متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

غابي ضاهر يتحدَّث لـ«الشرق الأوسط» عن شغف بناء المجموعة النادرة

الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)
الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)
TT

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)
الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

لا يدخل الزائر إلى متحف فيليب جبر في بلدة بيت شباب عبر قاعة واحدة، ولا يكتشف مجموعته بزيارة واحدة. تتوزَّع الأعمال بين 6 منازل كانت جزءاً من المقرّ الصيفي للعائلة، قبل أن تصبح تدريجياً فضاءات تعرض تاريخ لبنان كما التقطته عيون فنانين أجانب زاروه ورسموا مدنه وقراه وجباله وآثاره ووجوه ناسه.

في هذه الفيلا يبدو التاريخ قابلاً للتأمُّل (متحف فيليب جبر)

خلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في المتحف، تولَّى القيّم الفنّي وجامع اللوحات والتحف غابي ضاهر شرح تاريخ الأعمال ودلالاتها. في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل. مئات الأعمال تحتاج إلى ذاكرة شديدة الانتباه، ومعرفة تتجاوز أسماء الفنانين وتواريخهم، نحو تتبُّع الأماكن التي رسموها والظروف التي أتوا فيها إلى لبنان.

غابي ضاهر يجمع ما تفرّق من صورة لبنان (متحف فيليب جبر)

كان ضاهر يقول إنه قرأ كثيراً، وتعمَّق في تاريخ المجموعة، حتى أصبح قادراً على قيادة جولات الزوّار وشرح محتوياتها. وخلال الجولة، تبيَّن أنّ الأمر يتجاوز حفظ المعلومات؛ فهو يتنقَّل بين الأعمال كما لو أنه يستعيد خريطة يعرف تفاصيلها، ويصل بين اللوحة وصاحبها، وبين المشهد المرسوم وما أصبح عليه بعد عقود أو قرون.

لاحقاً، استكملت «الشرق الأوسط» الحوار معه في منزله بمنطقة التباريس البيروتية، وهو فضاء آخر تغمره اللوحات والتحف، ويكاد يتحوَّل بدوره إلى متحف شخصي. هناك، عاد ضاهر إلى البدايات، قبل متحف فيليب جبر، وقبل أن تصبح اللوحات مهنته الأساسية.

بدأت حكايته عام 1989 خلال الحرب اللبنانية، حين غادر إلى باريس وكان يعمل في القطاع المصرفي. وجد نفسه مُحاطاً ببيوت المزادات المجتمعة في مكان واحد. وذات يوم، دفعه الفضول إلى اللَّحاق بأشخاص كانوا يدخلون أحدها، فعَثَر في الداخل على لوحة لخليل زغيب تُصوّر قصف بيروت سنة 1958 أمام جامع منصور عساف.

في كلّ عمل أثر مكان وزمن ونظرة (متحف فيليب جبر)

لم يكن يعرف آنذاك كثيراً عن تقنيات الرسم أو أنواع الألوان، فيما لم يتعرَّف الحاضرون في المزاد إلى بيروت داخل اللوحة، واكتفوا بتصنيفها مشهداً من المشرق. اشتراها بما يُعادل 50 دولاراً. وفي طريق عودته سيراً، توقّف في مقهى والتقى لبنانياً لفتته اللوحة وطلب شراءها. اقترح ضاهر سعراً يفوق ما دفعه بأضعاف، فوافق الرجل.

يقول: «عندها، رأيتُ أمامي بداية جديدة». استقال من المصرف، وبدأ رحلة شراء اللوحات وبيعها، مستفيداً من فضول تحوَّل مع الوقت إلى معرفة، ومن معرفة صارت مهنة امتدَّت عقوداً.

كلّ قطعة تضيف تفصيلاً إلى صورة لبنان التي كادت تكتمل بالنسيان (متحف فيليب جبر)

في العام نفسه، تعرَّف في لندن إلى رجل الأعمال، فيليب جبر، الذي كان مهتمّاً بالفنّ وبالحنين إلى لبنان، ويجمع أعمالاً لفنانين لبنانيين، من بينهم عمر فروخ. أخبره جبر أنه اشترى مجموعة كبيرة من مزاد «سوذبيز» في العاصمة البريطانية. عندها اقترح عليه ضاهر زاوية مختلفة: لماذا لا يجمع أعمال فنانين أجانب رسموا لبنان؟

من هذا السؤال بدأت نواة المجموعة. يقول ضاهر: «كان فيليب جبر يجمع الفنّ اللبناني، فقلتُ له إنّ صورة لبنان موجودة أيضاً في أعمال فنانين أتوا إليه من الخارج. ومن هنا انطلقت الرحلة».

لم تكن فكرة المتحف جاهزة منذ البداية. عُلّقت اللوحات أولاً في المنزل الصيفي للعائلة في بيت شباب، ثم نمت المجموعة واتّسعت حتى فرضت الحاجة إلى عرضها ضمن مسار متكامل. فُتحت المنازل الـ6 لاحقاً أمام الجمهور، وتحوَّلت الفيلا إلى مؤسّسة ثقافية تحفظ إحدى أوسع السرديات البصرية عن لبنان كما رآه الفنانون والرحّالة والدبلوماسيون الأجانب.

ما تمنحه هذه الأعمال للتاريخ لا يقل قيمةً عمّا تمنحه للفنّ (متحف فيليب جبر)

وُضِع للمجموعة شرطٌ أساسي: أن يكون الفنان قد أتى فعلياً إلى لبنان. لذلك تقوم الأعمال على مُشاهدة مباشرة للأماكن، وليس على خيال شرقي مركَّب من بعيد. يوضح غابي ضاهر: «هذه الأعمال تروي تاريخاً رأته العين، وليست صوراً متخيَّلة عن الشرق».

بعض الأعمال تُعلَّق على الجدران وهذه تحفظ طبقة من التاريخ (متحف فيليب جبر)

كان لبنان خلال القرن الـ19 محطّة رئيسية في رحلات الأوروبيين لزيارة آثار الحضارات القديمة. يمرُّ المسافرون من أثينا إلى إسطنبول ثم إلى مصر، فيما شكّلت بعلبك إحدى المحطات الأساسية على الطريق. أما تدمر فكانت أبعد وأصعب وصولاً. ومع ازدهار الرحلات البحرية، أصبحت موانئ الشرق الأوسط أقرب الوجهات المتاحة أمام الفنانين والرحّالة، في زمن لم تكن فيه الصين واليابان ضمن المسارات المألوفة لكثير منهم.

اكتسب الفنّ المشرقي يومها رواجاً واسعاً، وبدأ الفنانون يعودون إلى أوروبا بلوحات مائية وزيتية ودفاتر رسوم تُسجِّل ما شاهدوه. وإنما العثور على الأعمال المتعلِّقة بلبنان لم يكن سهلاً. في بداية البحث، كان خبراء يؤكدون لضاهر وجبر أنّ لوحات مثل هذه نادرة أو شبه معدومة.

لبنان حاضر هنا كما التقطته عيون جاءت من بعيد (متحف فيليب جبر)

تغيَّر المشهد حين ظهرت في مزاد بباريس لوحة تُصوّر الأمير علي أبي اللمع متوجّهاً إلى صيد الصقور. بيعت بسعر مرتفع، وتناولت الصحافة خبرها، فبدأ مالكو أعمال مُشابهة يعرضونها على المزادات. يتذكّر ضاهر أنّ تلك اللوحة «أيقظت السوق»، وفتحت الباب أمام ظهور أعمال ظلَّت سنوات طويلة في مجموعات خاصة، من دون أن يعرف أصحابها بالضرورة قيمة صلتها بلبنان.

جدار يحمل أكثر من عمل... يحمل طبقة من الزمن (متحف فيليب جبر)

منذ ذلك الوقت، صار البحث يجري بين المزادات والمجموعات الخاصة والمتاحف. ويقول ضاهر بثقة تعكس سنوات التتبُّع: «أعرفُ كلَّ متحف وما لديه من أعمال عن لبنان». ويشير إلى وجود لوحة شديدة الأهمية عن بيروت في متحف «متروبوليتان»، ضمن أعمال موزَّعة اليوم في مؤسّسات عالمية مختلفة.

لا تتوقَّف قيمة مجموعة فيليب جبر عند الندرة الفنية. فهي تؤدّي وظيفة الأرشيف البصري لبلد لم تكن الصورة الفوتوغرافية قد وثَّقت تفاصيله بعد. من خلال هذه اللوحات، يمكن رؤية بيروت قبل نحو 200 سنة، ومتابعة ملامح مناطق تغيَّرت جذرياً بفعل العمران والحروب والهدم.

قيمتها في أنها سبقت الكاميرا وحفظت ما لم يعد موجوداً (متحف فيليب جبر)

يقول ضاهر: «حين لم تكن هناك صور، كانت اللوحة هي الشهادة. من خلالها نرى كيف كانت بيروت، وكيف عاش الناس، وكيف بدت الأماكن التي اختفى كثير منها».

لهذا يبدو متحف فيليب جبر أبعد من مجموعة خاصة اتّسعت مع الزمن. إنه أرشيف تشكَّل بالمُلاحقة والصبر والمعرفة. ثم تحوَّلت هذه الكنوز في بلد تتغيَّر معالمه بسرعة إلى نوافذ على أمكنة لم يعد ممكناً الوصول إليها إلا عبر الفنّ.


مقالات ذات صلة

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.