يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني، عبر بطله «سمعان»، الشاب المسيحي الذي يعمل كحارس أمن بإحدى البنايات الكبيرة بوسط القاهرة، ويقيم أعلى سطحها، غير أن حادثاً وقع له في طفولته شكل شخصيته، وجعله مستسلماً، وغير قادر على مواجهة الآخرين، في ظل كثير من التجاوزات التي يتعرض لها، مثلما يقول في حواره بالفيلم: «لم أخطط لإرث مهنة والدي كحارس أمن للعمارة، وقد قال لي إن حارس الأمن يجب أن يكون أميناً، ومطيعاً، لكنني أضفت لها الخوف»، هذا الأب الذي شهد «سمعان» مقتله منذ 10 سنوات خلال وجوده بصحبته بدولة ليبيا للعمل بها، حيث يتم ذبحه من قبل تنظيمات إرهابية، لا لشيء سوى لكونه مسيحياً، فيتساءل بين نفسه لماذا لم يقتلوني معه؟
وعُرض فيلم «خروج آمن» لأول مرة بمصر الثلاثاء، بصفته الفيلم الوحيد الذي يمثل مصر بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان «الجونة السينمائي»، وهو من تأليف وإخراج محمد حماد.
يرضخ «سمعان» لإخفاء شاب متطرف يسكن العقار، وينبهه في إحدى المرات إلى وصول الشرطة، فتمنحه والدة الشاب المتطرف أموالاً، وحذاءً جديداً، كما يرضخ لطلب زميله «عمّار» لإيواء امرأة مسلمة مريضة حتى تعاود طبيباً بالعقار نفسه، فتقيم بغرفة شقيقه الذي تم سجنه بعد أن قام بالاعتداء على نجل شخصية نافذة، تنجح المرأة التي يرفض «سمعان» وجودها منذ البداية في تغيير كبير بحياته، دون أن تقصد، فيبدأ في مواجهة مخاوفه لأول مرة.
وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد الأربعاء بحضور مخرج الفيلم محمد حماد ومنتجته خلود سعد، قال حماد إن فيلم «خروج آمن» يدعو للتسامح، كوننا نعيش تحت سماء واحدة اسمها الإنسانية، مؤكداً أنه ضد فكرة العنف لأي سبب، لافتاً إلى أن صعوبات «خروج آمن» هي من صنعت هذا الفيلم.

وحول الإيقاع الهادئ والبطيء بالفيلم، قال إن لكل إنسان في الحياة إيقاعاً، وإن إيقاع الفيلم يمثل تعاطيه هو شخصياً مع الحياة، وأضاف أنه يصنع أفلاماً «هاند ميد» تتطلب هذا الإيقاع، وأكد على كتابته للسيناريو قبل التصوير، وضبطه أولاً، مشدداً على أن الأفلام المستقلة في مصر لا تواجه أزمة إنتاجية، بدليل عرض 8 أفلام مصرية مستقلة هذا العام، إلى جانب نحو مائتي فيلم قصير سنوياً، لكن الأزمة أنها لا تحصل على اعتراف من الموزعين لكي يتصدوا لتوزيعها، مما يؤثر على فرص عرضها.
واستعان محمد حماد في بطولة الفيلم بممثلين غير محترفين، وهم: عمر مروان، ونهى فؤاد، وحازم عصام، ويوسف مصيلحي، إلى جانب الفنانة ماجدة منير، وقال إن 90 في المائة من ممثليه يخوضون تجربتهم الأولى بالفيلم، مما جعله يجري بروفات للممثلين على مدى 9 أشهر «بشكل متقطع»، كما لو كانت بروفات مسرح، على أن تكون في موقع التصوير، لأجل تحقيق المعايشة، وبرغم أن هذا يستغرق وقتاً، لكنه يمثل أهمية كبيرة بالنسبة له، ولهم.
اختيار الممثلين
وأشار حماد إلى أن مقياس اختياره للممثل هو أن يكون أفضل شخص مناسب للدور، سواء كان ممثلاً معروفاً، أو كان يمثل لأول مرة، لكنه يضع شرطاً أساسياً لكل من يعمل معه وهو «الالتزام، والتفرغ التام» للفيلم، كما لا بد أن يشعر كل مشارك بالفيلم كأنه المؤلف، والمخرج، والمنتج.
فيما تحدثت المنتجة خلود سعد عن ظروف إنتاج الفيلم قائلة إنهم بدأوا التصوير لفترة، ثم توقفوا للبحث عن تمويل، وقد أرسلت مشاهد من الفيلم لـ3 جهات مانحة، وسرعان ما تلقوا موافقتهم، كما أنهوا مرحلة ما بعد الإنتاج بمشاركة كل من المنتجة التونسية دروة بوشوشة، والمخرج إبراهيم بطوط، والمونتيرة دينا فاروق، لافتة إلى أن صناعة السينما تمر بمشكلات عديدة، لا سيما الأفلام المستقلة، موجهة نداء لشركات التوزيع لمنحهم فرصة جيدة لعرض أفلامهم، وترك الحكم عليها للجمهور.
ويعد فيلم «خروج آمن» إنتاجاً مشتركاً بين مصر، وقطر، وألمانيا، وتونس، وليبيا، وكان قد شهد مهرجان برلين عرضه الأول ضمن «قسم البانوراما»، كما شارك بمهرجانات «مونبلييه»، و«شانغهاي»، و«ميلانو»، و«كولونيا» بألمانيا، ويترقب جولة جديدة بالمهرجانات.

وعَد الناقد محمود موسى «خروج آمن» أحد أهم الأفلام التي تتميز بالجرأة الفكرية، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «محمد حماد كمؤلف ومخرج قدم رؤية فنية تُحفز على التفكير، والتفاعل، فقد وضعنا في قلب عالم بطله المحاط بالمعاناة الشخصية التي توارث جانباً منها، وتحت الضغوط الأسرية والاجتماعية والنفسية التي تحيط به، وما بها من قلق، وخوف، فأدخلنا لكل عوالمه».
وأشار موسى إلى أن «أبرز نقاط قوة هذا الفيلم تتمثل في قدرة محمد حماد على تقديم معالجة إبداعية تكسر الحواجز، وتناقش موضوعات حساسة بأسلوب سلس، بعيداً عن النمطية، أو الخطابات السياسية، وقد خرجنا جميعاً من الفيلم بـ(خروج آمن)»، لافتاً إلى أن «حماد مُبدع لا يبحث عن الشهرة الإعلامية، أو السينمائية، بل يركز على مشروعه السينمائي الخاص، متمسكاً برأيه ورؤيته حتى لو استغرق الأمر سنوات من الغياب كما حدث مع هذا الفيلم.
ولفت إلى أن الفيلم يستحق المشاهدة أكثر من مرة، لما يتناوله من قضايا شديدة التعقيد، ويغوص بذكاء ونعومة في قضايا تتناول التشوهات الفكرية، والدينية، والاجتماعية.
وبعد 10 سنوات من الروائي الطويل الأول «أخضر يابس» عام 2016 الذي شارك بمهرجان لوكارنو السينمائي، يقدم حماد فيلمه الثاني «خروج آمن»، فيما أخرج منذ عام 2005 عدداً من الأفلام القصيرة، من بينها «الجنيه الخامس»، «سنترال»، «أحمر باهت»، و«غطاس عبده فانوس».







