«مولد الحي الراقي»... معالجة غنائية للصراع بين الطبقات

مسرحية مصرية مستلهمة من الفلكلور وحلقات الذكر

تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)
تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)
TT

«مولد الحي الراقي»... معالجة غنائية للصراع بين الطبقات

تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)
تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)

أسرة شعبية مصرية تنتقل إلى حي راقٍ، تحاول فرض طقوسها واحتفالاتها التقليدية وسط بيئة اجتماعية منغلقة؛ ما يكشف عن صراعات خفية بين الطبقات، حول هذه الفكرة يدور العرض الغنائي المسرحي «مولد الحي الراقي» الذي عُرض مساء الثلاثاء في «مكتبة الإسكندرية» (شمال مصر).

ويستلهم العمل أجواء الموالد وروح التراث، كاشفاً عن التوترات والتباينات بين الفئات الاجتماعية، ومسلطاً الضوء على فكرة قبول ثقافة الآخر، وذلك من خلال الجمع بين الغناء الحي والأداء التمثيلي، والتعمق في دواخل الشخصيات المرتبطة بالموالد، والأفراح الشعبية، وجلسات الذكر والحضرة.

وتعدّ الموالد الدينية في مصر جزءاً أساسياً من التراث الشعبي؛ حيث تمثل مناسبات يتقاطر فيها أعداد ضخمة من المصريين؛ للاحتفاء بالأولياء والقديسين، في احتفالات تتسم بالتنوع والثراء الثقافي، وتزين شوارع الأحياء القديمة والشعبية في المدن والقرى بطقوسها وتفاصيلها المختلفة.

جاء العمل مصمماً بروح حداثية تعكس توتر الشخصيات والتحولات الدرامية (الشرق الأوسط)

ومن هنا يحمل عنوان العرض مفارقة مقصودة؛ ذلك أن «المولد» هو رمز شعبي وثيق الصلة بالصخب والبهجة والمبالغة في العاطفة، في حين أن «الحي الراقي» الذي لا يشهد هذه الاحتفالات قد يكون رمزاً للرتابة والانضباط والتظاهر بالرقي، وفق إيمان زكي، مؤسس ومدير المركز الثقافي «Perform Arts» منتج العرض.

وتتابع زكي في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «الجمع بين الموالد والحي الراقي يطرح تساؤلاً مهماً: هل نحن فعلاً نجسد مجتمعاً واحداً، أم طبقات متجاورة لا تلتقي إلا في لحظة اصطدام؟!»، مشيرة إلى أن «العمل يستثمر هذه المفارقة؛ للكشف عن تناقضاتنا الداخلية، ويعيد صياغة مفاهيم مثل التدين، الفرح، والعار، من منظور إنساني جامع».

وخلال المسرحية التي تبلغ مدتها نحو ساعة ونصف الساعة تتبع قصة أسرة من الإقامة في حي شعبي إلى آخر راقٍ، ويغني فنانو العرض تارة أغنيات معروفة من التراث - يرددها معهم الجمهور - وتارة أخرى أغنيات جديدة مأخوذة من روح التراث، في إطار نص يجمع بين الحوار، الغناء، والارتجال.

وهذا التراث الموسيقي هو بالتحديد ما تتمحور عليه المسرحية الغنائية؛ فاللافت أن جميع الأغاني أُعيد تقديمها بشكل درامي معاصر يتماشى مع بنية العرض المسرحية، ويشمل ذلك أنماط فلكلورية مثل الموال والزفة وأغاني السوق والمولد.

الأغاني أُعيد تقديمها بشكل درامي معاصر يتماشى مع بنية العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وحظي العرض باهتمام المركز الثقافي Perform Arts؛ لانتمائه إلى المسرح الغنائي الذي يُعدّ أداة قوية للتعبير عن هموم المجتمع، وتحليل تناقضاته، بحسب زكي التي أضافت قائلة: «كما أنه وسيلة لإعادة تقديم التراث المصري بروح معاصرة، تمثل مساحة مفتوحة لطرح أسئلة عن الطبقية، الهُوية، والتغيرات التي نعيشها كمجتمع».

وتواصل: «علاوة على أن الاهتمام بهذا العرض نبع من رغبتنا في إحياء أشكال الفن الشعبي بشكل واعٍ وجاذب، يعكس نبض الشارع من دون أن يفرط في العمق أو الجودة الفنية».

جاء الغناء أداةً درامية تعبّر عن الصراع الداخلي للشخصيات (الشرق الأوسط)

من جهته، أكد مخرج المسرحية الفنان حازم مكاوي أنه حرص على تقديم عرض لا يكتفي بالشكل التقليدي للمسرح الغنائي، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «عملنا على تقديم تجربة مسرحية مركبة تجمع بين الغناء والحكي؛ حيث يأتي الغناء أداةً درامية تعبّر عن الصراع الداخلي للشخصيات، وليس مجرد فاصل استعراضي».

وحول فلسفة العمل يقول: «يدور حول التوتر بين المظهر والحقيقة، بين الطموح الطبقي والارتباط بالجذور؛ فهو يطرح تساؤلات حول الهوية والانتماء، ويحمل رسالة مفادها أن الإنسان، مهما غير مظهره أو طبقته الاجتماعية، فإنه يظل يحمل تاريخه بداخله، وأن محاولة التنكر للماضي لا تلغي وجوده، بل تُعمق التناقض».

العمل يبرز الصراع بين الطبقات (الشرق الأوسط)

وعن تناول هذه القضية من خلال قالب «الموالد المصرية» فقد نبع من اقتناع صناع العمل بكون الموالد في ثقافتنا هي فضاءات غنية بالحياة، يتداخل فيها الروحاني مع الشعبي، والاحتفال مع الفوضى، وحول ذلك يضيف المخرج موضحاً: «إن (مسرحة) الموالد خصوصاً تسمح بإعادة قراءة هذه الفضاءات بصفتها رمزاً للتنوع والتناقض في المجتمع المصري»، وتابع: «هي مرآة للهوية الجمعية، وفي الوقت نفسه وسيلة فنية تتيح اللعب البصري والموسيقي، وطرح أسئلة عن الجسد، الجماعة، والطقس الشعبي».

ويُحسب للعمل أنه لا يقدم الفوارق بين الطبقات بأسلوب مباشر أو توعوي، بل تركها لتنكشف تلقائياً عبر التفاعل الدرامي؛ إذ يستطيع المُشاهد استشعارها من خلال لغة الشخصيات، أزيائهم، طبقات صوتهم، وتفاعلهم مع الفضاء المسرحي، كما أن الموسيقى نفسها تتحول أحياناً أداةً طبقية، تعبّر عن الهوية الاجتماعية لكل شخصية.

ويعلق مكاوي على ذلك قائلاً: «كان ذلك ضرورياً؛ لأن المسرحية تحمل رسائل ثقافية واجتماعية وإنسانية عدة؛ وكان ينبغي تجنب الوقوع في فخ الأسلوب المباشر، وساعدنا على ذلك المسرح الغنائي، لكنه على أهميته ودوره الكبير في نجاح العرض تطلب جهداً كبيراً؛ حيث اقتضى تدريباً خاصاً للممثلين على الأداء الصوتي، بالتوازي مع التمثيل الدرامي؛ وهو ما يشكل تحداً مزدوجاً».

يستلهم العمل أجواء الموالد وروح التراث (الشرق الأوسط)

ويضيف: «يحتاج العمل المسرحي الغنائي كذلك إلى مخرج واعِ، وتجهيزات صوتية دقيقة؛ لضمان وضوح الغناء وانسجامه مع السرد المسرحي، فضلاً عن التنسيق بين الغناء، التمثيل، والإيقاع الزمني للنص؛ ما يقتضي بدوره دقة وجهداً مستمرين، كما أن هذه العناصر تجعل الإنتاج أعلى تكلفة وتعقيداً مقارنة بالأعمال الحوارية التقليدية».

وجاءت سينوغرافيا العرض استلهاماً من أجواء خيام الموالد التقليدية، لكنها في الوقت نفسه مصممة بروح حداثية تعكس توتر الشخصيات والتحولات الدرامية؛ حيث تم فيها استخدام الإضاءة المتقطعة، والعناصر القابلة للحركة؛ لخلق فضاء حي ومتغير، كما أن المشهد المسرحي لم يكن مجرد خلفية، بل شريك أساسي في التعبير الدرامي، ساهم في صنع الإيقاع البصري والنفسي للعمل.


مقالات ذات صلة

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.