المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن مغادرتها سيبيريا المتجمدة لتعانق دفء مصر

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)
المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)
TT

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)
المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)

مرت مصممة الأزياء الروسية ڤيرا زولوتاريڤا برحلة طويلة بداية من سيبيريا المتجمدة في روسيا وحتى استقرارها في مصر.

تقول: «قصتي مع التصميم بدأت من عمر الثالثة، حين كنت أقص أقمشة الستائر بمنزلنا. دعمتني أسرتي، والتحقت بجامعة أومسك، وهي أعرق كلية للتصميم في الاتحاد السوفياتي، وتخصصت في السنة الأخيرة في تصميم المعاطف، والجاكيتات، وتخرجت الأولى على دفعتي، ثم نلت درجة الماجستير».

تستلهم الكثير من التفاصيل من ثقافات بعيدة وحضارات قديمة (فيرا)

وبعد تخرجها شاركت فيرا في تصميم الكثير من ملابس عروض دار أوبرا أومسك.

تقول إن الأزياء بالنسبة لها ليست مجرد غطاء للجسد، أو مادة للتباهي، وإنما هي لتعزيز ثقة الإنسان بنفسه، والتعبير عن نفسه بإيجابية. تشرح قائلة في حوار لـ«الشرق الأوسط»: «كيف للإنسان أن يرتدي ملابس لم تصنع له بشكل خاص، تراعي مقاييس جسده؟ أنا لم أشترِ ملابس جاهزة منذ أن كنت في عمر 12 عاماً».

تراعي المصممة أن تدمج الأناقة والبريق بالحشمة (فيرا)

انهيار الاتحاد السوفياتي وما تبعه من ظروف اقتصادية عصيبة كانت حافزاً لها على نحو لم تتوقعه «توقفت المصانع، واختفت السلع، ولم تعد هناك ملابس تباع بالمحلات، ما دفعني لصنع ملابسي أنا وأسرتي من كل ما تقع عليه يداي، بدءاً من تدوير الملابس القديمة، وصولاً إلى صنع ملابس من أغطية الأسرّة، والمفارش».

العلاقة بمصر

كانت أول زيارة لها في مصر عام 2000 عندما جاءت في رحلة سياحية إلى الغردقة وشرم الشيخ والأقصر. ولدى عودتها إلى بلدها، تعرفت على شاب مصري تزوجته وعادت لتستقر معه في بلده. بسبب الزواج وظروف الغربة والتأقلم، توقفت عن التصميم لفترة، قبل أن تطلب منها مجموعة من قريبات زوجها تصميم فساتين سهرة يحضرن بها عرساً عائلياً. تقول: «في الفرح، انبهر الكثيرون بالفساتين وسألوا عن مصممها، وهم من شجعوني على العودة إلى تصميم الأزياء».

العودة للمسرح

لا تبخل على تصاميمها بالتفاصيل التي تضفي عليها بريقاً (فيرا)

واليوم، تعود فيرا إلى المسرح من جديد، بمشاركتها في مشروع ضخم بالأوبرا المصرية، يحمل طابعاً فرعونياً. لتكون أهلاً للمسؤولية، تستعين بعلماء متخصصين في علوم المصريات لتفهم الاختلافات بين الأسر المصرية القديمة من حيث درجات الألوان، وغيرها من التفاصيل.

وتضيف ڤيرا زولوتاريڤا: «أعشق الأزياء الفرعونية حتى قبل قدومي إلى مصر، فقد درست في الجامعة تاريخ الأزياء، وبالطبع كانت البداية من مصر، ومع أنني درست أزياء حضارات قديمة أخرى مثل الرومانية والهندية، ظل قلبي معلقاً بالأزياء المصرية تحديداً».

تخصصت في الأزياء المحتشمة وترى أن فيها أجمل رقي (فيرا)

اليوم، تتعاون فيرا مع قاعدة عملاء داخل مصر، وتوسعت إلى دول الخليج، ويتركز عملها في مجال فساتين السهرة المحتشمة تحديداً.

عن السبب تشرح «أعتبر نفسي هنا في مصر ضيفة، لذلك يجب علي الالتزام بثقافة وتقاليد هذا البلد... وإن كان العري يكشف الجسد، فإن الحشمة تكشف قيمة الإنسان الحقيقية».

ولحسن الحظ أن «مصر لا تتأثر كثيراً بالصرعات العالمية» وفق قولها، وتتابع: «وهذا يعني أنني لست مضطرة لمسايرتها، وإن كنت لا أتجاهل توجهات الموضة العالمية، ورغبة المرأة التي أصمم لها في أن تواكبها. فهي التي ستلبس القطعة، وبالتالي يجب أن أحترم رغبتها في أن تُعبِر عنها، وتمنحها الثقة».


مقالات ذات صلة

«الترنش»... من معطف وقاية إلى فستان يليق بالسجاد الأحمر

لمسات الموضة تغيَرت خاماته وكثُرت زخرفاته وتطريزاته وبقيت الأساسيات (موقع بيربري)

«الترنش»... من معطف وقاية إلى فستان يليق بالسجاد الأحمر

لم يعد معطف الترنش مجرد درعٍ واقٍ من المطر أو قطعة عسكرية وُلدت في الخنادق، بل تحوّل عبر العقود إلى رمز متجدّد في عالم الموضة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)

«ميت غالا 2026» يُشعل جدل علاقة المال بالفن

مساء الاثنين الماضي، كانت الموضة فناً قائماً بذاته. هذا هو عنوان حفل الميتروبوليتان 2026، الحدث السنوي الذي يقيمه متحف ميتروبوليتان في نيويورك.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)

«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

كان الفيلم، لا سيما الجزء الثاني، نقطة تحوُّل في كيفية تعامل هوليوود مع الموضة بوصفها طرفاً أساسياً وشريكاً يمكن أن يجمعهما الفني والاقتصادي بشكل ذكي ومتكامل.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.


«الترنش»... من معطف وقاية إلى فستان يليق بالسجاد الأحمر

تغيَرت خاماته وكثُرت زخرفاته وتطريزاته وبقيت الأساسيات (موقع بيربري)
تغيَرت خاماته وكثُرت زخرفاته وتطريزاته وبقيت الأساسيات (موقع بيربري)
TT

«الترنش»... من معطف وقاية إلى فستان يليق بالسجاد الأحمر

تغيَرت خاماته وكثُرت زخرفاته وتطريزاته وبقيت الأساسيات (موقع بيربري)
تغيَرت خاماته وكثُرت زخرفاته وتطريزاته وبقيت الأساسيات (موقع بيربري)

ظهرت ميغان ماركل، دوقة ساسيكس، مرتدية معطف «الترنش» بأسلوب عملي وهادئ يُذكّر ببداياته كقطعة وظيفية، خلال زيارتها الأخيرة إلى أستراليا، بينما اختارته الفنانة تيانا تايلور في شوارع نيويورك بجرأة لافتة حوّلته إلى فستان سهرة، أو على الأقل يليق بأجمل المناسبات. قطعة واحدة، لكن بقراءتين متناقضتين تماماً.

ميغان ماركل تيانا تايلور إطلالتان مختلفتان تماما (أ.ب + بيربري)

وهنا تبدأ حكاية معطف لم يتنصَّل من جذوره الأولى تماماً، لكنه لم يعد مجرد لباس وظيفي وقائي. تطورَ وتحوّل مع الوقت إلى مساحة مفتوحة للتعبير عن الذوق الخاص والأناقة التي لا تعترف بزمان أو مكان.

وُلد متواضعاً كقطعة بروليتارية، أو على الأصح عسكرية، لكي يؤدي وظيفة معينة، ونجح بعد عقود في اقتحام خزائن الملوك والنجوم على حد سواء. وما يُحسب له لحد اليوم، أنه لم يقاوم قسوة الطقس فحسب، بل أيضاً كل التذبذبات الاقتصادية والتحوّلات الثقافية التي مرّ بها.

دار «بيربري»، تعتبر نفسها الأب الروحي له، رغم أنها لم تكن أول من ابتكره. كانت ولا تزال ما تمنحه الأولوية باعتمادها عليه في كل تشكيلاتها. حتى في أقسى أزماتها، تارة تُضفي عليه ألواناً مغرية، وتارة بتزيينه بتفاصيل جذابة وأقمشة مترفة. بدوره لم يخذلها في أي مرحلة من مراحلها.

في العقود الأخيرة تصدَّر مشهد الموضة أكثر، بفضل تنوُّعه. وبالإضافة إلى إمكانية ارتدائه بأساليب متعددة ويناسب مختلف الفصول والمناسبات ارتقى إلى مستوى فستان. ليس هذا فحسب؛ إذ يمكن القول إنه من القطع التي سبقت الزمن بعقود، بمخاطبته الرجل والمرأة على حد سواء. كسَر المفهوم «الجندري» حتى قبل أن يتحوّل التداخل بين الذكوري والأنثوي إلى مفهوم سائد في عالم الموضة.

كان للنجوم فضل في جعله أكثر إبهاراً (بيربري)

الفرق أنه في حين يبقى عند الرجل أكثر كلاسيكية، بتركيزه على بنيته الأساسية، ووظيفته كقطعة مكمّلة يمكن ارتداؤها مع بدلة رسمية أو «تي - شيرت» بسيط، تحرّر عند المرأة واتخذ أشكالاً أكثر تنوعاً وإثارة، لا سيما فيما يتعلَّق بأقمشته.

وطبعاً لأنه موجّه للأجواء المعتدلة والمتقلّبة، اتسمت هذه الأقمشة بالخفة، تنسجم مع رغبة المصممين في تحقيق الأناقة دون التفريط في العملية. هذا التطوير والابتكار بإدخال أقمشة جديدة، بدأت عام 1856. عندما صممه توماس بيربري لحماية الجنود الإنجليز من قسوة الطقس داخل الخنادق، مستخدماً قماش الغاباردين لأول مرة، وهو ما كان آنذاك بمثابة ثورة في عالم التصميم. بعد أن خرج من وظيفته العسكرية إلى منصات العرض، كان من الطبيعي أن تتنوَّع أقمشته أكثر، كما تفاصيله، مثل ظهور شراشيب وكشاكش وغيرها.

المفارقة أن كثيراً من التفاصيل التي لا تزال ترافقه لحد الآن، وتُعد جزءاً لا يتجزأ من تركيبته، لم تُصمم لأغراض جمالية؛ فالأحزمة عند المعصم، والأزرار المزدوجة، والياقة العريضة، وحتى الحلقات المعدنية الصغيرة، كانت عناصر وظيفية بحتة.

لقطات من حملة «بيربري» الاحتفالية بعامها ال170 (بيربري)

الغاباردين يعود مجددا

مما يُبرّر عودة الحديث عن هذا المعطف الآن هو حلول الربيع أولاً واحتفال دار «بيربري» ب170 عاما على تأسيسها وولادة هذه القطعة الأيقونية ثانياً. ففصل الربيع، لا يعني طقساً مستقراً بالضرورة، لا سيما في الدول الأوروبية؛ حيث قد تفاجئك الأمطار في أي يوم، ما يجعل «الترنش» خياراً منطقياً، تتكرر مشاهدته في شوارع لندن ولوس أنجليس، كما في دبي والرياض.

أما بالنسبة لاحتفال «بيربري» بميلادها الـ170، فجاء على شكل حملة صوَّرها تيم وولكر بالأبيض والأسود، فشارك فيها 23 نجماً عالمياً في مجالات الأفلام والموسيقى والرياضة والأزياء. كلهم عبَّروا من خلال طرق تنسيقهم له، على مدى ارتباطهم بهذه القطعة الأيقونية. كاميرا المصوِّر تيم وولكر التقطت حس هذه العلاقة بإبرازه جمالياته العابرة للأجيال والزمان.

أما الدار، فأعادت في هذه الحملة قماش الغاباردين إلى الواجهة مُجدداً. قالت إنها أخضعته لعملية تطوير مُكثّفة، ليأتي هذه المرة أخف وأكثر انتعاشاً. تشرح: «إنه غاباردين إستوائي مخصَص للمناخات الدافئة».

أما أشكاله المبتكرة، فأبدعها مديرها الإبداعي دانيال لي، ضمن لوحة ألوان ناعمة تشمل اللون الوردي الفاتح جداً، والبيج الحجري للسيدات، والرمادي الرصاصي للرجال.

بين النهار والمساء

كل لقطة في الحملة تؤكد مدى التغيير الذي طرأ على شخصيته، وكيف أنه لم يعد مجرد معطف بوظيفة وقائية. صور النجوم أيضا تُظهر كيف تحوّل في العقود الأخيرة إلى قطعة قائمة بذاتها، يمكن أن تؤدي أدواراً مختلفة، أبرزها أنه أصبح يضاهي الفستان جمالاً وينافسه في المناسبات الكبيرة.

المشاهير والنجمات يقبلون عليه لتنوعه وأناقته التي تتعدى الوظيفي (بيربري)

العديد منهم أدخلوه مناسبات السهرة والمساء من بوابة السجاد الأحمر. في شهر مايو (أيار) من 2024 مثلاً، وفي مهرجان «كان» السينمائي السابع والسبعون، ظهرت النجمة أوما ثيرمان لدى حضورها افتتاح فيلم «أو كندا»، بمعطف «ترنش» طويل نسَّقته مع فستان من الحرير بلون عاجي، فصَّلتهما دار «بيربري» خصيصاً لها. هذه الصورة أثارت كثيراً من الانتباه وكان لها فضل في فك ارتباط هذا المعطف بصورة المفتش كلوزو، وكذلك بالاعتقاد السائد بأن دوره يقتصر على النهار. فضل كبير في هذا يعود إلى تنوُّع ألوانه وأقمشته، التي أصبحت أكثر فخامة ونعومة، إضافة إلى تصاميمه التي خضعت لإجراءات تجميلية متتالية، لم تلمس الأساسيات بقدر ما ركَّزت على التفاصيل. هذه الإجراءات بدأت منذ عهد المصمم كريستوفر بايلي الذي قاد دار «بيربري» من 2001 إلى 2018.

ولحد الآن، مهما تطوّر وتغيّرت صورته، لا تنسى «بيربري» وعشّاقها دور هذا المصمم في جعله منافساً قوياً لأجمل الفساتين. فمعه قد لا تحتاج المرأة إلى فستان ينتقل بها من النهار إلى المساء. هو وحده يكفي. اقتراحات بايلي كانت غنية ومتنوعة تتراوح بين الطويل والقصير، إلى جانب خامات، مثل الجلد والجاكار، وحتى الأقمشة اللامعة.

تزيّن «الترنش» بكشاكش وتفاصيل مبتكرة ليصبح قطعة قائمة بذاتها (بيربري)

مصمم الدار الحالي، دانيال لي، يحترم هذا الإرث منذ التحاقه بالدار في عام 2022. كان هدفه واضحاً، يتلخَّص في أن يعيد لها الثقة من خلال هذه القطعة أولاً، والنقشات المربعة ثانياً. وهو ما كان. ركَّز على إعادة توظيف أيقونات الدار بروح معاصرة، عبر العودة إلى الرموز الكلاسيكية، والاكتفاء بمعالجات تصميمية تقوم على التفكيك وإعادة التركيب. والنتيجة أنه بعد مواسم من التذبذب، بدأت رؤيته الإبداعية تُعطي ثمارها، وتنعكس تدريجياً على أداء الدار.

في أواخر عام 2025 مثلاً، ظهرت مؤشرات أولية على التعافي، تُشير إلى نمو طفيف في المبيعات وتحسُّن ثقة المستثمرين.

عروض الأزياء

هذا الحضور اللافت له في مناسبات السجادة الحمراء تزامن مع تصدر «الترنش» منصات عروض الأزياء بشكل مكثف. ففي عروض ربيع وصيف 2026 مثلاً، أعادت دار «بيربري» التأكيد على أنه جزء من هويتها الخاصة. اقترحه مصممها دانييل لي بتصاميم متنوعة تحمل روحاً شبابية، من دون أن يلمس رموزه الأساسية.

طويلاً كما ظهر في عرض إليزابيثا فرانجي (إليزابيثا فرانجي)

بيد أن حضوره لم يقتصر على «بيربري»؛ إذ ظهر في عروض بيوت أخرى ربما كانت أكثر جُرأة وتحرّراً من إرثه؛ ما شجعها على الدفع بتصاميمه نحو اتجاهات أكثر تجريبية، عبر قصّات قصيرة وأخرى بأحجام مبالغ فيها. لكن دائماً بخامات متطوّرة وغير تقليدية. وفي كل مرة مؤكداً مرونته وقدرته على التكيّف مع كل زمن. المصممة إليزابيثا فرانجي مثلاً قدّمته طويلاً حتى الكاحل، وبقماش منسدل زاد من أنوثته، إلى جانب فتحته العالية التي عزَّزت عنصر الإبهار الذي تتطلبه عروض الأزياء. والنتيجة أن شكله ارتقى إلى وظيفة فستان سهرة كما رسمه كريستوفر بايلي وعانقته المرأة المعاصرة.


«ميت غالا 2026» يُشعل جدل علاقة المال بالفن

الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)
الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)
TT

«ميت غالا 2026» يُشعل جدل علاقة المال بالفن

الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)
الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)

مساء الاثنين الماضي، كانت الموضة فناً قائماً بذاته. هذا هو عنوان حفل الميتروبوليتان 2026، الحدث السنوي الذي يقيمه متحف ميتروبوليتان في نيويورك منذ عام 1948 دعماً للفن من خلال تبرعات عشاقه من الذواقة.

هذا العام أثار ضجة وجدلاً وفتح نقاشات حول نفوذ المال وقدرته على اختراق «الذوق الراقي»، حسب البعض. الجدل كان سياسياً واجتماعياً بقدر ما هو فني. والسبب يعود إلى رعاية الملياردير جيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون» وزوجته لورين سانشيز للحفل، وما تبع ذلك من تساؤلات داخل أوساط الموضة حول طبيعة الحضور ومعايير الاختيار التي كرَّستها أنا وينتور على مدى سنوات. وحتى خارج أسوار الحفل، لم يكن المشهد أقل إثارة؛ إذ شهدت المدينة احتجاجات لعمال مهددة وظائفهم في شركة «أمازون»؛ ما استدعى تدخل الشرطة.

أنا وينتور راعية الحفل منذ عام 1999 في إطلالة أنيقة (أ.ف.ب)

قدّم الزوجان 10 ملايين دولار لاختراق هذا الحدث، الذي ظلّ حتى عهد قريب، يُنظر إليه على أنه نادٍ نخبوي لا يخضع بسهولة لسطوة المال وحده. غير أن التحولات الاقتصادية والأزمات التي مسَّت قطاعات إبداعية عدة، وربما أيضاً أضعفت قوة أنا وينتور في ظل ما تعانيه الصحافة المكتوبة حالياً من تراجع في المبيعات والإعلانات، جعلته انعكاساً طبيعياً لعصر تتداخل فيه القيم الثقافية والسياسية مع قوة المال.

لورين سانشيز تلقي خطابها في حفل هامشي سبق افتتاح «ميت غالا» (إ.ب.أ)

لورين سانشيز، التي لا تحظى بإجماع داخل أوساط الموضة الراقية من حيث الذوق الرفيع أو «الرأسمال الثقافي»، لم تكن مجرد ضيفة عادية في الحفل، بل حضرت بصفتها إحدى الرئيسات إلى جانب أنا وينتور، ونيكول كيدمان وفينوس ويليامز. وقد عزَّزت قوة حضورها بكلمة ألقتها في فعالية جانبية عبَّرت فيها عن رؤيتها للموضة. قالت فيها إنها تعدّ «المصممين فنانين حقيقيين، وأن الأزياء ليست مجرد أزياء أنيقة، بل وسيلة للتعبير الإبداعي».

جدير بالذكر، أن هذا الجدل ليس جديداً تماماً. فالتاريخ يكشف كيف أن دخول «المال الجديد» إلى فضاءات كانت مغلقة وتُعرِّف نفسها عبر الإرث الثقافي ليس استثناءً، بل نمط متكرر منذ القرن التاسع عشر حين بدأت طبقات صاعدة بثروات صناعية، مثل السكك الحديدية، بفرض حضورها الاجتماعي، عبر دعم الفنون وإقامة الحفلات الباذخة. من هذه الزاوية، يبدو الجدل حول دور بيزوس وسانشيز والمبلغ الباهظ الذي تكلَّفاه لدخول نادي الكبار امتداداً طبيعياً لهذا التداخل بين الفن والاقتصاد.

فستان في غاية الأناقة من «أتولييه فيرساتشي» ظهرت به الممثلة بلايك لايفلي في الحفل (أ.ف.ب)

بعيداً عن هذا السياق، وعلى مستوى الأزياء نفسها، قدم الحفل مشاهد بصرية مثيرة ودسمة تتراوح بين الجرأة والغرابة، وأيضاً الأناقة المضمونة. وجاءت تيمة «الموضة فن» مُستوحاة من معرض «فن الأزياء» في المتحف، والذي يستكشف صورة الجسد عبر الملابس على مر التاريخ، وكيف تطورت وسائل التعبير عنها، من الجسد شبه العاري إلى الكلاسيكي مروراً بجسد المرأة الحامل والجسد المتقدم في العمر.

بلو آيفي، ابنة بيونسي وإطلالة مبهرة  من دار «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

وكالعادة في هذا الحفل، فتحت هذه التيمة أبواب التأويلات الفنية على مصراعيها أمام المصممين، كما تركت لكل ضيف حرية التعبير عنها بطريقته الخاصة. المغنية بيونسي التي شاركت فيه بعد غياب عقد من الزمن بصفتها إحدى الرئيسات المشاركات، عُدَّت من بين الأكثر انسجاماً مع تيمة هذا العام، مصممها لها أوليفييه روستينغ.

العارضة هايدي كلوم وتجسيد حرفي لتيمة الحفل بأن الأزياء فن (أ.ف.ب)

في المقابل، ذهبت العارضة هايدي كلوم إلى أبعد من ذلك وظهرت وكأنها تمثال متحرك نحته ليوناردو دافنشي من المرمر. كما لفتت المغنية كايتي بيري الأنظار بقناع غطت به وجهها وكأنها ستدخل مسابقة مسايفة. المغنية ريهانا أيضاً لم تُخيِّب التوقعات هذا العام؛ إذ وصلت برفقة زوجها آساب روكي، بإطلالة صممتها لها دار «ميزون مارجيلا» بلون معدني وخامة ذات طابع نحتي من فن العمارة في العصور الوسطى.

ريهانا وإطلالة مثيرة من «ميزون مارجيلا» (أ.ف.ب)

شهد الحفل أيضاً حضور أسماء معروفة مثل مادونا وسابرينا كاربنتر والأخوات كارداشيان، وشخصيات رياضية مثل فينوس ويليامز وناعومي أوساكا.

وبينما كان الإبهار والمغالاة في تجسيد الفني بأشكاله السريالية والفانتازية، اختيار توفَّق فيه بعض الحضور، اختارت أخريات إطلالات أكثر هدوءاً، قد لا تلتزم تماماً بروح التيمة، في رغبة واضحة في الحفاظ على أناقة متوازنة، مثل نيكول كيدمان، التي حضرت بفستان من دار «شانيل» مزين بالترتر والريش. كان خياراً أنيقاً، لكن يناسب حفلاً مثل الغولدن غلوب أو حفل الأوسكار.

غطت كايتي بيري وجهها بقناع أضفى على فستانها الأنيق حركة مثيرة (إ.ب.أ)

ورغم أن غياب مجموعة من النجوم الكبار كان ملموساً بأعذار أو أسباب مختلفة، اختارت الممثلة سارة بولسون في المقابل، الحضور للتعبير عن رسالتها السياسية الرافضة لمبدأ تغلغل المال في الحياة الفنية والسياسية. أطلت بفستان رمادي أنيق من التول، بينما أخفت عيونها بورقة نقدية من فئة دولار واحد، وهو ما فسَّرته في حديث صحافي جانبي، بأن إطلالتها، والتي أطلقت عليها عنوان «The once percent» تشير إلى المصطلح المُستخدم للإشارة إلى أغنى 1 في المائة من سكان الأرض، ومن بينهم جيف بيزوس.

ورغم هذه الرسائل وما أثاره الحفل هذا العام من جدل، ما بين من يرى أنه فقد رسالته الفنية تحت تأثير نفوذ المال وبين من يرى أنه انعكاس طبيعي لتحوّلات العصر، أتحفنا الحضور بصور مثيرة، أعاد التأكيد من خلالها على أن الأزياء فعلاً يمكن أن تكون فناً قائماً بذاته، وهي الفكرة التي دافع عنها الراحل إيف سان لوران طوال حياته.

الأهم من كل ذلك أنه أدّى مهمَته وحقَق أهدافه، إذ تمكّن من جمع تمويل قياسي بلغ 42 مليون دولار. فمن قال إن المال لا يجلب المال؟


«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
TT

«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)

إذا كنتِ تتابعين السينما، فغالباً لفت انتباهك الزخم المحيط بالجزء الثاني من فيلم «The Devil Wears Prada»، وإذا كنتِ من عشاق الموضة، فإن الطابع البصري للحملات الترويجية وحفلات الافتتاح الأولية، قد شدّكِ أيضاً، خصوصاً غلبة الأحمر والأسود.

هذا الاختيار ليس مجرد تنسيق ألوان أو لمسة جمالية عابرة. فالأحمر يوحي بالقوة والجاذبية وأحياناً بالتوتر، فيما يعكس الأسود الصرامة والهيبة وجانباً أكثر بروداً في عالم الموضة. وهذا ما يجعل الصور تبدو كأنها تمهّد لأجواء الفيلم قبل مشاهدته: عالم أنيق ولامع، لكنه مشحون بالتوتّر ومعقَّد في آن واحد.

لقطة جماعية لأبطال الفيلم (د.ب.أ)

هذا ما يبدو للوهلة الأولى، ويُذكّرنا بتعامل السينما مع الأزياء بوصفها جزءاً من سرد بصري حساس وأحياناً أساسي. بيد أن هذا التعامل يختلف هذه المرة. هو واضح في إشهار جانبه التجاري. في السابق، كانت السينما تستعمل الإعلانات بشكل غير مباشر، عبر لقطات خاطفة وإيحاءات بصرية تؤثر في اللاوعي. اليوم، كل شيء في الجزء الثاني من الفيلم مُعلن، وقائم على الإعلانات. فقد فتحت استوديوهات «ديزني» المنتجة الأبواب على مصراعيها أمام بيوت الأزياء ودور المجوهرات ومستحضرات التجميل. وحتى بعد صدوره، لم تتوقف العملية، بدليل هذا التسابق المحموم على تسجيل دور الأزياء حضورها على السجادة الحمراء.

آن هاثاواي وفستان من تصميم دار «لوي فويتون» (أ.ف.ب)

هذا الأمر لم يكن سهلاً في عام 2006، عندما صدر الجزء الأول من فيلم «The Devil Wears Prada»، وفق ما اعترفت به باتريشيا فيلد، مصممة أزيائه، في عدة مناسبات. قالت إنها واجهت صعوبة في إقناع المصممين والعلامات الكبيرة بالتعاون معها. ليس لأن الموضة كانت ترفض العمل مع السينما، بل ببساطة لأن القصة كانت تقترب من منطقة حساسة داخل هذا العالم. كانت تستند إلى شخصية آنّا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ»، النسخة الأميركية آنذاك، التي لا تزال واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً وهيبة داخل صناعة الأزياء. هي الآن المُشرفة على التوجه الاستراتيجي والمحتوى في مجموعة «كوندي ناست» المالكة لعدة مجلات براقة إلى جانب «فوغ».

إيميلي بلانت وإطلالة مميزة من توقيع دار «مايكل كورس» وصندل من «فالنتينو» ظهرت بها في لندن (أ.ب)

من هذا المنظور، لم يكن غريباً أن تختار مجموعة من العلامات التجارية والمصممين مسافة آمنة يراقبون من خلالها ما يجري من بعيد. الاستثناء كان المصمم الراحل فالنتينو غارافاني، الذي لم يكتفِ بتوفير تصاميم تحمل اسم الدار، بل ظهر شخصياً في دور قصير داخل الفيلم. كانت لقطة عابرة، لكنها عادت على علامة «فالنتينو» بأثر واضح. فخلال الأشهر الأربعة التي تلت طرح الإعلان التشويقي الذي ظهر فيه حذاء «روكستاد» Rockstud الذي تشتهر به الدار، حققت التغطيات الرقمية نحو 1.9 مليون دولار من «القيمة الإعلامية»، حسب بيانات «Launchmetrics»... وحتى في الجزء الثاني، ظهر هذا الحذاء بصيغته المعاصرة في لفتة امتنان له.

أما ميوتشا برادا، فربما وافقت على التعاون مع الفيلم اضطراراً. كانت تُدرك أن الأمر يحمل شيئاً من المغامرة، إلا أنها كانت تعرف أيضاً أنه لا مفر من هذه المشاركة، بالنظر إلى أن اسمها يأتي عنواناً للفيلم.

لقطة من الفيلم (أ.ب)

نجح الفيلم من كل النواحي، إذ تجاوزت إيراداته 326 مليون دولار عالمياً. ليس هذا فحسب، كان أيضاً نقطة تحول في مسار آن هاثاواي، التي انتقلت بعده من ممثلة شابة مرتبطة بالأدوار الخفيفة إلى ممثلة قادرة على حمل أدوار أكثر نضجاً وتعقيداً في السوق السينمائية الأميركية. وحتى ميريل ستريب، التي كانت واحدة من أكثر ممثلات جيلها تتويجاً بالجوائز وأقرب إلى المدرسة الكلاسيكية «الجادة» في التمثيل، منحها الدور انتشاراً شعبياً أوسع خارج الدوائر النقدية المعتادة.

في الجانب الآخر، حصل المشاهد العادي على فرصة للدخول إلى عالم كان يراه مبهراً من الخارج من دون أن يعرف خباياه وحروبه، بينما تعلّم صنّاع الموضة درساً قاسياً لتجاهلهم مقولة رجل الأعمال الأميركي بي.تي بارنوم، إن أي دعاية، مهما كانت، أفضل من عدم وجود دعاية على الإطلاق.

آن هاثاواي بإطلالة من «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

الفيلم يلعب على البذخ والإثارة: بدلاتُ مفصلة، حقائبُ أنيقة، أحذيةُ لم تصدر بعد في الأسواق. أما الماكياج والتَّسريحاتُ والمُجوهراتُ فحدِّث بلا حرج. الطريف أن ملامح هذا البذخ والإثارة الإعلانية لا تزال مستمرة في كل حفل افتتاح يجري في عواصم العالم. وفيها كلها، ليس هناك أدنى محاولة للتمويه على الجانب التسويقي كأننا في عرض أزياء وإكسسوارات لـ«سيلين» أو «بالنسياغا» أو «ديور» وهلمَّ جرّا من الأسماء العالمية. وفي حين قد يتحفظ البعض على هذه الحملات التسويقية على أنها مباشرة للغاية، يرى آخرون أنها مقبولة لأنها نجحت في تحويل الجانب التجاري إلى شكل من أشكال الترفيه. هذه الشريحة تضيف أن المستهلك أصبح واعياً بالرسائل التسويقية حتى المبطَّنة منها، كما أصبح يعرف أن الأزياء التي تظهر بها النجمات في المناسبات الكبيرة إما تُقدَّم لهن هدايا أو سلفاً، وبالتالي لم يعد هناك داعٍ لإخفاء هذه الأمور أو التمويه عليها. المهم هو تقديمها بأسلوب منطقي.

لقطة من الجزء الثاني من الفيلم تظهر فيها آن هاثاواي مع ستانلي توشي (أ.ب)

الموضة مرآة لعصرها

داخل الفيلم نفسه، لم يكن حضور الموضة مجرد عنصر للتشويق بكشف المستور، ولم تعامَل على أنها صناعة منفصلة عن الواقع، بل بوصفها مرآة تعكس ثقافة العصر وتحولاته الاقتصادية والسياسية. في عام 2006، لم تكن الأزمات الاقتصادية حادة على النحو الذي نعرفه اليوم، لذلك بدا الفيلم كأنه ينظر إلى عالم الموضة من خلف زجاج عاكس؛ مفتون به من جهة، وساخر منه من جهة أخرى، من دون أن ينتمي إليه بالكامل.

آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)

في الجزء الثاني، أصبح عالم الموضة جزءاً من هذا العالم المشحون بالقلق.

فهناك إشارات إلى ارتفاع الأسعار، وما يفرضه ذلك من خيارات واقعية مثل شراء الملابس المستعملة أو المعاد تدويرها، ورغبة في خلق توازن بين الفخامة والواقع الاقتصادي الحالي. كما تطرق الفيلم إلى مصير الصحافة المكتوبة أمام غزو الإعلام البصري، وما يدور في الأوساط الإعلامية من صراع مع وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. يظهر هذا في لقطة للممثل ستانلي توشي وهو يستخدم أداة تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاختيار فستان مناسب، في تجربة تحوّل عملية اختيار قطعة أزياء إلى تفاعل رقمي قائم على البيانات والاقتراحات الذكية بدل البحث التقليدي، بما يعكس كيف أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تجربة التسوق شاء البعض أم أبى. هذا الصراع تُجسِّده شخصية «آندي ساكس، التي تلعب دورها آن هاثاواي. في الجزء الأول من الفيلم كانت تعيش حالة من الصدمة في بيئة شديدة الضغط يقودها نظام صارم من المعايير المهنية والشكلية. صحافة الموضة كانت بالنسبة إليها منفصلة عن الصحافة الجادة. في الجزء الثاني تتطور الشخصية وتتغير نظرتها إلى هذا العالم. لم تعد ترفضه تماماً، بقدر ما تحاول التكيف معه بوصفه جزءاً من منظومة إعلامية واقتصادية أوسع، تتداخل فيه الحدود بين الإعلام والموضة والتسويق.

يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)

كل هذه التفاصيل الصغيرة منحت الفيلم طبقة من الواقعية لم تكن قوية في الجزء الأول، مما جعل الجزء الثاني من الفيلم، نقطة انعطاف جديدة في علاقة الموضة بالسينما. لم يعد مجرد عمل يكشف دهاليز هذه الصناعة ليحرِّك شباك التذاكر، وتحول إلى جزء من شبكة تضم دور أزياء فاخرة، وشركات تكنولوجيا، ومنصات بيع بالتجزئة، تتحرك جميعها ضمن إطار واحد يدرّ الملايين على كل الأطراف: الاستوديوهات المنتجة، وبيوت الأزياء الكبيرة، والشركات الكبيرة.

آن هاثاواي وفستان أسود طويل من «جيورجيو أرماني» في لندن (أ.ب)

توزيع الأدوار

من بين العلامات التي دخلت في هذه المنظومة «ديور» و«تيفاني آند كو» و«مرسيدس بنز» و«سكياباريلي» و«جيفنشي» و«لوريال» و«وولمارت» و«ستارباكس» و«سامسونغ غالاكسي» وغيرها. ومن لم يشارك بالفيلم يسعى للظهور في حفلاته الافتتاحية، لأنها أصبحت منصة ترويج عالمية متعددة الطبقات. شركة «ديزني» عرفت كيف تستفيد من هذا المشروع وتعاملت معه بشكل غير مسبوق. فبدل نموذج الإعلان التقليدي، بنت نظام شراكات يسمح بتوزيع العلامات التجارية ضمن طبقات مختلفة داخل العمل. الطبقة الأولى تضم بيوت الأزياء الفاخرة حيث تُستخدم الأزياء والإكسسوارات والمجوهرات كجزء من السرد البصري وبناء الشخصيات داخل الفيلم.

الطبقة الثانية تشمل علامات مثل «ستارباكس» و«سامسونغ» وغيرهما، من خلال حملات تسويقية مشتركة وظهور متزامن في الإعلام والمنصات الرقمية.

أما الطبقة الثالثة فتشمل شراكات التجزئة والترخيص مثل «وولمارت» و«أولد نافي»، حيث يتم تحويل عناصر من الفيلم إلى منتجات استهلاكية تُطرح في الأسواق خارج الشاشة.

ميريل ستريب في إطلالة من «سيلين» خلال افتتاح الفيلم في سيول (أ.ف.ب)

هذا النموذج يجعل الفيلم لا يقتصر على كونه منتجاً ثقافياً، بل يُحوِّله إلى بنية اقتصادية متكاملة تدخل فيها العلامات التجارية كجزء من النظام نفسه، لا كمعلنين خارجيين فقط، وسواء ظهروا كجزء من الحبكة في الفيلم، أو خارجها من خلال منتجات يطرحونها باسم الفيلم.

أحد الجوانب الأخرى في هذا التحول هو دخول مفهوم «القيمة الإعلامية» إلى قلب النقاش، إذ تشير تقديرات متخصصة إلى أن الفيلم حقق نحو 38.6 مليون دولار من هذه القيمة في مراحله الأولى. هذا الرقم لا يعكس مبيعات التذاكر، بل حجم التغطية الإعلامية والتفاعل الرقمي الناتج عن حضور العلامات التجارية داخل الفيلم وخارجه.

القيمة الاقتصادية

ميريل ستريب وفستان من مجموعة «سكياباريلي» للأزياء الجاهزة (سيكاباريلي)

تتشكل هذه القيمة من التغطيات الصحافية، والمحتوى على وسائل التواصل، والحملات المشتركة، والتفاعل الثقافي مع الإطلالات والشخصيات والعلامات المرتبطة بالفيلم. بعض التقديرات تذهب إلى أن كل إطلالة داخل الفيلم يمكن أن تولِّد نحو مليوني دولار من القيمة الإعلامية، مما يعكس تحوُّل الأزياء من عنصر بصري إلى وحدة اقتصادية قابلة للقياس.

وهذا ما يجعل التحول بين عامي 2006 و2026 لافتاً. ففي النسخة الجديدة، اختفى الحذر وحل محله سباق واضح للحصول على موقع، أو بالأحرى مكسب، مهما كان صغيراً، بدليل أنه قبل إطلاق الفيلم بوقت طويل، سارعت علامات تجارية كبرى للتواصل مع استوديوهات «ديزني» لضمان الحضور داخل الحملة التسويقية. الوكالة الإعلانية لعلامة «تريسيمي» المتخصصة في منتجات الشعر، مثلاً تقدمت بطلب لحجز مكان لها منذ خريف 2024. كما دخلت أسماء أخرى مثل «لوريال» و«بانتين» في هذا السباق. لم يكن الهدف بالنسبة إليها مجرد الظهور في الفيلم، بل تحويل كل لقطة إلى مادة تسويقية قابلة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.