باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

كيف يمكن التكيف مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية لإنقاذ الموضة؟

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.

 

 


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.