بينالي الشارقة... محاولة فَهْم الهشاشة الإنسانية في المساحة المتروكة

الدورة الـ16 عنوانها «رحالنا» تُواجه الفرد بقدرته على تبديد عزلته

يستكشف بينالي الشارقة في دورته الـ16 أحمال الإنسان خلال رحلة العمر (الشارقة للفنون)
يستكشف بينالي الشارقة في دورته الـ16 أحمال الإنسان خلال رحلة العمر (الشارقة للفنون)
TT

بينالي الشارقة... محاولة فَهْم الهشاشة الإنسانية في المساحة المتروكة

يستكشف بينالي الشارقة في دورته الـ16 أحمال الإنسان خلال رحلة العمر (الشارقة للفنون)
يستكشف بينالي الشارقة في دورته الـ16 أحمال الإنسان خلال رحلة العمر (الشارقة للفنون)

تعدُّد الأصوات في الدورة الـ16 من بينالي الشارقة يتيح الشعور بالتماهي الإنساني وتلاقي الأفكار. فالمجال مفتوح أمام التأويلات المختلفة لإشكالية الغربة الممتدّة إلى أكثر من تعريف والمُتجاوزة ضيق المعنى الواحد. بعنوان «رحالنا»، تُقام هذه الدورة من 6 فبراير (شباط) حتى 15 يونيو (حزيران)، من تنظيم «مؤسسة الشارقة للفنون»، وبمشاركة 200 فنان من العالم، يقدّمون أكثر من 650 عملاً، من بينها 200 تكليف جديد، تُعرض في 17 موقعاً على امتداد الإمارة، مُلحقة بعروض أدائية وموسيقية وسينمائية.

بإشراف القيّمات الـ5: سواستيكا، وأمل خلف، وميغان تاماتي كيونيل، وناتاشا جينوالا، وزينب أوز؛ يستكشف البينالي أحمال الإنسان خلال رحلة العمر، وكيف ينقلها إلى العالم من حوله. ذلك في مسعى إلى محاولة فَهْم الهشاشة البشرية ضمن المساحات التي لا يملكها الفرد ولا ينتمي إليها، مع الحفاظ على إمكان التفاعُل معها بقوّة الثقافة.

يُحدِث التنقّل في الغاليريهات وتأمُّل الأعمال البصرية المتحرّكة والثابتة، كما السمعية، مواجهة بين الرائي وأسئلة الحياة: أيُّ مسارات نخوض في التنقُّل بين الأماكن وعبر الزمن؟ ماذا نحمل عندما يحين وقت السفر أو الهروب أو الانتقال؟ البقاء أو النجاة، أيُّ أحمال يفرضان على الإنسان، وأي عبء؟

يُذكّر بيان صحافي وُزِّع على الوفد الإعلامي الآتي من دول العالم، بعضها البارد في هذا الشهر من السنة، بتلك الأسئلة وما تحرِّض عليه من غوص وتعمُّق. وفي اللقاء الافتتاحي قُبيل الجولة في المكان - المُقام تحت شمس تُعدُّ لطيفة تنعَّم بها الباحثون عن دفء يُزيح عنهم صقيع شتائهم - أخبرت القيّمات أنهنّ عملن معاً، وبشكل منفرد، على تطوير مشاريعهن بصفتهن حاملات لأساليب ورؤى مختلفة، مما أتاح مساحة للاستماع والدعم المتبادَل. فالمنهجيات التقييمية المتنوّعة، بدءاً من الإقامات الفنّية والورشات والإنتاج الجماعي، وصولاً إلى الكتابة، والتجارب الصوتية، والمنشورات، حاضرة في أجواء البينالي؛ جميعها تُشجِّع على إجراء حوارات نقدية وبناء أشكال متطوّرة من السرديات بتعدُّد وجهات النظر والجغرافيا واللغة.

القيّمات الـ5 خلال إلقاء كلماتهنّ في حفل الافتتاح (الشرق الأوسط)

وعلى امتداد مواقع العرض، تُشكّل مشروعاتهنّ فضاءات مشتركة تحتضن أعمالاً اختارتها القيّمات، وتقترح إطاراً مفاهيمياً يستلهم السياق التاريخي والثقافي لتلك المواقع، مما يمهِّد لنشأة تعبيرات جماعية تُضيف قراءات متجدّدة للبينالي، وتُظهِّر الجهد المشترك في البحث عن صدى للموضوعات والأفكار.

تضيء علياء سواستيكا على التفاعلات الناشئة بين القوة والشِّعر والسياسة والدور المركزي للمعرفة النسوية، وتصوّر مستقبل افتراضي من خلال التدخّلات التكنولوجية. فمشروعها، أسوة بمشاريع القيّمات، يتيح مساحات تؤطر رؤاهن وتصوّراتهن الفنّية للبينالي، لتقترح أمل خلف أن تكون المرويّات والأغنيات طقوساً للتعلُّم الجماعي وإعلان التحدّي خلال الأزمات. ومن منظور السكان الأصليين، تجمع ميغان تاماتي كيونيل بين مشروعات شعرية وفق مفهومين متداخلين: الأول متعلّق بالأرض وأفكار عدم الثبات أو المتغيّر والمستقبل الافتراضي، والثاني مرتبط بالتبادل والاحترام؛ لتركز ناتاشا جينوالا على المواقع الساحلية في المحيط الهندي، وآبار المياه في الشارقة بكونها مخازن تبوح بذاكرة الأجداد والصوت والمكان. وتتبنّى زينب أوز إشكالية أثر التاريخ في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية حيث الوجود البشريّ، خصوصاً ما تطوَّر منها نتيجة الاستجابة الهائلة للعلم والتكنولوجيا.

تحضُر موضوعات مشتركة مُنطلقها التاريخ البحري والجغرافيات الساحلية للشارقة، وتتناول القيّمات مسائل المعابر والتقاطعات المائية وأهمية استمرارية الثقافات الأصلية والمحلّية. فعمل الفنانة مريم النعيمي يستعرض العلاقات التاريخية والمعاصرة مع المسطّحات المائية في الخليج بوصفها كيانات حيّة. وعبر سلسلة صوره الفوتوغرافية التي تُعرض على امتداد كورنيش الشارقة، يوثّق الفنان أكينبودي أكينبيي مَشاهد التجارة والأنشطة المجتمعية وأوقات الاستجمام على السواحل المتنوّعة، كاشفاً عن الروحانيات اليومية والبنى النابضة بالحياة على هذه الشواطئ. كذلك تشهد منحوتة الفنانة ميغان كوب بعنوان «مكان صخور المحار»، المُنتصبة في حديقة بُحيص الجيولوجية، على التاريخ الجيولوجي السحيق والبحر الضحل الذي غطى الشارقة قبل ملايين السنوات.

يستكشف جو نعمة القوى الاجتماعية والسياسية التي تُشكّل فهمنا للصوت (الشرق الأوسط)

وفي مواجهة الدمار الذي حلَّ بالأرض ومصادر الغذاء، تعيد الفنانة يونني سكارسي خلق سُحب المطر المشعَّة الناتجة عن التجارب النووية التي أجرتها بريطانيا في أستراليا خلال خمسينات القرن الماضي وستيناته، مُذكّرة بالمآسي الذي سببتها وتداعياتها على البيئة والإنسان؛ فيما تقدم الفنانة علياء فريد عملين يستكشفان تأثيرات الحرب والصناعات الاستخراجية في النسيجين البيئي والاجتماعي بجنوب العراق؛ ليستحضر عمل الفنانة ريشام سيد ممارسة «إنغار» أو «المطبخ المجتمعي» التقليدية التي تتمحور حول تقديم الطعام للجميع في خضم أزمة الجوع العالمية وانعدام الأمن الغذائي.

وكانت تداعيات التكنولوجيا قديماً وحديثاً، وتأثيراتها في الاقتصاد والمجتمع والتاريخ العالمي، منطلقَ بعض فناني البينالي في أعمالهم، منهم الفنان جو نعمة الذي يستكشف القوى الاجتماعية والسياسية التي تُشكّل فهمنا للصوت المُنظّم عبر عمله التركيبي «نباتات الداب»، متعمِّقاً في العلاقة التاريخية بين ثقافة الراديو والزراعة. يتّخذ العمل شكل برج إذاعي مصنوع بالكامل من الخيزران، مع مكبّرات صوت مثبتة على جانبه، تبثّ توليفة صوتية، ويستحضر لحظات مهمّة في التاريخ المبكر للبثّ الإذاعي، بما فيها أول بثّ ترفيهي مباشر للمخترع والفيزيائي الإيطالي غولييلمو ماركوني عبر مصبّ نهر التايمس عام 1920، وبثّه بعيد المدى من كورنوال في بريطانيا إلى سفينته إلتيرا الراسية في ميناء بيروت عام 1924.

تُشكّل التجارب الصوتية المتنوّعة ركيزةً أساسية في أعمال البينالي، فيقدّم الموسيقي النيوزيلندي مارا تي كي عملين صوتيين: الأول تسجيل محدود الإصدار طوّره بالتعاون مع الموسيقية الفلسطينية رنا حميدة، والثاني عمل صوتي يتناول التقويم القمري الماوري. كما تُلهم منشورات «ياز» للقيّمة زينب أوز، المكوَّنة من 13 كتاباً، 6 فنانين لتقديم عمل صوتي يستجيب لوجود الأشجار والمياه أو ندرتها في بستان تمر قديم في مدينة الذيد الإماراتية.

وتتجسَّد السرديات المعرفية والميثولوجية والسياسية في أعمال الفنانات عبر أشكال وتعبيرات متنوّعة، منها ما تُقدّمه هيلاني قازان في عملها «ليلة صافية»، من رحلة بحث شاعرية للإضاءة على التاريخ المُعقَّد للعنف الاستعماري الذي أحاط بحياة المُغنّية السورية أسمهان وموتها المأساوي عام 1944.


مقالات ذات صلة

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

يوميات الشرق فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

على طريقة عروض الأزياء، سارت مجموعة من الفتيات يحملن لوحات هبة الخطيب بدر الدين، أمام جمهور يجلس على مقاعده...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز للدراويش المولوية، وما يمثلونه من طاقة روحية محملة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» التي ظهرت في فيلم «الزوجة الثانية» وغيرها من القصص القديمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.