«مايو كلينيك»: الذكاء الاصطناعي في ميدان الرعاية الصحية

تقرير حول مستقبل العناية بالمرضى وإدارة الخدمات الصحية

«مايو كلينيك»: الذكاء الاصطناعي في ميدان الرعاية الصحية
TT

«مايو كلينيك»: الذكاء الاصطناعي في ميدان الرعاية الصحية

«مايو كلينيك»: الذكاء الاصطناعي في ميدان الرعاية الصحية

أصدرت مؤسسة «مايو كلينيك» الطبية الأميركية، اليوم (الأربعاء)، تقريراً حول توجهات توظيف نظم الذكاء الاصطناعي في مجالات الرعاية الصحية.

ذكاء اصطناعي طبي

نظم الذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا التي تمكّن أجهزة الكومبيوتر من تنفيذ أعمال قد تتطلب عقلاً بشرياً نتيجة قدرتها على الوصول إلى كميات كبيرة من المعلومات، يمكن تدريبها على حل المشكلات وتحديد الأنماط وتقديم التوصيات في شتى الميادين. وقد وظفت هذه النظم في مجموعة متنوعة من تطبيقات الرعاية الصحية.

ويتطرق تقرير أعدّه الفريق الصحافي في «مايو كلينيك» إلى ما يمكن أن تقدمه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وأشار في بدايته إلى فوائد الذكاء الاصطناعي، إذ حدّد تقرير صادر عن الأكاديمية الوطنية للطب الأميركية National Academy of Medicine، ثلاث فوائد محتملة للذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية:

- تحسين النتائج لكل من المرضى والفرق السريرية

- خفض تكاليف الرعاية الصحية

- تحسين صحة السكان

ويستخدم الذكاء الاصطناعي في كل سلسلة الرعاية المستمرة اليوم بدءاً من الفحوصات الوقائية حتى التشخيص والعلاج. ويتجسد ذلك في مثالين: الرعاية الوقائية، وتقييم المخاطر.

الرعاية الوقائية - تشخيصات أسرع

يمكن لفحوصات السرطان التي تستخدم الأشعة، مثل تصوير الثدي بالأشعة السينية أو فحص سرطان الرئة، الاستفادة من الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحقيق النتائج بشكل أسرع. على سبيل المثال، في مرض الكلى المتعدد الكيسات (PKD) polycystic kidney disease، اكتشف الباحثون أن حجم الكلى - على وجه التحديد، السمة التي تعرف باسم إجمالي حجم الكلى - يرتبط بمدى سرعة انخفاض وظائف الكلى في المستقبل. لكن تقييم الحجم الإجمالي للكلى، الذي يكون غنياً بالمعلومات الطبية، يتطلب تحليل العشرات من صور الكلى، شريحة تلو أخرى - وهي عملية شاقة يمكن أن تستغرق نحو 45 دقيقة لكل مريض.

بفضل الابتكارات التي تم تطويرها في مركز PKD في «مايو كلينيك»، يستخدم الباحثون الآن الذكاء الاصطناعي لأتمتة العملية، وتحقيق النتائج في غضون ثوانٍ. وعلق الدكتور برادلي جي إريكسون، مدير مختبر معلوماتية الأشعة في المؤسسة، بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكمل العمل الشاق أو الذي يستغرق وقتاً طويلاً لاختصاصيي الأشعة، مثل تتبع الأورام والهياكل، أو قياس كميات الدهون والعضلات.

تقييم المخاطر – رصد أمراض القلب

في دراسة حول أمراض القلب أجرتها «مايو كلينيك»، نجح الذكاء الاصطناعي في تحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بخلل في البطين الأيسر، وهو الاسم الطبي لـ«مضخة القلب الضعيفة» weak heart pump، على الرغم من عدم ظهور أعراض ملحوظة على أولئك الأفراد. وليس هذا «التقاطع» هو الوحيد بين تشخيصات أمراض القلب وبين الذكاء الاصطناعي. يقول الدكتور بافيك باتيل كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في المؤسسة: «لدينا الآن نموذج ذكاء اصطناعي يمكنه أن يقول بالمصادفة: مرحباً، لديك الكثير من الكالسيوم في الشريان التاجي، وأنك معرض لخطر كبير للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية خلال خمس أو عشر سنوات».

صحة عموم السكان

كيف يمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أن تدفع إلى تقدم أسرع في الطب والصحة العامة؟

عندما يتعلق الأمر بدعم الصحة العامة للسكان، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الأشخاص على إدارة الأمراض المزمنة بأنفسهم - مثل الربو والسكري وارتفاع ضغط الدم - من خلال ربط بعض الأشخاص بالفحص والعلاج المناسبين، وتذكيرهم باتخاذ الخطوات اللازمة لرعايتهم، مثل تناول الدواء.

يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي أيضاً في تعزيز المعلومات حول الوقاية من الأمراض عبر الإنترنت، والوصول إلى أعداد كبيرة من الأشخاص بسرعة، وحتى تحليل النص على وسائل التواصل الاجتماعي للتنبؤ بتفشي العدوى، مثل عدوى «كوفيد».

على سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أن عمليات البحث عبر الإنترنت عن المصطلحات المتعلقة بـ«كوفيد-19» كانت مرتبطة بحالات «كوفيد-19» الفعلية. هنا، كان من الممكن استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمكان حدوث تفشي المرض، ومن ثم مساعدة المسؤولين على معرفة أفضل طريقة للتواصل واتخاذ القرارات للمساعدة في وقف انتشار المرض.

رعاية فائقة للمرضى

كيف يمكن أن تساعد حلول الذكاء الاصطناعي في توفير رعاية فائقة للمرضى؟ قد تعتقد أن الرعاية الصحية التي يقدمها الكومبيوتر لا تعادل ما يمكن أن يقدمه الإنسان. وهذا صحيح في كثير من الحالات، لكنه ليس هو الحال دائماً.

أظهرت الدراسات أنه في بعض المواقف، يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بعمل أكثر دقة من البشر. على سبيل المثال، قام الذكاء الاصطناعي بعمل أكثر دقة من أساليب علم الأمراض الحالية في التنبؤ بمن سينجو من ورم الظهارة المتوسطة mesothelioma الخبيث، وهو نوع من السرطان يؤثر على أنسجة الأعضاء الداخلية. يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد سلائل (الكتل الهلامية) القولون، وقد ثبت أنه يحسن دقة تنظير القولون ويشخص سرطان القولون والمستقيم بنفس الدقة التي يستطيعها أطباء المناظير الماهرون.

في دراسة أجريت على أحد منتديات وسائل التواصل الاجتماعي، فضل معظم الأشخاص الذين يطرحون أسئلة تتعلق بالرعاية الصحية الإجابات الواردة من روبوت الدردشة الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي على تلك الواردة من الأطباء، ما أدى إلى تصنيف إجابات روبوت الدردشة في مرتبة أعلى من حيث الجودة والتعاطف.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون الذين أجروا هذه الدراسة أن نتائجهم تشير فقط إلى قيمة روبوتات الدردشة هذه في الإجابة عن أسئلة المرضى، ويوصون بمتابعتها بدراسة أكثر إقناعاً.

عون ذكي للأطباء

كيف يمكن للأطباء استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في الرعاية الصحية؟ أحد الأشياء الرئيسية التي قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من القيام بها لمساعدة المتخصصين في الرعاية الصحية هو توفير الوقت لهم.

على سبيل المثال:

مواكبة التطورات الحالية، إذ إن انشغال الأطباء في رعاية المرضى وتنفيذ الواجبات السريرية الأخرى، قد يجعلهم في وضع أصعب لمواكبة التقدم التكنولوجي المتطور الذي يدعم الرعاية. يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل مع كميات هائلة من المعلومات - من المجلات الطبية إلى سجلات الرعاية الصحية.

الاهتمام بتنفيذ الأعمال الشاقة. عندما يتعين على اختصاصي الرعاية الصحية إكمال مهمات مثل كتابة الملاحظات السريرية أو ملء النماذج، فمن المحتمل أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من إكمال المهمة بشكل أسرع من الطرق التقليدية.

عيوب الذكاء الاصطناعي في الصحة

ما عيوب الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية؟ على الرغم من الإمكانات العديدة المثيرة للذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية، فإن هناك بعض المخاطر التي يجب وزنها:

- إذا لم يتم تدريب الذكاء الاصطناعي بشكل مناسب، فقد يؤدي إلى التحيز والتمييز. على سبيل المثال، إذا تم تدريب الذكاء الاصطناعي على السجلات الصحية الإلكترونية، فإنه يعتمد فقط على الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى الرعاية الصحية أولاً ثم يعمل على إدامة أي تحيز بشري تم تسجيله داخل السجلات ثانياً.

- يمكن لروبوتات الدردشة المدعمة بالذكاء الاصطناعي تقديم نصائح طبية مضللة أو كاذبة، ولهذا السبب هناك حاجة إلى تنظيم استخدامها بشكل فعال.

تنظيم واستخدام فعالان

وأخيراً أشار التقرير إلى أن «مايو كلينيك» تؤكد الحاجة إلى التنظيم والاستخدام الفعالين للذكاء الاصطناعي. وهي تعمل ضمن في شراكة الذكاء الاصطناعي الصحية، التي تركز على مساعدة مؤسسات الرعاية الصحية على تقييمه بشكل فعال ومنصف وآمن.

وتأمل المؤسسة أن يساعد الذكاء الاصطناعي في وضع طرق جديدة لتشخيص الأمراض وعلاجها والتنبؤ بها والوقاية منها وعلاجها.

ويمكن تحقيق ذلك عن طريق:

-اختيار المرضى الذين تتطابق مواصفاتهم مع متطلبات التجارب السريرية الواعدة.

- تطوير وتركيب أجهزة المراقبة الصحية عن بعد.

-الكشف عن الحالات المرضية غير المرصودة حالياً.

-توقع مخاطر المرض مقدماً.


مقالات ذات صلة

ولاية أميركية تجيز «أول طبيب ذكاء اصطناعي يصف العلاج دون إشراف بشري»

صحتك «نولا هيلث» أطلقت برنامجاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي (الشركة)

ولاية أميركية تجيز «أول طبيب ذكاء اصطناعي يصف العلاج دون إشراف بشري»

ستبدأ شركة ناشئة في مجال الرعاية الصحية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يوم الاثنين، بتقديم وصفات طبية لمرضى ولاية يوتا الأميركية دون إشراف بشري مباشر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا تعتمد «SynthID» على علامات مائية رقمية غير مرئية تُضمَّن في الصور والفيديو والصوت والنصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي (غوغل)

«SynthID»... أداة من «غوغل» لتتبع المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي

تتيح «غوغل» عبر «SynthID» التحقق من محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي باستخدام علامات مائية غير مرئية في الصور والفيديو والصوت والنصوص.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تتراجع مع ارتفاع العوائد وأسعار النفط

تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بشكل طفيف يوم الأربعاء، مع عودة عوائد سندات الخزانة وأسعار النفط إلى الارتفاع، ما أبقى المستثمرين في حالة من الحذر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم مختبر ذاتي القيادة... حين تلتقي الروبوتات والخوارزميات بالتجربة العلمية

حين يختار المختبر تجربته التالية… الذكاء الاصطناعي يدخل صميم الاكتشاف

الخوارزميات تستطيع اقتراح فرضيات ووصفات لمواد جديدة بسرعة تفوق قدرة المختبرات

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد ورقة نقدية من الين الياباني (رويترز)

عوائد السندات اليابانية تنخفض متأثرة بالأسواق العالمية وتتجاهل إشارات التشدد النقدي

تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الأربعاء، متتبعة انخفاض عوائد السندات العالمية، حتى بعدما أبدى عضو يميل إلى التيسير في «بنك اليابان» دعمه.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».


مياه وشوكولاته بالكافيين... ومكسرات ومقرمشات وفواكه مجففة معززة به

مياه وشوكولاته بالكافيين... ومكسرات ومقرمشات وفواكه مجففة معززة به
TT

مياه وشوكولاته بالكافيين... ومكسرات ومقرمشات وفواكه مجففة معززة به

مياه وشوكولاته بالكافيين... ومكسرات ومقرمشات وفواكه مجففة معززة به

ربما تبدأ صباحك بفنجان قهوة لتنشيط ذهنك... إنه خيار تقليدي، لكن هذا النشاط لا يدوم طويلاً بالنسبة للكثيرين، كما كتبت راشيل كورزيوس(*).

عصر «أطعمة الكافيين»

عندما يبدأ مستوى طاقتك بالتراجع، يمكنك تناول بعض المكسرات والفواكه المجففة المحتوية على الكافيين من درج مكتبك كوجبة خفيفة في منتصف الصباح. وعند حلول وقت الغداء، ولضمان حصولك على أقصى استفادة ممكنة من وجباتك، يمكنك إضافة بعض شرائح اللحم المقدد المحتوي على الكافيين. ثم، عندما يقل تركيزك حتماً في فترة ما بعد الظهر، يمكنك تناول حلوى مطاطية مثل العلك تحتوي على الكافيين أو بعض قطع الشوكولاته الصغيرة، والتي تحتوي، كما خمنت، على الكافيين.

إن الكافيين، الذي لطالما كان أكثر المواد المؤثرة على العقل استهلاكاً في العالم، يجد طريقه إلى مجموعة كبيرة من الأطعمة والمشروبات غير المتوقعة.

انتشار الأطعمة الوظيفية

وهذا الانتشار المتزايد للكافيين هو جزء من اتجاه أوسع، يمتد لأكثر من عقد، نحو «الأطعمة والمشروبات الوظيفية» لزيادة البروتينات والألياف.

تصف ليز موسكو، خبيرة مستقبل الغذاء ومديرة شركة «بريد آند سيركس» للاستشارات الغذائية، التحول نحو الأطعمة والمشروبات الوظيفية بأنه جزء من التوجهات الهادفة لـ«تحسين كل شيء»، إذا لم يعد مجرد الاستمتاع بتناول قطعة من الشوكولاته كافياً، بل يجب أن تُحسّن هذه الشوكولاته صحة الأمعاء أو الذاكرة أو تُقدّم فائدة رئيسية أخرى.

وتقول موسكو: «هنا يأتي دور الكافيين. إنه مُضاف رخيص الثمن، يُعزز عملية الأيض (التمثيل الغذائي)، ويمنحك تلك الطاقة السريعة التي تشعر بها».

مشروبات الطاقة

لطالما شرب الناس القهوة والشاي لقرون، لكن الكافيين المُعزز في مشروبات الطاقة هو نتاج الحياة العصرية. وقد وصل مشروب «ريد بول» إلى الولايات المتحدة عام 1997، ثم تبعه مشروب «مونستر» بعد خمس سنوات. أما اليوم، فيُهيمن مشروب «سيلسيوس» على السوق.

ووفقاً لشركة «مورغان ستانلي» فإنه من المتوقع أن ينمو الإنفاق على المشروبات المحتوية على الكافيين في الولايات المتحدة بنسبة 6 في المائة سنوياً حتى عام 2030، بوتيرة أسرع من نمو صناعة الأغذية بشكل عام، مع تصدّر مشروبات الطاقة لهذا النمو (ووفقاً لتقرير من أحد البنوك الاستثمارية تحظى مشروبات الطاقة بدعم من مستخدمي «هرمون الببتيد الشبيه بالغلوكاجون GLP-1» الذي يوازن مسوى السكر في الدم وينظم الشهية، على عكس عديد من فئات الأطعمة الأخرى).

وتعزو سالي ليونز وايت، كبيرة مستشاري السلع الاستهلاكية وخدمات الطعام في شركة أبحاث السوق «سيركانا»، هذا النمو إلى بحث المستهلكين عن «فوائد ونتائج ملموسة». وتضيف: «لا يبحث المستهلكون عن القهوة فحسب، بل عن التركيز والإنتاجية».

مياه بالكافيين

إن دمج الوظائف العملية في المنتجات اليومية هو الذي دفع مؤسسي شركة «أوركا» للمشروبات إلى تطوير علامتهم التجارية للمياه المحتوية على الكافيين. فقد رأوا فرصة سانحة لمشروب طاقة بتركيبة أبسط. ويقول مايكل موريارتي، أحد مؤسسي أوركا: «كانت جميعها أشبه بمشروب غازي شديد الحلاوة. وكان السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا لا نأخذ الكافيين من مشروبات الطاقة هذه ونضيفه إلى الماء؟ نريد ما نريده، وهو الكافيين، بأقل قدر ممكن من الإضافات».

يتميز غلاف مشروب «أوركا» -علبة شفافة تحمل ملصقاً يُشير إلى احتوائه على 150 ملّيغراماً من الكافيين- بتصميم فريد يختلف عن عديد من المشروبات الأخرى في قسم مشروبات الطاقة. ويهدف الغلاف الشفاف إلى إظهار أن المشروب بداخله يشبه الماء، وليس مشروب طاقة. كما أن بساطة العلبة تُوحي بأنه منتج صحي.

يقول مات سيا، المدير الإبداعي التنفيذي في وكالة «بيرلفيشر» للعلامات التجارية، إن معظم مشروبات الطاقة تُعبأ بمستوى معين من «الجاذبية»: ألوان زاهية أو فسفورية، ورسومات البرق، وربطها بالسيارات عالية السرعة. لكنه يتوقع أن يتغير هذا، لأنه «يتعارض مع مفهوم الصحة والفوائد الصحية التي أصبح الناس أكثر وعياً بها. سيبدأ الأمر بالتراجع تدريجياً، وسيصبح أقرب إلى طريقة التعامل مع المكملات الغذائية».

شوكولاته «طأويك» وعلكة «روكستار» بالكافيين

شوكولاته بالكافيين

ويضيف سيا أن شركة «أويك Awake»، التي تُصنّع شوكولاته مُدعّمة بالكافيين، مثالٌ على علامة تجارية لمشروبات الطاقة كسرت القوالب النمطية في تغليف الكافيين، حيث تميّزت بتصميم أكثر واقعية. وتستخدم عبواتها ألواناً غنية لكنها ليست صارخة، فبدلاً من البرق، نجد بومة واسعة العينين. ويقول: «شعرتُ أنها أقل تصنيعاً وأقل اصطناعية». وتتنافس منتجات «أويك» مع علامات الشوكولاته التجارية على رفوف المتاجر، بدلاً من منتجات الطاقة الأخرى.

يقول آدم ديريمو، المؤسس المشارك للشركة والرئيس التنفيذي لها: «كانت الفكرة الأساسية بالنسبة لنا هي أننا نعتقد أن الوظائفية هي الاتجاه الأول في جميع منتجات الأغذية والمشروبات». وعندما بحث عن منتجات البقالة التي لم تكن تلبي هذا الجانب، استقر مع شركائه على الشوكولاته.

ويقول ديريمو: «تستهلكها الغالبية العظمى من الأسر، وهي بلا شكّ أفضل وسيلة توصيل وأكثرها متعةً ومذاقاً على الإطلاق».

ويضيف: «عندما حان وقت تحديد وظيفة الشوكولاته، فضّلنا الطاقة على فوائد أخرى، مثل الاسترخاء أو البروتين، لأن أبحاث السوق المتكررة أظهرت أن الناس يبحثون عن مزيد من الطاقة في حياتهم اليومية».

تُعدّ قطع الشوكولاته الصغيرة من «أويك» التي تحتوي على 50 مليغراماً من الكافيين الأكثر رواجاً بلا منازع (أي ما يعادل نصف كوب من القهوة تقريباً). ويمثل هذا المنتج نحو 90 في المائة من مبيعات الشوكولاته. وفي وقت سابق من هذا العام، وصلت منتجات «أويك» إلى 2000 متجر من متاجر «سفن إيليفن».

مكسرات ومقرمشات وفواكه مجففة بالكافيين

وقد توسّعت «أويك» لتشمل منتجات أخرى غير ألواح الشوكولاته وقطع الشوكولاته الصغيرة. يتذكر ديريمو قائلاً: «عندما بدأت سوق الكاكاو تشهد تقلبات حادة وارتفعت أسعار الشوكولاته بشكل كبير، كان أحد الأسئلة التي طرحناها على أنفسنا: كيف يمكننا استخدام شوكولاتتنا بطرق أخرى؟». وقد توصلوا إلى فكرة «مزيج التريل»، الذي يتضمن رقائق الشوكولاته المحتوية على الكافيين ومكونات أخرى شائعة في الوجبات الخفيفة مثل المكسرات والبريتزل والفواكه المجففة. وتحتوي كل عبوة فردية على 80 مليغراماً من الكافيين.

إرشادات متأخرة

وقد تنبهت إدارة الغذاء والدواء الأميركية إلى ازدياد استخدام الكافيين في المنتجات الجديدة. وأعلنت الوكالة خلال الصيف أنها ستولي أولوية قصوى لنشر إرشادات حول وضع ملصقات توضح محتوى الكافيين في الأطعمة والمشروبات بحلول نهاية العام.

وأشارت إدارة الغذاء والدواء، في بيان عبر البريد الإلكتروني، إلى «ازدياد استهلاك المشروبات والأطعمة المحتوية على الكافيين... بما في ذلك المنتجات التي قد لا يكون محتوى الكافيين فيها واضحاً للمستهلكين». وقالت إن إرشاداتها «تهدف إلى مساعدة المستهلكين على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن استهلاكهم للكافيين، لا سيما مع وجود الكافيين في مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية والمشروبات».

مخاطر بسبب انعدام الشفافية

يأتي إجراء إدارة الغذاء والدواء الأميركية بعد عدة وفيات «بارزة» مرتبطة باستهلاك مشروبات الطاقة، بما في ذلك مشروب الليمون «المُعزز» سيئ السمعة في سلسلة مطاعم «بانيرا».

يقول مارك كريستو، مدير وكالة العلامات التجارية «CBX»، إن المستهلكين يُريدون الشفافية. لذا، تُحاول الشركات، خصوصاًص تلك الوافدة حديثاً إلى السوق، إيجاد طريقة مُقنعة لعرض فوائد منتجاتها على عبواتها، مما يُساعدها من منظور العلامة التجارية والتسويق. ويُضيف: «إنهم فخورون بما يحتويه منتجهم، ولا يخشون ذكره على واجهة العبوة».

ينطبق هذا بالتأكيد على شركة «أوركا»، التي لا تُخفي احتواء مياهها على 150 مليغراماً من الكافيين. ويقول موريارتي: «كل من نعرفهم يُحبون الكافيين ولديهم كمية مُحددة يُفضلونها». إن احتواء مياه «أوركا» على الكافيين ليس شيئاً يُمكن إخفاؤه، بل هو جوهر الأمر.

* مجلة «فاست كومباني».


حين يختار المختبر تجربته التالية… الذكاء الاصطناعي يدخل صميم الاكتشاف

مختبر ذاتي القيادة... حين تلتقي الروبوتات والخوارزميات بالتجربة العلمية
مختبر ذاتي القيادة... حين تلتقي الروبوتات والخوارزميات بالتجربة العلمية
TT

حين يختار المختبر تجربته التالية… الذكاء الاصطناعي يدخل صميم الاكتشاف

مختبر ذاتي القيادة... حين تلتقي الروبوتات والخوارزميات بالتجربة العلمية
مختبر ذاتي القيادة... حين تلتقي الروبوتات والخوارزميات بالتجربة العلمية

خلال 12 ساعة فقط، نفّذ مختبر يعمل بالذكاء الاصطناعي 120 تجربة لتحسين سطوع مواد نانوية خالية من الرصاص. وفي كل جولة، كان يصنع عيّنة، ويقيس خصائصها الضوئية، ثم يستخدم النتيجة لتعديل وصفة التجربة التالية. وهكذا، أصبحت حصيلة كل تجربة دليلاً يوجّه الخطوة التي تليها.

مختبرات ذاتية القيادة

هذه هي الفكرة وراء «المختبرات ذاتية القيادة» (Self-Driving Laboratories): منصات تجمع التجريب الآلي والقياس والذكاء الاصطناعي في حلقة متصلة، تستطيع خلالها اختيار تجاربها التالية ضمن أهداف وحدود يضعها العلماء، من دون أن يحدد الباحث تفاصيل كل خطوة بنفسه.

وقد جسّدت منصة «بولاريس» (PoLARIS) هذا النهج في دراسة أعدّها باحثون من جامعة ولاية نورث كارولاينا وجامعة براون الأميركيتين، ونُشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» (Nature Communications) في 4 مايو (أيار) 2026. واستهدفت الدراسة بلورات على هيئة صفائح لا يتجاوز سُمكها بضعة أجزاء من المليار من المتر، تنتمي إلى عائلة «البيروفسكايت المزدوج»، ويمكن ضبط تركيبها للتحكم في امتصاص الضوء وانبعاثه.

بدأ العلماء بتحديد المواد الأولية والخاصية المراد تحسينها، ثم تولّت المنصة اختبار وصفات تختلف في نسب المكونات ودرجة الحرارة وزمن التفاعل. وجرت التفاعلات داخل قطرات صغيرة متدفقة تؤدي وظيفة مفاعلات مصغّرة؛ تُقاس خصائص نواتجها آلياً، وتُعاد البيانات إلى الخوارزمية لتوجيه الجولة المقبلة.

ووفقاً لبيان الجامعة، نجحت المنصة خلال تلك الساعات في تحسين سطوع المواد المستهدفة. وتكمن أهمية النتيجة في الجمع بين تصنيع المادة وقياس أدائها وتعديل طريقة تحضيرها داخل دورة واحدة تتعلّم من نتائجها؛ وهي خطوة بحثية نحو تطوير مواد ضوئية قد تخدم تطبيقات مثل كواشف الضوء، وإن كان استخدامها صناعياً يحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبار.

الروبوت ينفّذ التجربة... والبيانات ترسم الخطوة التالية

كيف يتعلّم المختبر؟

لنتصور باحثاً يسعى إلى تطوير مادة ذات خاصية معينة... أمامه مكونات متعددة، ونسب خلط مختلفة، ودرجات حرارة وأزمنة تفاعل محتملة. ومع تعدد هذه المتغيرات، قد يتجاوز عدد التجارب الممكنة ما يسمح به الوقت والتمويل.

هنا تتولى الخوارزمية اختيار التجارب داخل نطاق البحث الذي حدّده العلماء، حيث تنفّذ الأجهزة التجربة، وتقيس خصائص العينة الناتجة، ثم تُستخدم البيانات لتحديث النموذج الذي يوجّه اختيار الجولة المقبلة. وهكذا، تصبح نتائج التجارب جزءاً من عملية اتخاذ القرار، وتؤثر مباشرة في المسار الذي يسلكه البحث.

وتصف مراجعة نُشرت في مجلة «نيتشر ريفيوز كيميستري» (Nature Reviews Chemistry) في 31 يوليو (تموز) 2026 تطوّر هذه المختبرات خلال العقد الماضي من أنظمة تنفّذ مهام محددة آلياً إلى منصات تستطيع اقتراح التجارب وتنفيذها وتفسير نتائجها بتدخل بشري محدود.

ومع ذلك، يظل اختيار التجربة التالية ضمن هدف محدد، مختلفاً عن اختيار موضوع البحث بصورة مستقلة عن الإنسان. فالقول إن المختبر «يتعلّم» يعني أنه يعدّل قراراته استناداً إلى البيانات؛ ولا يعني أنه يمتلك فضولاً بشرياً، أو يقرر من تلقاء نفسه أي مشكلات العالم تستحق البحث.

حين تتصل أجهزة المختبر بمنظومة واحدة... البيانات تربط التجربة بالقرار التالي

أفكار أسرع من القدرة على اختبارها

يواجه البحث العلمي مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي تحدياً متزايداً، إذ تستطيع الخوارزميات اقتراح فرضيات ووصفات لمواد جديدة بسرعة تفوق قدرة المختبرات على اختبارها. فتتراكم الاحتمالات الواعدة، بينما يظل التحقق منها مرهوناً بالوقت اللازم لتحضير العينات وإجراء التجارب وقياس النتائج.

هذه الفجوة يناقشها الباحث ميلاد أبو الحسني (Milad Abolhasani)، من جامعة ولاية نورث كارولاينا، في مقال تحليلي بعنوان «المختبر الذي يتعلّم» (The Lab That Learns)، نُشر في مجلة «ساينس» (Science) في 20 أغسطس (آب) 2026. ويطرح ربط الأجهزة والروبوتات والبرمجيات والبيانات بوصفه مساراً يتيح للمختبرات التعلّم من نتائج بعضها، وتقليل تكرار التجارب. وفي هذا التصور، يحدّد العلماء الأهداف ويفسّرون الأدلة، بينما تتولى الأنظمة الذكية جانباً أكبر من العمل التجريبي.

وهنا تكتسب المختبرات ذاتية القيادة أهميتها: فهي تصل بين ما تقترحه الخوارزمية وما تثبته التجربة. فالوصفة التي تبدو واعدة على الشاشة تظل بحاجة إلى اختبار؛ هل يمكن تصنيع المادة بالفعل؟ وهل تمتلك الخصائص المتوقعة؟ وتعيد القياسات الفعلية توجيه البحث، فتتيح للنظام تعديل توقعاته واختيار خطوته المقبلة.

وبذلك تصبح قيمة هذه المنصات أوسع من إنجاز عدد أكبر من التجارب في وقت أقصر؛ إذ تستخدم ما تكشفه كل تجربة لتحسين القرارات التالية. وحتى النتيجة التي لا تحقق الهدف قد تساعد على استبعاد مسار غير واعد وتوجيه البحث نحو احتمال آخر.

هل يستطيع مختبر آخر تكرار النتيجة؟

إن نجاح المختبر في إنتاج مادة واعدة يفتح الباب أمام اختبار آخر: هل يستطيع فريق مستقل الحصول على النتيجة نفسها؟ ثم يأتي تحدٍّ أوسع: هل يمكن نقل طريقة العمل إلى أجهزة مختلفة، أو استخدامها لتطوير مواد أخرى؟

تحدّد المراجعة المنشورة في مجلة «نيتشر ريفيوز كيميستري» (Nature Reviews Chemistry) ثلاثة متطلبات مترابطة للمرحلة المقبلة: زيادة القدرة على إجراء التجارب، ونقل أساليب العمل والنماذج المتعلّمة بين المختبرات والمجالات العلمية، وتوثيق التجربة بجميع مراحلها. ويشمل ذلك تسجيل كيفية تحضير المواد، وظروف التفاعل، وطرق القياس، وصولاً إلى تقييم أداء المادة الناتجة، وفق معايير تتيح تبادل البيانات وفهمها.

وتكمن أهمية هذا التوثيق في أن النتيجة وحدها لا تكفي. فلكي يستطيع باحث آخر التحقق منها، يحتاج إلى معرفة ما أُجري بالتحديد، وتحت أي ظروف، وكيف استُخلصت النتيجة من القياسات. وكلما ازدادت سرعة المختبر واستقلاليته، ازدادت الحاجة إلى سجلّ يمكن الرجوع إليه لمراجعة قراراته ورصد مصادر الخطأ.

من هنا، يُقاس تقدّم هذه المختبرات أيضاً بقدرتها على إنتاج معرفة يستطيع الآخرون اختبارها والبناء عليها. ويبقى السؤال العلمي ملازماً لكل نتيجة: ما الذي أثبتته التجربة فعلاً، وما الذي لا يزال تفسيراً يحتاج إلى دليل إضافي؟

حين يزداد استقلال المختبر... تبقى السلامة والرقابة البشرية جزءاً من معادلة الاكتشاف

الحوكمة قبل الحادث

كلما اتسعت قدرة المختبر على اتخاذ القرارات وتنفيذ التجارب، ازدادت أهمية السلامة ووضوح آلية اتخاذ القرار؛ وهو ما يشدّد عليه المقال التحليلي المنشور في مجلة «ساينس» (Science).

وتبدأ هذه الضوابط منذ تصميم المختبر: تحديد التجارب المسموح بتنفيذها، والظروف التي تستوجب إيقاف العمل، والقرارات التي تتطلب موافقة الباحث. ويُضاف إليها توثيق القرارات والنتائج، ومراقبة أداء النظام، وإتاحة التدخل البشري عندما تظهر مؤشرات خطر أو نتائج تستدعي المراجعة.

ويمتد هذا المبدأ إلى الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فالانتقال من تقديم معلومة إلى اقتراح قرار علاجي أو تنفيذ إجراء يزيد الحاجة إلى التحقق والإشراف وتحديد المسؤولية. ومن هنا، ينبغي أن تتسع استقلالية النظام بقدر ما تثبته الاختبارات من موثوقيته ضمن المهام الموكلة إليه، مع بقاء سلطة المراجعة والإيقاف واضحة في يد الإنسان.

من يحكم فضول الآلة؟

تتيح المختبرات ذاتية القيادة للعلماء تفويض جانب من القرارات التجريبية اليومية، وتخصيص وقت أكبر لصياغة الأسئلة العلمية وفهم النتائج. وتبلغ هذه الشراكة قيمتها حين تقود التجارب الأسرع إلى معرفة أوثق، يمكن تفسيرها والتحقق منها والبناء عليها.

لقد اعتدنا أن نسأل الذكاء الاصطناعي: «ما الإجابة؟». واليوم بدأنا نفوّض إليه اختيار الخطوة التي قد تقرّبنا منها: «ما التجربة التالية؟». أما تحديد ما يستحق البحث، وما يكفي من الأدلة لقبول النتيجة، ومتى ينبغي التوقف، فيبقى مسؤولية الإنسان.