«الاعتقال»... عندما تصبح النزاهة أثمن من ملايين «إل تشابو»

رصاصة أم فضة؟... ليلة واجه فيها شرطيان إمبراطور المخدرات وعروضه المليونية

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
TT

«الاعتقال»... عندما تصبح النزاهة أثمن من ملايين «إل تشابو»

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)

في عمق ليلة ثامنة من يناير (كانون الثاني) لعام 2016، لم تكن المكسيك تدري أنها على موعد مع إسدال الستار على واحدة من أكثر المطاردات إثارة في التاريخ الحديث.

خلف كواليس هذا الحدث التاريخي، لم تكن طائرات الهليكوبتر أو القوات الخاصة هي من حسمت المعركة في فصولها الأخيرة، بل كانت دورية شرطة روتينية، وضابطان وجدا نفسهما وجهاً لوجه مع الرجل الذي مرّغ هيبة الدولة في التراب لسنوات، خواكين غوزمان، الشهير بـ«إل تشابو».

الممثلون المكسيكيون نوي هيرنانديز وألفونسو هيريرا وهيكتور كوتسيفاكيس يقفون على السجادة الحمراء فور وصولهم لحضور العرض الأول لفيلم «La Captura» (أو «Facing El Chapo») في مكسيكو سيتي في 18 أغسطس 2026. (أ.ف.ب)

اليوم، تعيد منصة «نتفليكس» إحياء هذه اللحظات الفاصلة عبر فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال)، من بطولة النجم المكسيكي ألفونسو هيريرا ونوي هيرنانديز وهيكتور كوتسيفاكيس.

لكن العمل لا يأتي ليمجد إمبراطورية الدم والدموع التي شيدها الكارتيل، بل ليتسلل إلى الشروخ النفسية والمعضلات الأخلاقية العميقة التي واجهها حماة القانون في تلك الليلة الاستثنائية، ملقياً الضوء على الثمن الباهظ للنزاهة في بلاد نهشها الفساد.

من هو «إل تشابو»؟... الأسطورة السامة لكارتيل سينالوا

قبل الغوص في تفاصيل السينما، لا بد من تفكيك ظاهرة خواكين «إل تشابو» غوزمان، الرجل الذي تحول من مزارع فقير في جبال ولاية سينالوا إلى أعتى بارونات المخدرات في العالم بعد سقوط إمبراطورية الكولومبي بابلو إسكوبار.

خواكين غوزمان لويرا المعروف بـاسم إل تشابو (أ.ب)

«إل تشابو»، وتعني (القصير) بالعامية المكسيكية، لم يكن مجرد تاجر مخدرات، بل كان عرّاب شبكة تهريب دولية معقدة امتدت عبر القارات.

اشتهر غوزمان بذكائه الحاد وقسوته المفرطة، لكن ما جعله أسطورة حية في عالم الجريمة المنظمة كان قدرته الخارقة على اختراق منظومة الدولة.

نجح «إل تشابو» في الهروب من السجون المكسيكية شديدة الحراسة مرتين، الأولى عام 2001 عبر عربة لغسيل الملابس، والثانية عام 2015 في عملية هوليوودية عبر نفق حُفر بدقة تحت زنزانته وامتد لأكثر من كيلومتر ونصف الكيلومتر.

سطَّر هذا الهروب الأخير إهانة بالغة للحكومة المكسيكية، وتحول القبض عليه مجدداً إلى مسألة كبرياء وطني ومطلب دولي ملحّ.

حُكم على «إل تشابو» البالغ من العمر 69 عاماً بالسجن مدى الحياة، بالإضافة إلى 30 عاماً، صدر هذا الحكم النهائي الصارم من قِبل محكمة فيدرالية أميركية في نيويورك عام 2019 بعد إدانته بـ10 تهم جنائية كبرى، تشمل إدارة منظمة إجرامية مستمرة (كارتيل سينالوا)، وتوزيع طن من المخدرات على نطاق دولي، وتهم غسل الأموال واستخدام الأسلحة النارية.

ويقبع غوزمان حالياً داخل سجن «إيه دي إكس فلورنس» (ADX Florence) الشهير في ولاية كولورادو، وهو السجن الفيدرالي الأكثر حراسة وتأميناً في الولايات المتحدة والمعروف باسم «جحيم الصخور»، نظراً لاستحالة الهروب منه.

 

كواليس تسبق الشاشة... لقطات «إل تشابو» المسربة تمهد للفيلم

قبل أيام قليلة من عرض الفيلم الذي يروي كواليس سقوط إمبراطور المخدرات، حركت صحيفة «إل يونيفرسال» (El Universal) المكسيكية المياه الراكدة بنشر 3 مقاطع فيديو غير مسبوقة لخواكين «إل تشابو» وثقت اللحظات الأولى لاعتقاله عام 2016.

وتُظهر اللقطات الحصرية المهرب الأخطر وهو يغسل وجهه وشعره الملطخين بالطين داخل غرفة فندق «دوكس» بعد فراره عبر مجاري الصرف الصحي، بينما يوثق مقطع آخر نقله في سيارة ترحيل عسكرية، وهو يسأل عناصر الأمن: «هل ستعاملونني بشكل سيء؟».

كما تضمنت التسريبات حديثاً نادراً يعترف فيه «إل تشابو» ببدء تجارته للمخدرات منذ سن الخامسة عشرة، ويكشف عن توجيهه تعليمات صارمة لأبنائه ورجاله بعدم الدخول في مواجهة مسلحة مع الدولة في حال سقوطه، مما يمنح المشاهدين تمهيداً واقعياً وحياً بالصوت والصورة قبل الغوص في تفاصيل الفيلم الذي بدأ عرضه اليوم.

 

 

ليلة السقوط... نفق الصرف الصحي والدورية المجهولة

 

ينطلق فيلم «La Captura» من كواليس عملية «البجعة السوداء» التي نفذتها قوات مشاة البحرية المكسيكية في مدينة «لوس موتشيس» في الثامن من يناير من عام 2016. وعلى الرغم من المداهمة العنيفة لخبئه، أثبت «إل تشابو» مرة أخرى أنه ثعلب الأنفاق، إذ تمكن من الفرار رفقة نائبه عبر شبكة الصرف الصحي للمدينة، ليخرجا من إحدى البالوعات ويقوما بسرقة سيارة تحت تهديد السلاح.

هنا تحديداً، يترك الفيلم صخب الطائرات والجنود ليركز عدسته على ما حدث على الطريق السريع.

دورية شرطة فيدرالية روتينية ترصد السيارة المسروقة وتوقفها. لم يكن الضابطان يعلمان أن صيدهما الليلة ليس مجرد سارق سيارات عادي، بل هو الرجل الأكثر طلباً على وجه الأرض. في تلك اللحظة، داخل سيارة الدورية، يولد الفيلم درامياً ونفسياً.

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)

«الفضة أو الرصاص»... الصراع الأخلاقي خلف مقود الدورية

ينتقل العمل ببراعة ليجسد فلسفة الكارتيلات الشهيرة: «Plata o Plomo» (الفضة أو الرصاص... إما أن تقبل الرشوة وإما أن تستقبل رصاصة في الرأس).

داخل السيارة، عرض «إل تشابو» على الضابطين عروضاً يسيل لها اللعاب: قصور، أراضي، وملايين الدولارات التي تضمن تأمين عائلاتهم لأجيال، في مقابل غض الطرف والسماح له بالمرور إلى بر الأمان.

يقدم ألفونسو هيريرا أداءً مشحوناً بالتوتر، يجسد من خلاله الضغط النفسي الهائل الذي يقع على عاتق شرطي بسيط يتقاضى راتباً ضئيلاً.

المخرج لم يختر تقديم الضباط كأبطال خارقين لا يهابون شيئاً، بل أظهرهم كبشر من لحم ودم، يرتجفون خوفاً، يفكرون في مصير زوجاتهم وأطفالهم إذا ما علم الكارتيل بهويتهم، ويحسبون كلفة الرفض التي قد تعني تصفيتهم وتصفية عائلاتهم في غضون ساعات. معركة الصمود الأخلاقي أمام إغراء المال وسلطة الموت.

سينما النزاهة في مواجهة تمجيد الجريمة

تكمن أهمية فيلم «La Captura» في تحويله البوصلة الدرامية، فبينما غمرت المنصات الرقمية الأسواق بمسلسلات تضفي طابعاً رومانسياً أو بطولياً على رجال العصابات على غرار «ناركوس» وغيرها، يأتي هذا العمل ليعيد الاعتبار للجنود المنسيين في الحرب ضد الجريمة.

المادة السردية للفيلم تؤكد أن البطولة الحقيقية في المكسيك لا تكمن في حمل السلاح بقدر ما تكمن في قول «لا» للفساد. لقد قاوم هؤلاء الضباط الإغراء، وقاموا بنقل غوزمان إلى فندق صغير على أطراف الطريق لتأمينه حتى وصول التعزيزات، خوفاً من تعرض مركز الشرطة المحلي للمداهمة من قبل رجال الكارتيل لتخليص زعيمهم.

يأتي فيلم الاعتقال كوثيقة سينمائية مثيرة تكشف عن أن سقوط الإمبراطوريات لا يحتاج دائماً إلى جيوش جرارة، بل قد يكفي لترجيح كفة العدالة وجود رجلين شريفين في المكان والوقت المناسبين، إذ يعتبر تحية درامية سوداوية ومشوقة لرجال اختاروا شرف المهنة، ودفعوا في كثير من الأحيان حياتهم ثمناً للحظة نزاهة عابرة غيرت مجرى التاريخ.


مقالات ذات صلة

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

الولايات المتحدة​ غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

من الحقنة المميتة إلى غاز النيتروجين... كيف تحولت طرق الإعدام في أميركا إلى معركة تشريعية وقانونية؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق لقطة تلفزيونية تُظهر كريستا بايك وهي تبكي عقب صدور حكم إعدامها في مارس 1996 بمدينة نوكسفيل (أسوشييتد برس)

من مراهقة قاتلة إلى حقنة الموت... تينيسي تعدم امرأة لأول مرة منذ 200 عام

تتأهب السلطات في تينيسي لتنفيذ حكم الإعدام بحق كريستا بايك، وسط معركة قانونية وطلب استثنائي لفريق تنفيذ نسائي بالكامل.

كوثر وكيل (لندن)
العالم أقارب أحد الضحايا خلال جلسة محاكمة بائع السموم الكندي كينيث لو، الذي أقرّ بذنبه في 14 تهمة بالمساعدة على الانتحار بأونتاريو في كندا يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

كندا تحاكم رجلاً باع سموماً عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار

تُستأنف محاكمة رجل كندي باع سموماً في دول عدة عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار في 27 نوفمبر، وفق ما أعلنت المحكمة التي تنظر في القضية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
الولايات المتحدة​ جيسون إيتون أثناء محاكمته في برلينغتون بولاية فيرمونت الأميركية يوم 18 سبتمبر 2026 (أ.ب)

إدانة أميركي بتهمة الشروع في القتل بإطلاق نار على طلاب فلسطينيين

أدانت هيئة محلفين، الاثنين، رجلاً من ولاية فيرمونت الأميركية بتهمة الشروع في القتل لإطلاقه النار على ثلاثة طلاب جامعيين فلسطينيين كانوا يسيرون بالقرب من منزله.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا ضحيتا الهجوم تلميذان و7 أشخاص على الأقل يتلقون العلاج في المستشفى (أ.ب - أرشيفية)

مقتل 3 طلاب على الأقل بإطلاق نار داخل مدرسة في جنوب الفلبين

قال مسؤولون في الفلبين إن ثلاثة طلاب لقوا حتفهم جراء إطلاق نار بمدرسة في ​جنوب البلاد، اليوم الجمعة، من بينهم مرتكب الهجوم البالغ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

«مولد الحسين» يجتذب الآلاف لمزارات «آل البيت» بمصر

احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
TT

«مولد الحسين» يجتذب الآلاف لمزارات «آل البيت» بمصر

احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)

مع الإعلان عن الليلة الختامية أو «الليلة الكبيرة» لمولد الإمام الحسين في القاهرة، الذي يعد من الاحتفالات الدينية التراثية التي تجتذب آلاف الزوار، الذين توافدوا على المكان، جرى الإعلان عن إجراءات تنظيمية استثنائية بمنطقة شارع الأزهر وخان الخليلي وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، لتفادي الزحام.

وكانت المشيخة العامة للطرق الصوفية بمصر قد أعلنت البرنامج الزمنى لإقامة عدد من أكبر الموالد الصوفية في مصر، والتي بدأت بمولد سيدنا الإمام الحسين «رضي الله عنه»، الذي انطلقت فعالياته بالفعل، يوم الثلاثاء الموافق 29 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتستمر حتى الليلة الختامية، الثلاثاء، 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأكد أحمد قنديل، المتحدث الرسمي باسم المشيخة العامة للطرق الصوفية، أن الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، أعلن مواعيد هذه الاحتفالات، في إطار حرص المشيخة على تنظيم الفعاليات الصوفية، وإحياء المناسبات الدينية والتراثية، حسب بيان للمشيخة على «فيسبوك».

وأكد قنديل أن هذه المناسبات تمثل محطات دينية وروحية مهمة، وتشهد مشاركة واسعة من أبناء الطرق الصوفية ومحبي آل البيت والصالحين من مختلف محافظات الجمهورية، مع التأكيد على التنسيق مع الجهات المعنية لخروج الفعاليات بالصورة التي تليق بهذه المناسبات.

من جانبها، نظمت وزارة الأوقاف المصرية فعالية بمسجد الإمام الحسين في قلب القاهرة الإسلامية احتفالاً بمولد الإمام الحسين تضمنت قراءة القرآن، وندوة حول الاحتفال بالمولد وابتهالات.

ويتوافد الآلاف سنوياً على مسجد الإمام الحسين في ذكرى مولده، وهو المولد الذي جرت العادة على إقامته مرتين في العام، «مرة في مناسبة قدوم الرأس الشريف إلى مصر ومرة أخرى بمناسبة مولده في الثالث من شعبان وفق ما تذكره المصدر التاريخية»، بحسب كلام شهاب الدين الأزهري، الباحث المتخصص في الشأن الصوفي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتفال والزيارة تأتي للمكانة الكبيرة التي يمثلها الإمام الحسين (سيد شباب أهل الجنة) سبط النبي الكريم، بالنسبة للمريدين والمحبين. وزيارة أهل البيت منصوص عليها في الشرع كنوع من الوفاء والمودة لأهل البيت، كما أن الزيارة في الموالد الدافع لكل هذه الناس هو المحبة، ونجد آلافاً مؤلفة من الناس في الفعاليات المختلفة، خصوصاً من أهل الصعيد الذين يأتون من مكان بعيد محبة في آل البيت».

ويلفت الدكتور عبد الرحيم ريحان المتخصص في الآثار الإسلامية ومدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، إلى أن «إحياء مسار آل البيت بدأ بتوجيه الرئيس السيسي منذ عام 2021 بضرورة تطوير وإحياء مسار آل البيت في مصر، بما يتوافق مع الطابع التاريخي والروحاني للأضرحة والمقامات». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الموالد تدخل في إطار إحياء مسار آل البيت، وتطوير القاهرة التاريخية سيسهم في تعزيز السياحة الداخلية والإقليمية من الدول العربية والإسلامية علاوة على السياحة العالمية».

وأكد ريحان أن إحياء السياحة الروحية في مصر سيكون له مردود كبير على تنشيط وتنمية السياحة الداخلية، وتشجيع الشباب على زيارة هذه المواقع والكتابة عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يعزز قيمة الانتماء والاعتزاز بالحضارة المصرية عبر عصورها التاريخية، كما يسهم في تشجيع السياحة من الدول العربية والإسلامية، ويخلق نوعاً جديداً من السياحة الإقليمية لزيارة المسارات الدينية المتفردة في مصر.


لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
TT

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)

تستعد وكالة الفضاء والطيران (ناسا) الأميركية للإعلان عن صفقة ضخمة لشراء صواريخ فضاء لصالح مشروع بناء قاعدة دائمة على سطح القمر بتكلفة تبلغ 30 مليار دولار، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الاستراتيجية الجديدة لوكالة «ناسا» تأتي في الوقت الذي تعاني فيه صناعة الفضاء من نقص في الصواريخ، في ظل زيادة الطلب عليها. لكن الوكالة تأمل في تجاوز عنق الزجاجة بالنسبة للصواريخ، من خلال شراء مجموعة متنوعة منها، بما يتيح خيارات مختلفة لتوصيل شحناتها إلى سطح القمر.

ونقلت «بلومبرغ» عن كارلوس جارسيا جالان، مدير برنامج قاعدة القمر في وكالة «ناسا»، قوله في مقابلة: «نقيم الأمور مثل قيام (ناسا) بشراء كمية من الصواريخ التي يمكن أن تخدم كل احتياجات قاعدتنا القمرية... قد نعلن في المستقبل القريب عن المجموعة الأول من حزمة المشتريات» المستهدفة.

ويذكر أن المرحلة الأولى من مشروع إقامة قاعدة دائمة لاستضافة مجموعة من البشر للعمل والحياة على سطح القمر بدأت بالفعل، حيث تخطط وكالة «ناسا» لإرسال مركبات هبوط وروبوتات جوالة لاستكشاف مواقع وموارد القمر خلال 2028. لكن الوكالة ستحتاج إلى صواريخ فضاء أكبر في 2029 لإرسال معدة تزن 60 طناً إلى سطح القمر لإقامة أنظمة الطاقة، والمساكن وغيرها من البنية التحتية اللازمة لإقامة البشر على سطح القمر بصورة دائمة.

لكن الوكالة تواجه في هذه المرحلة الثانية الأكثر طموحاً مشكلة، حيث تتابع تباطؤ نشاط صاروخ الفضاء «فالكون 9» التابع لشركة الفضاء وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية «سبيس إكس»، وهو الصاروخ الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة والعالم.

وفي وقت سابق، ذكرت «سبيس إكس» أنها بدأت رفض طلبات مشغلي الأقمار الاصطناعية الراغبين في حجز رحلات على متن هذا الصاروخ الأساسي لما بعد عام 2028. ومن شأن غياب هذا الصاروخ ونظيره الأكبر حجماً «فالكون الثقيل» عن السوق أن يسبب مشاكل لخطط «ناسا» الرامية إلى إنشاء قاعدة على سطح القمر.

وفي هذا الصدد، قال غارسيا - غالان: «ندرك المشكلة المقبلة مبكراً، فنحن ندركها الآن. لقد تحلت (سبيس إكس) بالشفافية بشأن خططها، ما أتاح لنا خيار البحث عن بدائل، وهو ما قمنا به بالفعل».


اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر، وما قد تضمه من اكتشافات تضيف جوانب وأبعاداً جديدة إلى فهم التاريخ المصري القديم.

وأسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المشتركة بين المعهد الأوروبي للآثار البحرية والإدارة العامة للآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الميناء الشرقي بمحافظة الإسكندرية، عن اكتشاف الخاتم، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية الفخارية والزجاجية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للجهود المبذولة في أعمال الحفائر بالمواقع الأثرية المغمورة بمياه البحر المتوسط، وما يصاحبها من أعمال التسجيل والتوثيق الأثري، التي تتطلب خبرات فنية وميدانية متخصصة.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «أهمية ما يتم الكشف عنه من آثار بهذه المواقع، لما تسهم به في إثراء المعرفة بتاريخ الإسكندرية وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب مختلفة من تاريخها وحضارتها عبر العصور».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة نجحت، منذ أيام، في الكشف عن خاتم ختم برونزي يحمل نقشاً يصوّر فنار الإسكندرية القديم، في هيئة تشبه صوره المعروفة على بعض العملات المؤرَّخة بالقرن الثاني الميلادي. وعُثر على الخاتم في موقع جزيرة أنتيرودس الملكية، أحد أحياء الإسكندرية الملكية القديمة ضمن منطقة «بورتوس ماجنوس».

وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على صورة للفنار منقوشة على خاتم ختم، مما قد يشير إلى أن قصر أنتيرودس، الذي شاهده ووصفه المؤرخ والجغرافي سترابو خلال زيارته لمصر بين عامَي 29 و25 قبل الميلاد، ربما استمر استخدامه حتى القرن الثاني الميلادي لأغراض إدارية، قد يكون من بينها ما يرتبط بإدارة الفنار.

ولفت مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية ورئيس بعثة الحفائر، فرانك جوديو، إلى أن الدراسات والأعمال التي نفّذتها البعثة أسفرت عن العديد من النتائج العلمية والأثرية المهمة.

وأضاف، حسب البيان، أن «اللقى الأثرية المكتشفة خلال الموسم الحالي تضمنت مجموعة من البقايا الفخارية التي تؤرَّخ لفترات زمنية مختلفة، تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، من بينها أدوات للاستخدام اليومي، وأوانٍ للمائدة، وعدد من الأمفورات والأواني والقنينات والمسارج، إلى جانب بقايا أوانٍ زجاجية».

اكتشاف قطع جديدة من الآثار الغارقة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن المقرر أن تعقب انتهاء أعمال الموسم الحالي بالميناء الشرقي أعمالُ حفائر جديدة للبعثة في موقع خليج أبو قير.

ويرى عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن العثور على «خاتم برونزي يحمل تمثيلاً نادراً لفنار الإسكندرية مسألة مهمة علمياً، خصوصاً أن الفنار معروف من تمثيلات أثرية أقدم، أهمها صورته على العملات السكندرية في العصر الروماني، كما توجد له تمثيلات أخرى على أحجار منقوشة وأختام ومواد أثرية مختلفة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القيمة العلمية لخاتم الختم البرونزي المكتشف تتحدد بأربعة عناصر أساسية: أولاً، إثبات أن النقش يمثّل الفنار بالفعل وليس مبنى آخر؛ ثانياً، تحديد تاريخ الخاتم بدقة؛ ثالثاً، توثيق السياق الأثري الذي عُثر فيه عليه؛ ورابعاً، مقارنة عناصر النقش بالتمثيلات المعروفة للفنار».

اكتشافات جديدة ضمن الآثار الغارقة (وزارة السياحة والآثار)

وتابع أنه «إذا أكدت الدراسة الأثرية هذه العناصر، يصبح الاكتشاف مهماً للغاية، خصوصاً إذا كان النقش يقدّم تفصيلاً معمارياً جديداً أو يمثّل الفنار في سياق مختلف عن العملات».

وتزخر مدينة الإسكندرية بالآثار الغارقة في مواقع عدة، من بينها الميناء الشرقي وخليج أبو قير وخليج المعمورة والشاطبي وقلعة قايتباي. وتُعدّ منطقة الميناء الشرقي من أهم مناطق الآثار الغارقة؛ إذ كان الميناء الملكي للعاصمة القديمة التي أسّسها الإسكندر الأكبر، وحملت اسمه، وأصبحت من أعظم مدن العالم القديم. وقد أُقيمت معارض عديدة للآثار الغارقة داخل مصر وخارجها.