تعرف على المصممة التي اختارتها ملكة إسبانيا لتقديم تحية لمصر

دينا شاكر لـ«الشرق الأوسط»: أعمالي مستلهمة من حضارتنا القديمة

معطف ترنش بتصميم مفكك من مجموعة روتد متجذرة في هويتها وجوهرها
معطف ترنش بتصميم مفكك من مجموعة روتد متجذرة في هويتها وجوهرها
TT

تعرف على المصممة التي اختارتها ملكة إسبانيا لتقديم تحية لمصر

معطف ترنش بتصميم مفكك من مجموعة روتد متجذرة في هويتها وجوهرها
معطف ترنش بتصميم مفكك من مجموعة روتد متجذرة في هويتها وجوهرها

في عالم الأزياء حيث تتنافس الأسماء على التفرد، لمع اسم المصممة المصرية دينا شاكر رمزاً للأناقة والابتكار. قدرتها على المزج بين الحرفية و اللمسات الدرامية أصبح لها حضور عالمي. فاسم دينا شاكر تردّد كثيراً في الآونة الأخيرة، بفضل اختيار ليتيزيا ملكة إسبانيا سترة من تصميمها لدى زيارتها لمصر في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. فالمعروف عن ليتيزيا أسلوبها العصري والمواكب للموضة، الأمر الذي جعلها واحدة «من أكثر أفراد العائلات المالكة أناقةً في العالم»، وفق قول المصممة، مضيفةً أنها، إلى جانب دوقة كمبردج ودوقة ساسكس، أعادت ابتكار الأسلوب الملكي للقرن الحادي والعشرين.

ليتيزيا ملكة إسبانيا وجاكيت من المصممة المصرية دينا شاكر خلال زيارتها الأخيرة لمصر (إ.ب.أ)

قبل الملكة ليتيزيا

لكن علاقة المصممة مع الموضة تعود لسنوات طويلة. تقول إنها انجذبت نحو عالم الموضة منذ طفولتها، قبل أن يتحول شغفها بالتصميم إلى واقع تجسّد في تأسيس واحدة من العلامات المصرية المفضلة لدى شخصيات نسائية بارزة داخل مصر وخارجها. وجاء ارتداء ملكة إسبانيا ليتيزيا لقطعة من توقيعها بمثابة نقطة ضوء أخرى في مسيرتها.

كانت القطعة على شكل سترة «بلايزر» من الكتان بأربعة جيوب أمامية وطيَّات خلفية لراحة وسهولة الحركة، وفي الوقت ذاته لمنح الخصر أنوثة.

المصممة المصرية دينا شاكر (الشرق الأوسط)

لا تخفي دينا فخرها بهذا الظهور، وتقول في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»: «لدى العائلات المالكة قواعد ملكية صارمة يجب اتباعها فيما يتعلق بالأزياء، ومن ثم فإن الأمر هنا لا علاقة له بأي أهداف تسويقية أو ترويجية من جانبي؛ فلا أحد يستطيع طرق أبواب قصر ملكي لترشيح قطعة ملابس لأفراد العائلة. وهذا ما أسعدني كثيراً؛ أن اختيارها كان لذوق شخصي».

البليسيه من مفردات التفكيكية التي تستخدمها في تصاميمها (الشرق الأوسط)

وتؤكد في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «على الرغم أن ليتيزيا تُطلق العنان لإطلالاتها في التنسيق وارتداء ملابس من مصممين محليين إسبانيين في غالب الأحيان، فإنها تُحافظ على التقاليد الملكية والدبلوماسية في اختيار ملابسها، وهو ما يزيد من فخري».

وفي حين يضع هذا الأمر أي مصمم في مقارنات صعبة مع نفسه في المستقبل، فإن دينا شاكر تَعد «هذه الخطوة بمنزلة إضافة فصل جديد من نجاحها يُعزز رغبتها في مواجهة كل التحديات وترسيخ مكانتها في الساحة العالمية».

تأثير زها حديد

تخصصت المصممة الشابة في العمارة الداخلية بكلية الفنون الجميلة «ومن المعروف أن الاستلهام ما بين العمارة والموضة أمر متبادَل ومستمر»، وفق قولها، وهو ما ينعكس على تصاميمها التي تتميز بخطوط هندسية تتبع نفس المدرسة التفكيكية، التي تأثرت بها المعمارية الراحلة زها حديد، واقتبستها هي الأخرى من المفهوم «التفكيكي» لجاك دريدا، الذي يهتم بتفكيك النص الأدبي للكشف عن المعاني الكامنة فيه، وأعادت به زها تعريف العناصر البنائية لابتكار فراغات غير مألوفة معمارياً وبصرياً.

معطف ترنش بتصميم مفكك من مجموعة روتد متجذرة في هويتها وجوهرها

وهكذا تفعل دينا شاكر في تصاميمها؛ تفكِّك القطع الكلاسيكية التي اعتاد الناس عليها مثل السترات، وتعيد تقديمها بأشكال غير تقليدية. فرغم أن الـ«بلايزر» الذي ظهرت بها ملكة إسبانيا عرَّف العديد من الناس بها، فإنه يبقى كلاسيكياً مقارنةً بغيره من القطع المتمردة على المتعارف عليه والتي أعادت بناءها بأسلوب متفرد، تستعمل فيه أحياناً تقنيات من الخياطة الرجالية، لأنها من وجهة نظرها تجعل مقاييس المرأة تبدو أجمل، ومفعمة بقوة ناعمة.

أناقة للمرأة العصرية (الشرق الأوسط)

هذا التأثر بالمدرسة التفكيكية سبقها إليه المصممون اليابانيون الذين فككوا بعض الكلاسيكيات وأعادوا بناءها بعد دمجها بحضارتهم وإرثهم الثقافي، فجاءت المدرسة اليابانية في الأزياء لتُحدث انقلاباً في عالم الموضة، وهو ما ألهم دينا شاكر أيضاً.

تأثير المدرسة اليابانية

تابعت المصممة العروض اليابانية وتطور صناعة الموضة على يد مصمميها باهتمام كبير. تقول: «فهمت منهم كيف يمكن أن أتبع التفكيكية في الموضة بلغة مصرية؛ فأنا أنتمي إلى دولة تتمتع بتاريخ وعراقة وحضارة ومفردات خاصة بها؛ فلماذا لا أحقق الاستمرارية للقديم بطريقة معاصرة جديدة تماماً؟».

الكسرات والثنيات من أهم سمات تصاميمها (الشرق الأوسط)

طبَّقت هذا المبدأ من خلال الكسرات والثنيات والخطوط الأفقية والرأسية التي تطغى على كثير من تصاميمها، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من أسلوبها منذ أن أطلقت علامتها في 2013. فكرة «البليسيه» مثلا بالنسبة إليها هي مصرية خالصة: «على جدران المعابد الفرعونية، مما يُثبت أن أول من استخدم البليسيه في الأزياء هم المصريون القدماء».

وهكذا أعادت تقديم الكسرات والطيَّات بأشكال أكسبتها لمسات عصرية سواء في التنورات البليسيه التي تقدمها، أو في القمصان من دون أكمام وبتصميم جانبي منحوت، تُميِزها ثنيات جانبية ممتدة على اليسار، أو في فساتين بسحابات خفية تُسهل ارتداءها بأشكال مختلفة لأنها تراعي المحيط الطبيعي للجسم، مثل فستان يمكن أن يستعمل كتنورة، وهكذا.

تلعب الأقمشة الطبيعية دوراً مهماً في تصاميمها خصوصاً أنها منتج مصري مثل الكتان (الشرق الأوسط)

تقول إن الطيات والكسرات في هذه التصاميم تتعدى دورها كطبقة إضافية أو تفصيل للتزيين؛ بل هي متأصلة في الشكل نفسه، وجزء لا يتجزأ من الصورة الظلية، مثل آثار قديمة لا تفقد رونقها أو حضورها.

تصاميم تمزج الذكوري بالأنثوي بشكل سلس وأنيق (الشرق الأوسط)

لا تتجاهل المصممة أهمية البنطلون، فتقدمه هو الآخر بشكل عصري ومنساب بدقة هندسية بفضل طيات أمامية تميل بشكل حاد فتُضفي عليه حركة وتجعل الخصر يبدو منحوتاً، الأمر الذي يمنح الإطلالة توازناً ونعومة.

في السياق نفسه تستخدم العلامة الأقمشة الفاخرة، وتحتفي بالكتان تحديداً، كونه من البيئة المصرية، وكان الأجداد أول من استخدموه في النسيج.

مزج الحرفية العالية مع لمسة درامية أنيقة (الشرق الأوسط)

إلى جانب أهمية التصميم وضرورة أن يسهم في إبراز جمال المرأة وأناقتها، لا تتجاهل دينا شاكر أهمية الحرفية واليد العاملة التي تعمل على تنفيذ وتصنيع كل صغيرة وكبيرة. تقول: «أهتم للغاية بإظهار جمال الحرفة؛ لأننا دوماً لا نشاهد ما بالداخل، ولا نعطي مراحل التصنيع حقها من التقدير، ولذلك أترك طرفاً أو جزءاً من القماش كما هو بطبيعته، دون ثنيه أو (تهذيبه)؛ لأن من ضمن فلسفتي التي أريد تأكيدها أن الجمال ليس في الكمال، أو التنميق المبالغ فيه».

وتتابع: «من الخطأ الاعتقاد بأن المرأة الجميلة هي التي تخلو تماماً من أي عيوب، فثمة جوانب أخرى قد لا تبدو للعين مثل الشخصية النقية أو الواثقة، تنعكس على المظهر وتمنحه جاذبية، وهذا هو ما أريد التعبير عنه في كل تصميم أرسم ملامحه لأخرجه من تلك النظرة التقليدية للجمال».

التفصيل الرجالي حاضر لكن بلمسات ناعمة تزيد المرأة أنوثة (الشرق الأوسط)

فالرسالة كانت ولا تزال استعمال الأناقة لتمكين المرأة ورفع ثقتها بنفسها بعيداً عن إملاءات الموضة أو المجتمع. هي في هذه الحالة بمنزلة «درع»، وفق قولها.

الألوان التي تميل المصممة إلى استعمالها في معظم تصاميمها هي ألوان محايدة مثل: الأبيض، والبيج، والكريمي، والرمادي، والأزرق الغامق. فهذه الألوان بالنسبة إليها مستلهَمة من البيئة العربية؛ حيث الصحراء والرمال والصخور، كما أنها تناسب المرأة العربية.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.