«أسبرجر» أو اضطراب العباقرة... من بيل غيتس إلى إيلون ماسك

TT

«أسبرجر» أو اضطراب العباقرة... من بيل غيتس إلى إيلون ماسك

مؤسس «مايكروسوفت» بيل غيتس ومؤسس «تسلا» إيلون ماسك مصابان باضطراب «أسبرجر» (رويترز)
مؤسس «مايكروسوفت» بيل غيتس ومؤسس «تسلا» إيلون ماسك مصابان باضطراب «أسبرجر» (رويترز)

أحدثت ابنة الملياردير بيل غيتس ضجّة عندما أعلنت قبل مدّة أن والدها مصابٌ بمتلازمة «أسبرجر». على أثر تصريحات فيبي غيتس (22 سنة)، كثرت الأسئلة حول الموضوع، وعلى رأسها: ما هي هذه المتلازمة؟ وكيف لعبقريٍّ كانت له اليد الطولى في تغيير وجه التكنولوجيا، أن يعاني اضطراباً ذا طابع عصبي؟

مؤسس «مايكروسوفت» بيل غيتس وابنته فيبي البالغة 22 عاماً (أ.ف.ب)

غيتس على طيف التوحّد؟

لم يسبق أن أعلن غيتس (69 سنة) عن حالته تلك، لكنه قال ضمن كتاب مذكّراته: «لو كنتُ من الجيل الصاعد، لربما شُخِّصتُ باضطراب طيف التوحد. خلال طفولتي، لم يكن مفهوماً على نطاق واسع أن أدمغة بعض الناس تُعالج المعلومات بشكل مختلف عن الآخرين. ولم يكن لدى والديّ أي إرشادات أو كتب لمساعدتهما على فهم سبب هوس ابنهما بمشاريع معينة، وتفويته للإشارات الاجتماعية، وإمكانية أن يكون وقحاً وغير لائق من دون أن يلاحظ تأثيره على الآخرين».

وفي حديثٍ مع مجلّة «أكسيوس» قبل 3 أشهر، تحدّث غيتس عن إدراكه أنه مختلف عن أقرانه أثناء نشأته قائلاً: «لطالما عرفت أنني مختلف بطرق أربكت الناس، فيما يتعلق بمستوى طاقتي».

بيل غيتس وشريكه المؤسس في «مايكروسوفت» بول ألن (أ.ب)

ما هي متلازمة «أسبرجر»؟

سُميت متلازمة أسبرجر نسبةً إلى هانز أسبرجر، وهو طبيبٌ نمساويّ. في أربعينات القرن الماضي، كان أول من لاحظ نمطاً سلوكياً لدى بعض الأطفال الذين كانوا تحت رعايته، وهكذا أطلق اسمه على الاضطراب. إلا أنّ متلازمة أسبرجر ما عادت تُعتبر تشخيصاً قائماً بذاته في زمننا هذا، بل هي جزء من الفئة الأوسع لاضطراب طيف التوحّد.

يعاني المصابون عادةً من صعوبة في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، وغالباً ما يلتزمون بروتين محدد للغاية، ولديهم اهتمامات محدودة وتصرّفات متكررة، مثل رفرفة أيديهم.

يعاني المصابون بـ«أسبرجر» صعوبات في التفاعل الاجتماعي (رويترز)

أعراض «أسبرجر»

لا تميل الأعراض إلى أن تكون شديدة وهي تبدأ في مرحلة مبكرة من الحياة، بين سن الـ5 والـ9. ترتبط بالمهارات العاطفية والتواصلية والسلوكية، أما أبرزها فهي:

صعوبة في التواصل البصري.

الشعور بالحرج والتصرف بشكل غريب في المواقف الاجتماعية.

صعوبة في الاستجابة للأشخاص أثناء المحادثة.

عدم القدرة على فهم الإشارات الاجتماعية التي يراها الآخرون واضحة.

صعوبة في قراءة لغة الجسد.

عدم فهم معاني تعابير الوجه.

التردّد في إظهار المشاعر.

التحدث بنبرة آليّة.

التحدث كثيراً عن موضوع واحد.

تكرار الكلمات أو العبارات أو الحركات ذاتها.

كُره التغيير.

الحفاظ على نفس الجدول والعادات، مثل تناول نفس الوجبات.

تعدّد العباقرة والتوحّد واحد

ليس بيل غيتس المبدع ولا الملياردير الوحيد المصاب باضطراب التوحّد أو إحدى تفرّعاته. فخلال استضافته في مؤتمر Ted عام 2022 في كندا، تحدّث إيلون ماسك أمام مئات الحاضرين عن إصابته بمتلازمة أسبرجر. قال الملياردير الأميركي: «خلال سنوات المراهقة، كنت أميل إلى فهم الأمور حرفياً كما تقال، لكن تبيّن لاحقاً أن ذلك كان خطأ. لم يكن الناس يقولون بالضبط ما يقصدون، وقد استغرق الأمر وقتاً حتى أفهم ذلك».

أمّا في برنامج «Saturday Night Live»، وعندما سُئل ماسك عن وجود صلة محتملة بين نجاحه في ريادة الأعمال والمتلازمة، فأجاب بأنّه من الوارد جداً أن يكون اضطراب «أسبرجر» قد انعكس إيجاباً على نجاحه في عالم التكنولوجيا. وأوضح مؤسس «تسلا» وصاحب منصة «إكس»: «وجدتُ متعةً في قضاء الليل كله في برمجة أجهزة الكمبيوتر بمفردي، لكنني أعتقد أن هذا ليس طبيعياً». وأضاف أنه، ومنذ الطفولة، أصبح «مهووساً» بالفيزياء، ويحاول فهم معنى الحياة.

تحدّث الملياردير الأميركي إيلون ماسك مرتين عن إصابته بمتلازمة «أسبرجر» (رويترز)

من بين المشاهير والمبدعين الذين صرّحوا بإصابتهم بمتلازمة أسبرجر، الممثل البريطاني أنطوني هوبكنز. ففي عامه الـ80 وبعد أن أمضى أكثر من 45 سنة متربّعاً على عرش السينما وحاصداً عشرات الجوائز العالمية، أفصح هوبكنز عن تشخيصه بالاضطراب.

وأوضح أنه دخل عالم التمثيل بداعي العمل وليس الشغف، ما قاده إلى الشعور بغياب الأمان لمدّة طويلة: «كنت مضطرباً وتسبّبت باضطرابات من حولي خلال السنوات الأولى»، إلّا أنّ تشخيص الحالة لاحقاً دفعه إلى تشبيهها بالهديّة. وهو علّق على الأمر قائلاً: «كنت تلميذاً بطيئاً في المدرسة، لكنّي عوّضت عن ذلك بالعمل بجدّ فنجحت في التمثيل».

صرّح الممثل أنطوني هوبكينز بإصابته بـ«أسبرجر» (رويترز)

ستيف جوبز لم يَسلَم

ستيف جوبز هو أحد أنجح الأشخاص الذين شُخِّصوا بعسر القراءة (dyslexia). ففي صغره، عانى مؤسس شركة «أبل» من صعوبات في القراءة والكتابة في المدرسة. انتظر حتى سن الـ11 حتى يقرأ ويفهم جملة واحدة من كتاب القراءة: «لدى جانيت وجون طابة».

في طفولته، كان جوبز دخيلاً، ويُعتبر طالباً غريب الأطوار، لا يجيد المفردات، ولا يتأقلم مع بقية أقرانه. لم تعترف المدارس آنذاك بعسر القراءة كما هي الحال اليوم، ولذلك أُهمِل الطلاب الذين يعانون من صعوبات تعلّمية كهذه.

لم يمنع عسر القراءة مؤسس شركة «أبل» ستيف جوبز من أن يصبح أحد عباقرة العصر الحديث (رويترز)

مثل جوبز، عانى مؤسس شركة «فيرجن» ريتشارد برانسون من عسر القراءة. يخبر في حوار مع شبكة «إن بي سي» الأميركية، أنه ترك المدرسة في سن الـ15 بسبب ذلك.

قال برانسون: «كنتُ أنظر إلى اللوح الأسود، وكان الأمر أشبه بكلماتٍ مُبعثرة، لم أستطع فهم ما يحدث... لم أعرف هوية إصابتي إذ لم يكن هناك وعي حول المسألة حينها». وأضاف: «ثم خرجتُ إلى العالم وتعلمتُ من جامعة الحياة. قضيتُ عمري أحاول أن أشرحَ للعائلات والأطفال أن عسر القراءة قوةٌ خارقة».


مقالات ذات صلة

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)

6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

في عالم يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، أصبحت القدرة على تهدئة النفس مهارة أساسية يحتاج إليها كل شخص بالغ للتعامل مع الضغوط والتوترات اليومية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

تُظهر دراسة حديثة أن تجنّب المحادثات التي تبدو «رتيبة» قد يحرمنا من تجربة أكثر متعة وإثراءً مما نتصوَّر...

«الشرق الأوسط» (ميشيغان)
يوميات الشرق عادات قد تُعرقل نجاح العلاقات (بكسلز)

لماذا تفشل العلاقات رغم المشاعر؟ عادات لا واعية «تخرّب الحب»

بعض العادات اليومية قد تؤدي إلى «تخريب الحب» بشكل غير مباشر، حتى لدى الأشخاص الذين يسعون لبناء علاقات عاطفية صحية ومستقرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.