«هل لاحظت وجودي؟!»... دعوة لاقتناص السعادة وسط هموم الحياة

معرض للفنانة المصرية فرح سلامة بمتحف أحمد شوقي

فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)
فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)
TT

«هل لاحظت وجودي؟!»... دعوة لاقتناص السعادة وسط هموم الحياة

فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)
فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)

يُجسِّد عنوان معرض الفنانة المصرية الشابة فرح سلامة، «هل لاحظت وجودي؟»، واقع الإنسان الذي قد يعيش سنوات طويلة بين الناس، فيما تبقى مشاعره ومخاوفه وأعباؤه مختبئة خلف طبقات لا يراها أحد، وربما لا يشعر أحد بوجوده هو نفسه.

في معرض فرح، المقام في مركز «كرمة ابن هانئ» داخل متحف أحمد شوقي، والمستمر حتى 15 أغسطس (آب) الحالي، لا ينبغي أن تبحث عن الإبهار البصري بقدر ما عليك اغتنام ما يتيحه أمامك من سكون ومساحة للتأمل.

ذلك أن كل لوحة تبدو كأنها محطة من محطات الحياة اليومية؛ لقاء عابر، أو وجع صامت، أو ذكرى لم تكتمل، أو محاولة جديدة للخروج من منطقة الاختباء إلى فضاء أكثر اتساعاً.

الفنانة الشابة فرح سلامة (الشرق الأوسط)

وعلى الرغم من تنوع مفردات المعرض، تبقى السمكة بطلة المشهد؛ فهي لا تظهر بوصفها كائناً مائياً فحسب، بل تتحول إلى سيرة ذاتية مرسومة، وإلى مرآة يمكن أن يرى فيها كل متلقٍّ شيئاً من نفسه.

ويتلاقى ذلك مع رؤية عالم النفس السويسري كارل يونغ إلى السمكة بوصفها أحد أقدم رموز اللاوعي. ففي لوحات فرح، تُصبح السمكة جزءاً لا يتجزأ من العمل، كاشفةً عن معانٍ رمزية عميقة تتشابك مع الذات والثقافة.

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن اختياري السمكة، تحديداً، رمزاً أساسياً في معظم الأعمال وليد المصادفة؛ بل لأنها تُعبِّر عن ذاتي، وفي الوقت نفسه يمكن لأي شخص أن يجد نفسه فيها، حتى لو كان ذلك لا شعورياً».

وتشير إلى الحضور البارز للسمكة في الحضارات، لا سيما الحضارة المصرية القديمة، وإلى تحوُّلها إلى رمز متكرر في تاريخ الفن على مر عصوره.

وتوضح فرح: «استطعت التعبير، من خلال السمكة، عما يختلج في داخلي؛ فهي تشكّل اللغة التي أقول بها ما يصعب شرحه بالكلمات».

تسبح الأسماك في أعمالها، التي تتجاوز العشرين لوحة، لكنها لا تكون دائماً مرئية؛ فأحياناً تتوارى بين عناصر اللوحة، وأحياناً أخرى لا تشغل سوى مساحة صغيرة، رغم أنها مركز الحكاية كلها.

اللفائف ترمز إلى أشياء كثيرة تحاصر الإنسان المعاصر (الشرق الأوسط)

وتكتسب هذه الفكرة بُعداً أكثر وضوحاً في لوحة «الرحيل»، التي اختارتها الفنانة ملصقاً للمعرض؛ إذ تظهر فيها سمكة ملفوفة إلى جوار شخص يبدو جزء من جسده مغطى بالطريقة نفسها. ويبرز جزء من جسم السمكة مجسّماً، باستخدام مادة الفوم، وخارجاً من إطار اللوحة، وهو أسلوب تكرر في عمل آخر، في إشارة إلى تأكيد الحضور رغم عدم اعتراف البعض به.

وتتكرر فوق أجساد تلك الأسماك لفائف من القماش، حتى تبدو أحياناً كأنها مومياوات خرجت من زمن بعيد، أو أجساداً تنتظر طقساً أخيراً من طقوس الوداع. غير أن هذا الالتفاف لا يحيل إلى الموت بقدر ما يشير إلى ما يثقل كاهل الإنسان في حياته.

ووفق رؤيتها، فإن «اللفائف ترمز إلى أشياء كثيرة تحاصرنا وتضيِّق الخناق علينا، وتوقفنا وتجعلنا نتراجع خطوات إلى الوراء، لكنها لا ينبغي أن تدفعنا إلى الخوف من المواجهة أو من إثبات حضورنا في الحياة».

وبين اللفائف والأسماك، يبدو الإنسان في أعمال سلامة محاصراً بما يختاره أحياناً، وبما يُفرض عليه أحياناً أخرى. وقد تكون تلك الأغطية أوهاماً، أو ضغوطاً، أو أقنعة اعتاد ارتداءها حتى أصبحت جزءاً منه.

البلياتشو رمز للحزن المختبئ (الشرق الأوسط)

ولعل أكثر الشخصيات تعبيراً عن هذه الفكرة شخصية «البلياتشو»، التي يتكرر حضورها في عدد من اللوحات؛ فهو لا يأتي شخصية مرحة، بل رمزاً لذلك الإنسان الذي يبتسم، في حين يحمل في داخله ما لا يراه الآخرون.

تقول الفنانة: «يُضحك البلياتشو الناس، لكننا لا نعرف ما يجري في حياته، ولا حجم الحزن الذي يخفيه؛ فليس بالضرورة أن يكون سعيداً كما يبدو».

وتضيف أن هذه الشخصية تمنحها حرية كبيرة في الرسم؛ لأنها تمثل حالة إنسانية يعيشها الجميع بدرجات متفاوتة؛ حالة يحاول فيها المرء أن يبدو بخير، فيما يخوض في داخله معركة لا يسمع صوتها أحد.

وفي السياق نفسه، تحتفي الأعمال بالملجأ النفسي الذي توفره ذكريات الطفولة. فعلى سبيل المثال، تواصل القوارب الورقية في أعمال سلامة الإبحار نيابة عنا، حاملة معها بهجة اللعب وآفاق الخيال اللامتناهية.

وباستحضار تلك الذكريات، نتحرر للحظات من هموم الحياة المعاصرة وسرعتها وضجيجها، ونتواصل من جديد مع نوع من السعادة لا يناله إلا من يمنح نفسه فرصة لإحياء قدرته على التأمل والدهشة.

تقول فرح: «تمنحني المراكب الورقية إحساساً كبيراً بالحرية؛ فكلنا صنعناها في طفولتنا، وهي خفيفة جداً، ويمكن وضعها في أي مكان لتنطلق. هذا الإحساس بالانسياب هو ما يشغلني أكثر من فكرة البحر نفسها».

ولا تنشغل سلامة كثيراً بتحديد المدرسة الفنية التي تنتمي إليها أعمالها؛ فلوحاتها تتحرك بحرية بين الواقع والسريالية، وتجمع بين الشخوص والرموز، وبين الخيال وتفاصيل الحياة اليومية.

عيون الأسماك ونظراتها لا تبدو تفصيلاً تشكيلياً عابراً (الشرق الأوسط)

وحتى عيون الأسماك ونظراتها لا تبدو تفصيلاً تشكيلياً عابراً، بل تتحول إلى لغة كاملة؛ فهي تحدّق في المشاهد كما لو كانت تريد أن تتحدث، فيما تغيب تماماً في بعض اللوحات.

تقول: «اعتدنا أن تكون العيون وسيلة للتعبير لدى البشر، لكنني أحببت أن تتكلم السمكة أيضاً. ففي بعض الأعمال استخدمت عيناً أكثر واقعية؛ لأنني شعرت بأنني بدأت أتحدث عن نفسي بصورة مباشرة، فيما أخفيت العين في لوحة أخرى لأنها كانت سمكة خفية».

وبين سمكة تتوارى داخل اللوحة، و«بلياتشو» يخفي حزنه خلف ابتسامته، وقارب ورقي يواصل الإبحار في ذاكرة الطفولة، تنجح فرح عمرو سلامة في تحويل سؤال معرضها إلى تجربة وجدانية تتجاوز كونه مجرد عنوان فني.


مقالات ذات صلة

«إجازة فن»... 22 فناناً يروّجون للغردقة بالريشة

يوميات الشرق لوحة في المعرض تُجسّد البيئة الساحلية (الشرق الأوسط)

«إجازة فن»... 22 فناناً يروّجون للغردقة بالريشة

المعرض تجربة فنّية وسياحية جمعت بين الإبداع التشكيلي والترويج للمقصد السياحي المصري.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض تستلهم القضية الفلسطينية من منظور مصري يحتفي بالإنسان قبل الحدث (الشرق الأوسط)

«جذور بلا أوراق»... معرض مصري يستدعي فلسطين عبر رموز إنسانية

لا يجد زائر معرض «جذور بلا أوراق» للفنان المصري هاني رزق نفسه أمام صور مألوفة للحرب، أو مفردات بصرية مكررة اعتادت بعض الأعمال الفنية توظيفها عند تناول فلسطين.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق لو أنّ الشوارع تضحك... لبدت هكذا (آرت أوف لندن)

رسومات خرجت من الدفتر وغزت شوارع لندن

ظهرت 5 مجسّمات عملاقة أبدعها الفنان «مستر دودل» في أنحاء حيّ ويست إند بلندن، وذلك في إطار مسار فنّي عام جديد يُتاح مجاناً للجمهور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت مزيجاً من الحضارتين الصينية والمصرية القديمة (دار الأوبرا المصرية)

حروف الصين تُحاور «الفراعنة» في القاهرة

عكست محتويات المعرض عمق الموروث الثقافي الصيني وتنوّعه، ليقدّم تجربة ثقافية تسهم في توثيق أواصر الصداقة بين مصر والصين...

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من عرض «خيوط ذهبية» (الشرق الأوسط)

«خيوط من ذهب»... ثياب من نجد تتألق في متحف فيكتوريا آند ألبرت

ثياب نسائية من نجد ترافقها رسومات للفنانة السعودية صفية بن زقر وصورة تاريخية لفتاة أوروبية في مدينة جدة تأخذ زائر «جميل غاليري للفن الإسلامي» من لندن للسعودية.

عبير مشخص (لندن)