ترينالي الشارقة للعمارة... الفن والبيئة يشكّلان رقصة حياة

جولة لـ«الشرق الأوسط» في مدرسة القاسمية فريدة الهوية

الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)
الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)
TT

ترينالي الشارقة للعمارة... الفن والبيئة يشكّلان رقصة حياة

الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)
الملابس المُستعمَلة توقظ أسئلة ملحّة (الشرق الأوسط)

6 سنوات تمرّ على انطلاق ترينالي الشارقة للعمارة، المنصّة الداعية إلى حوار حول موضوعات العمران. أرادتها رئيستها حُور القاسمي مساحة لطرح الرؤى والتساؤلات المتعلّقة بتصميم البيئة والمجتمع، والأثر المترتّب على العمارة والتخطيط. فالعلاقة الراهنة بين العمارة والبيئة تعيد إلى الواجهة قضايا الاستدامة المستوجِبة إعادة النظر. الحاضر عاصف، وبناء مستقبل مستدامٍ فعلٌ إشكالي وسط الهبوب العميم. فالتماس الطريق لإعادة توجيه الخطاب السائد حول الاستدامة مسألة مُلحّة.

تجولت «الشرق الأوسط» في مدرسة القاسمية التراثية لاكتشاف تقنيات مبتَكرة تتبنّى فكرة أنّ الأشياء قابلة للتطوير والترميم سيراً مع الطبيعة.

مع تحوّل المدرسة من مبنى منعزل يفصله سور صغير إلى مساحة عامة تصل ما بين الحيّ حيث تقع، والمدينة، شكّل التقاء المداخل الجديدة في شمالها وغربها ما يشبه مصطبة خفيضة تمثّل عتبة ترحيبية. فمن خلال تظليل المساحة، تُهيّئ «العتبة المجرّدة» ظرفاً أفضل لزيارة المكان. وسائطها المكوّنة من أعمدة كهرباء خشبية مُعاد تدويرها، وحصائر أشجار النخيل، تتيح إنتاج مدخل معماري قوامه المواد الطبيعية المتداخلة مع السياق بما يشبه جلسة حوار.

المرشد يشرح للوفد الصحافي عن عمل المعمارية السعودية سميّة الدباغ (الشرق الأوسط)

 

التراب عنصر الحياة الحيّ

المشاريع في الأرجاء تمنح مدرسة القاسمية هوية فريدة. يلفت عمل المعمارية السعودية سميّة الدباغ، بعنوان «من التراب وإلى التراب»، الزائر، لتشكّله من طوب الطين، والجصّ الطيني، وألواح سعف النخيل. فالطين يتمتّع بطيف واسع من خصائص التراب والماء، لإضفاء ثنائيات الحركة والسكون، والصلابة والسيولة، والتغيير والديمومة. إدراك الفنانة قدرة الطين على الذوبان وإعادة التشكّل، أتاح تدويره، «فيجسّد ذاكرة كل أشكاله الماضية، ويحمل في ثناياه ذكريات مشتركة، ويثير تأملات جماعية للمستقبل»، كما تشير لافتة عُلّقت على الجدار الخارجي.

يتكوّن هذا التجهيز الفني من جدارَيْن منحيَيْن مبنيَيْن بالطوب اللبِن، يشكلان مساحة شبه مغلقة توفّر «مأوى حميماً». ذلك لتمثيل العلاقة بين الأضداد، من بينها الحياة والموت، مع دعوة للتعامل مع هذا الإنشاء بطريقتين يشير إليهما كُتيّب وُزّع على الوفد الصحافي: «الالتفاف حول الجزء الخارجي للجدارين، أو دخول المساحة الوسطية للتوقّف والتأمّل».

ضمن حيّز متّصل، يتّخذ عمل المعمارية ساندرا بولسون من الغبار والأتربة المنتشرة في أرجاء أنغولا مادة للبحث. بعنوان «التراب هبة غير مُتوقّعة»، تُعاين المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لمدينتها. فالأتربة في العاصمة لواندا سلعة رائجة تُشكّل وسيطاً لأنشطة مختلفة. عملها التركيبي تحريضٌ على التفكير في القدرة على الحركة ضمن الأماكن الهامشية غير الصالحة للسكن. إنه تأمّل في كيفية تحوُّل ما يتراءى منبوذاً، ولا حاجة له، إلى ضرورة للاستمرار.

مدخل مدرسة القاسمية (الشرق الأوسط)

 

مساحة للعب... والملابس المستعمَلة «مُرتَجعة»

تُلقي شمسٌ خجولة أشعّتها على الفضاء العام، لإتاحة تحلّي أبعاده المختلفة بمزيد من الوضوح. تثير لافتة كُتب عليها «العب أنت في الشارقة» الفضول للإصغاء إلى القصة. تبدو على المرشد ملامح آسيوية، فيشرح بإنجليزيته سبب التسمية. يتحدّث عن «سوق جبيل» العائدة إلى ثمانينات القرن الماضي، حين شكّلت مساحة مزدحمة تتّصل بمحطة الحافلات المجاورة. كان ذلك قبل إغلاق أبوابها عام 2015، لتصبح بعدها جزءاً معزولاً من النسيج المديني. إنقاذها من الهدم سبق إعادة افتتاحها عام 2019، وإلحاقها بمواقع عرض ترينالي الشارقة للعمارة. من السعي إلى تحويل المساحة المعزولة إلى مساحة للألعاب الشعبية العامة، ينطلق عمل «العب أنت في الشارقة». وفق حركة الشمس، تُوزَّع المظلّات، وطاولات اللعب والكراسي في أرجاء الساحة. يتغيّر ترتيبها بمرور الوقت، لتخضع المساحة إلى ترتيب جديد يومياً ضمن دورة من «الفوضى المنظّمة».

تستمرّ الجولة، لتحطّ أمام مساحة كاملة للملابس المُستعمَلة المُعاد تصميمها ضمن عمليات إعادة التدوير المعقّدة. المكان نسخة مصغَّرة عن استوديو «بوزيغاهيل» في كامبالا عاصمة أوغندا، متّخذاً عنوان «مرتجع إلى المرسَل»، فيشكّل محاكاة لبراعة سكان القارة الأفريقية في تحويل النفايات إلى موارد. «بوزيغاهيل» علامة تجارية للملابس، أسّسها مصمم الأزياء السوداني الأصل بوبي كولادي، تجمع بين الفن والموضة ومناصرة القضايا البيئية.

باستخدام العرض ملابسَ مستعمَلة وغير مغسولة استُقدِمت من مركز فرز في إحدى المناطق الحرّة بالشارقة، تؤكد الإمارة دورها الفعّال في سلسلة توريد الملابس المُستعمَلة. تثبت المساحة حضور «بوزيغاهيل» في ساحة الفن بصُنعها منتَجاً يعبّر عن الرفض الجماعي للبقاء على هامش سلسلة توريد السلع المُستعمَلة، بإعادتها إلى المرسَل.

خلال الجولة في مدرسة القاسمية (الشرق الأوسط)

 

انتصار للوعي المناخي

من خلال وسائط متمثّلة بالخيزران ونسيج ألياف نبتة الجوت، يتناول مشروع «استقلالية الموارد» الهموم العالمية المُلحّة المتعلّقة بتغيُّر المناخ والعلاقة بين الكثافة السكانية وندرة مقوّمات العيش. يتّضح السعي إلى مقارعة التحدّيات البيئية بتحويلها إلى فرص لخلق موارد.

الخيزران الخفيف متعدّد الوظائف يتيح تأليف 3 أجنحة توفّر مساحات مُظلّلة للتجريب، تحضّ الزوار على المشاركة في عمليات إنتاج الموارد هذه، وتعزيز الحوار حول جودة الهواء وتحدّيات المياه. فمن خلال ورشة عمل ومساحة لتخزين المياه، يوفّر الجناح الأول مجالاً لتبادل المعرفة، ليتمثّل الجناح الثاني بجهاز لتحلية المياه بالطاقة الشمسية، بينما يستخدم الثالث بقايا المحلول الملحي لتنقية الهواء. الخلاصة؛ يعزّز المشروع ثقافة العمارة المعيارية القابلة للتكيّف مع الحاجات، والانتصار للوعي المناخي.

البيئة جزء من الابتكار الإبداعي (الشرق الأوسط)

 

وعي صادم

«ممر الدقائق الثلاث» يستدعي التمهّل. إنه مشروع «وول ميكرز» القائم على جَمْع إطارات السيارات من مواقع المخلّفات المختلفة في الشارقة قبل ملئها برمال الصحراء، وإعادة تشكيلها من خلال البناء التكيفي. هذا الشكل يستطيع ضمان مساحة داخلية معزولة حرارياً، وأكثر برودة. العبور بين الإطارات يشدّ الانتباه إلى كمية المخلّفات التي ينتجها البشر يومياً. 1425 إطاراً تشكّل التجهيز، وهو العدد الذي يُرمى حول العالم خلال الدقائق الثلاث التي يقطعها الزائر عبر الممر. التذكير بالحجم الهائل للمخلفات والنفايات حول الكوكب لحظة وعي صادمة لا يُستحسن تجاهلها.


مقالات ذات صلة

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
يوميات الشرق صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
الاقتصاد جانب من تدشين صندوق «نماء» الوقفي (الشرق الأوسط)

السعودية تطلق أول صندوق وقفي لتحقيق الاستدامة البيئية والمائية والزراعية

أطلق وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن الفضلي الثلاثاء صندوق «نماء» الوقفي بهدف تعزيز استدامة القطاع غير الربحي للمنظومة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.