لا يدخل الزائر إلى متحف فيليب جبر في بلدة بيت شباب عبر قاعة واحدة، ولا يكتشف مجموعته بزيارة واحدة. تتوزَّع الأعمال بين 6 منازل كانت جزءاً من المقرّ الصيفي للعائلة، قبل أن تصبح تدريجياً فضاءات تعرض تاريخ لبنان كما التقطته عيون فنانين أجانب زاروه ورسموا مدنه وقراه وجباله وآثاره ووجوه ناسه.

خلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في المتحف، تولَّى القيّم الفنّي وجامع اللوحات والتحف غابي ضاهر شرح تاريخ الأعمال ودلالاتها. في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل. مئات الأعمال تحتاج إلى ذاكرة شديدة الانتباه، ومعرفة تتجاوز أسماء الفنانين وتواريخهم، نحو تتبُّع الأماكن التي رسموها والظروف التي أتوا فيها إلى لبنان.

كان ضاهر يقول إنه قرأ كثيراً، وتعمَّق في تاريخ المجموعة، حتى أصبح قادراً على قيادة جولات الزوّار وشرح محتوياتها. وخلال الجولة، تبيَّن أنّ الأمر يتجاوز حفظ المعلومات؛ فهو يتنقَّل بين الأعمال كما لو أنه يستعيد خريطة يعرف تفاصيلها، ويصل بين اللوحة وصاحبها، وبين المشهد المرسوم وما أصبح عليه بعد عقود أو قرون.
لاحقاً، استكملت «الشرق الأوسط» الحوار معه في منزله بمنطقة التباريس البيروتية، وهو فضاء آخر تغمره اللوحات والتحف، ويكاد يتحوَّل بدوره إلى متحف شخصي. هناك، عاد ضاهر إلى البدايات، قبل متحف فيليب جبر، وقبل أن تصبح اللوحات مهنته الأساسية.
بدأت حكايته عام 1989 خلال الحرب اللبنانية، حين غادر إلى باريس وكان يعمل في القطاع المصرفي. وجد نفسه مُحاطاً ببيوت المزادات المجتمعة في مكان واحد. وذات يوم، دفعه الفضول إلى اللَّحاق بأشخاص كانوا يدخلون أحدها، فعَثَر في الداخل على لوحة لخليل زغيب تُصوّر قصف بيروت سنة 1958 أمام جامع منصور عساف.

لم يكن يعرف آنذاك كثيراً عن تقنيات الرسم أو أنواع الألوان، فيما لم يتعرَّف الحاضرون في المزاد إلى بيروت داخل اللوحة، واكتفوا بتصنيفها مشهداً من المشرق. اشتراها بما يُعادل 50 دولاراً. وفي طريق عودته سيراً، توقّف في مقهى والتقى لبنانياً لفتته اللوحة وطلب شراءها. اقترح ضاهر سعراً يفوق ما دفعه بأضعاف، فوافق الرجل.
يقول: «عندها، رأيتُ أمامي بداية جديدة». استقال من المصرف، وبدأ رحلة شراء اللوحات وبيعها، مستفيداً من فضول تحوَّل مع الوقت إلى معرفة، ومن معرفة صارت مهنة امتدَّت عقوداً.

في العام نفسه، تعرَّف في لندن إلى رجل الأعمال، فيليب جبر، الذي كان مهتمّاً بالفنّ وبالحنين إلى لبنان، ويجمع أعمالاً لفنانين لبنانيين، من بينهم عمر فروخ. أخبره جبر أنه اشترى مجموعة كبيرة من مزاد «سوذبيز» في العاصمة البريطانية. عندها اقترح عليه ضاهر زاوية مختلفة: لماذا لا يجمع أعمال فنانين أجانب رسموا لبنان؟
من هذا السؤال بدأت نواة المجموعة. يقول ضاهر: «كان فيليب جبر يجمع الفنّ اللبناني، فقلتُ له إنّ صورة لبنان موجودة أيضاً في أعمال فنانين أتوا إليه من الخارج. ومن هنا انطلقت الرحلة».
لم تكن فكرة المتحف جاهزة منذ البداية. عُلّقت اللوحات أولاً في المنزل الصيفي للعائلة في بيت شباب، ثم نمت المجموعة واتّسعت حتى فرضت الحاجة إلى عرضها ضمن مسار متكامل. فُتحت المنازل الـ6 لاحقاً أمام الجمهور، وتحوَّلت الفيلا إلى مؤسّسة ثقافية تحفظ إحدى أوسع السرديات البصرية عن لبنان كما رآه الفنانون والرحّالة والدبلوماسيون الأجانب.

وُضِع للمجموعة شرطٌ أساسي: أن يكون الفنان قد أتى فعلياً إلى لبنان. لذلك تقوم الأعمال على مُشاهدة مباشرة للأماكن، وليس على خيال شرقي مركَّب من بعيد. يوضح غابي ضاهر: «هذه الأعمال تروي تاريخاً رأته العين، وليست صوراً متخيَّلة عن الشرق».

كان لبنان خلال القرن الـ19 محطّة رئيسية في رحلات الأوروبيين لزيارة آثار الحضارات القديمة. يمرُّ المسافرون من أثينا إلى إسطنبول ثم إلى مصر، فيما شكّلت بعلبك إحدى المحطات الأساسية على الطريق. أما تدمر فكانت أبعد وأصعب وصولاً. ومع ازدهار الرحلات البحرية، أصبحت موانئ الشرق الأوسط أقرب الوجهات المتاحة أمام الفنانين والرحّالة، في زمن لم تكن فيه الصين واليابان ضمن المسارات المألوفة لكثير منهم.
اكتسب الفنّ المشرقي يومها رواجاً واسعاً، وبدأ الفنانون يعودون إلى أوروبا بلوحات مائية وزيتية ودفاتر رسوم تُسجِّل ما شاهدوه. وإنما العثور على الأعمال المتعلِّقة بلبنان لم يكن سهلاً. في بداية البحث، كان خبراء يؤكدون لضاهر وجبر أنّ لوحات مثل هذه نادرة أو شبه معدومة.

تغيَّر المشهد حين ظهرت في مزاد بباريس لوحة تُصوّر الأمير علي أبي اللمع متوجّهاً إلى صيد الصقور. بيعت بسعر مرتفع، وتناولت الصحافة خبرها، فبدأ مالكو أعمال مُشابهة يعرضونها على المزادات. يتذكّر ضاهر أنّ تلك اللوحة «أيقظت السوق»، وفتحت الباب أمام ظهور أعمال ظلَّت سنوات طويلة في مجموعات خاصة، من دون أن يعرف أصحابها بالضرورة قيمة صلتها بلبنان.

منذ ذلك الوقت، صار البحث يجري بين المزادات والمجموعات الخاصة والمتاحف. ويقول ضاهر بثقة تعكس سنوات التتبُّع: «أعرفُ كلَّ متحف وما لديه من أعمال عن لبنان». ويشير إلى وجود لوحة شديدة الأهمية عن بيروت في متحف «متروبوليتان»، ضمن أعمال موزَّعة اليوم في مؤسّسات عالمية مختلفة.
لا تتوقَّف قيمة مجموعة فيليب جبر عند الندرة الفنية. فهي تؤدّي وظيفة الأرشيف البصري لبلد لم تكن الصورة الفوتوغرافية قد وثَّقت تفاصيله بعد. من خلال هذه اللوحات، يمكن رؤية بيروت قبل نحو 200 سنة، ومتابعة ملامح مناطق تغيَّرت جذرياً بفعل العمران والحروب والهدم.

يقول ضاهر: «حين لم تكن هناك صور، كانت اللوحة هي الشهادة. من خلالها نرى كيف كانت بيروت، وكيف عاش الناس، وكيف بدت الأماكن التي اختفى كثير منها».
لهذا يبدو متحف فيليب جبر أبعد من مجموعة خاصة اتّسعت مع الزمن. إنه أرشيف تشكَّل بالمُلاحقة والصبر والمعرفة. ثم تحوَّلت هذه الكنوز في بلد تتغيَّر معالمه بسرعة إلى نوافذ على أمكنة لم يعد ممكناً الوصول إليها إلا عبر الفنّ.
