دانيال روزبيري لـ«الشرق الأوسط»: قد نختلف على طريقة نطق اسمها لكننا جميعا نعرف من هي

«سكياباريللي»... من سبات عميق إلى رقم صعب في معادلة الموضة حالياً

دانيال يحيِّي ضيوفه بعد عرض أثار الإعجاب وأيقظ الأحلام (غيتي)
دانيال يحيِّي ضيوفه بعد عرض أثار الإعجاب وأيقظ الأحلام (غيتي)
TT

دانيال روزبيري لـ«الشرق الأوسط»: قد نختلف على طريقة نطق اسمها لكننا جميعا نعرف من هي

دانيال يحيِّي ضيوفه بعد عرض أثار الإعجاب وأيقظ الأحلام (غيتي)
دانيال يحيِّي ضيوفه بعد عرض أثار الإعجاب وأيقظ الأحلام (غيتي)

كانت أشعة شمس دافئة تلقي بظلالها على ساحة «فاندوم» الباريسية. تدخل مقر «ميزون سكياباريللي» Maison Schiaparelli في أقصى ركن منها، حيث كان موعد اللقاء مع مصممها دانيال روزبيري، فيصفعك هواء منعش ورائحة ورود ذكية تنبعث من جوانبه. المبنى هنا لا يشبه مقرات بيوت الأزياء الأخرى، بل له طابع نخبوي يخفي بعض الأسرار التي لا يعرفها كثيرون. فهو مكون من عدة طوابق تتفرع منها قاعات عرض للأزياء الرفيعة، وأخرى تستعرض تاريخ الدار، وفي الطابق الثاني متجر خاص بالإكسسوارات والأزياء الجاهزة مفتوح للزبونات العارفات بوجوده. فالتسوق بالنسبة إلى الدار يجب أن يكون تجربة فريدة مفعمة بالحميمية.

كان اللقاء المرتقب مع روزبيري، المصمم الذي يصفه البعض بالوريث الشرعي لإلسا سكياباريللي على الساعة التاسعة والنصف صباحاً. تأخر نحو 6 دقائق اعتذر عنها بحرارة بعفوية أميركية.

المصمم دانيال روزبيري يتأكد من كل التفاصيل قبل العرض (سكياباريللي)

مظهره هادئ. أناقته بعيدة عن الزخرف، بعكس عروضه المليئة بالمفاجآت المسرحية والدراما الفنية. يمتد الحديث إلى نصف ساعة، تكتشف فيها أن خلف هذا الهدوء، تكمن طاقة داخلية مشحونة بالأفكار والرغبة في التميز.

يصوب نظره نحو «ساحة فاندوم» وهو يُوافق على قولي بأنه محظوظ بوجوده في هذا المكان الأيقوني: «فعلاً! لا يمكن لأحد أن يكون هنا من دون أن يشعر بالرهبة. هذه الساحة تمثل قلب الفخامة الباريسية، وهي بلا شك تلهمني». يتابع مازحاً بابتسامة: «ربما لهذا أستخدم هذا القدر من الذهب في تصاميمي».

ساحة بطولات وهزائم

قد تكون الساحة حالياً معقل دور المجوهرات الرفيعة، لكنها قبل ذلك كانت مسرح بطولات وهزائم عسكرية، كما شهدت على تحوّلات طبقية وفنية شتى، منها تلك المنافسة الشرسة والأقرب إلى المعركة بين مصممتين كانتا ولا تزالان لهما تأثير كبير على ساحة الموضة، هما: كوكو شانيل وإلسا سكياباريللي. هنا كانت تعيش الأولى متنقلةً بين شارغ غامبون وفندق الريتز، وعلى بُعد خطوات منها، في هذا المبنى، كانت الأخرى تُبدع تصاميمها وتستقبل زبوناتها وأصدقاءها من الفنانين من أمثال سالفادور دالي وجون كوكتو وألبرتو جياكوميتي ومان راي وغيرهم.

المفاتيح والأقفال وغيرها من الأشكال أصبحت لصيقة باسم الدار وتظهر في كثير من إبداعات المصمم (سكياباريللي)

الفرق بينهما كان شاسعاً. كوكو تبنت أناقة معاصرة بينما آمنت إلسا بالفن حد الذوبان فيه. تجاهلت تغيرات الثقافة العامة بعد الحرب العالمية الثانية، ورفضت أن تغيّر هويتها، وكانت النتيجة خروجها من المنافسة تاركة الساحة لغريمتها تجول وتصول فيها. بالنسبة إلى عشاقها، خسرت المعركة لكن حفرت مكانتها في الذاكرة، لتعود بعد عقود. فقصتها لم تنتهِ بالنسبة إلى الملياردير الإيطالي، دييغو ديلا فالي، مالك مجموعة «تودز»، عندما اشتراها في عام 2006. وفي 2019 أفاقت من سباتها بشكل كامل على يد دانييل روزبيري.

الآن «سكياباريللي» ليست مجرد اسم إضافي في برنامج باريس للـ«هوت كوتور». أصبحت لاعباً أساسياً في ساحة الموضة ككل. نجح روزبيري فيما لم ينجح فيه غيره منذ زمن: تفجير طاقات «سكياباريللي» النائمة موظِّفاً الذهب والدراما في إكسسوارات نافرة وتفاصيل قد تميل إلى المسرحي، لكنها حرّكت المياه الراكدة ليس في عُقر الدار وحدها بل في ساحة الموضة التي ظلت لسنوات تعاني من الجفاف البصري والفني.

حوار الماضي والمستقبل

دانيال روزبيري خلال أول عرض له للدار في يوليو 2019 (غيتي)

منذ أول عرض له قدم تشكيلة جريئة انتزعت شهقات الإعجاب والدهشة بأكتافها العالية وأحجامها المبالغ فيه وإكسسواراتها الغريبة، من أقراط أذن تغازل الناظرين بعيونهم الجاحظة، إلى أحزمة بإبزيمات ذهبية أو حقائب يد تتماهى فيها الجلود مع المعادن بجرأة. كانت هذه التشكيلة إيذاناً باستعادة الدار عافيتها الفنية، وإن كان لدانيال رأي آخر: «لم تكن مثالية لي لكنها كانت شجاعة». شجاعتها تكمن في أنه دخل قلب معركة بدأت في الماضي وعليه أن يوجهها نحو المستقبل. ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به، بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية.

أسأله: ما الذي استهواه بصفته مصمماً أميركياً عندما تلقى العرض لقيادة دار أزياء باريسية متخصصة أساساً في الـ«هوت كوتور»؟ يأتي جوابه بسيطاً: «لعدة أسباب، الأول أن إلسا لم تكن تسعى لإرضاء السوق على حساب رؤيتها الخاصة، والثاني إرثها الذي يتمتع بمرونة تساعد على تطويعه في قطع استثنائية بكل معنى الكلمة. ثالثاً طموح الدار الكبير رغم أنها صغيرة مقارنةً ببيوت الأزياء العملاقة، فضلاً عن شجاعتها. من الناحية الشخصية، كنت مستعداً بدوري لخوض تحدٍّ جديد وشجاع».

رموز الدار الأيقونية تظهر في كل تشكيلاته سواء للـ«هوت كوتور» أو الأزياء الجاهزة أو الإكسسوارات (سكياباريللي)

هذا الطموح الذي أشار إليه يعكس في المقام الأول طموح مالك مجموعة «تودز» دييغو ديلا فالي الذي استحوذ عليها في عام 2006. أخذ وقته في البحث عن خليفة يفهم شخصيتها المتمردة ليفك طلاسم رموزها الفنية الصادمة بشكل معاصر. تعثر بحثه لسنوات، حيث توالى على الدار كل من ماركو زانيني في عام 2014، تلاه برتراند غيون إلى عام 2019، قبل أن يثمر صبر ديلا فالي ويتوصل إلى دانيال روزبيري.

كان أول أميركي يتولى إدارة دار متخصصة في الـ«هوت كوتور»، ومنذ أول تشكيلة قدمها أكد أن الإبداع لا جنسية له. سرعان ما توسع للأزياء الجاهزة والإكسسوارات. دائماً ملتقطاً أيقونات كانت منسية، يعيد تفسيرها بلغة تلمس روح العصر وتدغدغ خيال شريحة كبيرة من النساء.

اليوم، يُنتج روزبيري أربع تشكيلات سنوياً، وهو رقم مرهق لأي مبدع. لكنه ينفي أي شعور بالإرهاق أو الاستنزاف. بالعكس «أجد في التحدي مصدراً للتجدد. هذا لا يعني أني لا أشعر بثقل المسؤولية، لكني عندما أرى كيف يُحدث تصميم يحمل توقيعنا أثراً إيجابياً، فإني أشعر بسعادة غامرة تُهوِن كل شيء».

الـ«هوت كوتور» بالنسبة إليه «يطمح للوصول إلى آفاق عالية لتذكِّرنا بأن الكمال يأتي بثمن»... (سكياباريللي)

سريالية كورونا

تعيين روزبيري تزامن مع بداية انتعاش السريالية في العالم، الأمر الذي كان في صالحه، لكنه أيضاً تزامن مع بداية تفشي جائحة كورونا في عام 2019. كانت فترة عصيبة على الجميع، إلا أنه تعامل معها بمرونة لم تكن متوفرة لدى المؤسسة إلسا سكياباريللي. فإغلاق دارها في عام 1954، رغم ما كانت تمتلكه من إمكانات فنية عالية كان بسبب رفضها مسايرة تغيرات العصر بعد الحرب العالمية الثانية. يُلمِح روزبيري لهذه الحقيقة وهو يستشهد بمقولة داروين: «إن البقاء ليس للأصلح بالضرورة، بل للأكثر قدرة على التكيف».

طوال سنواته الست في الدار، ذهب إلى ما هو أبعد من التكيف أو التأقلم. استغل منذ البداية مضادان حيويان فعالان تمتلكهما الدار، وهما الحلم والفانتازيا. فقدم سلسلة من العروض استحضرت كل الرموز المسرحية والفنية التي جعلت من إلسا سكياباريللي مصممة أسطورية. كان السؤال الذي طرحه في بيانه الصحافي عند تقديمه تشكيلته الأولى هو: كيف نتعامل مع الأزياء في نهاية العالم؟ لم يكن يتوقع أن يكون هذا السؤال استباقاً لما سيأتي «لأن 2019 كان نهاية العالم كما عرفناه وعشناه قبل جائحة كورونا» وفق قوله.

كيف أيقظ الحلم؟

لايدي غاغا تتوجه لأداء النشيد الوطني في حفل تنصيب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بإطلالة صمَّمها لها دانيال خصيصاً (غيتي)

في عز هذه الفترة، كثَّف جهوده لإيقاظ الحلم، وحقق الهدف سريعاً. في يناير (كانون الثاني) 2021، وحين كان العالم أجمع يتابع حفل تنصيب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، ووجوه الحضور تختفي وراء كمامات، ظهرت المغنية لايدي غاغا لتؤدي النشيد الوطني. غيَّرت المشهد بزي درامي بلون كحليّ عند الصدر، تتدفق منه تنورة باللون الأحمر وبروش ذهبي على هيئة حمامة سلام. كانت الإطلالة بتوقيع «سكياباريللي» ساهمت في التحليق بالدار إلى أعلى المستويات. غنيٌّ عن القول أنها استقطبت مزيداً من الاهتمام العالمي، كما استقطبت النجمات، لتصبح تصاميم روزبيري للدار، الحاضر الدائم في مناسبات السجاد الأحمر.

بغض النظر عن عدم القدرة على نطق اسم الدار بشكل صحيح فإن التعرف عليها ممكن من النظرة الأولى بفضل تفاصيلها المميزة (سكياباريللي)

عروضه أيضاً من بين الأكثر إثارة في باريس حالياً، بدليل أن عرضه لخريف 2025 عُدَّ الأفضل في 2024. في القاعة الفخمة التي جرت فيها المقابلة، تناثرت فساتين من تشكيلته الأخيرة للـ«هوت كوتور» في استعراض رائع لقدراته الفنية، بطيَّاتها المتعددة والمبتكرة ولمساتها الجانحة نحو السريالية.

وفي الطابق الثاني حيث المتجر الخاص بالأزياء الجاهزة، تُعرض تشكيلته لربيع وصيف 2025. روَّض جموحها الفني من دون أن يُفقدها خصوصيتها، بحيث لم تخلُ من رموز أيقونية ترتبط بالدار مثل شريط قياس وظَّفه لتزيين ياقة جاكيت أو صندل مفتوح، أو مفاتيح وأقفال تزين جزءاً من فستان أو حقيبة يد أو تشكل أزراراً وهلمّ جرّا. بيد أن رائحة أميركية خفيفة تفوح من بعضها على شكل شراشيب أو من الدينم. فأي مبدع، مهما ابتعد، لا يمكن أن ينسى بيئته الأولى.

يعلِّق: «الأزياء الرفيعة والجاهزة بالنسبة إليّ وجهان لعملة واحدة تجمعهما (سكياباريللي)». ثم يضيف بابتسامة خفيفة أنه يجب عدم الاستهانة بهذا الاسم أبداً «فمن أحب العبارات إلى قلبي ما قاله عنها صديقها سالفادور دالي: قد نختلف على طريقة نطق اسمها، لكننا جميعاً نعرف من هي». ويتابع دانيال: «برأيي، لا يهم إن نُطقت (تشيابارالي) أو (سكيابارللي). ما يهم أن يتعرفوا عليها وعلى رموزها بسهولة».

بهذا التصريح يختتم اللقاء مودِّعاً. يتوجه بهدوء نحو مكتبه الواقع في المبنى ذاته، مخلِّفاً انطباعاً أن أجمل الفصول لم تُكتب بعد، وأن القادم لن يقل درامية.

أخرج من المبنى وأجول بنظري في ساحة «فاندوم»، فيخطر ببالي سؤال قديم: هل انتصرت إلسا، بعد كل هذه العقود، على غريمتها الأزلية كوكو شانيل؟ الدلائل توحي بأن المعركة لم تنتهِ، لكنها دخلت مرحلة مثيرة بقيادة مصمم ينحدر من ولاية تكساس الأميركية اقترب من إلسا كثيراً وردَّ لها اعتبارها وأكثر، لكنه لم يتوارَ خلفها.

تتميز المساحة الخاصة بالدار في الطابق الأول بكل معاني الرفاهية والأناقة من خلال الديكور كما من خلال المعروضات (سكياباريللي)

بعد أسبوعين من اللقاء احتفلت الدار بتوسيع القسم الخاص بها في الطابق الأول من «هارودز» في لندن. افتتحته أول مرة في عام 2023، وكان لابد من توسيعه بالنظر إلى النجاحات التي تحققها وحجم الإقبال على سرياليتها. هنا أيضاً تشعر بروح «سكياباريللي» تتجلى في المعروضات كما في الديكورات. ألوان ذهبية في كل مكان تذكرني بتصريح المصمم دانيال روزبيري في بداية لقائنا «ربما لهذا استخدم هذا القدر من الذهب في تصاميمي» عندما تحدث عن تأثير ساحة «فاندوم» الباريسية عليه.

لعب دوراً كبيراً في تصميم هذه المساحة حتى تأتي بمعايير تجعل من التسوق تجربة مختلفة، لا سيما وأن سياسة «سكياباريللي» عدم افتتاح محال في كل مكان. تريد أن تبقى نخبوية وحميمية، وهذا ما عكسته المساحة الخاصة بها في «هارودز». صُممت على شكل شقة فخمة بغرف متعددة تنقل الزائر إلى أقسام الأزياء والاكسسوارات والمجوهرات بتسلسل مريح. فالمكان دعوة مفتوحة لدخول عالم «سكياباريللي» بكل إبهاره وبهاراته.


مقالات ذات صلة

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

لمسات الموضة بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

قطعة واحدة مصوغة بشكل لافت وحجم كبير يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.