«سترة الميدان»... بين الحرب والسلم

أصوله عسكرية… دماؤه عملية وجيوبه تفضحه

مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)
مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)
TT

«سترة الميدان»... بين الحرب والسلم

مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)
مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)

قد يصعب تصديق أنه من رحم الحروب ودمويتها، ولدت قطع أزياء صمدت عبر الزمن، وتحدَت إيحاءاتها المرتبطة بالعنف والظُلم. ليس هذا فحسب، بل دخلت عالم الموضة من أوسع الأبواب. سلاحها هو العملية الوظيفية. ما علينا سوى ذكر المعطف الممطر Trench Coat الذي ابتكره توماس بيربري في القرن الماضي لحماية الجنود البريطانيين من عوامل الطقس وتقلباته في الخنادق، حتى نشعر بالامتنان له ولمطوريه من المصممين من بعده بعد أن أصبح قطعة لا يمكن الاستغناء عنها في خزانة المرأة والرجل على حد سواء. كذلك بنطلون «الكارغو» Cargo pants بجيوبه المتعددة، ونقشاته الحربية، والذي يرافقنا في السفر والنزهات اليومية، وأخيراً وليس آخراً جاكيت الميدان Field Jacket.

كانت هذه الجواكيت ولا تزال مرتبطة بالرجل لكنها دخلت عالم المرأة على يد مصممين كبار (هوكرتي)

جاكيت الميدان

هذا الجاكيت وجد في الإقبال الذي تشهده السترات عموماً هذا الموسم فرصة ليتقدم للصدارة، لافتاً الانتباه بجيوبه المتعددة، والكبيرة. زاد من إشعاعه ظهور ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي، به مؤخراً.

صور الحرب العالمية الثانية التي وُلد فيها ومن أجلها بعيدة هي الآن عن الأذهان. جيل كامل يقرأ عنها في كتب التاريخ فقط، وبشكلها الحديث، يربطها أغلبهم بصورة مغامر مستكشف، أو أرستقراطي بريطاني في رحلة صيد يبحث فيها عن فريسة. ربما لأنه يشبه في بعض تفاصيله جاكيت السافاري، الذي أبدعه الراحل إيف سان لوران في الستينات من القرن الماضي، وكان الجاكيت العسكري الميداني مصدر إلهامه. إيف، باعتبار أنه مبدع، له نظرة فنية استثنائية، فكك إيحاءاته الحربية، وطوره بأن زاد من طوله، واقترحه بخامات مترفة تليق بأحلى المناسبات للجنسين.

بين ميلانيا والملكة ليتزيا

سبب الحديث عن هذا الجاكيت في الآونة الأخيرة إطلالتان مثيرتان لكل من ميلانيا ترمب والملكة الإسبانية ليتزيا في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. إطلالتان أثارتا الكثير من الفضول والإعجاب، نظراً لتأثيرهما البصري الأنيق.

ميلانيا ترمب وجاكيت من «رالف لورين» خلال زيارتها الأخيرة لبريطانيا (رويترز)

كان ذلك عندما ظهرت الأولى بجاكيت «الميدان» في اليوم الأخير من زيارتها الرسمية لبريطانيا رفقة زوجها الرئيس دونالد ترمب. كان بتوقيع دار «رالف لوران»، ومصنوعاً من جلد الشامواه، بأربعة جيوب تحترم التصميم الأصلي. تجدر الإشارة إلى أن علامة «رالف لورين» من العلامات المفضلة لدى ميلانيا، لكن اللافت أكثر أنها تحرص منذ ولاية زوجها الثانية على الظهور بإطلالات تعكس القوة والصرامة، وكأنها في حرب مع الآخر.

في الجهة الأخرى، ظهرت الملكة ليتزيا في ثالث يوم من زيارتها مع زوجها الملك فيليبي لمصر بجاكيت بتوقيع المصممة المصرية دينا شاكر، مستوحى من جاكيت السافاري. تميَز باللون الأبيض، ومن الكتان الطبيعي حتى يناسب حرارة القاهرة، وروح المغامرة التي رافقت مستكشفي القارة السمراء والأهرامات. كانت لفتة دبلوماسية من الملكة قبل أن يكون قطعة عملية تتقاطع مع «الجاكيت العسكري» بجيوبها الكبيرة، ومناسبتها للمكان، والزمان.

ليتزيا ملكة إسبانيا وجاكيت من المصممة المصرية دينا شاكر خلال زيارتها الأخيرة لمصر (إ.ب.أ)

فالجيوب ربما تكون السمة الملازمة للجاكيت العسكري الميداني، وأكثر ما يُميزه ويمنحه هويته. ثم تأتي خامته، والمواد التي يُصنع منها ثانياً. على الأقل في عالم الموضة. كانت هذه الجيوب، بحجمها وعددها، إلى عهد قريب حكراً على السترات الرجالية، ولا تزال إلى حد كبير. لكن ومنذ بدأ مصممون من أمثال ستيلا ماكارتني وجاكوموس وعلامة «ساكاي» يطرحونها، إلى جانب «رالف لورين» وهي تخاطب امرأة مستقلة تتوخى العملية من دون أن تتنازل عن الأناقة.

الحرب هي البداية

ولدت هذه السترة لدواعٍ حربية صرفة. كان ذلك في عام 1941، وخلال الحرب العالمية الثانية، باعتبار أنها بديل للمعطف الصوفي للحماية من قسوة الخنادق. صدرت آنذاك باسم «M-41» بوصفها قطعة أساسية في الزي العسكري الأميركي، وروعي فيها أن تأتي بقوة عزل عالية من خلال طبقة خارجية مصنوعة من قطن البوبلين، وبطانة من صوف الفلانيل المقاوم للماء والرياح. ورغم ذلك لم تكن مثالية، ولم تُوفر بطانتها عزلاً كافياً، كما لم تحمِ طبقتها الخارجية من المطر تماماً. كان هناك أيضاً تذمر في صفوف الجنود من قلة الجيوب فيها. فهذه كانت ضرورية لحمل الذخيرة، والخرائط، والمستلزمات الطبية. ومع ذلك ظل هذا التصميم معتمداً لعدم توفر بديل آخر حتى عام 1943، مع ظهور «M-43»، النموذج المحسَن.

تميز بطول ممتد يصل إلى الورك، وغطاء رأس قابل للفصل، وجيوب أمامية، وحبل شد حول الخصر، واستخدم قماشاً من قطن الساتان.

نجح في توفير ما يحتاج إليه الجنود لمواجهة قسوة الطقس، والحماية قدر الإمكان. لم يتوقف الجاكيت عن التطور. تصميم «M-50» مثلاً جاء بأزرار داخلية تسهل تركيب البطانة، كما تخلى عن بعض التفاصيل التي كانت تربطه بميادين القتال فقط. تحوّل هنا إلى زي رسمي يمكن ارتداؤه في مناسبات أخرى. بقي أكثر ما يُميِزه جيوبه الأمامية الكبيرة -اثنان على الصدر، واثنان على جانبي الخصر.

تحوله إلى رمز ثقافي

ثم جاء الإصدار الشهير «M-65» الذي ارتداه الجنود الأميركيون خلال حرب فيتنام، بأقمشة مقاومة للرياح والأمطار الغزيرة خلال موسم المونسون.

ظهرت بها النجمة جين فوندا في عدة مظاهرات ومناسبات مناهضة للحرب (غيتي)

أصبح في هذه الفترة انعكاساً للتحول الثقافي الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية والعالم أجمع، حيث استعمله المناهضون لحرب فيتنام بوصف أنه رمز لرفض الحرب، والمطالبة بعدالة اجتماعية. كان من بينهم مشاهير من أمثال جين فوندا، وجون لينون، وغيرهما. ثم دخل عالم السينما على أنه سترة ترمز للقوة في أفلام «جيمس بوند»، و«أبوكاليبس ناو» و«رامبو».

في السبعينات، بدأ هذا التصميم يلفت الأنظار إلى جانبيه العملي والجمالي، بعد أن أدخله مصممون مثل رالف لورين عالم الموضة. وبينما اجتهد الراحل إيف سان لوران في إخفاء معالمه الحربية بأن جعله تصميماً خاصاً بالمغامرات واستكشاف ثقافات أخرى، حافظ رالف لورين على شخصيته الأصلية، ربما للحفاظ على انتمائه الأميركي. ركَز أكثر على تجديده بإدخال أقمشة مترفة، أحياناً شفافة ليخفف من صرامته، ومن ثم يضفي عليه النعومة. لا يزال يقوم بهذا لحد الآن، وهو ما ظهر جلياً في تشكيلته لربيع وصيف 2026، والتي قدمها خلال أسبوع نيويورك الأخير.

من عروض أزياء «رالف لورين» و«نون«... تغيرت الأقمشة والألوان وظلت الجيوب علامة مميزة (رالف لورين +نون)

حالياً، حيث نلمس حنيناً لافتاً للماضي، يتجسّد في رغبة المصممين إعادة تفسير أيقونات من عقود مضت بلغة جديدة، وأناقة معاصرة، فإن هذا الجاكيت لم يغب عن أنظارهم. تلاعبوا عليه من خلال الخامات، واستغنوا عن تفاصيل تتطلبها ميادين الحرب، مثل القلنسوات، واللون الزيتوني، والأربطة على شكل حبال، والقبعات المربوطة بسحابات، وغيرها من التفاصيل الوظيفية. اكتسى في المقابل بألوان أكثر تنوعاً، كما اكتسب خطوطاً ناعمة تحدد الخصر بحزام يراعي متطلبات الموضة، إضافة إلى استعمال أزرار عوض أربطة، وسحابات. بيد أن الجيوب ظلت مكانها. لم تتغير شكلاً، أو عدداً.

«هوكرتي»... تُفصِلها على المقاس

أصبح الآن بالإمكان تفصيلها على المقاس باختيار القماش واللون (هوكرتي)

وبما أن جواكيت «الميدان» مثل كل الكلاسيكيات يجب أن تكون على المقاس تنسدل على الأكتاف، وتلامس الخصر بشكل مثالي، كان من البديهي أن توليه علامات متخصصة في التفصيل على المقاس، مثل علامة «هوكرتي» Hockerty، اهتمامها. فهي تقدّم مجموعة أنيقة ومتنوعة لرجل يريد مواكبة الموضة من دون أن تُلغي إرثه التاريخي، وفق ما صرحت به العلامة قائلة: «إن تفسيرنا لهذه السترة يوجه تحية للماضي ويحترمه، لكن يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحاضر والمستقبل. لهذا كان لا بد أن تأتي أكثر تنوعاً مما كانت عليه في أي وقت مضى».

تشرح العلامة، ومركزها في سويسرا، أنه تم حذف بعض التفاصيل الحربية الصارمة، مثل أصفاد الفيلكرو، والأربطة على شكل حبال «وما شابه من تفاصيل لم تعد هناك من حاجة إليها». صحيح أن «رجل اليوم يريد تصاميم لها تاريخ وجذور قوية، إلا أنه يريدها أيضاً أن تكون عملية وأنيقة يمكنه اعتمادها في عدة مناسبات بأسلوب يمنحه الثقة والراحة... وتظهر رشاقته». طبعاً مع مراعاة أن تناسب القطعة كل المواسم. في الشتاء يمكن استعمالها مع كنزة صوفية سميكة، وفي الربيع مع قميص من القطن أو «تي-شيرت». وفي كل الحالات، فإن الرسالة واحدة: منح الحماية والثقة، وتحقيق السلام.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.