قد لا يظهر القلق في مكان العمل دائماً على شكل توتر واضح أو خوف من المهام، بل قد يتخفى أحياناً وراء سلوكيات تبدو للوهلة الأولى إيجابية أو مرتبطة بالاجتهاد والالتزام. فالسعي المستمر إلى الكمال، والموافقة على كل طلب، والمماطلة، والإدارة التفصيلية المفرطة، وحتى الحرص على المشاركة في كل ما يخص الزملاء، قد تكون في بعض الحالات انعكاساً لمخاوف وقلق أعمق.
ويعدد تقرير لـ«هاف بوست» 5 أنماط شخصية شائعة في بيئة العمل قد ترتبط بالقلق، وتوضح، نقلاً عن متخصصين في الصحة النفسية، كيف يمكن أن يظهر القلق من خلال هذه السلوكيات وما الذي قد يقف وراءها.
1. السعي إلى الكمال
يُعد السعي إلى الكمال إجابة شائعة يقدمها المرشحون عندما يُسألون عن أكبر نقاط ضعفهم في مقابلات العمل، لأن وضع توقعات عالية تجاه النفس والآخرين يُنظر إليه عموماً على أنه سمة مقبولة.
لكن السعي إلى الكمال يمكن أن يكون في الواقع شكلاً من أشكال القلق. وقالت نيكي لاتشيرزا-درو، وهي عالمة نفس، إن هذه السمة هي الأكثر ارتباطاً بالقلق في نظر معظم الناس.
وقالت: «الأمر يتعلق بالسيطرة؛ إما امتلاكها أو القدرة على التحكم فيمن يحصل عليها إذا كنت لا تريد ذلك. قد يتحول مشروع كبير في العمل من المفترض أن يكون مشروعاً جماعياً إلى مشروع فردي بالنسبة إلى الشخص الذي يتمتع بهذه السمة، لأن كل شيء يجب أن يسير وفقاً لرؤيته، فهو يعتقد أن طريقته هي الأفضل».
لكن مطالبة الجميع بالارتقاء إلى معايير عالية يستحيل تحقيقها ستجعل الشخص نفسه وكل من يعمل معه يشعرون بالتعاسة. وقالت لاتشيرزا-درو إن الأشخاص الذين يسعون إلى الكمال يكونون شديدي الانتقاد، وقد يصبحون دفاعيين عندما يحاول شخص ما، حتى لو كان مديرهم، تقديم ملاحظات بناءة على عملهم.
2. إرضاء الآخرين
قد يجعل كون الشخص الموظف الذي يوافق دائماً على المساعدة منه شخصية محبوبة في المكتب، لكن هناك نقطة يمكن عندها أن يبدأ لعب دور عضو الفريق المتعاون في إلحاق ضرر أكبر من فائدته.
وقالت شانون غارسيا، وهي معالجة نفسية في مؤسسة «States of Wellness Counseling» في ولايتي إلينوي وويسكونسن الأميركيتين: «أنت الموظف الذي يحلم به الجميع. تقول نعم لكل ما يُطلب منك. تغطية فعالية؟ بالتأكيد! إضافة هذا المشروع إلى قائمة مهامك؟ بالتأكيد! إنجازه بحلول الغد؟ لا مشكلة!».
لكن إذا لاحظ الشخص أنه يقول نعم حتى عندما لا يملك الوقت أو الطاقة، فقد يكون من الأشخاص الذين يسعون إلى إرضاء الآخرين على حساب قدر كبير من رفاههم.
وقالت غارسيا: «إرضاء الآخرين شكل من أشكال القلق، لأنه ينبع من القلق بشأن ما سيفكر فيه الآخرون أو يقولونه أو يفعلونه. إذا قلت لا لشيء يطلبه منك زميلك، فهل سيغضب؟ هل سيكرهك؟ هل لن يراك مجدداً شخصاً مساعداً؟ إن قلقك يدفعك إلى إرضاء الآخرين على حساب حدودك الشخصية ورفاهك».
3. المماطلة
إذا كان تكليف شخص بمشروع ما يملؤه بالرهبة، فقد يؤجله لتجنب التعامل معه. لكن من المفيد إدراك مصدر هذا الميل إلى تجنب الأمور الصعبة.
وقالت غارسيا: «إذا وجدت نفسك تتجنب أشخاصاً أو أماكن أو مهام معينة في العمل، فقد يكون القلق هو الذي يسيطر عليك فعلياً. قد تتجنب تناول الغداء في غرفة الاستراحة لأن المواقف الاجتماعية تسبب لك القلق. وقد تسلك طريقاً أطول حتى لا تمر بجوار مكتب شخص معين يرغب دائماً في التحدث إليك لأنك تخشى أن تكون محرجاً. والأسوأ من ذلك أنك قد لا تتقدم للحصول على ترقية لأن المقابلات تجعلك غير مرتاح».
لكن تجنب المحادثات الصعبة والمواعيد النهائية يؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من القلق.
4. الإدارة التفصيلية المفرطة
عندما يعاني شخص من القلق، قد يظهر بعض ذلك في صورة إدارة تفصيلية مفرطة. وعلى غرار الشخص الذي يسعى إلى الكمال، قد تكون لدى المدير الذي يفرط في الإدارة حاجة قوية إلى التحكم في أصغر تفاصيل كل مهمة، حتى لو جعل ذلك زملاءه يشعرون بأنه متسلط ومزعج.
وقالت رينجر إن الشخص القلق الذي يفرط في الإدارة «يحاول السيطرة على البيئة المحيطة به، ويحاول التأكد من أنه مسيطر على كل شيء، وأنه المسؤول عنه، وأن له يداً في كل شيء سيتم إنجازه. وكأنه يقول: إذا لم أفعله أنا، فلن يتم إنجازه، أو سيتم إنجازه بشكل سيئ، وسيعود ذلك في النهاية إليّ».
وأشارت رينجر إلى أن هذه المخاوف المرتبطة بالإدارة التفصيلية المفرطة يمكن أن تعود أحياناً إلى طفولة كان فيها الشخص يعامل من جانب والديه ومقدمي الرعاية كما لو كان مسؤولاً عن إدارة الأمور، بمعنى أنه «كان يتحمل مسؤولية كبيرة لكنه لا يملك أي سلطة».
5. الانشغال الدائم
إذا كان الشخص يشعر بأنه يحتاج دائماً إلى التخطيط للقاءات بعد ساعات العمل ومتابعة الحياة الاجتماعية لكل زميل ليكون الموظف الأفضل، فمن المفيد التفكير في مصدر هذه الحاجة إلى التدخل في شؤون الجميع.
وقالت رينجر إن الرغبة في إبقاء الشخص نفسه منخرطاً في كل شيء قد تنبع من خوف وقلق من ألا يكون محبوباً أو مقبولاً إذا لم يشارك في هذه التفاعلات الاجتماعية.
وأوضحت أن الأشخاص الذين يحتاجون دائماً إلى الانشغال يعتقدون أنه «إذا كنت بخير، فأنا بخير»، وربما نشأوا في أسر شعروا فيها بأن عليهم كسب الحب. وقد يعتقد الشخص الذي يحتاج إلى أن يكون منشغلاً دائماً أن «الناس لا يريدون وجودك حولهم إلا بقدر ما تكون مفيداً لهم».
وقالت رينجر: «ما يحتاج هذا الشخص إلى رؤيته هو أنه حتى لو لم يفعل كل شيء، فإن الناس سيظلون يحبونه ويحترمونه. لنجعل الأمر يقتصر على شيء واحد: يمكنك أن تكون الشخص المسؤول تحديداً عن بطاقات أعياد الميلاد. لا تخطط للنزهات، ولا تخطط لحفلات الطعام... افعل شيئاً واحداً وشاهد ما يحدث. فهذا سيُظهر لك أن هناك كثيرين يحبونك ويهتمون بك بعيداً عما تفعله من أجلهم».






