مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

ماريا الدويهي أداء فاق التوقعات

يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)
يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)
TT

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)
يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة. في كل مرة تظنه بلغ الذروة، لكنه يبقى مواظباً، لا ييأس من البحث عن أبعد وأعمق. تلك موهبة بحد ذاتها، أن يؤمن المرء دائماً بأن الأفق مفتوح لأن الآخر نبع، وكنوزه متاحة حين تسعى إليها.

وهذا الآخر، كان هذه المرة ماريا الدويهي، الممثلة التي لا يعرفها كثر. معها وهي الآتية من قضاء زغرتا (شمال لبنان)، بنى يحيى جابر عالمها الذي تعرف تفاصيله جيداً، وحولاه معاً إلى مائة دقيقة من المتعة والاكتشاف حتى لمن يعرف هذه المنطقة أو حتى يعيشها.

بأدوات متواضعة تقمصت ماريا عشرات الشخصيات (خاص الشرق الأوسط)

من «القرنة البيضا» المتخيلة التي هي أعلى من «القرنة السودا»، القمة الأكثر ارتفاعاً في لبنان، تتدحرج بنا الحكواتية الماهرة ماريا الدويهي التي تقف وحدها على المسرح، لتتقمص عشرات الشخصيات، وتروي مثلها من الحكايات، وتنتقل بخفة من حالة إلى أخرى، بأدوات محدودة، من منديل إلى قبعة، ومن دفٍّ إلى إطار صورة، ومن مدقّة إلى كرسي، وهذه وحدها تكفيها، كي تفعل أعاجيبها التمثيلية. فالجسد عند ماريا، وهي تقف على مسرح عارٍ إلا من موهبتها، هو الأداة الأوفى، حين يتكور، ينحني، يقف شاهقاً، يرقص، يتلوى. الجسد هنا هو عدّة الشغل الأولى، مع وجه طيّع التعابير، قادر على أن ينقلك من مأتم إلى عرس، ومن قمة جبل إلى سفحه، في رمشة عين.

مبضع يحيى جابر، انصبّ هذه المرة، على دائرة اجتماعية جديدة في الشمال اللبناني، مكمّلاً بذلك مشروعه الأنثروبولوجي الساخر الذي بدأه من بيروت، قارئاً التعقيدات الاجتماعية وعلاقتها بالدين والسياسة والموروثات. عن العاصمة قدّم مسرحيات عدة، بينها «بيروت طريق الجديدة» مع زياد عيتاني، و«هيكلو» عن بعلبك مع عباس جعفر، وعن الضاحية الجنوبية «شو ها» مع حسين قاووق، و«مجدرة حمرا» و«شو منلبس» تمثيل القديرة أنجو ريحان عن الجنوب، و«من كفرشيما للمدفون» جبل لبنان مع ناتالي نعوم، ليصل إلى الشمال.

من داخل الإطار أو خارجه برعت ماريا الدويهي في كل الشخصيات (خاص الشرق الأوسط)

مع ماريا الدويهي تتناسل الحكايات واحدتها من الأخرى، لتنسج في النهاية قصة منطقة نادراً ما نراها ونسمع لهجتها على المسرح. «القرنة البيضا» التي بدأت عروضها على خشبة «مسرح مونو» ولا بد أنها ستجول كثيراً، وتحصد تصفيقاً طويلاً، تلقي الضوء على المجتمع الزغرتاوي في خمسينات القرن الماضي، وهو المعروف بخصوصياته من الثأر إلى اللجوء إلى القديسين، والعلاقة الوثيقة بين الناس ورجال الدين، أما فخر زغرتا فهو طبق «الكبة» الذي له طقوسه وفنونه، وقصة ولادته، ويخصص له جابر مقطعاً مشهوداً في مسرحيته الجديدة، لم يسبقه إلى ظرفه أحد.

تبدأ القصة من القمة الجبلية الشاهقة، نزولاً إلى إهدن، مصيف أهالي زغرتا، وبلدتهم الثانية. الحكايا تتكامل واحدتها مع الأخرى. ولا بأس أن ترانا نتنقل بين هذه المناطق الجبلية فنلتقي نساءها، ونعرف حكاياهن من «ميول» إلى «فايزة» إلى «لبيبة» و«طريزا» و«يوسفية»، «ليّا»، لكل منهن مأساتها، لكنهن قد يصبحن قصة واحدة، متشابكة الآلام والجذور، في منطقة تبقى فيها المرأة الحلقة الأضعف، والذكورية قاعدة تنقاد لها النساء قبل الرجال.

فاق أداء ماريا الدويهي التوقعات. من رآها في مسرحيتها السابقة «آخر بروفا» مع المخرج شادي الهبر، يدرك كم أن هذه الممثلة قادرة على صقل موهبتها بسرعة فائقة، وكيف أنها مسكونة برغبة متفجرة في الذهاب بعيداً في تقمص أدوارها. لقد تركت الجمهور مذهولاً، وهي تروي، وتغني وترقص، تبكي، تقفز، تجلس على حافة الخشبة، ثم تنزل إلى صالة العرض. لا يهم إن كان ما ترويه حقائق تاريخية أو شبيهة بها، أم تخيلية بالكامل. وإن كان موضوع المسرحية مجموعة حكايات محبوكة أو متفرقات متناثرة. فالمسرحة المتمرسة والشحذ المتواصل لذهن المتفرج، والمشهديات الحيوية المتلاحقة، وخفة الظل مع الحزن الغامر وهما يتواليان؛ كلها عناصر جعلت شروط الفرجة تتحقق في أعلى قممها.

يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

أكثر من مفاجأة في «القرنة البيضا» لمن يعرف مسار يحيي جابر المسرحي في الكتابة والإخراج، لا سيما مع المونودراما النسائية في السنوات الأخيرة. المفاجأة الأولى هي ماريا الدويهي نفسها، التي لم يسبق لها أن قدمت عملاً يحتاج هذا القدر الكبير من الجهد والتحدي المتواصلين، فإذا بها تتفوق على نفسها، في مغامرة من المفترض أن يكتب لها بعدها تجارب تليق بإمكاناتها. أما المفاجأة الثانية، فهي تخلي يحيى جابر عن نهجه الأرشيفي الأنثروبولوجي الصرف الممزوج بالسخرية كما عرفناه سابقاً، ليدخل في الخلط الهزلي بين المعلومة التاريخية وإضفاء البعد الخيالي أو التفاسير الشعبية عليها. وهو ما أثار موجات طويلة من الضحك، وتلك شجاعة فنية، كان للأداء التمثيلي المحكم الدور الأكبر في إنجاحها.

فمما ترويه حكواتيتنا أن لجبران خليل جبران ابنة اسمها كاميليا، وبالطبع هذا كله من نسج الخيال، جاءت يوم توفي والدها مع الجثمان من نيويورك إلى لبنان، وبدأت بالبحث عن مخطوطة سرية لأبيها عرفت أنه خبأها في الجبل. وهي في غمار البحث، تسمع راعياً يعزف على الناي، فتغني معه «أعطني الناي وغني» القصيدة الشهيرة لجبران، وتتزوجه وتنجب منه أربعة أبناء.

وكما تروي المسرحية، فإن جبران الذي لم يتزوج أصلاً له أربعة أحفاد. طريف هذا الخروج من الواقع إلى الاحتمالات، مثل أصل تسمية «الكبة» بهذا الاسم، وما وراءها من قصة تعود إلى العهد العثماني، واختباء النساء في الكهوف فيما ذهب الرجال إلى القتال، وبحكم صعوبة إشعال النار، اكتشفت «الكبة النيئة» أولاً.

يكتب ليحيى جابر في هذا العمل النقدي الجميل الذي لم يخل من مغامرة، أنه استفاد حتى الثمالة من قدرات ممثلته التي اشتغل معها تحضيراً ما يقارب السنة. إضافة إلى الرقص واستعارة أغنيات تناسب العمل، أطلق لحنجرة ماريا الأوبرالية المدربة العنان. فوجدناها، في هذه الخلطة الذكية تستفيد من كل ما لديها من إمكانات لتسجل حضوراً طاغياً، خلّاباً، لا ينسى، بفضل نصّ بقدر ما فيه من بساطة وشعبية ينطوي على عمق ووعي حاذقين.


مقالات ذات صلة

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

على مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً، صاغه الكاتب ألكسندر نجار وأدّته مجموعة من الممثلين منهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.