لم يأتِ ارتباطه بالمسرح وشغفه به من فراغ، بل هو امتداد لإرث عائلي متجذِّر. فالكاتب والممثل المسرحي زياد نجار ورث هذا الحب أباً عن جد، ليواصل بأمانة مسيرة والده الراحل مروان نجار؛ الذي أسَّس مدرسة في المسرح الكوميدي من نوع «الفودفيل»، تاركاً بصمة راسخة تُدرَّس في الجامعات.
مؤخراً، أطلق زياد مشروعه المسرحي الجديد «إلكُنْ»، أي «لكم». وهو ليس مجرد عرض من تأليفه، بل مساحة تعبير مفتوحة للجميع، تتيح للمواهب الجديدة الحضور واعتلاء الخشبة وتقديم أداء تمثيلي بلا قيود.

يرتكز المشروع على قصة يرويها زياد أمام الحضور، يصوغ لها حبكة مسرحية ويمنحها شخصيات يختار الجمهور تجسيدها على الخشبة. ويوضح نجار في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المشروع فضاء مسرحي تفاعلي يوفّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة. هو ليس صفاً لتعليم التمثيل، بل مساحة حرّة للتعبير. خلال أيام الحرب شعرت بضرورة القيام بفعل مقاومة ثقافية، فوجدت في (إلكن) الوسيلة الأنسب لاحتضان محبّي المسرح، ليعبِّروا عن أنفسهم بعيداً عن منطق الصح والخطأ، وبعفوية تامة». ويصف المشروع بأنه أشبه بورشة اختيارية انطلقت على خشبة «مسرح مونو» في بيروت، قبل أن تتوسّع لتشمل مسارح أخرى. ويضيف: «لم يعد المشروع محصوراً بالعاصمة، بل امتد إلى مناطق مختلفة، فننظّم جولات في جونية، وجبيل، ويخرج المشاركون منه بطاقة إيجابية».
تضم غالبية المشاركين خريجي معاهد المسرح والفنون، إلى جانب أشخاص يمتلكون موهبة التمثيل ولم تتح لهم فرصة إبرازها. ويعلّق نجار: «أحياناً تستوقفني موهبة معيّنة، فأستعين بصاحبها في أعمال مسرحية من تأليفي».
ويشير إلى أن فكرة المشروع وُلدت بعد تأجيل عرض مسرحيته «دنيا» بسبب اندلاع الحرب، مضيفاً: «عندما لمست حاجة الناس إلى مساحة يروّحون فيها عن أنفسهم، شعرت بضرورة ابتكار فكرة تجمعني بهم. فالثقافة والفن عنصران أساسيان في نقل الإنسان من حال إلى أخرى، ويساعدانه على التخلّص من القلق والأفكار السوداوية».

ويؤكد أن المشروع يلقى صدى إيجابياً، إذ يكرّر بعض المشاركين التجربة أكثر من مرة. ويقول: «يتردّد البعض في البداية في اعتلاء الخشبة، لكنهم ما إن يختبروا الأثر الإيجابي حتى يتحوّلوا من متفرّجين إلى مشاركين».
ويرى أن هذه المبادرات تلبّي حاجة اللبناني إلى فسحة ثقافية، لذلك يختار موضوعات كوميدية، موضحاً: «نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى الابتسامة، ومع تفاعل الناس تنشأ علاقة مريحة بينهم وبين المسرح».
يحرص نجار على تقديم نصوص تنبذ الحروب وخطاب الكراهية والطائفية، قائلاً: «تمسّكت دائماً بهذا النهج، وقدّمت سابقاً مسرحية (اعذرنا يا وطن) التي دعوت فيها إلى التكاتف، لأننا نردّد (كلنا للوطن) من دون أن نطبّق معناها الحقيقي».
وفي زمن الحرب، يضيف: «لا بدَّ من الابتعاد عمّا يزيد تعقيدات الحياة، والتوجُّه نحو ما يخفّف وطأة الواقع ويمنح الناس أملاً». لذلك يميل إلى البساطة والقصص القريبة من الناس، مستمداً نصوصه أحياناً من وقائع حياتية، وأحياناً من أعمال عالمية يضفي عليها طابعاً لبنانياً.
أما عمله الجديد، الذي يستهل به الموسم الثاني من «إلكن»، فيدور أيضاً في إطار كوميدي. ويوضح أنه ابتداءً من 23 أبريل (نيسان) سيقدّم معالجة لمسرحية «روميو وجوليات» بروح لبنانية معاصرة، مع الحرص على تغيير قصص المشروع كل أسبوعين، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام الهواة ومحبي المسرح. ويتابع: «في (روميو وجوليات) سيكتشف الحضور شخصيات تشبههم وتمثّل نماذج من المجتمع اللبناني بمناطقه المختلفة».

بالنسبة إلى نجار، تقوم تجربته المسرحية على 3 ركائز: «أولها أن الحرية تنبع من الداخل، فلا يجب أن نسجن أنفسنا في قوالب تفرضها الحرب. والثانية أن الضحك هو العلاج الأنجع للتخفيف من أوجاعنا. أما الثالثة فهي ضرورة تقريب الناس من الفن والثقافة لما لهما من دور في بناء وعي إنساني جامع».
ويختم متأثراً بأنه تعلّم من والده مروان نجار عدم الاستسلام لليأس، إذ لم تمنعه الحروب يوماً من تقديم أعماله، وكان يردّد: «لا شيء يوقفني عن عملي إلا إذا سقط صاروخ في صالون منزلي». ويضيف: «أتمسّك اليوم بالعلاقة نفسها مع المسرح والجمهور، إيماناً بأن الخشبة قد تكون طريقنا نحو الأمل وبناء مستقبل أفضل».






