«دولة الرهبان» المستقلة... البقعة الوحيدة على الأرض المغلقة بوجه النساء

جزيرة أوروبية بتأشيرة خاصة ومجتمع بلا أطفال تعيش في عام 7534 وخارج حسابات الزمن العالمية

دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)
دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)
TT

«دولة الرهبان» المستقلة... البقعة الوحيدة على الأرض المغلقة بوجه النساء

دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)
دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)

على مدار أكثر من 10 قرون، ظلت شبه جزيرة جبل آثوس، الممتدة كإصبع صخري في شمال بحر إيجة، لغزاً عصياً على التفكيك، وملاطاً يمتزج فيه التاريخ بالأسطورة.

في هذا الجيب الجغرافي المعزول الذي يقع شمال اليونان، توقف الزمن عند العصور البيزنطية، حيث تحكم المنطقة قوانين صارمة لم تتغير منذ الألفية الأولى، لعل أبرزها وأكثرها إثارة للجدل هو الحظر المطلق لدخول النساء، ما جعلها البقعة الوحيدة على وجه الأرض التي تمنع نصف البشرية من موطئ قدم فيها.

تُعرف هذه المنطقة رسمياً باسم «دولة الرهبان المستقلة في الجبل المقدس»، وهي عبارة عن شبه جزيرة جبلية شاهقة تبلغ مساحتها نحو 335 كيلومتراً مربعاً، وتتصل بالبرّ اليوناني عبر ممر ضيق يخضع لرقابة مشددة.

ورغم أنها تقع تحت السيادة السياسية لأثينا، فإنها تتمتع بحكم ذاتي فريد كفلته الاتفاقيات الدولية والدستور اليوناني، ما يمنحها وضعاً يشبه الدول المستقلة، إذ لا يمكن تخطي حدودها البرية أو البحرية إلا بتأشيرة خاصة تُمنح حصراً للرجال.

جبل آثوس (ويكيبيديا)

لغز التقويم البيزنطي: سكان الجبل يعيشون في الألفية الثامنة

بينما يضبط العالم ساعته وتقويمه اليوم على العام 2026 للميلاد، فإن الزائر لجبل آثوس يجد نفسه أمام مفاجأة تاريخية، إذ يعيش الرهبان هناك في عام 7534 وفقاً لـ«تقويم بداية العالم البيزنطي» (Anno Mundi).

هذا النظام الحسابي العتيق، الذي كانت تتبعه الإمبراطورية البيزنطية، لا يبدأ عدّ السنين من ميلاد السيد المسيح، بل يعود بالزمن إلى الخلف ليحسب السنين منذ «خلق العالم» وفِق التفسيرات الكنسية القديمة للعهد القديم، التي حددتها البيزنطيون بسنة 5509 قبل الميلاد.

هذا الاختلاف الجذري في رقم السنة يرافقه أيضاً اختلاف في تحديد الأيام والشهور، إذ يرفض الجبل المقدس «التقويم الغريغوري» الحديث الذي تسير عليه أوروبا، ويتمسك بـ«التقويم اليولياني الصارم» (نسبة إلى يوليوس قيصر). يجعل هذا التمسك التاريخ داخل جبل آثوس متأخراً بفارق 13 يوماً كاملاً عن بقية العالم.

فعندما يشير التقويم في العواصم الأوروبية إلى يوم 14 سبتمبر (أيلول) مثلاً، يكون الرهبان في دفاترهم وصيامهم في يوم 1 سبتمبر، ما يخلق فجوة زمنية تجعل الجبل يعيش احتفالاته وأعياده الدينية بمعزل تام عن محيطه الجغرافي.

جبل آثوس (بيكسباي)

التوقيت البيزنطي: ضبط العقارب على إيقاع الشمس

المفارقة الزمنية لا تتوقف عند رقم السنة والتاريخ، بل تمتد إلى تفاصيل الساعة والدقائق التي تحكم الحياة اليومية للرهبان. ففي الوقت الذي تعتمد فيه أوروبا التوقيت الذري والمنطقي الصارم، يتبع جبل آثوس «التوقيت البيزنطي القديم»، وهو نظام يرتبط بحركة الطبيعة بشكل مباشر، حيث تبدأ الساعة صفر (منتصف الليل لديهم) مع أول دقيقة لغروب الشمس تماماً، وليس في منتصف الليل الجغرافي المعتاد.

ولأن موعد غروب الشمس يتبدل يومياً وبشكل مستمر بين فصول السنة، فإن الفارق بين ساعة جبل آثوس والساعة الأوروبية يتغير أسبوعياً. ففي فصل الصيف، قد يبلغ الفارق نحو 3 ساعات، بينما يتسع في الشتاء ليصل إلى قرابة 6 أو 7 ساعات بسبب التبكير في غروب الشمس.

هذا النظام يفرض على الرهبان ممارسة طقس أسبوعي فريد، حيث يجتمعون مساء كل سبت لإعادة ضبط عقارب الساعات الكبيرة في الأديرة يدوياً لتتوافق مع موعد الغروب المتوقع للأسبوع المقبل. وفي هذا السياق، يشكل «دير إيفيرون» الاستثناء الوحيد في الجبل، إذ لا يبدأ يومه مع الغروب، بل تدق الساعة صفر لديه مع لحظة شروق الشمس.

جبل آثوس (بيكسباي)

حدائق العذراء وموجبات الرهبنة الصارمة

يعود تاريخ الوجود الرهباني في جبل آثوس إلى القرن الخامس الميلادي، لكن التأسيس الفعلي للمجتمع المنظم بدأ في عام 963 ميلادية، عندما أنشأ الراهب أثناسيوس الآثوسي دير «الفاتوبيدي» الكبير بدعم من الأباطرة البيزنطيين.

ومع تدفق الرهبان وتوسع الأديرة، صدر المرسوم الإمبراطوري الشهير المعروف باسم «التايبكون» في عام 1060 ميلادية، بقرار من الإمبراطور قسطنطين التاسع مونوماخوس، وهو المرسوم الذي شرّع رسمياً منع دخول النساء، والحيوانات الأليفة من الإناث أيضاً.

تتداخل الأسباب الكامنة وراء هذا الحظر بين ما هو روحي عقائدي وما هو عملي تنظيمي. فمن الناحية الروحية، تروي التقاليد الأرثوذكسية أن مريم العذراء أبحرت ذات يوم برفقة القديس يوحنا الإنجيلي، وحين انحرفت سفينتهما بفعل العواصف، رست في جبل آثوس.

أذهل جمال المكان العذراء، فطلبت من ابنها أن يهبها هذا الجبل، فجاءها الصوت بأن هذا المكان سيكون حديقتها الخاصة. ومنذ ذلك الحين، يُنظر إلى الجبل باعتباره «حديقة العذراء»، ولا يُسمح لأي امرأة أخرى بمنافستها في هذه البقعة المقدسة.

أما من الناحية العملية، فإن الرهبان الذين ينذرون حياتهم للتبتل والعزلة الكاملة، يرون في غياب الجنس الآخر ضمانة للتركيز الروحي المطلق، وإبعاداً لأي مسببات قد تشغل الفكر عن العبادة والصلاة المستمرة.

مجتمع بلا ولادات ونظام حكم من العصور الوسطى

يعيش في جبل آثوس اليوم نحو ألفي راهب، ينتمون إلى جنسيات وثقافات متعددة تشمل اليونانيين والروس والصرب والبلغار والرومان، ما يجعل من الجبل مركزاً عالمياً للمسيحية الأرثوذكسية.

يتوزع هؤلاء الرهبان على 20 ديراً رئيسياً محصناً كالقلاع القروسطية، بالإضافة إلى صوامع صغيرة معزولة تنتشر على المنحدرات الصخرية الوعرة. ويخلو هذا المجتمع تماماً من الأطفال والولادات، حيث يعتمد استمرار الوجود البشري فيه على وفود رجال بالغين يقررون هجر العالم الخارجي والالتحاق بسلك الرهبنة.

تدار الشؤون الداخلية لـ«جمهورية الرهبان» عبر نظام سياسي برلماني فريد، حيث تجتمع «الجمعية المقدسة» التي تضم ممثلاً عن كل دير من الأديرة العشرين في العاصمة الإدارية الصغيرة «كاريس».

وتتولى هذه الجمعية إدارة القوانين المحلية والأمن الداخلي بالتعاون مع حاكم مدني تعينه وزارة الخارجية اليونانية، يقتصر دوره على تمثيل السيادة السياسية وتنسيق الشؤون الأمنية والقانونية مع أثينا، دون التدخل في الشؤون الدينية أو النظم الداخلية للأديرة.

تحديات العصر الحديث والخصوصية المحمية قانوناً

رغم الضغوطات المستمرة التي فرضتها التحولات السياسية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، خاصة من قِبل المنظمات الحقوقية والبرلمان الأوروبي الذي دعا مراراً لإلغاء حظر دخول النساء باعتباره انتهاكاً لمبادئ المساواة، فإن جبل آثوس نجح في الحفاظ على خصوصيته التاريخية.

وعند انضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي، أصرت أثينا على إدراج بند خاص في معاهدة الانضمام يحمي الوضع القانوني الفريد للجبل المقدس ويستثنيه من القوانين الأوروبية المتعلقة بحرية التنقل والمساواة في الدخول.

تظل اليوم الحدود البرية لآثوس مغلقة بجدار بري محرس، ويُعاقب القانون اليوناني بالسجن لأشهر طويلة أي امرأة تحاول التسلل إلى أراضي شبه الجزيرة. وتبقى السفن السياحية التي تحمل سيدات على متنها مجبرة على البقاء على بعد 500 متر على الأقل من السواحل.

ويستمر جبل آثوس في العيش على إيقاع التوقيت البيزنطي القديم، محمياً بأسواره العالية وقوانينه التي تعود لزمن الأباطرة، ليبقى شاهداً حياً على نمط حياة غابر يرفض الانحناء أمام رياح العصرنة.


مقالات ذات صلة

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

سفر وسياحة المعروف عن الفنادق استخدامها أجود أنواع الأسرة (بيكسيلز)

ما سرّ مراتب الفنادق المريحة؟

أصبح النوم في أيامنا هذه عملة نادرة ورفاهية عصرية، حتى بات الحديث عنه جزءاً من النقاش المتزايد حول الصحة العقلية والنفسية وتأثيرهما المباشر على راحتنا الجسدية.

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة عودة "وكالة قايتباي" الأثرية لسابق عهدها بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

«فندق قايتباي» يُعيد نزلاءه إلى العصر المملوكي في قلب القاهرة التاريخية

وسط منطقة الجمالية بالقاهرة التاريخية، التي تعج بعشرات المباني الأثرية العتيقة، سيكون لدى البعض فرصة العودة بالزمن لنحو 5 قرون عبر الإقامة في فندق «قايتباي»،

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق استخدام السماعات لتقليل صخب الموسيقى (شاتورستوك)

غرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني لمكافحة الموسيقى الصاخبة في القطارات البريطانية

تعتزم شركات السكك الحديدية في بريطانيا تشديد الإجراءات ضد الركاب الذين يشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع داخل القطارات، مع التلويح بغرامات تصل إلى ألف جنيه إسترليني،…

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».