أكد المخرج المصري يحيى إسماعيل أن التحدي الأكبر الذي واجهه في مسلسل «تحت السن» تمثّل في كيفية جعل الحدث الرئيسي، المتمثل في اختفاء طالبة، محرّكاً درامياً لا يهدأ. ولم تكن عملية توزيع الشكوك بين الشخصيات مجرد خدعة بصرية أو لعبة «مَن القاتل؟» التقليدية، بل كانت تشريحاً نفسياً لجميع المحيطين بها.
لذلك، حرص على أن تحمل كل شخصية دوافعها الخاصة، المبرَّرة وغير المبرَّرة، حتى يرى المشاهد فيها متهماً محتملاً. وكان هذا التوزيع المدروس للشبهات بمثابة حبل مشدود يسير عليه الجمهور، ما أسهم في الحفاظ على حالة التشويق، وحوَّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتحقيق والتحليل طوال فترة عرض المسلسل.
وقال إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتراب من عالم المراهقين أشبه بالاقتراب من حقل ألغام؛ لذلك اخترت، منذ اللحظة الأولى، المعالجة الواقعية الصادمة بدلاً من الوعظ المباشر. وما قُدِّم في العمل لا يحمل مبالغات درامية، كما أشار البعض، وإنما يُعد انعكاساً لما يحدث في الغرف المغلقة وعبر شاشات الهواتف الذكية لدى هذا الجيل».
وأوضح أنه من المخرجين الذين يشاركون في كتابة أعمالهم، ولا سيما في تحديد ملامح الشخصيات ومسارات تطورها، خصوصاً أن لديه خلفية في علم النفس. ولفت إلى أن نجلاء الحديني وسمر عبد الناصر، من فريق العمل في منصة «شاهد»، كانتا من العناصر الأساسية في تطوير النص. وشارك في ورشة الكتابة كل من مينا بباوي ومحمد السوري، بإشراف أمين جمال، وكانوا جميعاً على وعي بمشكلات المراهقين.
وأضاف أن رهانه على بطلات من جيل الشباب كان ممتعاً وصعباً في آنٍ واحد، مشيراً إلى أن المزج بين هذا الجيل وجيل الممثلين الكبار أضفى ثقلاً درامياً وعمقاً على المشاهد المشتركة بينهم، وشكّل عنصراً محورياً في نجاح العمل.
وعن فلسفته في توزيع الأدوار، قال: «لكل دور شخصية مستقلة. ففي شخصية (مريم)، مثلاً، كنت أبحث عن نظرة عين محددة تحمل براءة إنسانة ترى الدنيا للمرة الأولى ثم تصطدم بالواقع. ورُشحت أكثر من فنانة للدور، إلى أن وقع الاختيار على جيسيكا حسام».
وأضاف: «وفي شخصية (نودي)، التي جسدتها ريم المصري، كنت أبحث عن نوع من الجمال الذي نراه في القرى، ويجذب رجلاً أكبر منها إلى الارتباط بها. أما في شخصية (ملك)، التي جسدتها ترنيم هاني، فبحثت عن فتاة تشعر، بمجرد رؤيتها، بالشفقة تجاهها، على الرغم من أن تصرفاتها قد تكون شرسة أو تثير شيئاً من النفور».

وتابع المخرج المصري: «أما في شخصية (جودي)، فكان هدفي العثور على فتاة ذات ملامح هادئة وجميلة، لكنها تحمل في داخلها مشاعر وتصرفات ذكورية وغضباً مكتوماً، إلى أن وقع الاختيار على جودي مسعود. وبالنسبة إلى شخصية (هنا)، كنت أبحث عن وجه تبدو ملامحه جامدة طوال الوقت، وقد جسدتها جيداء منصور كما تصورتها».
وعن استخدامه المكثف لتقنية «الفلاش باك» في العمل، قال إنها لم تكن ترفاً إخراجياً أو وسيلة لملء الفراغ الزمني، بل كانت الأداة البنائية الوحيدة القادرة على فك شفرة مأساة «هنا» في مسلسل يقوم على لغز اختفاء؛ إذ يصبح الماضي المفتاح الوحيد لفهم الحاضر، ويعيش المشاهد حالة التشتت والبحث نفسها التي تعيشها الشخصيات.
وعن الرأي القائل إن العمل موجّه إلى أولياء الأمور، قال إنه لا يحب تقديم أعمال موجّهة إلى فئة بعينها، وإنما يحرص على تقديم قصة ممتعة تقوم على حكي جذاب، وتناسب مشاهدين من فئات عمرية مختلفة. وأضاف أن ذلك لا يمنع وجود صرخة تحذيرية يوجّهها العمل إلى الآباء، مفادها: «راقبوا أولادكم من دون كبت حريتهم، وكونوا ملاذهم الآمن، حتى لا يقعوا فريسة للتنمر الإلكتروني والخداع عبر منصات التواصل الاجتماعي».
وعن إمكانية إنتاج جزء ثانٍ من المسلسل، قال إن «الفكرة لم تُطرح رسمياً، على الرغم من أن العمل يحتمل تقديم جزء جديد، سواء من خلال موضوعه أو بمواصلة حكاية شلة الفتيات بعد دخولهن الجامعة، خصوصاً أن قضايا الفتيات في هذه السن تحتمل كثيراً من المعالجات الدرامية الجذابة».

وكان المخرج يحيى إسماعيل يعمل مهندساً معمارياً، قبل أن يبدأ مسيرته الفنية عام 2004 مصممَ غرافيك، ثم تدرّج ليصبح مديراً إبداعياً في وكالات إعلانية كبرى. وأمضى أكثر من 15 عاماً في هذا المجال، قبل أن يقدّم أعمالاً من بينها مسلسل «ريفو» بجزأيه الأول والثاني، الذي عدّه نقاد من أفضل المسلسلات الرقمية في السنوات الأخيرة، إلى جانب «زينهم» و«توابع».
وأوضح أنه يفكر في خوض تجربة الإخراج السينمائي من خلال أعمال عدَّة معروضة عليه، لكنه لم يستقر على أيّ منها بعد.





