«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

يُختتم به موسم الصيف في غاليري «آرت أون 56»

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
TT

«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)

كما في موعده من كل عام، يختتم غاليري «آرت أون 56» موسم الصيف بمعرض جماعي يستعيد أبرز أعمال الفنانين التشكيليين الذين يتعاون معهم. ومن خلال لوحات جديدة يفوق عددها أعمالاً سبق لرواد الغاليري أن شاهدوها، يرسي المعرض علاقة وطيدة بين المكان والزمان، ويضع بين أيدي زواره مجموعة تستعيد ذاكرة لقاءات سابقة، وأخرى تفتح المجال أمام حضور فني متجدد.

أسئلة وجدانية في لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت» (الشرق الأوسط)

وتحت عنوان «أرض مشتركة»، يقدّم 13 فناناً تشكيلياً أعمالاً تحمل ذكريات جماعية وتجارب ماضية وتطلعات مستقبلية، ويتشاركونها مع الزوار بهدف ترسيخ هذه الموضوعات وربطها بعلاقة وثيقة مع الأرض، فتأخذنا هيبت بلعة إلى عالم التواصل المباشر بين الناس حول فنجان قهوة، بينما يرسم عماد فخري النار والهدوء في لوحة تعكس ألوانها تناقض الحالات التي مرّ بها. أما إدغار مازجي وعيسى حلّوم ومنصور الهبر، فيلوّنون أعمالهم بالهوية والإنسانية والطبيعة.

وبدلاً من التركيز على الانقسام، يتناول المعرض المساحات التي تنشأ فيها الروابط. وتتحدث الأعمال المعروضة عن الصمود، ليس بوصفه رد فعل على التحديات فحسب، بل بوصفه التزاماً مستمراً بالإبداع والخيال والأمل.

ومن خلال الرسم والتصوير والنحت وممارسات الوسائط المتعددة، يدعو الفنانون المشاركون المشاهدين إلى التأمل فيما يربط بينهم، على اختلاف تجاربهم ووجهات نظرهم، وتقترح أعمالهم مساحة مشتركة للحوار والتفاهم.

تتمسك نهى محرّم بإقامة معارض تبرز دور لبنان الثقافي (الشرق الأوسط)

وتشير صاحبة غاليري «آرت أون 56»، نهى محرّم، إلى أن هذا النوع من المعارض يشكِّل بقعة ضوء في حياة اللبناني المثقلة بالهموم والمشكلات. وتضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل الأوضاع المضطربة التي نعيشها، أردنا تسليط الضوء على تشارك اللبنانيين مساحة واحدة في وطن واحد. وتأتي موضوعات المعرض تحية لثقافات وفنون تجمعنا، وقد اخترناها زاهية ومفرحة، تبعث البهجة في النفس، وتكون بمنزلة متنفس للزائر».

عمّا إذا كان المعرض الجماعي يسهم في خفوت الأضواء عن فنان واحد، تردّ غادة جمّال المشاركة في الحدث: «في المعرض الجماعي لفنانين ينتمون إلى غاليري واحد، تبرز أهمية الاختلاف في الأعمال. ونحن ننتمي إلى مكان ثقافي واحد نشعر بدفء العائلة وبقيمة الأعمال التي نرسمها».

وتتناول جمّال في لوحتها «شديدة الانحدار» مرحلة صعبة شعرت بأن لبنان سيمرّ بها. وتقول: «يومها، كان لديّ إحساس مسبق بما ينتظر لبنان من صعوبات. رسمت مشاعري الصادقة وكل القلق الذي يجتاحنا. لكن الأمل موجود دائماً، وهو ما نلاحظه في اللوحة؛ لأن النور يسطع منها رغم كل شيء».

وفي لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت»، المنفّذة بتقنية الأكريليك، نلمس مجموعة من التناقضات يرسمها الفنان بريشة تحمل فلسفة خاصة، ويعبّر عنها بألوان تتجاور فيها حالات الهدوء والتوتر والصمت والاشتعال.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «تناولت حالة متناقضة تجمع بين الهدوء والنار الخامدة. تعكس ريشتي حالات أمرّ بها؛ فقد أبدأ اللوحة بمزاج معيّن، ثم أنتقل إلى أمزجة أخرى. وأحياناً يستغرق اختيار اسمها أياماً طويلة، إذ يولد العنوان من الحالة الأخيرة التي أكون فيها».

ويتابع: «أنطلق من موضوع واقعي، لأنقله لاحقاً إلى صرخة ملوّنة بالديناميكية. وبين الهدوء والنار، أشدّد على خامة اللوحة وشفافيتها، فتسير ريشتي بشكل تصاعدي، وصولاً إلى الانفجار الذي أترجمه بألوان متشابكة».

يتنوّع معرض «أرض مشتركة» بين لوحات تحمل موضوعات دافئة، وأخرى تتحرك بين اليقين والشك. وتسير الفنانة ليلى داغر في هذا الاتجاه، إذ تشارك في المعرض بلوحتين مختلفتين، هما «الورود الزهرية» و«عبّاد الشمس». وعلى الرغم من أن عنوانيهما يرتبطان بنوعين من الزهور، فإن كل واحدة منهما تترجم محاولاتها الدؤوبة لتضميد الجراح، ومحو ندوبها باستخدام تقنية «الميكسد ميديا».

هيبت بلعة في لوحة «كوفي شوب» تبرز الألفة بين اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وتشرح لـ«الشرق الأوسط»: «تمرّ العلاقات الإنسانية بحالات تمزج بين التحدي والصلابة والتئام الجراح. ومع تقنية (الميكسد ميديا)، أستخدم الخيوط الصوفية والورق والكرتون، محاوِلةً تصوير كيفية رتق هذه العلاقات وتصويبها، فأعيد إليها الحياة، وأمدّ بينها الجسور بأسلوب يدوي وحرفي».

وعن مدى انسجام لوحاتها مع عنوان المعرض، تقول: «هناك مشاركة دائمة بين اللبنانيين، رغم المحاولات الخارجة عن إرادتنا لتفريقنا. وفي لوحاتي، ألحم المكسور وأمحو آثار الجروح التي تسكننا؛ فميزتنا تكمن في قدرتنا على الوقوف من جديد».

وتطالعك، في أحد أركان المعرض، لوحة لإدغار مازجي بالأبيض والأسود، تحمل عنوان «مَن أطلق سراح القطة؟»، ورسمها بتقنية الأكريليك. وتطرح اللوحة تساؤلات عدّة من خلال امرأة يعلو رأسها هرّ، متّشحة بالصمت، وتقف وسط الطبيعة حاملة همومها، محاوِلةً تجاوز محنتها وحدها.

أما هيبت بلعة، فتتحدث عن العلاقة التي تجمع بين لوحتها «كوفي شوب» وتيمة المعرض، وتقول: «تمثّل لوحتي التواصل المباشر بين الناس في جلسة حول كوب من القهوة. وتتألف من أشخاص يتحركون ويدخلون المقهى ويخرجون منه، في تفاعل بارز فيما بينهم. حاول كثيرون كسر الألفة بين اللبنانيين أكثر من مرة، ورغبت في تقديم هذه المساحة النابضة بالشباب كي أبرهن العكس».

وسام بيضون يصنع من الصخور مشاهد حياة (الشرق الأوسط)

أما وسام بيضون، فيأخذ قطعة صخرية من الأرض ليقولبها بأسلوبه التشكيلي الخاص. وتحت عنوان «تكوين صخري»، يترجم منظراً من الطبيعة جرّده من ملامحه الحقيقية.

ويشرح: «عندما ننظر إلى الطبيعة ونتأمل تفاصيلها، تستوقفنا الصخور لأنها تتيح لخيالنا أن يراها كما يتراءى له. وبألوان شفافة وخافتة، حوّلت هذه الصخور إلى مادة مؤنسنة يمكن لكل شخص أن يفهمها بطريقة مختلفة. فبعضهم رأى فيها لقاءً بعد فراق، بينما رأى آخرون عناقاً بين أم وطفلها. وبذلك، تشكّل مساحة مشتركة لقراءات غير متشابهة».


مقالات ذات صلة

6 سمات تحدد مدى قوة علاقاتك العاطفية

يوميات الشرق للأصدقاء وكذلك للمحبين طقوسهم الخاصة مثل لقاء العشاء معاً كل يوم (بيكسلز)

6 سمات تحدد مدى قوة علاقاتك العاطفية

تحوُّل الإعجاب إلى شعور عاطفي بالحب في مرحلة ما من مراحل العلاقة أمر يدركه معظم الناس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)

سائح كندي خطف فلامنغو يواجه السجن 4 سنوات

صدر، الاثنين، حُكم بإدانة رجل كندي بتهمة إساءة معاملة الحيوانات، بعدما اختطف طائر فلامنغو يُدعى «بيتشي» من حظيرته في أحد أشهر فنادق لاس فيغاس.

«الشرق الأوسط» ( لاس فيغاس)
يوميات الشرق ألفا عام مرّا... ولم تُنهِ الجدران حديثها (أ.ب)

قصر روماني عمره 2000 عام يخرج من عزلته في بومبي

أُعلن الثلاثاء عن ترميم منزل أثري يُعتقد أنه أفخم المباني في موقع بومبي الأثري، بتمويل كامل من جهة مانحة خاصة، وبتكلفة بلغت 1.4 مليون يورو...

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
يوميات الشرق شعار هيئة البريد الأميركية (رويترز)

باكستاني يكبّد خدمة البريد الأميركية خسائر بعشرات الملايين من الدولارات بسبب طوابع مزيفة

ألقت باكستان القبض على رجل بناء على معلومات استخباراتية، يُتهم بإدارة نشاط عبر الإنترنت لبيع ملصقات بريدية مزيفة، تسبب في خسائر كبيرة لخدمة البريد الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لاهور (باكستان))
يوميات الشرق حتى العصور المنقرضة تترك وراءها شهوداً يصعب إسكاتهم (رويترز)

كهف في سيبيريا يبوح بسرّ عمره 250 ألف سنة

كشف كهف في سيبيريا، اشتهر بالعثور فيه على بقايا سلالة بشرية منقرضة تُعرف باسم «الدينيسوفان»، عاشت في أنحاء أوراسيا، عن أدلة جديدة على وجود ثديي ضخم...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، الذي احتفي باسم هاني شاكر رداً للجميل، «تعاطفاً واسعاً»، وكان لظهورها العلني عقب مرور 6 أشهر على رحليه وقْع مختلف على الحضور؛ كونها المرة الأولى التي تظهر فيها دون «شريك العمر»، بعدما كانت رفيقته الدائمة في جولاته وحفلاته، متصدرة الصفوف الأمامية لتستمع إليه وهو يغني «هو أنتِ لسه بتسألي».

وأضفى الظهور الأول لأرملة «أمير الغناء العربي» الذي اعتاد الوقوف على خشبات مسارح «الأوبرا المصرية» على الحفل شجناً عميقاً ومؤثراً بعدما وقفت مكانه لأول مرة، حيث سبقتها دموعها على استحياء؛ حرصاً على عدم إفساد أجواء الاحتفالية الأهم والأعرق بالدار.

أنوشكا في افتتاح المهرجان (دار الأوبرا المصرية)

لم تتحدث أرملة هاني شاكر باستفاضة لكنها تسلمت تكريمه، واكتفت بالشكر والثناء والإشارة لرغبته في ترك ذكرى طيبة لدى جمهوره ومحبيه، فتحولت أجواء الحفل لشعور موجع بالفقد، بعكس طبيعة حفلات هاني شاكر المليئة بالبهجة وأسلوبه الذي جسده في «علّي الضحكاية» كما اعتاد على ممازحة جمهوره حتى بات أسلوبه «ماركة مسجلة».

وبالتزامن مع إقامة أولى حفلات «الموسيقى العربية» أسدل الستار على كواليسه الشائكة بعد أن تجاوز أزماته المتتالية أخيراً، والتي شهدت جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية بسبب الاعتذارات والاعتراضات على ميزانية المهرجان ومواعيد الحفلات، وغيرها من الأسباب اللوجستية التي خرجت للعلن عقب انتهاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم للإعلان عن برنامجه اعتراضاً على بعض تصريحات رئيس الأوبرا المصرية.

من حفل افتتاح مهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

اللافت بالحفل وجود نخبة من أصوات الأوبرا المصرية الذين قدموا مجموعة من أغنيات هاني شاكر، ونالوا إعجاب الحضور، إلى جانب منشورات «سوشيالية» أشادت بأصواتهم، وهم: أشرف وليد، ومحمد طارق، وأحمد عصام، وأحمد سعيد، وياسر سعيد، ومحمد الخولي، وأحمد عفت، وأحمد صبري، وأحمد حسن، ومحمد حسن، الذين قدموا أغنيات من بينها: «الحلم الجميل»، و«لو بتحب حقيقي»، و«يا ريتني»، «نسيانك صعب أكيد»، و«أصاحب مين»، و«غلطة»، و«جرحى أنا».

وقدم محمد شاهين أغنية «يا ريتك معايا»، وغنت أنوشكا «أنا قلبي ليك»، كما تضمن برنامج الحفل تقديم نيفين رجب لأغنية جديدة بعنوان «فيه ناس بتغيب» إهداءً لاسم هاني شاكر، وبالختام غنت نادية مصطفى «مشتريكي»، «وكده برضه يا قمر» للفنان الراحل، وفي الختام الجماعي قُدمت الأغنية الوطنية «بلدي»، التي غناها شاكر عبر «ديو» جمعه بالفنان محمد ثروت الذي اعتذر عن الغناء بالمهرجان.

وفي كلمته بالافتتاح، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن المهرجان يجسد مكانة «الموسيقى العربية» في وجدان المصريين والعرب، كما حرص على تكريم نخبة من القامات بالمجال إلى جانب اسم هاني شاكر، والإعلان عن تدشين تمثال له في ساحة دار الأوبرا تكريماً وتخليداً لإبداعه.

نادية مصطفى وأنوشكا ونجوم الأوبرا خلال الافتتاح (دار الأوبرا المصرية)

وأشار الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، إلى أن المهرجان يجسد مكانة الموسيقى العربية في الوجدان، ويؤكد قدرتها على التواصل مع الأجيال، وصون الهوية والتراث، بينما أكد المايسترو محمد الموجي مدير المهرجان «أن الدورة الـ34 من (الموسيقى العربية) تواصل مسيرة الإبداع والاحتفاء بالطرب الأصيل».

من جانبه، أكد الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «مهرجان الموسيقى العربية من أهم الفعاليات المصرية الراقية التي تقام بأروقة الأوبرا المصرية العريقة»، لافتاً إلى أن المهرجان ليس فعالية فنية لاستضافة نجوم الغناء فقط، لكنه يحمل مسؤولية الحفاظ على التراث وإتاحة الفرصة للأصوات القادرة والمميزة، وفتح المجال أمام التجارب المعاصرة التي تمتلك مشروعاً فنياً.

وأشاد السماحي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بالأصوات الطربية المشاركة بالمهرجان من مصر والعالم العربي، مؤكداً قدرتها وتنوعها الكبير في المدارس الغنائية وأداء الأغنيات التراثية.

وتستمر ليالي «الموسيقى العربية» حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على مسارح الأوبرا بالقاهرة والإسكندرية، وتتضمن 24 حفلاً بمشاركة 91 فناناً، وتشمل الفعاليات ندوة ثقافية حول مسيرة هاني شاكر، بينما تمتد جلسات «المؤتمر العلمي» المصاحب لأربعة أيام بمشاركة 35 باحثاً من 15 دولة.


مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)
الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ (الشرق الأوسط)
TT

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)
الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ (الشرق الأوسط)

10 سنوات ولا تزال مسرحية «جوغينغ» التي كتبتها وتُمثّلها وتخرجها حنان الحاج علي، تجول عربياً وعالمياً، وتنتقل من الصين إلى سنغافورة، وأميركا، وكندا، ومدن أوروبية. كما نالت الحاج علي عن أدائها في المسرحية جوائز عدة، من بينها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «إدنبرة» - اسكوتلندا. وفي لبنان تجاوزت عروض «جوغينغ» 350 عرضاً، كان آخرها يوم السبت الماضي في مدينة طرابلس، ضمن برنامج «أسبوع مرسح الفني».

نجاح باهر، في بلد يُعرض فيه العمل المسرحي أسبوعاً، وإن حلَّق يستمر شهراً ثم يُحال إلى التقاعد. أما «جوغينغ» المتقشّفة، التي تعتمد على ممثلة واحدة، وخشبة عارية، وحضور يتجاوز الساعة لامرأة تروي حكايا ألمها وحيرتها في مدينة لم تعرف سوى الحرب والأسى منذ عقود، فيُقبل عليها الجمهور منذ سنوات. وهو عمل تجمع فيه الفنانة بين قصصها الشخصية؛ زوجةً وأماً وامرأةً، في مجتمع يُحكم شروطه عليها، وخلاصة تجربتها الفنية الغنية.

عندما ندخل صالة العرض نكتشف أن حنان الحاج علي سبقتنا إلى هناك. ها هي مستلقية على ظهرها على الخشبة، تقوم بحركات رياضية، مثل التي تمارسها النساء يومياً في حياتهن العادية، تردد ألفاظاً كأنها غرغرة، لتمرين جهاز النطق.

تراجيديا نسائية متعددة الرؤوس (مواقع التواصل)

تُعرّفنا الممثلة بنفسها بعد ذلك، وبأنها لبنانية أصيلة في خمسيناتها، شيعية تزوَّجت من شاب ماروني وسيم، تقصد بالطبع المسرحي القدير روجيه عساف، ولها 4 أولاد. هكذا يبدأ العمل، وكلّ شيء يوحي بأنك تستمع إلى قصة الممثلة الحقيقية.

من البداية ينكسر الحاجز بين الخشبة والجمهور. فلا نعرف في أي لحظة بدأت المسرحية بالفعل، هل عند دخولنا الصالة، أم بعد أن طلبت الممثلة من أحد الحاضرين أن يقرأ نصاً تمهيدياً، لتكرّ من بعده سبحة الكلام، على لسان هذه الحكواتية المحنَّكة وهي تتقمص شخصيات لنساء سمعت قصصهن، أو تأثرت بحكاياهن، وتدغم سيرهن بقصتها الشخصية.

نساء بينهن من تعيش بيننا، وأخريات تأتي بهن من تاريخ سحيق مثل «ميديا» التي تستحضرها من المسرح الإغريقي، وتراجيديا يوربيدس. المرأة التي تنتقم من زوجها بعد أن تخلى عنها من أجل أخرى، غير عابئ بتضحياتها العظيمة وتخليها عن أهلها من أجله. تقرر «ميديا» أن تنتقم حتى الثمالة، تتظاهر بالمسامحة والقبول، وترسل فستاناً مسموماً لغريمتها عربونَ رضا، وتقتلها. وإمعاناً في الانتقام من زوجها وخيانته، تقتل أيضاً ولديها كي تكويه بالحزن عليهما.

وهو ما يفتح باب السؤال عند حكواتيتنا: «كم ألف ميديا وميديا في هذا البلد وفي العالم؟». الرجال يقولون شعراً: «وطني يا موطن الرجال»، والنساء يدفعن الثمن.

مشهد من المسرحية (الشرق الأوسط)

جريمة «ميديا» وهي تقتل أطفالها تجعل الحزن والصدمة يخيمان على الحضور، لكن الحاج علي في معرض سردها للقصص، تؤكد لنا أن الفكرة راودتها شخصياً، أي أن تقتل ابنها، عندما أُصيب بسرطان العظام، وهو في السابعة من عمره، وصار يصرخ ألماً؛ طلباً للخلاص.

كانت تلازم ولدها في المستشفى، وتخرج لممارسة المشي السريع في شوارع بيروت لبعض الوقت كي تتمكن من الاستمرار في العناية به. في لحظات الهرولة تتدفَّق الأفكار إلى رأسها، إذ خطر لها أن تخنق ابنها بوسادة تضعها على وجهه وتريحه من الألم. القتل حباً هو إحدى ثيمات المسرحية ومفارقاتها. فهي مبنية على مقاربة المتناقضات، والجمع بين الجدّ والهزل، الواقعي والفانتازي، الشكّ واليقين، الخيال والعقل. فهي تركض والحكايات تتداعى كأنما خيالها هو أيضاً يهرول في رحلة داخل الزمن.

لا تتوقَّف حنان الحاج علي عن تقمُّص أدوارٍ متوالية لشخصيات مختلفة (الشرق الأوسط)

نساء عدّة، تعيدنا إليهن الحكواتية في قصّ متشابك، تقفز فيه من حكاية إلى أخرى، جيئة وذهاباً بمرونة تتوافق وليونتها الجسدية، عندما تمارس رياضتها على الخشبة.

تُحدثنا الحاج علي تارةً عن نفسها، وأخرى عن «ميديا»، أو عن بيروت التي تشبه أي امرأة مخدوعة تمارس ثأرها، عن «إيفون» الرهيبة التي دسّت السم لبناتها الثلاث، وسجَّلت فيلماً يوثّق فعلتها. لكن الفيلم اختفى من أيدي المحقّقين، كما تختفي إثباتات كثيرة، حين يفضّل القضاء أن يغضَّ الطرف عن فعلة شنيعة. الأهم أن «إيفون» قتلت نفسها وبناتها لا كرهاً بهنّ، بل حبّاً، كي لا يعشن العذاب الذي عانته. بالمختصر هي بقتلهن تؤمّن لهن مستقبلهن.

كلّما بلغت السوداوية ذروتها، تجد الفنانة لمتفرّجها متنفَّساً صغيراً يُخرجه من كمده. عندما تشعر أن الحزن فاض بك، والتأثر طحنك وقد توالت عمليات قتل الأمهات لأولادهن، وهذه قمة في التراجيديا الإنسانية، خصوصاً مع «إيفون»، التي وضعت السمّ في سلطة الفاكهة لبناتها، تضحك حنان الحاج علي وتخبرنا بمنتهى البراءة بأنها أعدّت لنا، نحن الحضور، أشهى سلطة فاكهة يمكن أن نتذوقها. وقد خصصت ركناً صغيراً من الخشبة الفارغة، لتضع بعض مستلزماتها التمثيلية. ترينا ونحن نتفرج بتعجب علباً بلاستيكية شفافة، تحتوي على فاكهة مقطّعة؛ شهية بألوانها وطازجة بشكلها. تُحضّر الفنانة السَّلَطَة لجمهورها وتوزعها علينا في أوعية صغيرة، وهي تطلب منَّا التهامها. وإمعاناً في السخرية تضيف نقاطاً من السمّ القاتل.

لا تتوقَّف حنان الحاج علي عن تقمّص أدوار متوالية لشخصيات مختلفة، ولا تتردَّد في الخروج من دور حين يخطر لها ذلك، لتخاطب الجمهور كأنها منهم. مرة تختار مَن يقرأ رسالة، ومرة أخرى تسأل عن المتفرّج الذي يمكن أن يساعدها لاستكمال تمارينها الرياضية. وبين الفينة والأخرى، تطرح سؤالاً على الحضور، أو تُغيّر الأجواء بنكتة أو سخرية، ولا بأس بفتح حوار طويل بعد انتهاء العرض أيضاً.

«الكْرِيْم والفاكهة» جزء من العرض (الشرق الأوسط)

ولتكتمل المأساة لا بدّ من «زهرة». المرأة الجنوبية التي فقدت ولديها عام 2006 في الحرب الإسرائيلية على لبنان، ثم قُتل الثالث بعد أن دُفع به للقتال في سوريا عام 2013. هناك شَعَرَ الابن بأنه خُدع وحاول التراجع فقُضي عليه.

المسرحية كلّها قائمة على مزاوجة المتناقضات. المرأة الأم التي يُفترض أنها فيض حنان، تقتل أطفالها، المسرح في حالته الخيالية الأكثر تجلياً تكسره واقعية فجّة، والشك مشوب باليقين، والدراما تختلط بالسخرية الهزلية، واللباس الأسود يصبح أكثر سواداً حين تتشح الممثلة بالأحمر القاني مثل الدم. الهرولة المستمرّة، «جوغينغ»، التي تمارسها حكواتيتنا هي في عمقها عملية هروب من ثبات مميت.


«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)
TT

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني، عبر بطله «سمعان»، الشاب المسيحي الذي يعمل كحارس أمن بإحدى البنايات الكبيرة بوسط القاهرة، ويقيم أعلى سطحها، غير أن حادثاً وقع له في طفولته شكل شخصيته، وجعله مستسلماً، وغير قادر على مواجهة الآخرين، في ظل كثير من التجاوزات التي يتعرض لها، مثلما يقول في حواره بالفيلم: «لم أخطط لإرث مهنة والدي كحارس أمن للعمارة، وقد قال لي إن حارس الأمن يجب أن يكون أميناً، ومطيعاً، لكنني أضفت لها الخوف»، هذا الأب الذي شهد «سمعان» مقتله منذ 10 سنوات خلال وجوده بصحبته بدولة ليبيا للعمل بها، حيث يتم ذبحه من قبل تنظيمات إرهابية، لا لشيء سوى لكونه مسيحياً، فيتساءل بين نفسه لماذا لم يقتلوني معه؟

وعُرض فيلم «خروج آمن» لأول مرة بمصر الثلاثاء، بصفته الفيلم الوحيد الذي يمثل مصر بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان «الجونة السينمائي»، وهو من تأليف وإخراج محمد حماد.

يرضخ «سمعان» لإخفاء شاب متطرف يسكن العقار، وينبهه في إحدى المرات إلى وصول الشرطة، فتمنحه والدة الشاب المتطرف أموالاً، وحذاءً جديداً، كما يرضخ لطلب زميله «عمّار» لإيواء امرأة مسلمة مريضة حتى تعاود طبيباً بالعقار نفسه، فتقيم بغرفة شقيقه الذي تم سجنه بعد أن قام بالاعتداء على نجل شخصية نافذة، تنجح المرأة التي يرفض «سمعان» وجودها منذ البداية في تغيير كبير بحياته، دون أن تقصد، فيبدأ في مواجهة مخاوفه لأول مرة.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد الأربعاء بحضور مخرج الفيلم محمد حماد ومنتجته خلود سعد، قال حماد إن فيلم «خروج آمن» يدعو للتسامح، كوننا نعيش تحت سماء واحدة اسمها الإنسانية، مؤكداً أنه ضد فكرة العنف لأي سبب، لافتاً إلى أن صعوبات «خروج آمن» هي من صنعت هذا الفيلم.

ملصق فيلم «خروج آمن» (الشركة المنتجة)

وحول الإيقاع الهادئ والبطيء بالفيلم، قال إن لكل إنسان في الحياة إيقاعاً، وإن إيقاع الفيلم يمثل تعاطيه هو شخصياً مع الحياة، وأضاف أنه يصنع أفلاماً «هاند ميد» تتطلب هذا الإيقاع، وأكد على كتابته للسيناريو قبل التصوير، وضبطه أولاً، مشدداً على أن الأفلام المستقلة في مصر لا تواجه أزمة إنتاجية، بدليل عرض 8 أفلام مصرية مستقلة هذا العام، إلى جانب نحو مائتي فيلم قصير سنوياً، لكن الأزمة أنها لا تحصل على اعتراف من الموزعين لكي يتصدوا لتوزيعها، مما يؤثر على فرص عرضها.

واستعان محمد حماد في بطولة الفيلم بممثلين غير محترفين، وهم: عمر مروان، ونهى فؤاد، وحازم عصام، ويوسف مصيلحي، إلى جانب الفنانة ماجدة منير، وقال إن 90 في المائة من ممثليه يخوضون تجربتهم الأولى بالفيلم، مما جعله يجري بروفات للممثلين على مدى 9 أشهر «بشكل متقطع»، كما لو كانت بروفات مسرح، على أن تكون في موقع التصوير، لأجل تحقيق المعايشة، وبرغم أن هذا يستغرق وقتاً، لكنه يمثل أهمية كبيرة بالنسبة له، ولهم.

اختيار الممثلين

وأشار حماد إلى أن مقياس اختياره للممثل هو أن يكون أفضل شخص مناسب للدور، سواء كان ممثلاً معروفاً، أو كان يمثل لأول مرة، لكنه يضع شرطاً أساسياً لكل من يعمل معه وهو «الالتزام، والتفرغ التام» للفيلم، كما لا بد أن يشعر كل مشارك بالفيلم كأنه المؤلف، والمخرج، والمنتج.

فيما تحدثت المنتجة خلود سعد عن ظروف إنتاج الفيلم قائلة إنهم بدأوا التصوير لفترة، ثم توقفوا للبحث عن تمويل، وقد أرسلت مشاهد من الفيلم لـ3 جهات مانحة، وسرعان ما تلقوا موافقتهم، كما أنهوا مرحلة ما بعد الإنتاج بمشاركة كل من المنتجة التونسية دروة بوشوشة، والمخرج إبراهيم بطوط، والمونتيرة دينا فاروق، لافتة إلى أن صناعة السينما تمر بمشكلات عديدة، لا سيما الأفلام المستقلة، موجهة نداء لشركات التوزيع لمنحهم فرصة جيدة لعرض أفلامهم، وترك الحكم عليها للجمهور.

ويعد فيلم «خروج آمن» إنتاجاً مشتركاً بين مصر، وقطر، وألمانيا، وتونس، وليبيا، وكان قد شهد مهرجان برلين عرضه الأول ضمن «قسم البانوراما»، كما شارك بمهرجانات «مونبلييه»، و«شانغهاي»، و«ميلانو»، و«كولونيا» بألمانيا، ويترقب جولة جديدة بالمهرجانات.

لقطة من فيلم «خروج آمن» (الشركة المنتجة)

وعَد الناقد محمود موسى «خروج آمن» أحد أهم الأفلام التي تتميز بالجرأة الفكرية، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «محمد حماد كمؤلف ومخرج قدم رؤية فنية تُحفز على التفكير، والتفاعل، فقد وضعنا في قلب عالم بطله المحاط بالمعاناة الشخصية التي توارث جانباً منها، وتحت الضغوط الأسرية والاجتماعية والنفسية التي تحيط به، وما بها من قلق، وخوف، فأدخلنا لكل عوالمه».

وأشار موسى إلى أن «أبرز نقاط قوة هذا الفيلم تتمثل في قدرة محمد حماد على تقديم معالجة إبداعية تكسر الحواجز، وتناقش موضوعات حساسة بأسلوب سلس، بعيداً عن النمطية، أو الخطابات السياسية، وقد خرجنا جميعاً من الفيلم بـ(خروج آمن)»، لافتاً إلى أن «حماد مُبدع لا يبحث عن الشهرة الإعلامية، أو السينمائية، بل يركز على مشروعه السينمائي الخاص، متمسكاً برأيه ورؤيته حتى لو استغرق الأمر سنوات من الغياب كما حدث مع هذا الفيلم.

ولفت إلى أن الفيلم يستحق المشاهدة أكثر من مرة، لما يتناوله من قضايا شديدة التعقيد، ويغوص بذكاء ونعومة في قضايا تتناول التشوهات الفكرية، والدينية، والاجتماعية.

وبعد 10 سنوات من الروائي الطويل الأول «أخضر يابس» عام 2016 الذي شارك بمهرجان لوكارنو السينمائي، يقدم حماد فيلمه الثاني «خروج آمن»، فيما أخرج منذ عام 2005 عدداً من الأفلام القصيرة، من بينها «الجنيه الخامس»، «سنترال»، «أحمر باهت»، و«غطاس عبده فانوس».