نصفهم يعاني «فقراً غذائياً»... أطفال ليبيا يدفعون فاتورة الانقسام

مسح حكومي يُظهر فجوة صادمة

الدبيبة مع مجموعة من الأطفال خلال افتتاح حديقة الحيوان بطرابلس في مارس الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مع مجموعة من الأطفال خلال افتتاح حديقة الحيوان بطرابلس في مارس الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

نصفهم يعاني «فقراً غذائياً»... أطفال ليبيا يدفعون فاتورة الانقسام

الدبيبة مع مجموعة من الأطفال خلال افتتاح حديقة الحيوان بطرابلس في مارس الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مع مجموعة من الأطفال خلال افتتاح حديقة الحيوان بطرابلس في مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

لا تبدو أزمة الغذاء في ليبيا مجرد مشكلة مرتبطة بارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية؛ إذ شرعت آثارها تظهر في صحة الأطفال ونمط حياتهم اليومية، بعدما كشفت نتائج مسح حكومي حديث أن نحو نصفهم يعيشون في حالة «فقر غذائي»، فيما بدا لمراقبين أن هؤلاء الأطفال يدفعون فاتورة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت على مدى سنوات الانقسام السياسي.

ولا تنفصل هذه الأزمة المعيشية عن المشهد الغارق في الفوضى منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011؛ إذ تعاني البلاد انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين؛ إحداهما حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد وجنوبها.

تغذية «غير متوازنة»

في عيادات الأسنان، يمكن للطبيب الليبي خالد الشارف أن يلمس جانباً من هذه التداعيات؛ إذ يتابع مشكلات متكررة لدى الأطفال تتعلق بصحة الأسنان واللثة، إلى جانب اضطرابات في نمو وتطور عظام الفكين.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال الشارف، وهو ناشط سياسي مهتم بالشأن العام، إن هذه المشكلات «متعددة الأسباب»، لكن «التغذية غير المتوازنة ونقص بعض العناصر الغذائية يمكن أن يكونا من العوامل المؤثرة فيها».

ولا تتوقف خطورة هذه المؤشرات، وفق الشارف، عند حدود ما يحصل عليه الطفل من طعام يومياً؛ إذ يرى أن أرقام الفقر الغذائي «قد لا تعكس فقط عجز الأسرة عن توفير الغذاء، بل تعكس آثاراً صحية قد ترافق جيلاً كاملاً». وحمَّل الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد جانباً من المسؤولية عن هذا الواقع.

تلميذات يمارسن رياضة نطّ الحبل في ملعب مدرسة بمنطقة جنزور شرق طرابلس في 2017 (موقع اليونيسف)

وتضع الأرقام الرسمية هذه المخاوف في إطار أكثر وضوحاً؛ فبحسب نتائج مسح حكومي نشرته مصلحة الإحصاء والتعداد في طرابلس مؤخراً، بلغت نسبة الأطفال الذين يعيشون في فقر غذائي 49.9 في المائة، في حين لم تتجاوز نسبة من حصلوا على الحد الأدنى المقبول من الوجبات الغذائية 29.6 في المائة.

وتكشف تفاصيل المسح فجوة أكثر إثارة للقلق في النظام الغذائي للأطفال؛ إذ أظهرت النتائج أن نحو 40 في المائة من الأطفال بين عامين وستة أعوام لم يتناولوا البيض أو اللحوم في اليوم السابق للاستطلاع، وهي أطعمة ترتبط بتوفير البروتين والعناصر الغذائية الضرورية للنمو.

الضغوط الاقتصادية

ومن زاوية اقتصادية، يرى رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، أن هذه النسب لا تمثل مبالغة في توصيف الواقع، بل تعكس مشكلة حقيقية، و«قد يكون الواقع أصعب بكثير» من الصورة التي تظهرها الإحصاءات.

وعزا المشكلة إلى ما قبل سقوط نظام القذافي، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المُرتبات كانت محدودة، وسلة الغذاء غير متنوعة»، مع اعتماد أكبر على النشويات والدهون مقابل الحصول المحدود على وجبات أكثر تنوعاً وقيمة غذائية وصحية. لكن ما كان يمثل مشكلة معيشية في السابق اكتسب بعد عام 2011 أبعاداً أكثر تعقيداً؛ إذ يقول بوزعكوك إن الأزمات الأمنية والاقتصادية المتلاحقة، إلى جانب تآكل القوة الشرائية للدينار الليبي، عمّقت الضغوط الواقعة على الأسر وقدرتها على توفير غذاء متوازن لأطفالها.

وتعكس الفجوة بين دخل الأسرة وتكلفة احتياجاتها اليومية جانباً من هذه المعادلة؛ فبحسب دراسة أجراها «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، تحتاج الأسرة الليبية إلى دخل شهري لا يقل عن 5 آلاف دينار لمواجهة أعباء المعيشة، في حين يبلغ متوسط الدخل نحو 1500 دينار، وفق الدراسة.

ومع كل ارتفاع في تكاليف المعيشة، تصبح مائدة الأسرة الليبية ساحة أخرى لضغوط الاقتصاد؛ إذ بلغ معدل التضخم في ليبيا 12.7 في المائة حتى نهاية يونيو (حزيران) 2026، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، رغم تراجعه بنحو 1.3 نقطة مئوية مقارنة بشهر مايو (أيار).

وسبق هذه الأرقام تحذير صندوق النقد الدولي، في أبريل (نيسان) الماضي، من أن التضخم في ليبيا سيظل في خانة العشرات على المدى المتوسط، في ظل الضغوط المرتبطة بسعر الصرف.

وبالنسبة إلى بوزعكوك، فإن المشكلة لا تنتهي عند حدود ما يوضع على مائدة الطعام؛ إذ تمتد تداعيات الأزمة الاقتصادية إلى تفاصيل أخرى في حياة الأطفال، من بينها قدرتهم على المشاركة في الأنشطة المدرسية، مشيراً إلى أن بعض الأطفال، خصوصاً في أكثر الأسر احتياجاً، حُرموا من أنشطة أساسية، ومنها حصص التربية الرياضية.

ومن هنا، يرى بوزعكوك أن الفقر الغذائي يجب ألا يُقرأ باعتباره مؤشراً منفرداً، بل باعتباره جزءاً من سلسلة أوسع من الضغوط التي تواجه الأسرة الليبية، محذراً من أن استمرار الأزمات المعيشية قد يترك آثاراً طويلة الأمد على صحة الأطفال وتعليمهم واندماجهم الاجتماعي.

«ثقافة التغذية»

وتتسع الصورة عندما توضع هذه المؤشرات في سياق تكرار التحذيرات الدولية خلال سنوات سابقة؛ إذ سبق أن حذرت منظمات، من بينها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، من استمرار تحديات انعدام الأمن الغذائي والفقر وسوء التغذية في ليبيا.

وفي المقابل، لا ترى أخصائية التغذية الدكتورة هبة الشيباني أن المشكلة تكمن في ندرة الطعام داخل ليبيا؛ فهي تعتبر أن بلادها غنية و«تتمتع بتنوع غذائي جيد»، مشيرة إلى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت «زيادة واضحة في ثقافة التغذية»، وأنه أصبح هناك اهتمام أكبر بالصحة ونوعية الطعام وتأثيره على الجسم.

وتضع أخصائية التغذية يدها على جانب آخر من المشكلة؛ إذ تقول إن «المشكلة لا تكمن في توفر الغذاء، لكن في العادات الغذائية، وطريقة اختيار نوعية الأطعمة، وكميات الاستهلاك».

يشار إلى أن الفقر الغذائي يرتبط بقدرة الأفراد والأسر على الحصول بصورة منتظمة على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ، يلبي احتياجاتهم وتفضيلاتهم الغذائية. وتُعرّف منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) هذه الحالة ضمن مفهوم «انعدام الأمن الغذائي».


مقالات ذات صلة

تباين ليبي حول قدرة اتفاق «4+4» على التمهيد لإجراء الانتخابات

شمال افريقيا المشاركون في احتفالية إطلاق اتفاق لجنة «4+4» في جنزور الليبية في 30 أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

تباين ليبي حول قدرة اتفاق «4+4» على التمهيد لإجراء الانتخابات

في الوقت الذي يُفترض فيه أن يمهد اتفاق «4+4» لإجراء الانتخابات الليبية خلال عامين، تسود الشكوك حول التزام الأطراف الفاعلة بـ«خريطة الطريق» الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر خلال لقائه الأعضاء الممثلين للقيادة العامة في لجنة «4 + 4» التي رعتها البعثة الأممية لدى ليبيا (القيادة العامة)

حفتر يدعو إلى استكمال جهود إنهاء الانقسام في ليبيا

دعا المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي إلى «استكمال الجهود الرامية إلى دعم الاستقرار وإنهاء حالة الانقسام وتحقيق تطلعات الشعب الليبي»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من احتفالات أنصار القذافي في بني وليد بذكرى «ثورة الفاتح» (وسائل إعلام محلية)

اعتقالات وملاحقات أمنية لأنصار القذافي تطغى على احتفالات «الفاتح»

شهدت مدن ليبية عدة احتفالات لأنصار الزعيم الراحل معمر القذافي، الذين احتشدوا في ميادين عامة، وسيروا قوافل من السيارات رافعين الرايات الخضراء، بالذكرى «الفاتح».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي رئيس المجلس الرئاسي يتوسط نائبه الكوني (إلى اليسار) وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» في لقاء سابق (مكتب الدبيبة)

خلاف داخل «الرئاسي» الليبي بشأن مفوضية الانتخابات يهدد اتفاق «4+4»

تتسع دائرة المخاوف بشأن مصير اتفاق «4+4» في ليبيا، على خلفية انقسام بالمجلس الرئاسي بين رئيسه محمد المنفي ونائبه موسى الكوني حول تعيين مجلس لمفوضية الانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي خلال اجتماع مع رؤساء الأركان (القيادة العامة)

حفتر يترأس اجتماعاً عسكرياً لمتابعة جاهزية القوات

اطَّلع المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، على آخر المستجدات المتعلقة بسير العمل داخل رئاسات الأركان النوعية، ومستويات الجاهزية والاستعداد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر تتوقع تشغيل سفينة التغييز المتضررة من «مُسيّرة دمياط» قبل نهاية العام

سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)
سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)
TT

مصر تتوقع تشغيل سفينة التغييز المتضررة من «مُسيّرة دمياط» قبل نهاية العام

سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)
سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» خرجت من الخدمة مؤقتاً بعد استهدافها بمُسيّرة في ميناء دمياط (هيئة ميناء دمياط)

توقعت الحكومة المصرية إعادة تشغيل «سفينة التغييز»، التي تم استهدافها بمُسيرة والموجودة في ميناء دمياط، خلال الربع الأخير من العام الحالي، وهو ما عدَّه خبير بترول «إنجازاً زمنياً» بالنسبة لإصلاح سفينة عملاقة.

وقال وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، خلال لقاء مع صحافيين وإعلاميين، الثلاثاء، إنه «من المتوقع إعادة تشغيل سفينة تغييز دمياط خلال الربع الأخير من العام»، مضيفاً: «حادث سفينة التغييز في دمياط لم يؤثر على السوق بفضل الجاهزية والعمل الاستباقي لحالات الطوارئ».

وكانت سفينة التغييز «إنرغوس وينتر» قد خرجت من الخدمة «مؤقتاً» بعد الحريق الذي تعرضت له في ميناء دمياط نهاية يوليو (تموز) الماضي، فيما أعلنت الحكومة وقتها أن الحريق نجم عن استهداف «محسوب بدقة» بطائرة مُسيرة، لأن هذه السفينة تلبي جزءاً من احتياجات الدولة من الغاز الطبيعي.

ولم توجه مصر الاتهام لأي جهة حتى الآن، وتُكرر دوماً أن التحقيقات جارية.

وعقب الحادث أثيرت مخاوف من حدوث تأثير كبير على احتياجات مصر من الغاز، وخاصة ما يتعلق بتشغيل محطات الكهرباء؛ لكن حديث وزير البترول أكد عدم تأثر السوق المصري بالحادث.

وعن سبب عدم تأثر السوق بالحادث، قال عضو «مجلس الطاقة العالمي» ماهر عزيز إنه يعود إلى «المخزون الاستراتيجي»، مضيفاً أن مصر رفعت مخزون المازوت والسولار إلى 45 يوماً بدلاً من 30 يوماً منذ عام 2024. كما أشار إلى تعدد المصادر، حيث لدى مصر 3 سفن تغويز، اثنتان في ميناء العين السخنة، وواحدة في دمياط.

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «عندما توقفت السفينة الموجودة في دمياط، أمكن للسخنة أن تفي بالمطلوب من الاحتياجات فوراً. كذلك عملت الحكومة على تأمين زيادة الاستيراد من قبرص واليونان».

وأوضح أن هناك أيضاً «غرفة عمليات تعمل 24 ساعة تم تجهيزها منذ عام 2023 وتتابع كل ساعة استهلاك الكهرباء والصناعة وتتحرك بالبدائل فوراً؛ فالخطة كانت جاهزة قبل الحادث، وليس بعده».

الحكومة المصرية أكدت عدم تأثر حركة تشغيل ميناء دمياط بالحادث (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد لفت وقت وقوع الحادث إلى أن حكومته قامت بـ«تطبيق خطة الطوارئ والاعتماد على منظومة البدائل وتنويع مصادر الإمداد لمواجهة تحدي خروج سفينة التغويز من الخدمة».

وأشار وقتها إلى أنه لولا البدائل التي تمتلكها مصر في منظومة إمدادات الطاقة ما كان ممكناً ضمان عدم حدوث أزمة انقطاعات في الكهرباء. كما قال إنه من بين الإجراءات التي اتخذتها حكومته «تشغيل منظومة المحطات بالمازوت والسولار، لحين عودة الأوضاع لطبيعتها».

وفيما يتعلق بما أعلنه وزير البترول من توقع تشغيل السفينة في الربع الأخير من هذا العام، قال عزيز: «هذا يعد إنجازاً، لأن سفن التغويز منشآت عملاقة تتعامل مع غاز مضغوط في البحر، والإصلاحات تستهلك وقتاً للوصول إلي معايير السلامة العالمية».

وأضاف: «الأهم أننا قد اقتربنا من الشتاء حيث يقل الاستهلاك؛ ولذلك تكفي السفينتان في ميناء السخنة لتلبية الاحتياجات إلى أن تعود سفينة دمياط للخدمة في الربع الأخير من عام 2026 وتدفع بمرونة أكبر للصيف المقبل».

وشدد خبير البترول على أن «الجاهزية لا تعني انعدام وجود أعطال، لكن معناها أن العطل لا يتسبب في أزمة، وهذا ما حدث بالفعل. والاستباقية لو لم تكن موجودة لحدثت معاناة كبيرة من انقطاع الكهرباء وتوقف المصانع».


مصر تؤكد اتخاذ جميع «التدابير» لحماية حقوقها المائية

وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

مصر تؤكد اتخاذ جميع «التدابير» لحماية حقوقها المائية

وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزيرا الخارجية المصريان بدر عبد العاطي والري هاني سويلم خلال لقاء تنسيقي الثلاثاء (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

شددت مصر على اتخاذ جميع «التدابير» اللازمة لحماية حقوقها المائية، كما جددت رفضها الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.

وخلال لقاء «تنسيقي» بين وزيري الخارجية بدر عبد العاطي والموارد المائية والري هاني سويلم، الثلاثاء، أكد الوزيران أن مصر «سوف تتخذ جميع التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوقها ومقدرات شعبها الوجودية».

وبحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، ودفع برامج التعاون التنموي، وتوسيع نطاق المشروعات والبرامج المصرية الموجهة لدعم التنمية والأمن المائي بالقارة الأفريقية، إلى جانب تنسيق المواقف والتحركات المصرية إزاء قضايا المياه على المستويين الإقليمي والدولي.

وأكدا في بيان مشترك أورده مجلس الوزراء أن الحفاظ على الأمن المائي المصري «لا يتعارض مع تطلعات الأشقاء إلى التنمية»، وأن نهر النيل «مورد مائي مشترك يتعين إدارته وفقاً للقانون الدولي، لا سيما مبدأ عدم الإضرار ووجوب التعاون من خلال الإخطار المسبق والتشاور والتوافق».

والخلاف قائم بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً بشأن مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى مصر أن يؤثر على حصتها المائية.

وتصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التوترات بين البلدين، التي برزت في تصريحات إعلامية متبادلة، كان أحدثها دعوة وزير المياه الإثيوبي السابق، شيفيراو جارسو، حكومة بلاده إلى مطالبة مصر بتعويض عن استخدامها مياه نهر النيل.

مصر تشدد على اتخاذ كل التدابير لحماية حقوقها المائية (صفحة وزارة الري على فيسبوك)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رخا أحمد حسن، أن التنسيق بين وزارتي الخارجية والري «يهدف إلى الدمج بين الجانبين الفني والدبلوماسي والسياسي في التعاطي مع أزمة سد النهضة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إلمام الدبلوماسيين بالجوانب الفنية لأزمة السد يُساهم في توضيح رؤية القاهرة، ومواجهة المغالطات الإثيوبية بأن السد لن يؤثر على مصر والسودان».

وأضاف: «التصعيد الإعلامي الإثيوبي يأتي من قبيل الدعاية والمغالطات، ويهدف إلى التغطية على أزمات الداخل».

وأكد وزيرا الخارجية والري المصريان في البيان المشترك، الثلاثاء، أن السياسة الخارجية المصرية في دول حوض النيل «تتأسس على التعاون والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة»، وأن الموقف المصري «ينطلق من إيمان راسخ بأن تحقيق الأمن المائي والتنمية أهداف متكاملة وليست متعارضة»، وأن الموارد المائية العابرة للحدود «ينبغي أن تكون مجالاً للتعاون والتكامل بين الشعوب من خلال الالتزام بالقانون الدولي».

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، طارق فهمي، إن بيان وزيري الخارجية والري يأتي للتأكيد على المحددات الأساسية للموقف المصري تجاه «سد النهضة»، وعدم تغير خطاب القاهرة تجاه الأزمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «البيان المشترك ينطوي على بلورة لإعادة بناء الموقف المصري والتأكيد عليه، ويحمل رسائل رادعة للجانب الإثيوبي»، مفادها أنه في ظل مناخ جديد إقليمياً ودولياً فإن مصر «لن تقبل سياسة الأمر الواقع لبناء سدود أخرى».

وقد تشهد الفترة المقبلة، بحسب فهمي، «رسائل مصرية سياسية أخرى، ليس بالضرورة عسكرية، لكنها ستضغط على أديس أبابا وستشكل ردعاً مبكراً يشمل غلق ملف إنشاء سدود أخرى»، مشيراً إلى أن الخطاب المصري «قد يتغير خلال الفترة المقبلة».

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

وشهد اللقاء التنسيقي بين وزيري الخارجية والري استعراضاً لموقف مشروعات التعاون المصرية في دول حوض النيل، لا سيما مشروعات السدود، التي كان أحدثها مشروع «سد جوليوس نيريري» العملاق في تنزانيا.

وأكد عبد العاطي وسويلم على التطور المتواصل في آليات التمويل التنموي المصري بدول حوض النيل، وفي مقدمتها «الآلية التمويلية» التي أطلقتها مصر بمخصصات مبدئية تبلغ 100 مليون دولار لدراسة وتنفيذ المشروعات بما فيها السدود في دول حوض النيل الجنوبي وفقاً لأولويات تلك الدول، إضافة إلى أنشطة «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، و«المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل» في بناء القدرات وتعزيز المهارات وتنفيذ مذكرات التفاهم الثنائية بين مصر ودول حوض النيل.


تنسيق مصري - بوركيني لدعم استقرار منطقة الساحل الأفريقي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)
TT

تنسيق مصري - بوركيني لدعم استقرار منطقة الساحل الأفريقي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقبال نظيره البوركيني كاراموكو تراوري في القاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)

أكدت مصر وبوركينا فاسو على أهمية دعم الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب في منطقتي غرب أفريقيا والساحل، إلى جانب التنسيق المشترك لدعم الاستقرار والأمن.

ودعا وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال محادثات مع نظيره البوركيني، كاراموكو تراوري، إلى «ضرورة تبني مقاربة شاملة تجمع بين البُعدين الأمني والتنموي لمواجهة الإرهاب».

واستقبل عبد العاطي نظيره تراوري في القاهرة، الثلاثاء، حيث بحثا «سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتبادل الرؤى إزاء عدد من القضايا الإقليمية»، حسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية. كما استضافت القاهرة «منتدى الأعمال المصري - البوركيني» لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

وشدّد عبد العاطي على أهمية تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الطاقة والبنية التحتية والصحة والدواء، اتساقاً مع اتفاقية التشاور السياسي التي تم توقيعها في يوليو (تموز) 2025.

ووقّع عبد العاطي ونظيره البوركيني على «مذكرة تفاهم لتدشين آلية للمشاورات السياسية بين البلدين» خلال زيارته في يوليو من العام الماضي للعاصمة البوركينية واغادوغو، ضمن جولة بعدة دول في غرب أفريقيا، اصطحب فيها وفداً من رجال الأعمال وممثلي الشركات المصرية.

وقالت «الخارجية المصرية» حينها إن «الآلية تستهدف تعزيز التنسيق الثنائي بين مصر وبوركينا فاسو، لمواجهة التحديات المشتركة، والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وناقش الوزيران سُبل إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة، خصوصاً في ظل رئاسة بوركينا فاسو لكونفدرالية دول الساحل، وأكد عبد العاطي على أهمية تعزيز التبادل التجاري والاستثماري، والتعاون في المجالين الأمني والعسكري، بالإضافة إلى برامج بناء القدرات التي تقدمها المؤسسات الوطنية والأزهر الشريف.

وزيرا خارجية مصر وبوركينا فاسو خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)

فيما أشاد تراوري بـ«التعاون القائم مع القاهرة في مجال مكافحة الإرهاب، وبرامج التدريب وبناء القدرات»، وأشار إلى تطلع بلاده لاستمرار وتوسيع أطر التعاون في هذه المجالات والاستفادة من الخبرات والإمكانيات المصرية، بما يدعم قدرات المؤسسات الوطنية فيها.

وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، قال تراوري إن «القاهرة تدعم بلاده بشكل كبير في مجابهة الإرهاب»، موكداً أن المحادثات تناولت أمن القارة الأفريقية، وتعزيز الجهود الأمنية في منطقة الساحل.

ووفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، محمد حجازي، تستهدف القاهرة تعزيز تعاونها الأمني والاستراتيجي مع دول الساحل؛ نظراً لأهمية استقرار تلك المنطقة بالنسبة لها.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «استقرار منطقة غرب أفريقيا والساحل جزء لا يتجزأ من استقرار الشمال الأفريقي بما فيه مصر»، مؤكداً أن الحكومة المصرية تولي مكافحة الإرهاب بهذه المنطقة اهتماماً كبيراً للحد من تأثيراته الإقليمية.

كما يرى حجازي أن الحكومة المصرية تهدف إلى إنفاذ صادراتها واستثماراتها إلى دول الغرب الأفريقي إلى جانب التعاون الأمني، ويلفت إلى أنها تسعى إلى بناء شراكات اقتصادية مع دول غرب أفريقيا، بتعزيز الروابط بين مجتمعات الأعمال في تلك الدول، واتحادات الغرف التجارية بها.

جانب من «منتدى الأعمال المصري - البوركيني» بالقاهرة الثلاثاء (صفحة الخارجية المصرية على فيسبوك)

وشارك وزيرا خارجية مصر وبوركينا فاسو، الثلاثاء، في «منتدى الأعمال المصري - البوركيني» بحضور عدد من كبار المسؤولين ورؤساء وممثلي الغرف التجارية واتحادات الأعمال، وممثلي القطاع الخاص، ورجال الأعمال.

وحسب «الخارجية المصرية»، قال عبد العاطي إن «الحكومة تولي أهمية خاصة لتعزيز التواصل المباشر بين اتحادات وغرف الصناعة والتجارة والشركات في البلدين، بوصف القطاع الخاص المحرك الرئيسي لأي تعاون اقتصادي مستدام».

وتتمتع الشركات المصرية بخبرات كبيرة في كثير من القطاعات التي تمثل أولوية لبوركينا فاسو، وفي مقدمتها البنية التحتية والتشييد ومواد البناء، والصناعات الغذائية، والأدوية والمستلزمات الطبية، والصناعات الكيميائية، والأسمدة، والمعدات والآلات الزراعية، والطاقة والتعدين، وتدشين خط طيران مباشر بين البلدين، حسب عبد العاطي.

وقال حجازي إن مصر تسعى إلى استثمار نجاحها في بناء سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا لتعزيز استثماراتها في القارة الأفريقية، موضحاً أن «هناك خبرات متعددة لشركات المصرية تمكِّنها من توسيع استثماراتها القارية».