير السريري البشري. ويصف بعض الباحثين هذا التوجه بأنه انتقال من «الآلة الدقيقة» إلى «الذكاء المرن»؛ أي ذكاء لا يسعى فقط إلى العثور على الإجابة الصحيحة، بل إلى فهم درجة عدم اليقين الكامنة داخل السؤال نفسه.

وفي عالم الطب، قد يكون هذا الفارق بالغ الأهمية، لأن القرار الأفضل ليس دائماً ذلك الذي يبدو الأكثر يقيناً، بل ذلك الذي يدرك حدود يقينه أيضاً.

• هل يقترب الذكاء الاصطناعي من طريقة تفكير الطبيب؟ ربما لا تكمن أهمية المنطق الضبابي في كونه أداة رياضية جديدة، بل في أنه يعكس تحولاً أعمق في الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى الذكاء الاصطناعي نفسه. فبعد عقود من السعي إلى بناء أنظمة أكثر سرعة ودقة، بدأ الاهتمام يتجه نحو بناء أنظمة أكثر قدرة على التعامل مع الغموض وعدم اليقين، وهما عنصران يلازمان الممارسة الطبية منذ نشأتها.

إن الطبيب لا يواجه يومياً حقائق مطلقة، بل يتعامل مع أعراض غير مكتملة، وبيانات ناقصة، واحتمالات تتغير مع كل معلومة جديدة. ولهذا لا تقوم الخبرة السريرية على اليقين الكامل، بل على القدرة على اتخاذ القرار في ظل قدر من الشك المحسوب.

ومن هنا تكتسب عودة المنطق الضبابي دلالة تتجاوز الجانب التقني. فهي تشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يكون في بناء أنظمة تفكر بطريقة أكثر صرامة من الإنسان، بل في تطوير أنظمة تفهم أن العالم الحقيقي ليس أبيض أو أسود دائماً. فكلما اقتربت الخوارزميات من فهم المنطقة الرمادية التي يعيش فيها الطب، ربما اقتربت خطوة إضافية من فهم الطريقة التي يفكر بها الأطباء أنفسهم.


«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب
TT

«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب

في صباح أحد أيام عام 2019، كان أديبايو ألونغ يستعد لدخول غرفة فندق بمدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا؛ لعرض حل شركته الناشئة القائم على الذكاء الاصطناعي، لمشكلة خطيرة في الرعاية الصحية الأفريقية: رصد الأدوية المقلََدة، التي تودي بحياة آلاف الأشخاص في جميع أنحاء القارة كل عام.

جهاز "آر اكس سكانر" لرصد الادوية المزيفة

جهاز رصد الأدوية المزيفة بالذكاء الاصطناعي

جهاز «آر إكس سكانر» RxScanner هو مطياف (جهاز للتحليل الطيفي) محمول باليد يفحص حبة الدواء بالأشعة تحت الحمراء، ثم يرسل الملف الجزيئي (تركيبة الجزيئات) للدواء إلى نموذج ذكاء اصطناعي مزود بقاعدة بيانات صيدلانية. وفي غضون ثوانٍ، يحدد الذكاء الاصطناعي الدواء من خلال ملفه الجزيئي، أو يُبلغ بأنه مزيف.

كانت الصيدليات تستخدم النظام في أكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك غانا، وكينيا، وميانمار ونيجيريا، موطن ألونغ. لكن في ذلك الصباح في جنوب أفريقيا، لم يعمل النظام. يقول ألونغ: «لقد صُدمت». تم توصيل جهاز قياس الطيف بنموذج الذكاء الاصطناعي، لكن مركز البيانات كان يبعد 14000 كيلومتر، وكانت سرعة الإنترنت محدودة. ونقل موقع «سييكتروم» لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية عن ألونغ قوله: «كان خادمنا (الكومبيوتري) في الولايات المتحدة، وكان الحصول على نتيجة مسح واحد يستغرق مني أكثر من 5 دقائق».

لذا؛ طلب ألونغ على الفور من مهندسيه تصغير نموذج الذكاء الاصطناعي إلى نسخة أقل حجماً، منخفضة الطاقة، وغير متصلة بالإنترنت، بحيث يمكن تشغيلها بالكامل على هاتفه الذي يعمل بنظام أندرويد. وقد أنجزوا ذلك بعد ساعتين؛ ما أنقذ العرض التوضيحي. والأهم من ذلك، أن هذا العمل أثمر عن نسخة جديدة من جهازه، قادرة على التحقق من صحة حبة دواء في أماكن تفتقر إلى الإنترنت عالي السرعة، وأجهزة الكمبيوتر، أو حتى الكهرباء الموثوقة. كما حوّل ألونغ داعماً لهذا النوع من «الذكاء الاصطناعي المصغر».

الذكاء الاصطناعي المصغر للرعاية الصحية عالمياًيختلف الذكاء الاصطناعي المصغر اختلافاً كبيراً عن نماذج اللغة الضخمة (LLMs) ومراكز البيانات فائقة التوسع والاستثمارات التي تبلغ مليارات الدولارات، وهو بعيد عن النقاشات الدائرة 3حول وعي الذكاء الاصطناعي في الدول الغنية. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، فإن الذكاء الاصطناعي الوحيد المهم، وغالباً ما يكون النوع الوحيد المتاح، هو «الذكاء الاصطناعي المصغر».

ووفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، فلم يستخدم برنامج «تشات جي بي تي» سوى 0.7 في المائة من مستخدمي الإنترنت في أفقر دول العالم، مقارنةً بربع مستخدمي الإنترنت في الدول الأكثر تقدماً.

قال أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي: «يناقش معظم الناس الذكاء الاصطناعي من منظور التعلم الآلي/التوليدي. لكن هذا يتطلب قدرة حاسوبية هائلة، وكهرباء، وبيانات ضخمة، وكوادر مؤهلة لإدارته. وخارج العالم المتقدم، باستثناء ربما الهند والصين، لا تمتلك سوى قلة قليلة من الدول هذه المكونات».

في المقابل، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة أن تقدم خدمات مفيدة، بل ومنقذة للحياة، لسكان المناطق التي تفتقر إلى كل هذه الموارد، كما أوضح بانغا.

رصد الآفات الزراعية واعتلال القلب

وفي الهند، حيث تدعو خطط الحكومة للذكاء الاصطناعي إلى تطوير المزيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة، تعمل الكثير من هذه الأنظمة لصالح المزارعين.

على سبيل المثال، يقوم نظام يعتمد على الطائرات المسيّرة، طوّره بالا موروجان وزملاؤه في معهد فيلور للتكنولوجيا بالهند، بالتقاط صور لنباتات الكاجو وتحديد تلك التي تظهر عليها بقع تدل على المرض بسرعة. وتُجرى جميع عمليات المعالجة على الطائرة المسيّرة نفسها، لذا لا حاجة إلى حاسوب في الموقع، ولا إلى اتصال بخادم مركزي.

باستخدام نماذج لغوية صغيرة مُدرَّبة على حلّ مشكلة مُحدَّدة، وأحياناً تعمل على أجهزة رخيصة ومنخفضة الطاقة، طُوِّرت تطبيقات أخرى للذكاء الاصطناعي الصغير لتحديد انتشار النمل في مزارع العنب في أوروغواي، والكشف عن وجود البعوض الناقل للملاريا في عدد من الدول، وإجراء تخطيط كهربائية القلب من جهاز أردوينو في مناطق من البرازيل تفتقر إلى المعدات الأكثر تعقيداً.

يقول مارسيلو خوسيه روفاي، الأستاذ في معهد الهندسة ونظم المعلومات بالجامعة الفيدرالية في إيتاجوبا بالبرازيل، والذي شارك في المشاريع الثلاثة: «هذا هو أهم مجال في الذكاء الاصطناعي اليوم. إنه ينمو بسرعة كبيرة».

نماذج صغيرة منخفضة الطاقة

بالنسبة لألونغ وروفاي وغيرهما من المؤيدين لهذه التوجهات، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي الصغير مجرد «اتجاه واعد»، كما وصفه تقرير البنك الدولي، بل قد يكون، على المدى البعيد، الشكل الأمثل للذكاء الاصطناعي الذي سيؤثر في حياة أكبر عدد من الناس ويظل مستداماً بعد أن أصبحت بعض النماذج الضخمة باهظة الثمن بالنسبة لمعظم المستخدمين.

يقول ألونغ: «أعتقد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يكمن في نموذج ضخم واحد في مركز النظام، بل في ملايين النماذج الصغيرة والدقيقة المنتشرة على نطاق واسع، حيث يحلّ كل نموذج منها مشكلة محددة في سياق معين». ويعود ذلك جزئياً إلى أن شريحة كبيرة من البشرية - بما في ذلك سكان بعض الدول الغنية والنامية - لا تستطيع الوصول إلى أحدث النماذج المتطورة. ولكنه يضيف أن السبب أيضاً هو أن هذه النماذج غير مستدامة.

لا يوجد تعريف دقيق لمصطلح «الذكاء الاصطناعي المصغر»، لكن يُستخدم هذا المصطلح عادةً لوصف نماذج اللغة التي لا تتجاوز بضعة مليارات من المعاملات. (قارن ذلك بالنماذج المتطورة التي قد تحتوي على أكثر من تريليون معامل). هذا الحجم الصغير كافٍ لتشغيلها مباشرةً على الهاتف أو جهاز كمبيوتر «راسبري باي» Raspberry Pi. وهذا ما يسمح لهذه التطبيقات بالعمل على الأجهزة دون الحاجة إلى اتصال بمركز بيانات، وباستهلاك بضعة وحدات واط فقط من الطاقة، التي غالباً ما تُستمد من بطارية أو لوحة شمسية.

يقول روفاي إنه على الرغم من صغر حجمها، فإن هذه النماذج لا تختلف جوهرياً عن نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة. فقد تم إنشاء الكثير من نماذج اللغة المصغرة عن طريق «تقليم» النماذج الكبيرة، أو إزالة المعاملات غير الضرورية للمهمة. والنتيجة هي نظام أقل كفاءة بشكل عام، ولكنه لا يزال ممتازاً في المهمة المحددة التي تم تقليمه من أجلها، كما يقول روفاي.

أما النماذج المصغرة الأخرى، فتُنشأ عن طريق «التقطير». يقول روفاي إن هذه الأنظمة تُدرَّب على محاكاة نموذج كبير، حتى يقترب أداؤها من أداء «المعلم». وفي حالات أخرى، تُخفَّض دقة النموذج الأكبر، على سبيل المثال، بحيث يمكن تشغيل نموذج يعمل على بنية 32 بت على تصميمات 8 بت. أما في الحالات التي يُستخدم فيها تطبيق التعلّم الآلي لتصنيف البيانات أو التنبؤ بالأنماط (مثل غزو النمل)، فيُدرَّب منذ البداية على جهاز صغير، وليس مُستمداً من نموذج أكبر على الإطلاق.

تشغيل على الهاتف

ويضيف روفاي، أن تشغيل كل هذه الأنظمة الصغيرة والمتخصصة أصبح أسهل لسببين: أولهما، كما يقول، هو أن الأجهزة تتحسن وتصبح أكثر كفاءة مع استهلاك طاقة أقل. وهذا يعني أن المزيد من الهواتف يمكنها تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي صغيرة، لا سيما تلك المُجهزة بوحدات معالجة عصبية، وهي رقائق متخصصة تتولى مهام الذكاء الاصطناعي مثل التعرّف على الوجوه وتغيير السطوع والظلال والتباين في الصور.

في عام 2025، كان ما يزيد قليلاً على ثلث الهواتف الذكية المُشحونة عالمياً قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 45 في المائة بنهاية هذا العام، وفقاً لشركة الأبحاث التقنية Counterpoint. وبحلول نهاية العام المقبل، سيتمكن ما يزيد قليلاً على نصف الهواتف الذكية من تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي صغير.

السبب الآخر الذي ذكره روفاي هو تقلص حجم نماذج اللغة. يقول روفاي إن كلاً من Gemma 4 من Google DeepMind (الذي صدر في أبريل/نيسان) وQwen 3.5 من Alibaba «رائعان» للذكاء الاصطناعي الصغير. وكلا النموذجين «مفتوح»؛ ما يعني أن المستخدمين يمكنهم تعديل العلاقات بين المعلمات لتناسب احتياجاتهم. وهذا يُسهّل، على سبيل المثال، «أخذ كمية كبيرة من البيانات، مثلاً من قطاع الألبان، وإعادة تدريب النموذج خصيصاً عليها»، كما يقول روفاي.

وأوضح روفاي هذه الأسباب مستخدماً إحدى أحدث تجاربه. يرفع الجهاز ويقول: «هذا هو أردوينو أونو كيو الجديد، وهو جهاز سعره 50 دولاراً أميركياً مزود بشريحة كوالكوم. أقوم بتشغيل نموذج لغوي هنا، يجمع البيانات من أجهزة الاستشعار ويحللها لاكتشاف برك المياه الصغيرة التي قد تتكاثر فيها البعوض. يستهلك 3 واط فقط لتشغيله».

ومع ذلك، لا أحد يدّعي أن نماذج اللغة الكبيرة ستختفي تماماً. يقول روفاي إن إنشاء ذكاء اصطناعي توليدي يعمل على الهاتف أو أي جهاز صغير آخر يتطلب رؤى معمارية ومعالجة بيانات ونتائج نموذج أكبر. ويضيف: «نحن في حاجة إلى النماذج الكبيرة لإنشاء هذه النماذج الأصغر».

وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي المصغر يُمكن أن يُفيد الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الكبير، فإن هذه التقنية لا تستطيع حل المشكلات الأكبر المتمثلة في التنمية وعدم المساواة الرقمية، كما يقول ألونغ. إن تطبيق الذكاء الاصطناعي المصغر لن يُعفي الدول من تحدي إنشاء بيئة داعمة للذكاء الاصطناعي، تشمل: طاقة موثوقة، وسلسلة إمداد فعّالة، ونظام تعليمي يُنمّي المواهب اللازمة لإنشاء أدوات الذكاء الاصطناعي.


لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟
TT

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

رغم أن أمراض القلب تُعد السبب الأول للوفاة بين النساء حول العالم، فإن فهم كيفية تطورها لدى النساء ما زال متأخراً مقارنة بالرجال. لكن دراسة أميركية جديدة قد تساهم في سد جزء من هذه الفجوة بعدما كشفت عن دور جين يبدو أنه يؤثر في تكوّن نوع من الترسبات الشريانية التي تظهر لدى النساء أكثر من الرجال.

الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ونُشرت في مجلة «Circulation Research» في 15 أبريل (نيسان) 2026 سلطت الضوء على جين يُعرف باسم MYH9 قد يساعد في تفسير الاختلافات البيولوجية بين الجنسين في تطور أمراض الشرايين التاجية.

لغز قديم في طب القلب

تنشأ معظم أمراض القلب نتيجة تصلب الشرايين وهي عملية تتراكم خلالها الدهون والخلايا والمواد الالتهابية داخل جدران الأوعية الدموية مكوّنة ما يُعرف باللويحات أو الترسبات الشريانية. ولسنوات طويلة ركز الباحثون على اللويحات غير المستقرة التي قد تتمزق فجأة وتسبب جلطات قلبية حادة. لكن هناك نوعاً آخر يُعرف باللويحات الليفية fibrous plaques يتميز بوجود غطاء سميك من الأنسجة الندبية ويُعتقد أنه أكثر استقراراً.

ورغم أن هذا النوع أقل عرضة للتمزق فإنه لا يخلو من الخطورة؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى نوبات قلبية ومضاعفات خطيرة من خلال تآكل سطح اللويحة أو أن تضيق الشرايين بمرور الوقت. وكانت الدراسات السابقة قد أظهرت أن النساء خصوصاً قبل سن الخمسين أكثر ميلاً لتكوين هذه اللويحات الليفية مقارنة بالرجال إلا أن الأسباب البيولوجية وراء ذلك ظلت غير واضحة.

وللوصول إلى تفسير محتمل قام فريق البحث بقيادة ميتي سيفليك، الأستاذة وخبيرة علم الوراثة البشرية في كلية ديفيد جيفن للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس والمؤلفة الرئيسية للمقال، بتحليل النشاط الجيني في خلايا العضلات الملساء الوعائية. وهي الخلايا المسؤولة عن الحفاظ على بنية الأوعية الدموية وتلعب دوراً أساسياً في تكوين اللويحات الشريانية.

وشملت الدراسة أكثر من 150 متبرعاً بشرياً 119 منهم ذكور و32 من الإناث. حيث فحص العلماء الخلايا المأخوذة من شرايين القلوب المتبرع بها للزراعة. كما استعانوا ببيانات إضافية من دراسات سكانية واسعة في هولندا والسويد تضم عينات فعلية من اللويحات الشريانية.

وباستخدام أدوات تحليل جيني وحوسبة متقدمة قارن الباحثون أنماط عمل الجينات بين الرجال والنساء، ليس فقط على مستوى الجينات الفردية بل من خلال دراسة الشبكات الجينية التي تعمل معاً داخل الخلايا.

جين يتصدر المشهد

أظهرت النتائج وجود شبكتين جينيتين أكثر نشاطاً لدى النساء، وكانت إحداهما مرتبطة بشكل واضح بجين MYH9. ووجد الباحثون أن ارتفاع نشاط هذا الجين ارتبط بوجود لويحات تحتوي على عدد أكبر من خلايا العضلات الملساء ونسبة أقل من الدهون، وهي السمات المميزة للويحات الليفية الأكثر شيوعاً لدى النساء. كما تبين أن نشاط الجين يتركز في المناطق المسؤولة عن تكوين الغطاء الليفي الذي يغطي اللويحة الشريانية ويحافظ على استقرارها.

ويرجّح العلماء أن MYH9 يؤثر في الطريقة التي تستجيب بها الخلايا الوعائية للضغوط الميكانيكية والإشارات البيولوجية المختلفة، بما في ذلك الهرمونات؛ ما قد يساهم في تشكيل اللويحات بصورة مختلفة لدى النساء والرجال. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تقدم تفسيراً بيولوجياً محتملاً لاختلاف أنماط أمراض القلب بين الجنسين، وهي قضية طالما شغلت الباحثين والأطباء. فأعراض أمراض القلب لدى النساء قد تختلف عن الأعراض التقليدية المعروفة لدى الرجال، كما أن بعض الفحوصات التشخيصية قد لا تكشف المرض بالوضوح نفسه. ولهذا السبب تتعرض العديد من النساء للتشخيص المتأخر أو الخاطئ.

ويأمل الباحثون أن يساعد فهم هذه الاختلافات الجينية مستقبلاً على تطوير أساليب أكثر دقة لتقييم خطر الإصابة بأمراض القلب بحيث تراعي الفروق البيولوجية بين النساء والرجال بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد للجميع.

ورغم أن النتائج لن تغيّر الممارسات الطبية الحالية بشكل فوري فإنها تمثل خطوة مهمة نحو ما يُعرف بالطب الشخصي أو الدقيق الذي يعتمد على الخصائص الجينية والبيولوجية لكل فرد لتحديد أفضل وسائل الوقاية والعلاج.

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة كيفية تأثير الهرمونات الجنسية والكروموسومات الجنسية في نشاط جين MYH9، إضافة إلى محاولة فهم الآليات الدقيقة التي تجعله مؤثراً في تكوين اللويحات الشريانية.

ومع استمرار هذه الأبحاث، قد يصبح بالإمكان في المستقبل تطوير علاجات تستهدف هذا المسار البيولوجي تحديداً؛ ما يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة للوقاية من أمراض القلب وعلاجها، خاصة لدى النساء اللواتي ظللن لفترة طويلة أقل تمثيلاً في الدراسات القلبية.

وتؤكد هذه النتائج حقيقة باتت أكثر وضوحاً في الطب الحديث؛ هي أن أمراض القلب ليست متشابهة لدى الجميع. وقد يكون فهم الاختلافات البيولوجية بين النساء والرجال مفتاحاً لإنقاذ المزيد من الأرواح.