10 أماكن لا تفوتك زيارتها في نيودلهي

فوضى وازدحام مقابل حدائق وملاذات للسكينة وراحة النفس

أحد معالم  نيودلهي الرائعة
أحد معالم نيودلهي الرائعة
TT

10 أماكن لا تفوتك زيارتها في نيودلهي

أحد معالم  نيودلهي الرائعة
أحد معالم نيودلهي الرائعة

«لا أعلم لماذا يتم التركيز فقط على (تاج محل) عند الحديث عن أشهر الأماكن السياحية في الهند، حيث أشاهد هنا في نيودلهي معالم وآثاراً تمثل مختلف الحضارات التي مرت على البلاد، وتحكي تاريخ التنوع الديني والعرقي واللغوي الذي شهدته الهند على مدار تاريخها».
بحماس بالغ تتحدث «سوفارين إم» وهي صحافية ومذيعة تلفزيونية من كمبوديا وتوجد في نيودلهي للدراسة لـ«الشرق الأوسط».
عشرات الأماكن الأثرية يمكنك زيارتها، إذا قررت أن تكون نيودلهي وجهتك السياحية المقبلة، حيث تتميز بتوفر خيارات متنوعة من مواقع تاريخية، ومتاحف، وحدائق ومعابد، كما أنها تناسب كل الميزانيات نظرا لتوفر مطاعم وفنادق ذات المستويات المختلفة. التنقل داخل العاصمة أيضا لا يمثل أي مشكلة، فالخيارات بين مترو الأنفاق وسيارات أوبر أو التوك توك متوفرة.
المشكلة الوحيدة أن التنوع الكبير للعاصمة وكبرها قد يجعل السائح يضيع وقته في البحث عن أي المعالم يختار، لهذا رصدنا أبرز عشرة أماكن سياحية يمكن زيارتها بسهولة وبتكاليف معقولة.
قطب مينار

هل قمت بزيارة قطب مينار؟ سؤال سيتردد على مسامعك كثيراً، خاصة عندما يعلمون أنك مسلم، حيث تعتبر قطب مينار من أبرز الآثار الإسلامية الواقعة غرب نيودلهي. فهو أطول مئذنة في الهند، نحو 75 مترا، وثاني أطول المنارات في تاريخ العالم الإسلامي بعد منارة «الجيرالدا» في إشبيلية البالغة نحو 97.5 متر.
يعود الفضل في بناء قطب مينار إلى السلطان «قطب الدين أيبك» الذي أسس أول مسجد للمسلمين في الهند، وهو مسجد «قوة الإسلام». ما زال يعد من أروع المساجد في الهند حيث شيده على طراز المساجد الجامعة، أي من صحن أوسط وأربع ظلات للصلاة. باغته الموت قبل أن يُنهي بناء مئذنة أو منارة المسجد، لتؤول مهمة تشييد الطابقين الثاني والثالث إلى خليفته شمس الدين ألتمشي. أما الطابقان الرابع والخامس فبناهما السلطان فيروز، مستخدما في بناء المنارة الحجر الرملي الأحمر والبرتقالي وهو ما يمنحها تميزها إلى جانب استخدامه الأقواس الحجرية المزينة بالنقوش، والشرفات المتعددة الأشكال والتصاميم المزينة بالأرابيسك.
يفتح قطب مينار أبوابه للزائرين والسائحين يومياً من العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساء، ويبلغ سعر تذكرة الدخول 500 روبية (نحو 8 دولارات أميركية)، ويعتبر مبلغا جيداً نظراً لروعة المكان، وجمال الصور التي يمكن التقاطها فيه. وإذا أردت الاستعانة بأحد المرشدين لمعرفة معلومات أكثر عن تاريخ المكان وكيفية بنائه، فإن الأمر في غاية السهولة

لا يقل ضريح همايون الذي شيد في القرن السادس عشر جمالا عن سابقه. فهو يُعتبر تحفة معمارية فنية بكل المقاييس. وإذا كانت الهند تفخر دوماً بـ«تاج محل» كأحد أبرز الآثار الإسلامية في العالم، وكمكان يُجسد قصة وفاء وحب عظيمة من الملك «شاه جهان» لزوجته الثالثة تاج محل، فإن ضريح همايون يمثل قصة حب ووفاء لا تقل أهمية. الفرق هنا أن الزوجة هي من أمرت ببناء الضريح وفاء لزوجها الإمبراطور همايون. فبعد وفاته عام 1556 دُفن لأول مرة في «بورانا كويلا»، وهي قلعة في دلهي، وعندما احتل الإمبراطور الهندوسي «هيمو» القلعة، تم استخراج جثة همايون، ونُقلت إلى البنجاب، بعدها أمرت زوجته الأولى «حميدة بانو بيجوم» ببناء هذا الضريح لزوجها.
صممه مهندس فارسي يدعى «ميراك ميرزا غيث»، لذا نجد تأثر التصميم بالعمارة الفارسية، ويعتبر ضريح همايون الأول بالهند الذي تحيط به حديقة كبيرة، هي حديقة «تشار باغ» أي الحديقة المربعة. حديقة فريدة من نوعها، تنقسم إلى أربعة أجزاء تحددها أربعة جسور، ويوجد وسط كل جسر منها قناة للمياه الضحلة متعلقة ببركة مياه. يوجد في منتصف الحديقة وعلى ارتفاع 7 أمتار يبدو للزائر مبنى مدرج مربع الشكل يقع فيه ضريح همايون، الذي يتكون من طابقين مبنيين من الحجر الرملي الأحمر. تعلو المبنى قبة مزدوجة من الرخام الأبيض ارتفاعها 42.5 متر، وفى حجرة المدفن زخارف بآيات قرآنية.
تجدر الإشارة إلى أنه إلى جانب هذا الضريح يوجد نحو 150 فرداً من زعماء المغول، مما جعله يُوصف بأنه مقبرة جماعية لسلالة المغول. ومثل قطب مينار، تبلغ تكلفة تذكرة الدخول لضريح همايون 500 روبية.

لأن فترة حكم المغول للهند كانت طويلة، امتدت لأكثر من 200 عام، نجد آثارهم من مساجد وقلاع وأضرحة تنتشر بشكل كبير في نيودلهي وغيرها من المدن الهندية. من أجملها القلعة الحمراء، التي يجب أن تكون على قائمة أولوياتك أثناء زيارتك لنيودلهي.
تقع في جنوب العاصمة، وكما يتضح من اسمها، بُنيت من الحجر الأحمر، ويمزج تصميمها المعماري بين التقاليد الإسلامية والفارسية والهندوسية. فهي مزينة بالرخام المزخرف بالنقوش، والزخرفة النباتية، والقباب المزدوجة التي تعد رمزاً للعمارة المغولية.
شُيدت عام 1648 في عهد الإمبراطور المغولي «شاه جهان»، الذي أنشأها بعد أن نقل عاصمته من أغرا إلى دلهي، وبقيت مقراً لإقامة الأباطرة المغوليين لما يقرب من 200 عام، والمقر السياسي لحكومتهم.
وحتى بعد انتهاء الحكم المغولي ظلت للقلعة الحمراء مكانة خاصة في تاريخ الهند. كانت سابقا مقر الجيش البريطاني الرئيسي، ثم أصبحت رمزاً للاستقلال، حين اختارها رئيس الوزراء نهرو دوناً عن باقي الآثار أو المباني ليعلن منها استقلال الهند. الآن، وفي الخامس عشر من أغسطس (آب) من كل عام، تستقبل الأهالي والسائحين، للاحتفال بذكرى استقلال الهند حيث تُرفع الأعلام الهندية وتُقام احتفالات صاخبة في ساحتها.
تتميز القلعة أيضاً بإقامة عرض صوتي يومياً، بجانب بعض الصور والأفلام الوثائقية حول تاريخ المغول، وقصة بناء القلعة، ولكي تتمكن من دخول القلعة عليك دفع 500 روبية، حيث تفتح أبوابها يومياً ماعدا أيام الاثنين.

معبد اللوتس

بحكم أن الهند تتميز بالتنوع الديني واللغوي والثقافي، فإن المغول ليسوا وحدهم من تركوا إرثهم فيها. هناك كثير من المعابد والآثار التي تبرز هذا التنوع نذكر منها معبد اللوتس، الذي يعد معبدا للديانة البهائية.
فعلى شكل زهرة اللوتس أثناء انفتاحها، شُيد المعبد في الضاحية الجنوبية لنيودلهي، حيث يتميز بتصميمه المعماري الفريد، الذي جعله ينضم إلى مصاف أروع رموز العمارة الهندية الحديثة.
وعلى الرغم من أنه خاص بالبهائيين، فإنه يرحب بكافة زواره بغض النظر عن ديانتهم وعقائدهم، لذا فعندما تذهب إلى هناك، ستجد طابوراً طويلاً من كل الجنسيات والأديان في انتظار الدخول للتمتع بمعماره ومُقتنياته الثمينة.
يعود تاريخ تأسيس المعبد إلى عام 1986، واستغرق بناؤه تحت إشراف المعماري الإيراني «فاريبورز» عشر سنوات تقريبا. استخدم في تشييده الرخام الأبيض من اليونان، ورُفع على مجموعة من العوارض بشكل اللوتس لينتهي كتحفة معمارية فريدة.
يوجد به 9 بوابات تصل مداخلها إلى مركز المعبد الذي يصل ارتفاعه إلى 40 متراً، أما مساحته الدائرية الكبيرة فتسع لـ2500 شخص، كما يحيط به حديقة وحمام سباحة بمساحة 40 متراً.

سوامينارايان أكشاردام

يجسد الثقافة الهندية رغم أنه ليس قديماً. فهو من أحدث المزارات حيث تم افتتاحه في عام 2005 فقط وأصبح يعتبر من أجمل المناطق السياحية في دلهي.
«سوامينارايان أكشاردام» معبد هندوسي يتميز بقيمته المعمارية، حيث الأحجار الوردية اللون، والرخام الأبيض والقصر الضخم المنحوت في الصخر بتفاصيل دقيقة، بالإضافة إلى الحدائق الغناء التي تشعرك بالصفاء والاسترخاء.
ليس هذا فقط ما سوف تشاهده بالداخل، فهناك إمكانية للتجول بالقارب للاستمتاع بالمكان من زوايا مختلفة. أما أفضل الأنشطة التي يمكنك القيام بها هنا، فحضور العرض أمام النافورة الكبرى المزينة بالمصابيح الملونة، على مدار ساعة ونصف.
تم إدراج المعبد في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية كأكبر معبد هندوسي في العالم منذ سنوات. الجميل فيه أيضا أن دخوله لا يكلف شيئا، إذ إنه مجاني، لكن يوجد رسم دخول العروض الموسيقية، وأيضاً إذا أردت القيام بجولة بالقارب.
قبل الذهاب عليك أن تعلم أنه يمنع اصطحاب الهواتف المحمولة أو الكاميرات داخل المعبد، وهناك تفتيش ومتابعة دقيقة لهذا الأمر، كما أنه عادة ما يكون الطابور طويلا ومزدحما، ومع ذلك فالمعبد يستحق الزيارة والمجهود. ويمكنك الاستمتاع بزيارة المعبد في أي يوم من الثلاثاء إلى الأحد، من التاسعة والنصف صباحاً حتى الثامنة مساء، ويغلق أبوابه الاثنين.

بوابة الهند
في قلب العاصمة الهندية، تستوقفك بشكلها المهيب وطولها الذي يصل إلى 42 متراً. البوابة هي بالأصل نصب تذكاري للحرب، بُنيت إحياء لذكرى 90 ألف من الجنود الهنود الذين قتلوا في الولايات الشمالية الغربية أثناء الحرب العالمية الأولى. استعمل في بنائها الحجر الرملي، ويحيط بها كثير من الحدائق الشاسعة، مما يجعلها مكاناً رائعاً للسكان المحليين وأيضاً لنب، لهذا نادراً ما تكون المنطقة هادئة.

المتحف الوطني

إذا كنت تريد معلومات عن الفنون والثقافة الهندية، فعليك بزيارة المتحف الوطني الهندي، أحد أكبر المتاحف في الهند. تصل مقتنياته إلى نحو 200 ألف قطعة، من حضارات مختلفة تمتد إلى أربعة آلاف عام. تشمل مجموعة متنوعة من الرسوم واللوحات والتحف والمنحوتات، والحلي والدورع والأسلحة والمنسوجات المطرزة والتماثيل المصنوعة من الأحجار الكريمة. كما يوجد في المتحف كثير من الأقسام، أهمها قسم الآثار الفنية، معرض الفن البوذي، قسم آثار آسيا الوسطى الفنية، قسم الفن الغربي.
يوجد بداخل المتحف عدد من المرشدين يقدمون كل المعلومات، ويشرحون الأقسام المتنوعة، وتاريخ المعروضات التي تذكر بالحضارات التي مرت على الهند وأثرتها.

حدائق لودي

عندما تتعب من زيارة المتاحف والمعابد، وتمل من الصخب والازدحام، عليك بالذهاب إلى حدائق لودي التي تبعد نحو 3 كيلومترات عن ضريح همايون، لكي تنعم فيه بالهدوء والسكينة. تعتبر حدائق لودي ملاذا وواحة تمتد على مساحة 90 فدانا من النباتات النادرة والأشجار. يراها الهنود أفضل مكان لممارسة رياضة المشي، خاصة مع وجود ممرات طويلة بين الأشجار تشجع على المشي والتمتع بجمال الطبيعة وطبعا ممارسة رياضة اليوغا.

حديقة الحيوانات الوطنية

حديقة أخرى يجب أن تزورها قبل أن تنهي زيارتك لنيودلهي. افتتحت في عام 1959 على مساحة 71 هكتاراً، ومنذ ذلك العهد وهي من المعالم السياحية التي تفخر بها نيودلهي، حيث تضم أنواعا مختلفة من الحيوانات والطيور والزواحف. الآن تعتبر مركز جذب لمُحبي التصوير الفوتوغرافي.

سوق ساروجيني

على الرغم من وجود كثير من المجمعات الخاصة بالماركات العالمية، تبقى للأسواق الشعبية نكهة خاصة. من أشهرها سوق «ساروجيني»، التي توفر أجود أنواع الساري الهندي والهدايا التقليدية. كونها السوق المفضلة للسكان المحليين يكفي لتأكيد الأمر. لكن تذكر دائما أن المفاصلة حول السعر ضرورية وجاري العمل بها. وتزيد الحاجة إليها عندما تكون سائحا لأن البائع غالبا ما يرفع السعر إلى أقصى حد.


مقالات ذات صلة

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

يوميات الشرق استخدام السماعات لتقليل صخب الموسيقى (شاتورستوك)

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

تعتزم شركات السكك الحديدية في بريطانيا تشديد الإجراءات ضد الركاب الذين يشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع داخل القطارات، مع التلويح بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني،…

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.