سحر «وجوه الفيوم» يمتد إلى روما

معرض أثري يضم 40 لوحة وقناعاً جنائزياً

إحدى لوحات بورتريهات الفيوم (وزارة السياحة والآثار)
إحدى لوحات بورتريهات الفيوم (وزارة السياحة والآثار)
TT

سحر «وجوه الفيوم» يمتد إلى روما

إحدى لوحات بورتريهات الفيوم (وزارة السياحة والآثار)
إحدى لوحات بورتريهات الفيوم (وزارة السياحة والآثار)

امتد سحر «وجوه الفيوم» المصرية القديمة إلى إيطاليا، حيث لفتت الانتباه وحظيت بحضور خاص في افتتاح معرض «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما»، الاثنين، الذي يستضيفه متحف آرا باسيس بالعاصمة الإيطالية روما، خلال الفترة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، حتى 2 مايو (أيار) 2027، في إطار تعزيز التعاون الثقافي والأثري بين مصر وإيطاليا.

وخلال الافتتاح الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، على عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تربط بين مصر وإيطاليا، مشيراً إلى ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور مستمر، لا سيما في مجالي السياحة والآثار، وأوضح في بيان للوزارة، أن التعاون الأثري بين البلدين يمتد لعقود، ويشمل أعمال الحفائر والترميم، من خلال البعثات الأثرية الإيطالية العاملة في مصر، التي تتعاون بصورة وثيقة مع نظيراتها المصرية.

وأشار إلى زيارته روما العام الماضي لافتتاح معرض «كنوز الفراعنة»، الذي شهد افتتاحه الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، مؤكداً أن هذا المعرض ومعرض «قوة البورتريهات» يمثلان محطتين مهمتين في مسيرة التعاون الثقافي بين البلدين، ويسهمان في تعزيز الحوار بين الحضارتين المصرية والإيطالية، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور الإيطالي للتعرف على جوانب متميزة من الحضارة المصرية.

ويعكس المعرض «قدرة الفن على إبراز التفاعل بين الثقافات المختلفة، عبر امتزاج التقاليد الفنية المصرية واليونانية والرومانية في مصر القديمة مما أسهم في ظهور أعمال فنية فريدة، من بينها بورتريهات الفيوم، التي تجسد هذا التفاعل الحضاري والإبداع الفني، وتكشف عن جوانب من الممارسات والمعتقدات المرتبطة بالحياة الآخرة في مصر القديمة»، وفق تصريحات وزير السياحة والآثار.

جانب من افتتاح المعرض (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المعرض يجسد التفاعل الحضاري والفني بين مصر وروما قبل نحو ألفي عام، من خلال بورتريهات الفيوم التي تمثل نموذجاً فريداً يجمع بين المعتقدات المصرية القديمة المتعلقة بالحياة الآخرة والتقاليد الفنية اليونانية والرومانية في تصوير الملامح الفردية، بما يعكس التلاقي بين الحضارتين.

وأشار إلى الأهمية العلمية للمعرض، الذي يتيح دراسة مجموعة من البورتريهات المصرية، يُعرض العديد منها خارج مصر للمرة الأولى، جنباً إلى جنب مع أعمال من مجموعات إيطالية، باستخدام أحدث تقنيات الفحص والتحليل العلمي، بما يسهم في الكشف عن مزيد من المعلومات المتعلقة بأساليب إنتاج هذه الأعمال والورش الفنية التي أبدعتها.

و«يقدم المعرض نموذجاً متعدد الأبعاد لإدارة التراث. فهو يجسد توصية (اليونيسكو) عام 2015 بشأن تعزيز التعاون والشراكات بين المتاحف. كما يعكس ترميم لوحة (الأخوين) التعاون التقني بين خبراء مصريين وإيطاليين، وهو ما يعزز الحفاظ على التراث ونقله للأجيال القادمة»، حسب رأي المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحات التي يعود تاريخها للقرنين الأول والثالث الميلاديين تظهر اندماجاً فريداً بين الفن الهلنستي والروماني والمصري»، عاداً اختيار متحف «آرا باسيس» في قلب روما يمنح المعرض جاذبية سياحية فورية، حيث تتداخل الوجهة السياحية الرئيسية مع المحتوى الثقافي المتخصص. ويتم التسويق للمعرض باعتباره حدثاً استثنائياً ونادراً لأول مرة خارج مصر، مما يخلق دافعاً قوياً للسفر والزيارة، ويساعد ويعزز نموذجاً قوياً للسياحة المستدامة.

ويُعدّ المعرض من الفعاليات الثقافية والأثرية الدولية المهمة التي تسلط الضوء على فن البورتريه في مصر خلال العصرين اليوناني والروماني، ولا سيما بورتريهات الفيوم، التي تعتبر من أبرز الشواهد الباقية على فن التصوير الشخصي في العالم القديم، وما يعكسه من ملامح الهوية الإنسانية والمعتقدات الجنائزية والتفاعل بين التقاليد المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية والرومانية.

من بورتريهات الفيوم (المتحف المصري)

ويضم المعرض 40 قطعة أثرية، تشمل 24 بورتريهاً، و15 قناعاً جنائزياً من الجص، وتمثالاً نصفياً للإمبراطور الروماني جاليوس، إلى جانب مجموعة من أبرز الأعمال، من بينها «توندو الأخوين»، وبورتريه السيدة الشابة المعروفة باسم «ديموس»، وبورتريه خشبي لطفل صغير. كما يعرض للمرة الأولى بورتريه لشاب عُثر عليه خلال حفائر البعثة الأثرية الإيطالية بمنطقة ديمية السباع عام 2022.

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن «بورتريهات الفيوم لا تكتسب قيمتها من براعة التصوير ودقة تسجيل الملامح الإنسانية فحسب، وإنما من كونها وثائق تاريخية وفنية تكشف عن طبيعة المجتمع المصري خلال العصرين اليوناني والروماني، وما شهده من تفاعل بين التقاليد المصرية الراسخة والمؤثرات الفنية الوافدة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن الأهمية الاستثنائية لهذه البورتريهات في أنها تنقلنا من عالم التصوير المثالي الذي ارتبط بكثير من الفنون القديمة إلى عالم أكثر اقتراباً من الإنسان الفرد؛ حيث نرى ملامح أشخاص عاشوا بالفعل، واختلاف أعمارهم وسماتهم الشخصية، وكأن الزمن قد احتفظ لنا بلحظات من حضورهم الإنساني. ومن هنا، فإن هذه الأعمال لا تمثل مجرد صور جنائزية، بل تحمل قيمة توثيقية واجتماعية وأنثروبولوجية، تتيح قراءة جوانب من الهوية والمظهر الشخصي والممارسات الجنائزية والمعتقدات المرتبطة بالموت والحياة الأخرى خلال تلك الفترة».

بورتريهات الفيوم ضمت وجوهاً متنوعة لرجال ونساء وأطفال (المتحف المصري)

وتتابع: «تقدم هذه البورتريهات نموذجاً بالغ الدلالة للتفاعل الحضاري؛ فقد نشأ هذا الفن في البيئة المصرية، واستوعب تقنيات وتقاليد تصويرية يونانية ورومانية، دون أن ينفصل عن السياق الجنائزي والمعتقدات المصرية المتعلقة باستمرار وجود المتوفى في العالم الآخر».

واعتبرت استضافة المعرض في روما خصوصاً في متحف آرا باسيس بما يحمله من رمزية تاريخية في الحضارة الرومانية يُكسب المعرض أهمية إضافية. وقالت: «مثل هذه المعارض لا ينبغي النظر إليها باعتبارها فعاليات سياحية أو ترويجية فحسب، بل باعتبارها أدوات لنشر المعرفة الأثرية وتعزيز الحضور الثقافي المصري عالمياً، وإتاحة الفرصة للمتخصصين والجمهور على السواء لاكتشاف جوانب أكثر عمقاً من الحضارة المصرية».


مقالات ذات صلة

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

يوميات الشرق من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«حكايات من خزانة الوطن»... معرض يكرّس أرشيفاً بصرياً للروح المصرية

تحت عنوان «حكايات من خزانة الوطن» افتتح معرض استعادي للفنان والناقد التشكيلي المصري الراحل عز الدين نجيب، يضم أعمالاً فنية تكرس لأرشيف بصري للروح المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)

رئيس مهرجان غزة لأفلام المرأة: المخرجات الصاعدات وثقن «جرائم الاحتلال»

مهرجان غزة لأفلام المرأة أقيم بين الأنقاض (إدارة المهرجان)
مهرجان غزة لأفلام المرأة أقيم بين الأنقاض (إدارة المهرجان)
TT

رئيس مهرجان غزة لأفلام المرأة: المخرجات الصاعدات وثقن «جرائم الاحتلال»

مهرجان غزة لأفلام المرأة أقيم بين الأنقاض (إدارة المهرجان)
مهرجان غزة لأفلام المرأة أقيم بين الأنقاض (إدارة المهرجان)

في مواجهة الظروف القاسية، استطاع مهرجان «غزة لأفلام المرأة» أن يُرسِّخ حضوره، ليس في المشهد السينمائي فحسب، بل في المشهد الفلسطيني أيضاً، من خلال أفلام توثق جرائم الاحتلال ومعاناة المرأة الفلسطينية تحت وطأة الحرب. وقد حملت هذه الأفلام توقيع مخرجات غزاويات يخضن تجاربهن الأولى، ضمن فريق «نساء يصنعن الحياة من الموت»، لتكشف عن مواهب سينمائية واعدة في الدورة الثانية للمهرجان، التي اختُتمت السبت.

وقدمت المخرجة الفلسطينية مي المصري التهنئة للمهرجان وللمواهب الشابة، مشيرة إلى أن الأفلام جاءت حصاد أول دورة تدريبية لصناعة الأفلام، أُقيمت على مدى 8 أشهر. وأضافت، عبر شريط مسجل، أن الدورة شهدت مشاركة 25 فتاة وسيدة من غزة، ورأت أنها تعلمت كثيراً على الصعيد الشخصي خلال إشرافها على هذه الدورة، ومعبرة عن فخرها بهذه المواهب التي تخرج من غزة.

وكانت الدورة الثانية للمهرجان قد شهدت عرض 9 أفلام قصيرة لمخرجات من غزة، حوّلن حكايات من واقع حياتهن إلى أفلام توثق حكايات إنسانية من قلب الحرب والنزوح. كما شهدت مشاركة 73 فيلماً تمثل 24 دولة عربية وأجنبية، وأقام المهرجان للمرة الأولى 3 مسابقات للأفلام الروائية الطويلة والروائية القصيرة والوثائقية القصيرة، إلى جانب مسابقة تختص بالأفلام الوطنية.

ومن بين الأفلام الفلسطينية التي عرضها المهرجان «غرفة الأخبار» لملك عودة، و«النافذة» لإلهام أبو قص، و«ما وراء الصمت» لرغدة البحيصي، و«سوسو خط الحياة» لكوثر أبو الحصين، و«بقايا نور» لهنادي أبو صلاح، الذي فاز بجائزة «البرتقالة الذهبية» لأفضل فيلم وطني قصير. وكانت هنادي قد فقدت أسرتها في الحرب، وأهدت الفيلم إلى شهداء غزة، ووجهت الشكر إلى المهرجان وكل من أتاح لنساء وفتيات غزة فرصة صناعة أفلام من وسط الوجع والركام.

أصوات جديدة لمخرجات عبر أفلامهن عن الحرب والنزوح (إدارة المهرجان)

وصُوِّرت هذه الأفلام بكاميرات الجوالات، بإشراف الدكتور عز الدين شلح، رئيس المهرجان، بصفته مشرفاً ميدانياً، والمخرجة مي المصري، بصفتها مشرفة عامة على الأفلام.

وواكب افتتاح الدورة الثانية للمهرجان تدشين «أكاديمية غزة للسينما»، بحضور صانعات أفلام وجمهور فلسطيني من الشباب والكبار. وكانت الأكاديمية قد أُعلن عن تأسيسها خلال الدورة الماضية من مهرجان «فينيسيا السينمائي»، في سبتمبر (أيلول) الماضي، بمبادرة من 9 مؤسسين، هم عز الدين شلح، ومي المصري، وآن ماري جاسر، وهيام عباس، وصالح بكري، وغرازبيلا بيلد سهايم، ورامي يوسف، وعلاء كركوتي.

يقول رئيس المهرجان، عز الدين شلح: «كنا قد أطلقنا فرصة لتعلم السينما والحصول على دبلوم في صناعة الأفلام للمخرجات، ثم طورنا هذه المبادرة مع الإعلان عن إطلاق (أكاديمية غزة)، بمشاركة 7 مؤسسين من كبار صناع الأفلام. وهي أكاديمية تتبع المهرجان، الذي يُعد المنصة الرئيسية لها».

وأُقيم المهرجان في صالة النخيل المدمرة، وسط ركام المباني. ويلفت شلح، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى المغزى من إقامة المهرجان في مكان مدمر، قائلاً: «أردنا أن نبعث برسالة إلى العالم مفادها أننا، رغم الدمار والموت اللذين يحيطان بنا من كل جانب، مصممون على حب الحياة. وهي رسالة إلى المجتمع الدولي الذي يتابع الأخبار، لكنه لا يرى عمق الأشياء. فأفلامنا تحكي ما وراء الخبر، وتروي الحكايات التي لا تعرضها الأخبار، كما توثق بالصوت والصورة جرائم الاحتلال».

ويضيف: «لقد عمد الاحتلال الإسرائيلي، بصورة ممنهجة، إلى تدمير قاعات الثقافة الفلسطينية، لذا اتجهنا إلى إقامة المهرجان في مخيم نزوح»، مؤكداً أنهم واجهوا مشكلات في الكهرباء والإنترنت خلال إقامة الدورة.

المخرجة هنادي أبو صلاح تتسلم جائزتها عن فيلم «بقايا نور» من رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)

ويقدم شلح كشف حساب عن الدورة الثانية للمهرجان، قائلاً: «نظّمنا 3 مسابقات للأفلام المشاركة للمرة الأولى، بعدما اكتفينا في الدورة الأولى بعرض الأفلام فقط. كما أنتجنا أفلاماً لمخرجات فلسطينيات، بعد تعليمهن صناعة الأفلام، لينتقل المهرجان من مجرد منصة للعرض إلى مهرجان يقيم مسابقات، ويكتشف مواهب واعدة، ويعرض أفلاماً أنتجها. وهذا بالنسبة لنا إنجاز كبير في دورته الثانية».

وعلى الرغم من الحضور اللافت الذي يحققه المهرجان، فإنه لا يحظى بأي دعم. ويختتم شلح حديثه قائلاً: «طلبنا دعماً من وزارة الثقافة، لكننا لم نجد اهتماماً».

وترى الناقدة الفلسطينية علا الشيخ أن أهمية مهرجان «غزة لأفلام المرأة» لا تكمن في إقامة عروض سينمائية داخل قطاع غزة فحسب، بل في الفكرة التي يحملها، وفي إصراره على إبقاء النساء حاضرات في المشهد الثقافي، لا بوصفهن ضحايا للحرب فقط، وإنما صاحبات تجربة ورؤية، وقادرات على التعبير والإبداع وصناعة الصورة.

وتضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت الذي تحاول فيه الحرب تدمير المكان والإنسان والذاكرة، تختار غزة أن تروي حكايتها بالكاميرا. فمن خلال عرض الأفلام والاهتمام بتدريب الشابات وتمكينهن من أدوات صناعة الأفلام، يفتح المهرجان المجال أمام جيل جديد من السينمائيات الفلسطينيات، القادرات على رواية قصص مجتمعهن من الداخل، بعيداً عن الصور النمطية أو الروايات التي تُكتب نيابة عنهن».


«شتاء الديرة» يعيد الحياة إلى معالم التجارة والتراث في قلب الرياض

حضور الزوار في منطقة القيصرية ضِمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)
حضور الزوار في منطقة القيصرية ضِمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«شتاء الديرة» يعيد الحياة إلى معالم التجارة والتراث في قلب الرياض

حضور الزوار في منطقة القيصرية ضِمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)
حضور الزوار في منطقة القيصرية ضِمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)

تستعيد منطقة الديرة حضورها عبر «شتاء الديرة»، الذي يجمع بين الموروث النجدي والتجارب الثقافية والفنية والترفيهية، في موسم يحيي مواقعها التاريخية والتجارية، بدايةً من المعيقلية والقيصرية إلى مجلس الديرة ومسرحها ومنتزهها، حيث تختزن الأسواق القديمة وحكايات التجارة وملامح الحياة الاجتماعية. وانطلقت فعاليات «شتاء الديرة» في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ضِمن النسخة السابعة من موسم الرياض، ببرنامج يمتد 128 يوماً حتى 8 مارس (آذار) 2027، واستهل الموسم فعالياته بمسيرة احتفالية أعلنت بدء البرنامج.

لقطة لأكشاك الأسواق في ساحة وممرات المعيقلية ضِمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)

أسواق تختزن ذاكرة الرياض

ترتبط المعيقلية والقيصرية بتاريخ الحركة التجارية في قلب الرياض، إذ شكّلتا، على مدى عقود، وجهة رئيسية للتجارة والتسوق، واستقطبتا التجار والمتسوقين من العاصمة ومناطق السعودية المختلفة. وتتكون المعيقلية من أربعة مبانٍ متصلة، تضم مجموعة من المتاجر المتخصصة في الأقمشة والملابس الرجالية والعباءات والمستلزمات النسائية، إلى جانب الذهب والمجوهرات والعطور والعود ومستحضرات التجميل.

وخلال الموسم، تتحول الساحة الفاصلة بين المباني الأربعة إلى فضاء نابض بالحياة يضم العروض الأدائية والورش الفنية والأركان الإبداعية، إضافة إلى عربات الأطعمة والمقاهي، كما توفر «شرفة المعيقلية» إطلالة على الساحة، تتيح للزوار متابعة الأنشطة والاستمتاع بأجواء الموسم.

حضور مقتنيات الجيل القديم في دكان الطيبين بساحة المعيقلية ضِمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)

وفي «دكان الطيبين» نخوض رحلة إلى الماضي، عبر مجموعة من التحف والألعاب والمقتنيات التي جمعها مالكه حسن الحربي على مدى نحو 30 عاماً وتُوثّق فيما بينها جوانب من الحياة اليومية والعادات التي ارتبطت بالأجيال السابقة، كما تضم الساحة أركاناً فنية تَعرض مقتنيات تراثية وتحفاً من مراحل مختلفة، إلى جانب ركن للتصوير مُستوحى من هوية الديرة، يوفر خلفيات وأزياء وإكسسوارات تراثية تتيح للزوار التقاط صور تذكارية بطابع محلي.

أما القيصرية، المرتبطة بمركز التعمير، فيمنح موقعُها في نطاق قصر الحكم الزوار فرصة التجول بين الأسواق والساحات والمعالم العمرانية التي شكلت جزءاً من تاريخ الحياة التجارية بالمنطقة. وتتوسط أدوارها الأربعة ساحة مركزية دائرية، تستضيف، خلال موسم «شتاء الديرة»، عروضاً وفعاليات تراثية، في حين يتيح مطل القيصرية للزوار إطلالة على المشهد العمراني للمنطقة.

جانب من ساحة القيصرية ضمن فعاليات شتاء الديرة 2026 (تصوير: تركي العقيلي)

تأخذ تجربة «السواليف النجدية» الزوار إلى حكايات الموروث الشعبي وشخصياته الخيالية، عبر قصص الفلكلور والعروض الأدائية والفنية الحية، في حين تحتفي «ليالي السامري» بأحد ألوان الفنون الشعبية المرتبطة بالذاكرة الموسيقية والاجتماعية لنجد.

ويتوزع «شتاء الديرة» على سبع مناطق تتكامل فيها التجارب الثقافية والفنية والترفيهية، يُعد مجلس الديرة إحدى أبرز محطاته، حيث يستضيف جلسات حوارية تتناول موضوعات تراثية وفنية وثقافية وتاريخية مرتبطة بالمنطقة، وتفتح المجال لمناقشة ذاكرة المكان وتحولاته وموقعه في تاريخ الرياض.

وعلى خشبة مسرح الديرة، تتنوع العروض والفعاليات، في حين يوفر «منتزه الديرة» مساحة مفتوحة للعائلات، ويشمل الموسم كذلك مزاداً تفاعلياً للمقتنيات والمنتجات السعودية، يَعرض قطعاً تحمل قيمة تاريخية وثقافية.


سرّ قرصان عمره 330 عاماً يلاحق شاطئاً نيويوركياً شهيراً

التاريخ يعرف كيف يُعيد الغرقى إلى السطح (أ.ف.ب)
التاريخ يعرف كيف يُعيد الغرقى إلى السطح (أ.ف.ب)
TT

سرّ قرصان عمره 330 عاماً يلاحق شاطئاً نيويوركياً شهيراً

التاريخ يعرف كيف يُعيد الغرقى إلى السطح (أ.ف.ب)
التاريخ يعرف كيف يُعيد الغرقى إلى السطح (أ.ف.ب)

عثر مؤرّخ هاوٍ على دليل مثير للجدل يتّصل بلغز لا يزال قائماً بشأن مصير قرصان سيئ السمعة نهب قبل قرون سفينة كنوز ملكية هندية، إذ يورّط الدليل شريكاً في المؤامرة يعرف اسمه كثير من سكان نيويورك.

ويقول جيمس بيلي، الذي تصدَّر العناوين قبل 5 سنوات بعد كشفه عن عملات قديمة يُعتقد أنها مرتبطة بالقرصان الإنجليزي الكابتن هنري إيفري، إن وثائق تعود إلى الحقبة الاستعمارية تشير إلى أنّ «ملك القراصنة» وطاقمه العنيف تلقّوا مساعدة من توماس جونز، صاحب الاسم الذي يحمله شاطئ جونز، وهو المتنزه الحكومي الأكثر استقطاباً للزوار في ولاية نيويورك بعد شلالات نياغارا.

وقال بيلي: «ملايين الزوار وأجيال من سكان نيويورك يقصدون هذا الشاطئ. ولم يكن أحد يعلم أنه كان في الواقع لاعباً رئيسياً فيما يمكن القول إنه أكبر عملية سطو في تاريخ القرصنة».

وذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أنه منذ اكتشافه الكبير، أمضى بيلي وقتاً طويلاً في البحث في الوثائق للتعمّق أكثر في الغارة الدموية التي وقعت عام 1695 على سفينة «غانجي ساواي» في البحر الأحمر، وفي لغز مصير إيفري.

ويُقال إنّ طاقم القراصنة عذَّب من كانوا على السفينة الملكية وقتلهم واغتصبهم، ممّا أثار غضباً عالمياً وأفضى إلى ما يُعد أول مطاردة عالمية لمطلوبين. وقد قُبِض على بعضهم وأُعدموا، لكنّ كثيرين غيرهم، ومنهم إيفري، لم يُسمع عنهم شيء بعد ذلك، ويُعتقد أنهم تفرّقوا في أوروبا والمستعمرات الأميركية.

ووفق بيلي، فإنّ وثائق، من بينها إفادات أدلى بها شركاء لإيفري، تشير إلى أنّ جونز جرى تجنيده ليكون «قائد الهروب»، فيساعد القراصنة على الإفلات من السلطات بعدما استولوا على ذهب وفضة تُقدّر قيمتهما بعشرات الملايين من الدولارات.

وتُظهر وثائق أخرى أنّ حاكم نيويورك، الذي كلّفه التاج البريطاني بالتصدّي للقرصنة، حقَّق بعد سنوات مع جونز، بعدما أعاد رسم صورته ليصبح مالكاً ثرياً لمشروع لصيد الحيتان على الشريط الساحلي في لونغ آيلاند، الذي يحمل الشاطئ اسمه اليوم.

بعض الأسماء تغسلها الأمواج ولا يُبرئها التاريخ (أ.ب)

قصص أشباح وحكايات ملفَّقة بعد وفاة جونز

يقول مؤلف كتاب «شاطئ جونز: تاريخ مصوّر»، الذي يتضمن فصلاً عن جونز، جون هانك، إنّ بحوث بيلي، التي يأمل أن تُنشر، تسلّط الضوء على جانب من ماضي جونز المشبوه، ما دام أُشير إليه في كتب التاريخ المحلّية دون أن يُفصّل يوماً على نحو كافٍ.

وُلد جونز نحو عام 1665 في مملكة آيرلندا آنذاك، وكان ضابطاً برتبة رائد في الجيش الإنجليزي قبل انتقاله إلى المستعمرات الأميركية. واستقر في البداية في رود آيلاند، ثم انتقل في نهاية المطاف إلى نيويورك، حيث أصبح رجل أعمال ومالكاً بارزاً للأراضي. وكان يملك آلاف الأفدنة من الأراضي في لونغ آيلاند في مراحلها الأولى، وكانت حينها امتداداً ريفياً شرق مدينة نيويورك التي كانت تنمو بسرعة.

لكن الشائعات حول الكيفية التي جمع بها ثروته في البداية ظلّت متداولة طويلاً بعد وفاته عام 1713. وقيل إنّ قصره المتداعي، قبل أن يُهدم في أوائل القرن التاسع عشر، كانت تسكنه الأشباح وتقع فيه أحداث غريبة. وتعرّض قبر جونز مراراً للنبش على أيدي لصوص يبحثون عن كنز مدفون، قبل أن يُنقل إلى مدفن عائلي خلف كنيسة مجاورة.

وفي سجل تاريخي للعائلة نشره أحد أحفاد جونز عام 1906، رُفضت حكايات القرصنة بوصفها «افتراءً» و«أكاذيب بعيدة الاحتمال».

وكتب توماس فلويد جونز: «كان الناس ميّالين إلى الإساءة إلى ذكراه، إما بدافع العبث وإما من منطلق الحقد. وظلَّت هذه الخرافات متداولة بين الناس لأكثر من قرن بعد وفاته، ولم يتورَّع الجهل والخرافة عن تضخيمها».

هل كان جونز قرصاناً مفوّضاً أم خارجاً على القانون أم كليهما؟

يقول هانك وخبراء آخرون إنه لم يكن مستبعداً تماماً أن يكون جونز قد خاض في القرصنة ولو على سبيل التجربة.

وقالت باحثة الدكتوراه في جامعة فوردهام والمتخصّصة في تاريخ القرصنة في القرن السابع عشر، التي لم تشارك في بحوث بيلي، ميغان شولمان، إنّ جونز بنى بعد خدمته في الجيش البريطاني مسيرة مهنية بوصفه قرصاناً مفوّضاً، أي بحّاراً يأذن له التاج الإنجليزي بمهاجمة السفن التجارية للدول المنافسة في أوقات الحرب.

لكنها أضافت أنه عندما انتهى الصراع، فقد القراصنة المفوّضون من أمثال جونز وضعهم الخاص، ووُصم من واصلوا الغارات في أعالي البحار بأنهم قراصنة مجرمون.

وأوضحت شولمان، التي نشأت بالقرب من شاطئ جونز: «الحقيقة أنّ القراصنة المفوّضين كانوا قراصنة، لكنهم برعاية حكومة معينة أو جهة بعينها. لذا، ربما كان الجواب المختصر هو نعم: يمكن أن يُعد جونز قرصاناً في نظر بعض الناس، لكنه على الأرجح لم ينظر إلى نفسه يوماً على هذا النحو».

وتُظهر الوثائق التي يستشهد بها بيلي أنّ جونز عاد لمدّة وجيزة إلى رود آيلاند بعد مساعدته إيفري وطاقمه على الإفلات من الاعتقال.

ثم في عام 1696، منح والد زوجته توماس تاونسند، وهو نيويوركي ثري، جونز وزوجته قطعة أرض كبيرة على الشاطئ الجنوبي لجزيرة لونغ آيلاند، وفق سجلات الملكية.

ويرجّح بيلي، الذي تقاعد مؤخراً من إدارة الإصلاحيات في رود آيلاند، أن ذلك أتاح لجونز بداية جديدة، في وقت واصلت فيه السلطات تمشيط منطقة نيو إنغلاند، التي كانت ملاذاً للقراصنة، بحثاً عن إيفري وشركائه.

ووفق بيلي، بنى جونز في لونغ آيلاند مزرعة وكوَّن أسرة، لكن ماضيه القرصاني لم يكن بعيداً عنه قط.

وبعد 3 سنوات من عملية السطو على السفينة «غانجي ساواي»، وصف ريتشارد كوت، الحاكم الاستعماري لنيويورك، كيف قادته إحدى محاولاته لاجتثاث القرصنة إلى جونز.

وكتب الحاكم عام 1698، استناداً إلى إفادات شهود، أن «برميلاً من المال» انتقل من المدينة إلى لونغ آيلاند، حيث انتهى به المطاف في منزل جونز. وإنما جونز، الذي وصفه الحاكم بأنه «قرصان سابق»، شهد بأنه لا يعلم شيئاً عن البرميل.

القرصنة صنعت الثروة في أميركا الاستعمارية

ويحذّر أستاذ التاريخ البحري في جامعة ريدينغ بالمملكة المتحدة، الذي لم يشارك بدوره في بحوث بيلي، ريتشارد بليكمور، من أن نتائج بيلي مقنعة، لكن لا ينبغي عدّها قاطعة. فاسم توماس جونز، كما قال، شائع إلى حد بعيد.

ويرى أستاذ التاريخ في جامعة لويولا ماريماونت في لوس أنجليس، الذي ألَّف كتاباً عن القرصنة في العهد الاستعماري ولم يشارك في بحوث بيلي، كيفن ماكدونالد، أن صلات جونز المحتملة بإيفري تؤكد، في أدنى تقدير، أنّ القرصنة وفّرت «ثروة تأسيسية تتوارثها الأجيال» لعدد من العائلات البارزة في شمال شرقي الولايات المتحدة.

وقال بليكمور موافقاً: «تُصوّر الأعمال الشائعة القراصنة على أنهم منبوذون، لكنّ مؤرّخين كثيرين رأوا العكس استناداً إلى أدلة مثل هذه. وقد يُفاجأ القراء أن يعرفوا إلى أيّ حدّ كانت المستعمرات البريطانية الأولى مرتبطة بالقرصنة اجتماعياً واقتصادياً».