متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

غابي ضاهر يتحدَّث لـ«الشرق الأوسط» عن شغف بناء المجموعة النادرة

الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)
الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)
TT

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)
الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

لا يدخل الزائر إلى متحف فيليب جبر في بلدة بيت شباب عبر قاعة واحدة، ولا يكتشف مجموعته بزيارة واحدة. تتوزَّع الأعمال بين 6 منازل كانت جزءاً من المقرّ الصيفي للعائلة، قبل أن تصبح تدريجياً فضاءات تعرض تاريخ لبنان كما التقطته عيون فنانين أجانب زاروه ورسموا مدنه وقراه وجباله وآثاره ووجوه ناسه.

في هذه الفيلا يبدو التاريخ قابلاً للتأمُّل (متحف فيليب جبر)

خلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في المتحف، تولَّى القيّم الفنّي وجامع اللوحات والتحف غابي ضاهر شرح تاريخ الأعمال ودلالاتها. في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل. مئات الأعمال تحتاج إلى ذاكرة شديدة الانتباه، ومعرفة تتجاوز أسماء الفنانين وتواريخهم، نحو تتبُّع الأماكن التي رسموها والظروف التي أتوا فيها إلى لبنان.

غابي ضاهر يجمع ما تفرّق من صورة لبنان (متحف فيليب جبر)

كان ضاهر يقول إنه قرأ كثيراً، وتعمَّق في تاريخ المجموعة، حتى أصبح قادراً على قيادة جولات الزوّار وشرح محتوياتها. وخلال الجولة، تبيَّن أنّ الأمر يتجاوز حفظ المعلومات؛ فهو يتنقَّل بين الأعمال كما لو أنه يستعيد خريطة يعرف تفاصيلها، ويصل بين اللوحة وصاحبها، وبين المشهد المرسوم وما أصبح عليه بعد عقود أو قرون.

لاحقاً، استكملت «الشرق الأوسط» الحوار معه في منزله بمنطقة التباريس البيروتية، وهو فضاء آخر تغمره اللوحات والتحف، ويكاد يتحوَّل بدوره إلى متحف شخصي. هناك، عاد ضاهر إلى البدايات، قبل متحف فيليب جبر، وقبل أن تصبح اللوحات مهنته الأساسية.

بدأت حكايته عام 1989 خلال الحرب اللبنانية، حين غادر إلى باريس وكان يعمل في القطاع المصرفي. وجد نفسه مُحاطاً ببيوت المزادات المجتمعة في مكان واحد. وذات يوم، دفعه الفضول إلى اللَّحاق بأشخاص كانوا يدخلون أحدها، فعَثَر في الداخل على لوحة لخليل زغيب تُصوّر قصف بيروت سنة 1958 أمام جامع منصور عساف.

في كلّ عمل أثر مكان وزمن ونظرة (متحف فيليب جبر)

لم يكن يعرف آنذاك كثيراً عن تقنيات الرسم أو أنواع الألوان، فيما لم يتعرَّف الحاضرون في المزاد إلى بيروت داخل اللوحة، واكتفوا بتصنيفها مشهداً من المشرق. اشتراها بما يُعادل 50 دولاراً. وفي طريق عودته سيراً، توقّف في مقهى والتقى لبنانياً لفتته اللوحة وطلب شراءها. اقترح ضاهر سعراً يفوق ما دفعه بأضعاف، فوافق الرجل.

يقول: «عندها، رأيتُ أمامي بداية جديدة». استقال من المصرف، وبدأ رحلة شراء اللوحات وبيعها، مستفيداً من فضول تحوَّل مع الوقت إلى معرفة، ومن معرفة صارت مهنة امتدَّت عقوداً.

كلّ قطعة تضيف تفصيلاً إلى صورة لبنان التي كادت تكتمل بالنسيان (متحف فيليب جبر)

في العام نفسه، تعرَّف في لندن إلى رجل الأعمال، فيليب جبر، الذي كان مهتمّاً بالفنّ وبالحنين إلى لبنان، ويجمع أعمالاً لفنانين لبنانيين، من بينهم عمر فروخ. أخبره جبر أنه اشترى مجموعة كبيرة من مزاد «سوذبيز» في العاصمة البريطانية. عندها اقترح عليه ضاهر زاوية مختلفة: لماذا لا يجمع أعمال فنانين أجانب رسموا لبنان؟

من هذا السؤال بدأت نواة المجموعة. يقول ضاهر: «كان فيليب جبر يجمع الفنّ اللبناني، فقلتُ له إنّ صورة لبنان موجودة أيضاً في أعمال فنانين أتوا إليه من الخارج. ومن هنا انطلقت الرحلة».

لم تكن فكرة المتحف جاهزة منذ البداية. عُلّقت اللوحات أولاً في المنزل الصيفي للعائلة في بيت شباب، ثم نمت المجموعة واتّسعت حتى فرضت الحاجة إلى عرضها ضمن مسار متكامل. فُتحت المنازل الـ6 لاحقاً أمام الجمهور، وتحوَّلت الفيلا إلى مؤسّسة ثقافية تحفظ إحدى أوسع السرديات البصرية عن لبنان كما رآه الفنانون والرحّالة والدبلوماسيون الأجانب.

ما تمنحه هذه الأعمال للتاريخ لا يقل قيمةً عمّا تمنحه للفنّ (متحف فيليب جبر)

وُضِع للمجموعة شرطٌ أساسي: أن يكون الفنان قد أتى فعلياً إلى لبنان. لذلك تقوم الأعمال على مُشاهدة مباشرة للأماكن، وليس على خيال شرقي مركَّب من بعيد. يوضح غابي ضاهر: «هذه الأعمال تروي تاريخاً رأته العين، وليست صوراً متخيَّلة عن الشرق».

بعض الأعمال تُعلَّق على الجدران وهذه تحفظ طبقة من التاريخ (متحف فيليب جبر)

كان لبنان خلال القرن الـ19 محطّة رئيسية في رحلات الأوروبيين لزيارة آثار الحضارات القديمة. يمرُّ المسافرون من أثينا إلى إسطنبول ثم إلى مصر، فيما شكّلت بعلبك إحدى المحطات الأساسية على الطريق. أما تدمر فكانت أبعد وأصعب وصولاً. ومع ازدهار الرحلات البحرية، أصبحت موانئ الشرق الأوسط أقرب الوجهات المتاحة أمام الفنانين والرحّالة، في زمن لم تكن فيه الصين واليابان ضمن المسارات المألوفة لكثير منهم.

اكتسب الفنّ المشرقي يومها رواجاً واسعاً، وبدأ الفنانون يعودون إلى أوروبا بلوحات مائية وزيتية ودفاتر رسوم تُسجِّل ما شاهدوه. وإنما العثور على الأعمال المتعلِّقة بلبنان لم يكن سهلاً. في بداية البحث، كان خبراء يؤكدون لضاهر وجبر أنّ لوحات مثل هذه نادرة أو شبه معدومة.

لبنان حاضر هنا كما التقطته عيون جاءت من بعيد (متحف فيليب جبر)

تغيَّر المشهد حين ظهرت في مزاد بباريس لوحة تُصوّر الأمير علي أبي اللمع متوجّهاً إلى صيد الصقور. بيعت بسعر مرتفع، وتناولت الصحافة خبرها، فبدأ مالكو أعمال مُشابهة يعرضونها على المزادات. يتذكّر ضاهر أنّ تلك اللوحة «أيقظت السوق»، وفتحت الباب أمام ظهور أعمال ظلَّت سنوات طويلة في مجموعات خاصة، من دون أن يعرف أصحابها بالضرورة قيمة صلتها بلبنان.

جدار يحمل أكثر من عمل... يحمل طبقة من الزمن (متحف فيليب جبر)

منذ ذلك الوقت، صار البحث يجري بين المزادات والمجموعات الخاصة والمتاحف. ويقول ضاهر بثقة تعكس سنوات التتبُّع: «أعرفُ كلَّ متحف وما لديه من أعمال عن لبنان». ويشير إلى وجود لوحة شديدة الأهمية عن بيروت في متحف «متروبوليتان»، ضمن أعمال موزَّعة اليوم في مؤسّسات عالمية مختلفة.

لا تتوقَّف قيمة مجموعة فيليب جبر عند الندرة الفنية. فهي تؤدّي وظيفة الأرشيف البصري لبلد لم تكن الصورة الفوتوغرافية قد وثَّقت تفاصيله بعد. من خلال هذه اللوحات، يمكن رؤية بيروت قبل نحو 200 سنة، ومتابعة ملامح مناطق تغيَّرت جذرياً بفعل العمران والحروب والهدم.

قيمتها في أنها سبقت الكاميرا وحفظت ما لم يعد موجوداً (متحف فيليب جبر)

يقول ضاهر: «حين لم تكن هناك صور، كانت اللوحة هي الشهادة. من خلالها نرى كيف كانت بيروت، وكيف عاش الناس، وكيف بدت الأماكن التي اختفى كثير منها».

لهذا يبدو متحف فيليب جبر أبعد من مجموعة خاصة اتّسعت مع الزمن. إنه أرشيف تشكَّل بالمُلاحقة والصبر والمعرفة. ثم تحوَّلت هذه الكنوز في بلد تتغيَّر معالمه بسرعة إلى نوافذ على أمكنة لم يعد ممكناً الوصول إليها إلا عبر الفنّ.


مقالات ذات صلة

«حضرة المحترم نور الشريف» يبرز جوانب إنسانية وفنية لـ«الأستاذ»

يوميات الشرق المعرض اجتذب محبي نور الشريف بالقاهرة (الشرق الأوسط)

«حضرة المحترم نور الشريف» يبرز جوانب إنسانية وفنية لـ«الأستاذ»

شهد معرض «حضرة المحترم نور الشريف» الذي افتتح أمام الجمهور مجاناً في إحدى قاعات «سينما راديو» بوسط البلد، السبت، حضوراً جماهيرياً وإعلامياً لافتاً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يضم المعرض العديد من القطع الأثرية من العصر الإسلامي (متحف الحضارة المصرية)

معرض أثري يبرز روائع الفن الإسلامي بمتحف الحضارة المصرية

ضمن الاحتفالات التي تقيمها العديد من المؤسسات الثقافية والسياحية المصرية بمناسبة المولد النبوي الشريف، نظم المتحف القومي للحضارة المصرية فعالية ثقافية وفنية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق يتضح تأثر الفنانة بالمدرسة المستقبلية في المعرض (الشرق الأوسط)

«جذور وأجنحة»... تحليق دائم مستلهم من صفحات الحياة

في معرضها الجديد، تواصل الفنانة ماجي الشاويش تقديم تجربتها الفنية المختلفة عبر عنوان يختصر جانباً من رؤيتها بمعرض «جذور وأجنحة».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق صورة مركبة لسارق الموناليزا

هل كانت الموناليزا لتشتهر لولا سارقها؟

سرقة القرن الفنية... كيف تحولت «الموناليزا» من لوحة عادية إلى أيقونة عالمية بفضل لص؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق شجرة من حياة مُستعادة (الشرق الأوسط)

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يبقى الفنّ قادراً على وَصْل الناس وحماية الرابط بينهم حين تتبدّل الأمكنة وتضيق الخيارات...

فاطمة عبد الله (بيروت)

وزير الإعلام السوري يطلع على تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى

الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
TT

وزير الإعلام السوري يطلع على تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى

الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)

زار وزير الإعلام السوري الدكتور خالد زعرور، مقر المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG» الجديد واستوديوهات «شبكة الشرق» بمركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض، حيث التقى جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي للمجموعة، وعدداً من قيادات ومسؤولي قنواتها ومنصاتها المختلفة.

واستعرضت جمانا الراشد تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى واستخدام التقنيات المتقدمة في عملياتها الإعلامية. كما تجوّل الوزير في غرفة الأخبار المتكاملة لـ«شبكة الشرق» والاستوديوهات التلفزيونية، واطلع على عمليات البث والتجهيزات والتقنيات المستخدمة عبر قنوات المجموعة ومنصاتها.

وسلّطت الجولة الضوء على نموذج العمل متعدد المنصات في «SRMG»، وآلية تكامل فرق التحرير والإنتاج والتقنية عبر التلفزيون والمنصات الرقمية والإذاعة والبودكاست، لتقديم تغطية موثوقة وآنية للجمهور في أنحاء العالم العربي.

جمانا الراشد أَطلَعت خالد زعرور على تجربة استخدام التقنيات المتقدمة في العمليات الإعلامية للمجموعة (SRMG)

من جانبه، قال الدكتور زعرور، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ»، إن بلاده «أنجزت قانوناً للإعلام يهيئ لممارسة العمل الإعلامي بحرية»، مؤكداً أن «البناء الصحيح للإعلام يبدأ من المؤسسات الأكاديمية ودورها في إعداد الكفاءات وتطوير القدرات التي يحتاج إليها القطاع».

وشدَّد الوزير السوري على أهمية «تعزيز التعاون بين السعودية وسوريا في المجال الإعلامي، وتبادل الخبرات والتجارب بما يسهم في تطوير صناعة الإعلام».

بدورها، قالت جمانا الراشد، إن زيارة الدكتور زعرور «أتاحت فرصة لاستعراض تجربة (SRMG) في صناعة المحتوى، والتقنيات الداعمة لعملياتنا التحريرية والبثّية، ومناقشة أهمية تبادل المعرفة والخبرات على مستوى المنطقة».

الزيارة استعرضت آلية تكامل الفرق لتقديم تغطية موثوقة وآنية للجمهور في أنحاء العالم العربي (SRMG)

وأشارت إلى أن «مقرنا الجديد يعكس استثمارات (SRMG) المتواصلة في الصحافة الموثوقة، والمحتوى الأصلي، والتقنيات الإعلامية المتقدمة، والكفاءات»، مضيفة: «من خلال جمع قدراتنا التحريرية والإنتاجية والبثّية، نعزّز قدرتنا على إنتاج محتوى عالي الجودة وخدمة الجمهور في مختلف أنحاء المنطقة».

وأشاد الوزير، في ختام الزيارة، بالتقدم الذي حققه الإعلام السعودي، ولا سيما في مجالات الإعلام الاقتصادي والرياضي والسياسي المتخصص. ولفت إلى أن «الشرق بلومبرغ» خطت خطوات مهمة في مجال الإعلام المتخصص، مؤكداً أهمية النماذج الإعلامية الحديثة في تطوير المحتوى والوصول إلى الجمهور.

وتأتي هذه الزيارة ضمن برنامج الوزير زعرور في السعودية، الهادف إلى الاطلاع على التجارب الإعلامية الرائدة، واستكشاف فرص التعاون والشراكات بين القطاع في البلدين.

وزير الإعلام السوري متجولاً في غرفة الأخبار المتكاملة لـ«شبكة الشرق» والاستوديوهات التلفزيونية (واس)

وبدأت «الشرق بلومبرغ» البث من استوديوهاتها الجديدة في مركز الملك عبد الله المالي خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي، في محطة بارزة ضمن مسيرة النمو المستمرة للشبكة، عزَّزت قدراتها على تقديم التغطية الاقتصادية والمالية والسياسية والإقليمية من الرياض.

وتواصل «شبكة الشرق» توسيع تغطيتها وبرامجها وقدراتها الرقمية عبر منصاتها المختلفة، التي تشمل «الشرق بلومبرغ»، و«الشرق للأخبار»، و«الشرق الوثائقية»، و«الشرق ديسكفري»، و«الشرق بودكاست»، و«راديو الشرق بلومبرغ»، و«الشرق NOW».


إزالة جدارية من ميدان التحرير لتشابهها مع أعمال «الأفروسنتريك»

جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
TT

إزالة جدارية من ميدان التحرير لتشابهها مع أعمال «الأفروسنتريك»

جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)

أزالت السلطات المحلية بالعاصمة المصرية القاهرة جدارية رسمتها مجموعة من شباب الفنانين عن الحضارة المصرية القديمة، بعد أن أثارت جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لتشابهها مع أفكار «الأفروسنتريك» التي تحاول نسبة الحضارة المصرية إلى فكرة تقوم على المركزية الأفريقية.

وظهرت اللوحات التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل طمسها من قبل المحافظة، متضمنة رموزاً فرعونية وشخصيات شهيرة مثل نفرتيتي وتوت عنخ آمون والصقر حورس، وتبدو ألوانها داكنة أقرب للسواد، وهو ما فسره أحد القائمين على الجدارية في تصريحات لوسائل إعلام محلية، بأن اختيار اللون الذهبي الغامق في تلوين الوجوه ربما هو ما أعطى هذا الانطباع غير المقصود.

أثناء رسم الجداريات التي أثارت جدلاً (فيسبوك)

وكان حي غرب القاهرة قد أعلن قبل أيام، عن بدء تصميم وتحديد ملامح لوحة جدارية فرعونية بميدان الشهيد عبد المنعم رياض، لإضفاء لمسة حضارية وجمالية على الميدان وإبراز عراقة الحضارة المصرية القديمة.

ووفق ما نشرته صفحة «حي غرب القاهرة» على «فيسبوك»: «يشرف على تنفيذ اللوحة طلاب كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية بالجامعات المصرية، في إطار دعم مواهب الشباب وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في تجميل وتطوير الميادين».

وجاءت هذه الأعمال في إطار جهود حي غرب القاهرة للارتقاء بالمظهر الحضاري والجمالي للميادين والمتاحف والمناطق المحيطة بها.

وبعد حالة من الجدل التي أثيرت حول الأعمال بسبب الانطباع الذي خلفته نظراً لألوانها الداكنة نسبياً، أكد مصدر مسؤول بالحي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أنه تمت إزالة اللوحات وإعادة تشكيل المشهد البصري وفق ما يلائم الهوية المصرية ويحافظ عليها.

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن «الجدل حول جدارية ميدان التحرير يطرح قضية أوسع من مجرد عمل فني؛ وهي ضرورة الحفاظ على الهوية الحضارية المصرية عند تقديم تاريخ مصر القديم في الفضاء العام». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحضارة المصرية ليست مجرد رموز أو صور يمكن إعادة تشكيلها وفق رؤى معاصرة، وإنما حضارة موثقة بآلاف الآثار والنقوش والتماثيل التي ينبغي أن تكون المرجعية الأساسية لأي تمثيل بصري لها».

جانب من الجدارية التي تمت إزالتها (فيسبوك)

وتابعت: «من المهم التأكيد أن انتماء مصر إلى أفريقيا حقيقة جغرافية وتاريخية لا خلاف عليها، لكن ذلك لا يبرر إعادة تفسير الحضارة المصرية أو شخصياتها وفق تصورات آيديولوجية أو عرقية لا تستند إلى الأدلة الأثرية. وهنا تكمن خطورة بعض الطروحات (الأفروسنتريكية) عندما تتحول من دراسة علمية إلى محاولة لإعادة امتلاك السردية الحضارية المصرية أو فصلها عن سياقها التاريخي».

وأشارت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم إلى أن «الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج مثل هذه الأعمال تستلزم مراجعة متخصصة؛ فالذكاء الاصطناعي قد ينتج صورة مقنعة فنياً، لكنها ليست بالضرورة صحيحة تاريخياً».

وأكدت أن «حماية الهوية المصرية لا تكون بالانفعال أو الإقصاء، وإنما بالعلم والتوثيق وإشراك المتخصصين في الآثار والتاريخ عند تنفيذ أي عمل يتناول رموز الحضارة المصرية. وما حدث في ميدان التحرير ينبغي أن يكون درساً يؤكد أن تقديم الحضارة المصرية مسؤولية ثقافية وعلمية، وأن الدفاع عنها يبدأ من امتلاك روايتنا التاريخية وتقديمها بصورة دقيقة وواعية».

وبين فترة وأخرى تطفو على السطح أفكار من بعض أنصار «الأفروسنتريك» تنسب الحضارة المصرية القديمة إلى الأفارقة السود، من خلال مرشد سياحي يدعى كابا كاميني من أبرز ناشطي الحركة، فضلاً عن تحركات دولية في هذا الإطار؛ من بينها فيلم وثائقي أنتجته شبكة «نتفيلكس» قبل سنوات عن الملكة المصرية كليوباترا، وقامت بدورها ممثلة سوداء، في حين أن كليوباترا ملكة من عصر البطالمة اليونانيين من ذوي البشرة البيضاء؛ وهو الأمر الذي أثار ضجة كبيرة وقتها.


حزن في الوسط الفني المصري لرحيل محمد التاجي وابنة نجلاء فتحي

الفنان الراحل محمد التاجي (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان الراحل محمد التاجي (حسابه على «فيسبوك»)
TT

حزن في الوسط الفني المصري لرحيل محمد التاجي وابنة نجلاء فتحي

الفنان الراحل محمد التاجي (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان الراحل محمد التاجي (حسابه على «فيسبوك»)

سادت حالة من الحزن في الوسط الفني المصري بعد الإعلان عن رحيل الفنان المصري محمد التاجي، وياسمين أبو النجا ابنة الفنانة نجلاء فتحي، التي رحلت بعد أزمة قلبية مفاجئة. وقد ووري الجثمانان في مقابر عائلتَيهما عقب صلاة ظهر (الاثنين).

ورحل الفنان محمد التاجي مساء (الأحد) عن عمر ناهز 72 عاماً، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لعقود، صنع خلالها لنفسه مكانة خاصة بين فناني الأدوار المميزة في السينما والتلفزيون والمسرح.

وارتبط اسم التاجي بعدد كبير من الأعمال التي تركت حضوراً لدى الجمهور، من بينها «البشاير» و«المطارد» و«المتزوجون» و«البراري والحامول»، إلى جانب مشاركاته المتنوعة في الدراما المصرية عبر أجيال مختلفة، وقدم أدواراً ثانوية تنقّل فيها بين الشخصيات الاجتماعية والكوميدية والدرامية، بعيداً عن مساحة الدور أو تصنيفه كبطولة أو دور ثانٍ.

وفي سنواته الأخيرة، واصل محمد التاجي ظهوره الفني وشارك في عدد من الأعمال الدرامية التي حققت حضوراً جماهيرياً، وكان آخر أعماله مسلسل «بابا وماما جيران» الذي عُرض في رمضان الماضي. وقد نعاه عدد من الفنانين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مستذكرين مواقفه الإنسانية وقدرته على رسم البسمة بينهم خلال العمل، داعين له بالرحمة والمغفرة.

وبالتزامن مع إعلان وفاة التاجي، أُعلنت وفاة ياسمين أبو النجا ابنة الفنانة نجلاء فتحي التي رحلت بشكل مفاجئ بعد إصابتها بأزمة قلبية عن عمر يناهز 44 عاماً، وهي السيدة التي عُرفت بظهورها الإعلامي المحدود وابتعادها عن الأضواء، في حين كانت تعيش في الفترة الأخيرة من حياتها برفقة والدتها الفنانة نجلاء فتحي.

ونعى عدد من الفنانين ياسمين أبو النجا، مقدمين التعازي لوالدتها في مصابها، منهن نادية الجندي، ونبيلة عبيد، ويسرا، وإلهام شاهين، ودنيا عبد العزيز، في حين ذكرت ياسمين عبد العزيز أن والدتها أطلقت عليها اسم ياسمين تيمناً باسم ابنة نجلاء فتحي، مقدمة العزاء للممثلة المصرية.

وأصدر مهرجان «القاهرة السينمائي» بياناً لنعي الراحلة وتقديم التعازي لوالدتها التي عُرفت بعزوفها عن الظهور الإعلامي، واعتذرت عن العديد من التكريمات في السنوات الماضية لرغبتها في الابتعاد عن الأضواء.

نجلاء فتحي قبل اعتزالها الفن (موقع «السينما دوت كوم»)

وظهرت نجلاء فتحي في صلاة الجنازة على ابنتها، وجلست على كرسي، في حين تلقت العزاء من بعض أصدقائها قبل وبعد صلاة الجنازة، وبكت بشدة عدة مرات أثناء تشييع الجنازة لمثواها الأخير، في حين وُجد والد ياسمين في الجنازة.

وبعد إعلان خبر الوفاة تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مقطع فيديو من لقاء قديم يعود تاريخه لنحو 4 عقود في لقاء تلفزيوني جمع بين المحاور الراحل مفيد فوزي ونجلاء فتحي، تحدثت فيه عن إصابة ابنتها بمشكلة في القلب استلزمت خضوعها لعملية جراحية استمرت عدة ساعات، معتبرة أن هذا الوقت كان من أصعب لحظات حياتها.

وحظي مقطع الفيديو بإعادة تداول على نطاق واسع على «السوشيال ميديا» وسط دعوات بالصبر والسلوان لنجلاء فتحي، خصوصاً بعد مقاطع الفيديو التي انتشرت لها عقب صلاة الجنازة، والتي ظهرت فيها تبكي بشدة حزناً على رحيل ابنتها الوحيدة.

وقال الناقد الفني محمد عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» إن حالة الحزن مبررة ومنطقية في الوسط الفني بسبب صدمة الرحيل المفاجئ للثنائي، مشيراً إلى أن الفنان محمد التاجي ارتبط ليس فقط بعلاقة طيبة مع زملائه في العمل، ولكن أيضاً مع جمهوره ومتابعيه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن صدمة رحيل ياسمين أبو النجا وتعزية الفنانين لوالدتها جاءت لتعيد اسم نجلاء فتحي للواجهة مرة أخرى بالرغم من غيابها عن الوسط الفني بشكل كامل، لكنها لا تزال تتمتع بحب جميع من عملوا معها أو شاهدوا أعمالها، بالإضافة إلى أن ابنتها ياسمين كانت لديها علاقات إنسانية جيدة في حياتها مع بعض الفنانين، مؤكداً أن «صدمة رحيل الابنة الوحيدة للممثلة المصرية جعلت جميع من يعرفها، سواء من قريب أو بعيد، يدعو لها ويتعاطف مع الظرف الإنساني الصعب الذي تمر به».