هندسة البكتيريا وراثياً لإنتاج منسوجات ذاتية الصباغة

لتصميم منتجات أزياء بيئية مستدامة

هندسة البكتيريا وراثياً لإنتاج منسوجات ذاتية الصباغة
TT

هندسة البكتيريا وراثياً لإنتاج منسوجات ذاتية الصباغة

هندسة البكتيريا وراثياً لإنتاج منسوجات ذاتية الصباغة

تقدم دراسة جديده حلاً واعداً للتحديات البيئية المرتبطة بصبغ منسوجات السليلوز المصنعة بواسطة البكتيريا.

السليلوز البكتيري

وتؤدي هندسة البكتيريا وراثياً لإنتاج صبغة الميلانين إلى توفير المواد المصنوعة بواسطة بكتيريا سريعة النمو وصديقة للبيئة، بديلاً جذاباً لبدائل الجلد الصناعي pleather الموجودة حالياً.

وتكون هذه المنسوجات البكتيرية عادة ذات لون بني فاتح أو بيج طبيعي، ولذلك فإن إضافة أنماط ملونة أخرى إلى هذه المنسوجات قد تعني العمل باستخدام الأصباغ الضارة بالبيئة؛ ما يتطلب عادة طرق صباغة تقليدية يمكن أن يكون لها آثار بيئية كبيرة.

وفد نشرت الدراسة في مجلة «نتشر بايوتكنولوجي (Nature Biotechnology)» في 2 أبريل (نيسان) 2024، وأشرف عليها توم إليس وزملاؤه من مركز إمبريال كوليدج للبيولوجيا التركيبية قسم الهندسة الحيوية إمبريال كوليدج (ICL) لندن المملكة المتحدة.

يتكون «بديل الجلد» من السليلوز وهو مادة هيكلية أساسية في النباتات التي تنتجها أيضاً عدة أنواع من البكتيريا. وقد بدأ الباحثون والمصممون في السنوات الأخيرة في إنتاج المنسوجات من السليلوز البكتيري بديلاً للجلد الصناعي، وبعضها موجود بالفعل في السوق، حيث يمتاز النسيج المتين بكثير من الخصائص نفسها التي يتمتع بها الجلد التقليدي.

ولكن على الرغم من أن منسوجات السليلوز البكتيرية لها تأثيرات بيئية أقل من الجلود الصناعية فإنها ذات لون بيج طبيعي، وهذا يعني أنها تلونها بعمليات الصباغة التقليدية التي يمكن أن تستخدم فيها كميات كبيرة من الماء، وتطلق مواد كيميائية قاسية في البيئة.

هندسة وراثية لإنتاج الميلانين

وبناءً على ذلك تساءل الباحثون من إمبريال كوليدج لندن عما إذا كان من الممكن تحفيز البكتيريا لإنتاج السليلوز ذي اللون الداكن بشكل طبيعي. ولمعرفة ذلك قاموا بإجراء هندسة وراثية لبكتيريا منتجة للسليلوز تسمى كوماغا تايباكتر ريتيكوس Komagataeibacter rhaeticus، وهي البكتيريا نفسها التي تساعد على تخمير الكمبوتشا kombucha- وهو نوع من الشاي المخمر يعتقد أنه نشأ في شمال شرق الصين أو في روسيا وأوروبا الشرقية. ويجري تناول المشروب بشكل تقليدي، وقد اكتسب شعبية في الولايات المتحدة - وذلك عن طريق إضافة جين من بكتيريا أخرى تنتج صبغة الميلانين السوداء

والميلانين، وهي الصبغة التي تعطي اللون للأنسجة في جميع أنحاء العالم الطبيعي بما في ذلك جلد الإنسان والعينان والشعر.

كما ابتكر الباحثون تصميمات على المنسوجات عن طريق الهندسة الوراثية لبكتيريا كومبوتشا لإنتاج صبغة الميلانين فقط عند تعرضها للضوء الأزرق الذي جرى إسقاطه بأنماط على طبقة السليلوز. وأشار الباحثون إلى أن المنسوجات المصبوغة بالميلانين تبدو متينة مثل نظيراتها من السليلوز غير المصبوغة. وقال توم إليس إنه إذا انتشرت هذه التقنية فقد توفر نموذجاً لإنشاء مواد أكثر استدامة لعالم الموضة، ويأمل في تبسيط عملية الصباغة بحيث يمكن تصنيع المادة بسرعة أكبر، وكذلك إنتاج منسوجات السليلوز بمجموعة واسعة من الألوان.

طرق صباغة صديقة للبيئة

ومن خلال الاستفادة من المصادر الميكروبية وهندستها وراثياً لإنتاج السليلوز البكتيري ذاتي الصبغ، والذي يعد بديلاً للجلود التقليدية، وكذلك يعالج الحاجة إلى طرق صباغة صديقة للبيئة. في هذا السياق قام باحثون من الولايات المتحدة وفرنسا وسويسرا وألمانيا برئاسة بيتر هيجمان من معهد الأحياء الفيزياء الحيوية التجريبية جامعة برلين بألمانيا في دراسة نشرت في مجلة Nature Reviews Methods Primers في 21 يوليو (تموز) 2022 باستخدام التخليق الحيوي للميلانين لتحقيق لون أسود داكن، والذي يعد إنجازاً كبيراً وأن قوة الميلانين في استخدام المواد تعد مفيدة بشكل خاص ما يضمن المتانة وطول مدة الاستخدام في تطبيقات النسيج علاوة على ذلك، فإن قابلية التوسع في إنتاج السليلوز البكتيري تفتح إمكانات لتصنيع منتجات الأزياء المستدامة على نطاق واسع.

بالإضافة إلى ذلك فإن دمج تقنيات علم البصريات الوراثي Optogenetic techniques الذي جرى تطويره للسماح بالتحكم في نشاط خلايا مختارة داخل النسيج المتجانس، وذلك باستخدام مزيج من الهندسة الوراثية والضوء في التعبير الجيني في البكتيريا المنتجة للسليلوز، يُظهر إمكانات البيولوجيا التركيبية لزيادة تعزيز خصائص ووظائف هذه المنسوجات البديلة، كما يتيح هذا النهج التحكم الدقيق في توزيع الأصباغ، ويؤكد أيضاً على الطبيعة المتعددة التخصصات للتصنيع الحيوي.

وبشكل عام يهدف فريق البحث بالتعاون مع شركة التكنولوجيا الحيوية للنسيج Modern Synthesis إلى تسويق التكنولوجيا لإنشاء منتجات أزياء مستدامة، وفي حين لا تزال هناك تحديات في زيادة الإنتاج مع الحفاظ على القدرة على تحمل التكاليف للمستهلكين، فإن هذه التقنية تبشر بإحداث ثورة في صناعة المنسوجات مع التركيز على الاستدامة، وتسلط الدراسة أيضاً الضوء على إمكانات الهندسة الوراثية لإنتاج مواد صديقة للبيئة، وتوضح التداخل بين علم الأحياء والأزياء في إيجاد حلول مبتكرة لمستقبل أكثر استدامة؛ ما يمهد الطريق لعصر جديد من المنسوجات الصديقة للبيئة.



هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي
TT

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

الدكتور كايل ستالر طبيب مختص في أمراض الجهاز الهضمي، لذا؛ فقد يكون من المفاجئ ألا يشكو كثير من مرضاه الذين يراجعونه من مشكلات في المعدة فقط، بل من مشكلات في الدماغ أيضاً!

القولون العصبي وتشوش الذهن

قد تترافق «متلازمة القولون العصبي» وغيرها من اضطرابات الجهاز الهضمي، مع تشوش ذهني. فعلى سبيل المثال، قد يصف الأشخاص الذين يعانون الإمساك والانتفاخ «شعوراً بالثقل أو التعب الجسدي والنفسي»، كما يقول ستالر، الذي يعمل في «مستشفى ماساتشوستس العام» في بوسطن. ويضيف: «يتحدث كثير من مرضاي عن مشكلات مثل التعب، والتشوش الذهني، والشعور بالخمول».

«محور الأمعاء - الدماغ»

يحرز العلماء تقدماً في فهم كيفية تأثير المسار العصبي بين الدماغ والجهاز الهضمي على صحتنا العامة... يطلَق عليه اسم «محور الأمعاء - الدماغ (gut - brain axis)»، وقد ثبت أنه يلعب دوراً مهماً في دعم جهاز المناعة، والحد من القلق والاكتئاب، وتحسين عملية التمثيل الغذائي، والوقاية من الأمراض. كما أنه يؤثر على صفاء الذهن.

وقد سألنا العلماء والأطباء عن أهم ما تجب معرفته بشأن تأثير الأمعاء على صفاء الذهن:

* كيف يعمل «محور الأمعاء - الدماغ»؟

- توجد آلاف الألياف العصبية الممتدة من الدماغ إلى البطن، والمعروفة باسم «العصب المبهم»، وهو القناة الرئيسية لـ«محور الأمعاء - الدماغ». وبوصفه العصب الرئيسي في «الجهاز العصبي اللاودي»، فإنه يساعد الجسم على الراحة والهضم ومنع الالتهابات.

تنتقل الإشارات أيضاً بين الأمعاء والدماغ عبر هرمونات التوتر وخلايا المناعة. ومن الأهمية بمكان أن بكتيريا الأمعاء تُنتج نواقل كيميائية (تُسمى «النواقل العصبية») مثل السيروتونين والدوبامين و«حمض غاما - أمينوبيوتيريك (GABA)»، التي تؤثر على الجهاز العصبي. فعندما تدخل هذه النواقل مجرى الدم أو تُحفز «العصب المبهم»، فإنها تُساعد على تحسين المزاج، وزيادة الحافز، وتهدئة الجهاز العصبي.. ويحافظ هذا التواصل المستمر على توازن أجهزة الجسم.

مشكلات الجهاز الهضمي وتشوش الذهن

* كيف ترتبط مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن؟

- يُعزى تشوش الذهن إلى «خلل في التواصل» بين الأمعاء والدماغ، كما أوضح جيرارد كلارك، أستاذ علم الأعصاب السلوكي في جامعة «كوليدج كورك» بآيرلندا، الذي يدرس تأثير بكتيريا الأمعاء على الدماغ والسلوك.

يرتبط بعض أسباب مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن، بما في ذلك سوء التغذية، والتغيرات الهرمونية المصاحبة لانقطاع الطمث، والقلق، والعدوى.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يُسبب «خلل الجهاز العصبي اللاإرادي»، وهو مصطلح شامل لاضطرابات متنوعة تُصعّب على الجسم التحكم في معدل ضربات القلب وضغط الدم ودرجة الحرارة، مشكلات في الجهاز الهضمي وتشوش الذهن، كما ذكر ستالر.

لا يزال من غير الواضح تماماً كيف يؤدي خلل الجهاز الهضمي إلى تشوش الذهن. بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي، مثل «متلازمة القولون العصبي»، تصبح الأعصاب في الأمعاء أعلى حساسية. ومع إرسال الأمعاء إشارات استغاثة إلى الدماغ، تتفاقم هذه الإشارات.

«ميكروفون قرب مكبر صوت»

يقول ستالر: «الأمر أشبه بميكروفون موضوع بالقرب من مكبر صوت... إذ تنعكس الإشارات الضعيفة، وتتضخم، وسرعان ما تصبح طاغية». ويضيف أن هذا قد يجعل مشكلات مثل الغازات أو الانتفاخ مؤلمة للغاية، ومشتتة للانتباه في نهاية المطاف، وربما تؤدي إلى تشوش ذهني.

وقد وجدت دراسة، نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن أكثر من نصف المشاركين المائة فيها عانوا من تشوش ذهني مصحوب بـ«متلازمة القولون العصبي (Irritable bowel syndrome)» أو «شلل المعدة (gastroparesis)»، وهي حالة مزمنة تواجه فيها المعدة صعوبة في إفراغ محتوياتها إلى الأمعاء الدقيقة.

دور الميكروبيوم

يتكون ميكروبيوم الأمعاء من تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تستوطن الجهاز الهضمي. ويساعد الميكروبيوم المتنوع على حمايتنا من الأمراض، وتقليل الالتهابات، وإنتاج وتنظيم النواقل العصبية التي تؤثر على مزاجنا ووظائف الدماغ.

وأوضح كلارك أن الإشارات الصادرة من ميكروباتنا قد تؤثر على كثير من مناطق الدماغ المرتبطة بالتشوش الذهني. وتشمل هذه المناطق «الحصين (hippocampus)»، المسؤول عن التعلم والذاكرة؛ وقشرة الفص الجبهي، المرتبطة باتخاذ القرارات ووضوح التفكير؛ واللوزة الدماغية، وهي المركز الرئيسي في الدماغ لمعالجة الخوف والقلق.

وأشار الخبراء إلى أن اختلال توازن الميكروبيوم قد يَحدث أحياناً نتيجة مشكلات تتعلق بالنظام الغذائي، أو التوتر، أو القلة في النوم وفي ممارسة الرياضة، أو الأدوية، أو انقطاع الطمث، أو العدوى، أو الالتهاب المزمن.

فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة

يُعدّ «فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)» أحد أنواع اختلال التوازن في الميكروبات المعوية؛ مما قد يُسبب الانتفاخ والإسهال. وفي دراسة صغيرة أُجريت عام 2018 على نحو 40 شخصاً، وجد الباحثون صلة بين تشوش الذهن وفرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة لدى المرضى الذين كانوا يتناولون البروبيوتيك. وقد تحسّنت أعراض المرضى بعد تناولهم المضادات الحيوية وتوقفهم عن تناول البروبيوتيك.

وقد حدث أنه بدلاً من أن تستوطن البروبيوتيك القولون، تجمّعت في الأمعاء الدقيقة وأنتجت كمية زائدة من «حمض اللاكتيك (D-lactic acid)»، الذي يصعب على جسم الإنسان استقلابه، كما أوضح الدكتور ساتيش راو، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ الطب في جامعة «أوغوستا» بولاية جورجيا الأميركية، والمؤلف الرئيسي للدراسة. وأضاف: «عندما يتراكم هذا الحمض، فإن المرء يُصاب بتشوش الذهن».

البروبيوتيك... لا أدلة علمية لاستخدامه

يعتقد البعض أن تناول البروبيوتيك يُفيد في عملية الهضم، خصوصاً بعد تناول المضادات الحيوية. وبينما أظهرت الدراسات أن البروبيوتيك يُساعد في بعض الحالات، فإنه لا توجد حالياً أدلة علمية كافية تدعم استخدامه على نطاق واسع، وفقاً للخبراء.

تحسين صحة الأمعاء

* هل يُسهم تحسين صحة الأمعاء في تقليل التشوش الذهني؟

- ربما. لم يكتشف العلماء بعدُ طريقةً مُحددةً لعلاج التشوش الذهني عبر الأمعاء، ولكن العمل على الحفاظ على صحة الأمعاء يُمكن أن يُساعد على صفاء الذهن.

ولتحقيق ذلك، ينصح كلارك بتناول الأطعمة الصحية التي تُعزز صحة ميكروبات الأمعاء. وتعتمد هذه الميكروبات على الألياف مصدراً مهماً للعناصر الغذائية، لذا؛ يُنصح بتناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الخضراوات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة. كما تفيد إضافةُ مزيد من الأطعمة المُخمرة إلى نظامك الغذائي، مثل الزبادي والكفير والملفوف المخلل والكيمتشي.

وتقترح ميغان ريهل، عالمة النفس بجامعة ميشيغان والمختصة في اضطرابات الجهاز الهضمي وغيرها من مشكلات الهضم، الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، وممارسة التمارين الرياضية المعتدلة، وتجربة «نظام غذائي صحي تدريجي»، على سبيل المثال، الحد من استهلاك الكافيين والكحول والأطعمة قليلة الألياف والمعالَجة.

كما أيد ستالر التغذية الجيدة قائلاً: «من المرجح أن تستمر الأنظمة الغذائية الصحية والنباتية في إظهار فوائدها وأن تصمد أمام اختبار الزمن على حساب الموضات التي تأتي وتذهب».

* خدمة «نيويورك تايمز»


استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري
TT

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

بينما يحذر منتقدو الذكاء الاصطناعي من أن آثاره طويلة المدى على الدماغ البشري لا تزال غير معروفة، كونه تقنية حديثة نسبياً، فإن دراسة جديدة تُظهر أن الذكاء الاصطناعي قد يكون خطيراً حتى على المدى القصير، حيث إن عشر دقائق فقط من استخدامه تؤدي إلى ضعف أداء الدماغ، كما كتب جود كريمر(*).

دراسة من 4 جامعات

أجرى باحثون من جامعة كارنيغي ميلون، وجامعة أكسفورد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، دراسةً تحدّت المشاركين في حلّ مجموعة من مسائل الرياضيات القائمة على الكسور. وفيما طُلب من نصف المجموعة حلّ المسائل بأنفسهم، مُنح النصف الآخر إمكانية الوصول إلى مساعد ذكاء اصطناعي يعمل بنموذج «جي بي تي-5». إلا أن هذا المساعد أُوقف فجأةً ودون سابق إنذار في أثناء حلّ المسائل الثلاث الأخيرة من الاختبار.

نسبة حلول أعلى بدعم الذكاء الاصطناعي

على الرغم من أن نسبة حلّ الأسئلة لدى المشاركين الذين خضعوا للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي كانت أعلى من المجموعة الضابطة خلال معظم فترة التجربة، فإن هذه النسبة انخفضت بشكل حاد بمجرد إزالة الذكاء الاصطناعي.

وقف مساعد الذكاء الاصطناعي

لكن, وعندما عملت المجموعتان بشكل مستقل، انخفضت نسبة حلّ الأسئلة لدى المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمجموعة الضابطة.

بالإضافة إلى ذلك، لوحظ ارتفاع ملحوظ في نسبة تخطي الأسئلة لدى المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي بعد إزالة الذكاء الاصطناعي، حيث لجأت إلى التخلي عن المسائل... ضعف عدد مرات المجموعة الضابطة.

إعاقة الذكاء الاصطناعي للمهارات

هذا ولم يُتح للمشاركين الوصول إلى مساعديهم من الذكاء الاصطناعي إلا لمدة عشر دقائق تقريباً، مما يشير إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، حتى لفترة قصيرة كهذه، قد أعاق قدرة الأفراد على الاعتماد على مهاراتهم الذاتية في حل المشكلات.

كما أجرى الباحثون تجربة لاحقة بنفس الصيغة لاختبار مهارات فهم المقروء، بدلاً من المهارات الرياضية. وكانت النتائج متطابقة إلى حد كبير، باستثناء أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لم يمنح المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي أي أفضلية في الجزء الأول من الاختبار.

طريقة استخدامك الذكاء الاصطناعي مهمة

على الرغم من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ثم فقدانه أدى إلى انخفاض معدلات حل المشكلات بشكل عام، فإن هناك تبايناً بين المجموعات التجريبية في الدراسة، وذلك تبعاً لكيفية استخدامهم لمساعدي الذكاء الاصطناعي.

طلب الحلول مباشرةً... خفض مستوى المهارات

شهد أولئك الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي حلولاً مباشرة أكبر انخفاض في معدل الحل وأكبر زيادة في معدل التخطي (بعد وقف مساعد الذكاء الاصطناعي). وكانت غالبية المشاركين في الدراسة ضمن هذه المجموعة، حيث أفاد 61 في المائة منهم بأنهم طلبوا من الذكاء الاصطناعي إجابات مباشرة عن أسئلة الاختبار.

طلب تلميحات للحلول... لم يخفض المهارات

أما أولئك الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي تلميحات أو توضيحات فقط، فلم يشهدوا نفس الانخفاض في معدل الحل، بل ظلوا على قدم المساواة مع المجموعة الضابطة.

يشير هذا إلى أن ليس كل أشكال استخدام الذكاء الاصطناعي ضارة بالقدرات الإدراكية. بل إن الاعتماد الكامل على مساعدة الذكاء الاصطناعي هو ما يُضعف قدرة الإنسان على حل المشكلات.

دراسات سابقة حول التدهور المعرفي

تتوافق نتائج هذه الدراسة مع الأبحاث السابقة التي ربطت استخدام الذكاء الاصطناعي بالتدهور المعرفي.

كانت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) لقياس نشاط الدماغ في أثناء كتابة المقالات، قد أظهرت أن الكتّاب الذين يعملون بشكل مستقل يتمتعون بترابط دماغي أعلى بكثير من الكتّاب الذين يستخدمون نماذج لغوية ضخمة والذين كان أداؤهم أقل على الصعيد العصبي واللغوي والسلوكي خلال فترة التجربة التي استمرت أربعة أشهر.

كما أشارت دراسات أخرى أُجريت على عاملين في مجالات مثل العمل المعرفي والطب، إلى أن أولئك الذين اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام أصبحوا أقل قدرة على إنجازها بأنفسهم دون مساعدة الذكاء الاصطناعي.

في ختام دراستهم، كتب مؤلفو الدراسة أن نتائجهم «تثير تساؤلات ملحة حول الآثار التراكمية للاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي على مثابرة الإنسان وقدرته على التفكير المنطقي».

* مجلة «فاست كومباني»

وأضافوا: «نحذر من أنه إذا تراكمت هذه الآثار مع الاستخدام المستمر للذكاء الاصطناعي، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية - المصممة فقط لتقديم المساعدة على المدى القصير - تُهدد بتقويض القدرات البشرية التي صُممت لدعمها».

* مجلة «فاست كومباني».


حين يتخرّج الطبيب… هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟
هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟
TT

حين يتخرّج الطبيب… هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟
هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟

في قاعة محاضرات بإحدى كليات الطب في العالم العربي، يجلس طلاب يتعلمون كيف يقرأون صورة أشعة، وكيف يميّزون بين الظلال الدقيقة التي قد تشير إلى مرض خفي.

هذا المشهد، الذي ظلّ لعقود جوهر التدريب الطبي، لم يعد كما كان. ففي الوقت نفسه، وفي مختبرات رقمية لا تُرى، تقرأ خوارزميات الذكاء الاصطناعي آلاف الصور خلال ثوانٍ، وتلتقط أنماطاً تتجاوز حدود الإدراك البشري.

هنا، لا يعود السؤال: مَن الأدق؟ بل يتغيّر السؤال إلى ما هو أعمق: ماذا نُعلّم الطبيب اليوم... ليبقى له دور غداً؟

هل تخرِّج الجامعات العربية أطباء لعصر الخوارزميات؟

فجوة صامتة في التعليم الطبي

في دراسة حديثة أُجريت في جامعة المجمعة في المملكة العربية السعودية ونُشرت في أبريل (نيسان) 2026، بقيادة الباحثة وداد العنزي، تبيّن أن نحو 80 في المائة من طلاب التخصصات الصحية لم يتلقّوا تعليماً رسمياً في الذكاء الاصطناعي ضمن مناهجهم الجامعية، وأن الغالبية تعتمد على مصادر غير رسمية -كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي- لاكتساب هذه المعرفة. وهذه النتيجة لا تعكس مجرد نقص في المحتوى، بل تكشف عن فجوة بين ما يُدرَّس داخل القاعات، وما يُمارَس خارجها في بيئة طبية تتسارع فيها التقنيات.

فجوة عالمية

هذه الفجوة لا تبدو محلية فحسب، بل تنعكس أيضاً في الأدبيات العالمية الحديثة. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة الطب الرقمي التفاعلي مع الطبيعة (npj Digital Medicine)، التابعة لمجموعة «نيتشر»، بقيادة الباحث واي شين، أُشير إلى أن ما يُعرف بـ«الوعي بالذكاء الاصطناعي» (AI literacy)، أي القدرة على فهم كيفية عمل النماذج وحدودها وتفسير مخرجاتها، يمثّل عاملاً مؤثراً في جودة التفاعل السريري مع الأنظمة الذكية. وأظهرت الدراسة أن الاستخدام المتزايد لهذه الأنظمة لا يقترن بالضرورة بفهمٍ كافٍ لآلياتها، مما قد يحدّ من القدرة على تقييم مخرجاتها أو التعامل النقدي معها في سياقات سريرية معقدة.

محدودية إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم

وتتقاطع هذه النتائج مع مراجعات تعليمية أوسع نُشرت في «مجلة التعليم الطبي بي إم سي» (BMC Medical Education)، التي تشير إلى أن إدماج تعليم الذكاء الاصطناعي في مناهج الكليات الصحية لا يزال محدوداً نسبياً على المستوى العالمي، مع تباين واضح بين المؤسسات والدول. ورغم اختلاف التقديرات بين الدراسات، فإن الاتجاه العام يُظهر أن نسبة محدودة فقط من كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض قد أدرجت برامج تعليمية منظّمة في هذا المجال، مما يعكس فجوة مستمرة بين تسارع التطبيق السريري وبطء التكيّف التعليمي. وهنا تتضح المفارقة: ليست الفجوة بين العالم العربي والنماذج العالمية فجوة في توفر التقنية، بل في كيفية إدماجها تعليمياً.

تبني التطبيقات الذكية في السعودية

في المملكة العربية السعودية، التي تُعد من الدول المتقدمة عالمياً والأولى عربياً في تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، يتسارع إدخال هذه التقنيات في المنظومة الصحية ضمن رؤية المملكة العربية السعودية 2030. لكن هذا التسارع يضع التعليم الطبي أمام اختبار حقيقي: هل تواكب المناهج هذا التحول، أم يظل الطبيب يتعلّم أدوات الأمس ليواجه تحديات الغد؟

من هنا، لا تعكس هذه الأرقام نقصاً في المحتوى التعليمي فحسب، بل تشير إلى تحوّل أعمق: انتقال الطب من معرفة ثابتة إلى منظومة تتغير في الزمن الحقيقي. ولم يعد التعليم الطبي قائماً على نقل المعرفة؛ تشخيصاً وعلاجاً وبروتوكولات، بقدر ما أصبح مطالباً بتعليم ما هو أصعب: كيف يفكّر النظام الذكي، وكيف يُفهم، وكيف يُساءل؟

بين الاستخدام... والفهم

الطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي... أم الطبيب الذي يفهمه؟ في كثير من المناهج الطبية اليوم، يُدرَّب الطالب على استخدام الأدوات، لكنه لا يُدرَّب بالقدر نفسه على مساءلتها. يتعلّم كيف يُدخِل البيانات وكيف يقرأ النتائج، دون أن يتوقّف عند السؤال الأهم: كيف صُنعت هذه النتيجة، وعلى أي أساس بُنيت؟

هذا الخلل يكشف عن فرق جوهري في تكوين الطبيب. فهناك من يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة جاهزة يُعتمد على مخرجاتها، وهناك من يتعامل معه بوصفه منظومة يمكن فهمها وتحليلها ونقدها. الفارق بينهما ليس في القدرة على الاستخدام، بل في مستوى الوعي.

هذا الوعي لا يتطلّب تعلّم البرمجة، بقدر ما يتطلّب فهماً لكيفية تدريب النماذج، وإدراكاً لحدودها، وقدرة على تمييز الحالات التي قد تخطئ فيها، أو تقدّم فيها توصيات لا تنطبق على السياق السريري للمريض. وهو ما يمنح الطبيب القدرة على اتخاذ قرار مستقل، حتى في ظل توصية خوارزمية تبدو دقيقة أو مقنعة.

في المقابل، ورغم أن العالم لم يصل بعد إلى نموذج تعليمي متكامل لهذا التحوّل، فإن ملامحه بدأت تتشكّل. فقد شرعت جامعات دولية بإدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته ضمن مناهج الطب، في محاولة لإعداد جيل لا يكتفي باستخدام التقنية، بل يمتلك القدرة على فهمها والتعامل معها بوعي.

ومع ذلك، لا يزال الإيقاع غير متوازن: التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، فيما يحاول التعليم الطبي اللحاق بها.

حين يتخرج الطبيب هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

ماذا يجب أن نُعلّم؟

إذا كان الهدف لم يعد يقتصر على تخريج طبيب يستخدم الذكاء الاصطناعي، بل طبيب يفهمه، فإن السؤال لم يعد: هل نضيف مادة دراسية جديدة؟ بل: ماذا نُعلّم تحديداً؟

الجواب لا يكمن في تعليم البرمجة بقدر ما يكمن في بناء فهم سريري-خوارزمي متكامل. أي أن يتعلّم الطالب كيف تُبنى النماذج، وكيف تتأثر جودة نتائجها بطبيعة البيانات التي تُدرَّب عليها، وكيف يمكن أن تنحاز أو تُخطئ في سياقات معينة. كما يتطلب ذلك فهم الفرق بين الارتباط والسببية، وإدراك أن دقة الخوارزمية لا تعني بالضرورة صلاحيتها لكل حالة سريرية.

ويشمل هذا التحول أيضاً إدماج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن صميم التعليم الطبي، لا بوصفها مادة نظرية مستقلة، بل كجزء من عملية اتخاذ القرار السريري: متى يمكن الوثوق بالنظام؟ ومتى ينبغي تجاوزه؟ ومن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ؟

بهذا المعنى، لا يعود الذكاء الاصطناعي موضوعاً يُضاف إلى المنهج، بل يتحوّل إلى إطار تفكير يُبنى عليه.

العالم العربي: فرصة لا تُعوَّض

في خضمّ هذه التحولات، تبرز أمام العالم العربي فرصة نادرة -ليس فقط لمواكبة التغيير، بل لإعادة بناء التعليم الطبي من جذوره. وفي المملكة العربية السعودية، حيث يتسارع التحول الصحي ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا يبدو السؤال اليوم: كيف نعدّل المناهج القائمة؟ بل: كيف نعيد تصميمها بالكامل لعصر مختلف في أدواته وتحدياته؟

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تقدّم الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل فيما قد نغفله ونحن ندرّس الأطباء. الخطر ليس أن تصبح الخوارزميات أكثر دقة، بل أن يتخرّج طبيب لا يعرف متى قد تخطئ، ولا كيف يتعامل مع حدودها.

في الماضي، كان الطبيب يُعرَّف بما يعرفه من معلومات. أما اليوم، فسيُعرَّف بقدرته على الفهم، وبقدرته على طرح السؤال الصحيح، وبمساحة الشك التي يحتفظ بها أمام أي توصية خوارزمية.

بهذا المعنى، لن يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، لكنه سيعيد تعريف دوره... وحدود قراره.