«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

بين الجزأين... الزمن تغيَّر وكذلك الثقافة

أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
TT

«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)

إذا كنتِ تتابعين السينما، فغالباً لفت انتباهك الزخم المحيط بالجزء الثاني من فيلم «The Devil Wears Prada»، وإذا كنتِ من عشاق الموضة، فإن الطابع البصري للحملات الترويجية وحفلات الافتتاح الأولية، قد شدّكِ أيضاً، خصوصاً غلبة الأحمر والأسود.

هذا الاختيار ليس مجرد تنسيق ألوان أو لمسة جمالية عابرة. فالأحمر يوحي بالقوة والجاذبية وأحياناً بالتوتر، فيما يعكس الأسود الصرامة والهيبة وجانباً أكثر بروداً في عالم الموضة. وهذا ما يجعل الصور تبدو كأنها تمهّد لأجواء الفيلم قبل مشاهدته: عالم أنيق ولامع، لكنه مشحون بالتوتّر ومعقَّد في آن واحد.

لقطة جماعية لأبطال الفيلم (د.ب.أ)

هذا ما يبدو للوهلة الأولى، ويُذكّرنا بتعامل السينما مع الأزياء بوصفها جزءاً من سرد بصري حساس وأحياناً أساسي. بيد أن هذا التعامل يختلف هذه المرة. هو واضح في إشهار جانبه التجاري. في السابق، كانت السينما تستعمل الإعلانات بشكل غير مباشر، عبر لقطات خاطفة وإيحاءات بصرية تؤثر في اللاوعي. اليوم، كل شيء في الجزء الثاني من الفيلم مُعلن، وقائم على الإعلانات. فقد فتحت استوديوهات «ديزني» المنتجة الأبواب على مصراعيها أمام بيوت الأزياء ودور المجوهرات ومستحضرات التجميل. وحتى بعد صدوره، لم تتوقف العملية، بدليل هذا التسابق المحموم على تسجيل دور الأزياء حضورها على السجادة الحمراء.

آن هاثاواي وفستان من تصميم دار «لوي فويتون» (أ.ف.ب)

هذا الأمر لم يكن سهلاً في عام 2006، عندما صدر الجزء الأول من فيلم «The Devil Wears Prada»، وفق ما اعترفت به باتريشيا فيلد، مصممة أزيائه، في عدة مناسبات. قالت إنها واجهت صعوبة في إقناع المصممين والعلامات الكبيرة بالتعاون معها. ليس لأن الموضة كانت ترفض العمل مع السينما، بل ببساطة لأن القصة كانت تقترب من منطقة حساسة داخل هذا العالم. كانت تستند إلى شخصية آنّا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ»، النسخة الأميركية آنذاك، التي لا تزال واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً وهيبة داخل صناعة الأزياء. هي الآن المُشرفة على التوجه الاستراتيجي والمحتوى في مجموعة «كوندي ناست» المالكة لعدة مجلات براقة إلى جانب «فوغ».

إيميلي بلانت وإطلالة مميزة من توقيع دار «مايكل كورس» وصندل من «فالنتينو» ظهرت بها في لندن (أ.ب)

من هذا المنظور، لم يكن غريباً أن تختار مجموعة من العلامات التجارية والمصممين مسافة آمنة يراقبون من خلالها ما يجري من بعيد. الاستثناء كان المصمم الراحل فالنتينو غارافاني، الذي لم يكتفِ بتوفير تصاميم تحمل اسم الدار، بل ظهر شخصياً في دور قصير داخل الفيلم. كانت لقطة عابرة، لكنها عادت على علامة «فالنتينو» بأثر واضح. فخلال الأشهر الأربعة التي تلت طرح الإعلان التشويقي الذي ظهر فيه حذاء «روكستاد» Rockstud الذي تشتهر به الدار، حققت التغطيات الرقمية نحو 1.9 مليون دولار من «القيمة الإعلامية»، حسب بيانات «Launchmetrics»... وحتى في الجزء الثاني، ظهر هذا الحذاء بصيغته المعاصرة في لفتة امتنان له.

أما ميوتشا برادا، فربما وافقت على التعاون مع الفيلم اضطراراً. كانت تُدرك أن الأمر يحمل شيئاً من المغامرة، إلا أنها كانت تعرف أيضاً أنه لا مفر من هذه المشاركة، بالنظر إلى أن اسمها يأتي عنواناً للفيلم.

لقطة من الفيلم (أ.ب)

نجح الفيلم من كل النواحي، إذ تجاوزت إيراداته 326 مليون دولار عالمياً. ليس هذا فحسب، كان أيضاً نقطة تحول في مسار آن هاثاواي، التي انتقلت بعده من ممثلة شابة مرتبطة بالأدوار الخفيفة إلى ممثلة قادرة على حمل أدوار أكثر نضجاً وتعقيداً في السوق السينمائية الأميركية. وحتى ميريل ستريب، التي كانت واحدة من أكثر ممثلات جيلها تتويجاً بالجوائز وأقرب إلى المدرسة الكلاسيكية «الجادة» في التمثيل، منحها الدور انتشاراً شعبياً أوسع خارج الدوائر النقدية المعتادة.

في الجانب الآخر، حصل المشاهد العادي على فرصة للدخول إلى عالم كان يراه مبهراً من الخارج من دون أن يعرف خباياه وحروبه، بينما تعلّم صنّاع الموضة درساً قاسياً لتجاهلهم مقولة رجل الأعمال الأميركي بي.تي بارنوم، إن أي دعاية، مهما كانت، أفضل من عدم وجود دعاية على الإطلاق.

آن هاثاواي بإطلالة من «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

الفيلم يلعب على البذخ والإثارة: بدلاتُ مفصلة، حقائبُ أنيقة، أحذيةُ لم تصدر بعد في الأسواق. أما الماكياج والتَّسريحاتُ والمُجوهراتُ فحدِّث بلا حرج. الطريف أن ملامح هذا البذخ والإثارة الإعلانية لا تزال مستمرة في كل حفل افتتاح يجري في عواصم العالم. وفيها كلها، ليس هناك أدنى محاولة للتمويه على الجانب التسويقي كأننا في عرض أزياء وإكسسوارات لـ«سيلين» أو «بالنسياغا» أو «ديور» وهلمَّ جرّا من الأسماء العالمية. وفي حين قد يتحفظ البعض على هذه الحملات التسويقية على أنها مباشرة للغاية، يرى آخرون أنها مقبولة لأنها نجحت في تحويل الجانب التجاري إلى شكل من أشكال الترفيه. هذه الشريحة تضيف أن المستهلك أصبح واعياً بالرسائل التسويقية حتى المبطَّنة منها، كما أصبح يعرف أن الأزياء التي تظهر بها النجمات في المناسبات الكبيرة إما تُقدَّم لهن هدايا أو سلفاً، وبالتالي لم يعد هناك داعٍ لإخفاء هذه الأمور أو التمويه عليها. المهم هو تقديمها بأسلوب منطقي.

لقطة من الجزء الثاني من الفيلم تظهر فيها آن هاثاواي مع ستانلي توشي (أ.ب)

الموضة مرآة لعصرها

داخل الفيلم نفسه، لم يكن حضور الموضة مجرد عنصر للتشويق بكشف المستور، ولم تعامَل على أنها صناعة منفصلة عن الواقع، بل بوصفها مرآة تعكس ثقافة العصر وتحولاته الاقتصادية والسياسية. في عام 2006، لم تكن الأزمات الاقتصادية حادة على النحو الذي نعرفه اليوم، لذلك بدا الفيلم كأنه ينظر إلى عالم الموضة من خلف زجاج عاكس؛ مفتون به من جهة، وساخر منه من جهة أخرى، من دون أن ينتمي إليه بالكامل.

آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)

في الجزء الثاني، أصبح عالم الموضة جزءاً من هذا العالم المشحون بالقلق.

فهناك إشارات إلى ارتفاع الأسعار، وما يفرضه ذلك من خيارات واقعية مثل شراء الملابس المستعملة أو المعاد تدويرها، ورغبة في خلق توازن بين الفخامة والواقع الاقتصادي الحالي. كما تطرق الفيلم إلى مصير الصحافة المكتوبة أمام غزو الإعلام البصري، وما يدور في الأوساط الإعلامية من صراع مع وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. يظهر هذا في لقطة للممثل ستانلي توشي وهو يستخدم أداة تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاختيار فستان مناسب، في تجربة تحوّل عملية اختيار قطعة أزياء إلى تفاعل رقمي قائم على البيانات والاقتراحات الذكية بدل البحث التقليدي، بما يعكس كيف أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تجربة التسوق شاء البعض أم أبى. هذا الصراع تُجسِّده شخصية «آندي ساكس، التي تلعب دورها آن هاثاواي. في الجزء الأول من الفيلم كانت تعيش حالة من الصدمة في بيئة شديدة الضغط يقودها نظام صارم من المعايير المهنية والشكلية. صحافة الموضة كانت بالنسبة إليها منفصلة عن الصحافة الجادة. في الجزء الثاني تتطور الشخصية وتتغير نظرتها إلى هذا العالم. لم تعد ترفضه تماماً، بقدر ما تحاول التكيف معه بوصفه جزءاً من منظومة إعلامية واقتصادية أوسع، تتداخل فيه الحدود بين الإعلام والموضة والتسويق.

يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)

كل هذه التفاصيل الصغيرة منحت الفيلم طبقة من الواقعية لم تكن قوية في الجزء الأول، مما جعل الجزء الثاني من الفيلم، نقطة انعطاف جديدة في علاقة الموضة بالسينما. لم يعد مجرد عمل يكشف دهاليز هذه الصناعة ليحرِّك شباك التذاكر، وتحول إلى جزء من شبكة تضم دور أزياء فاخرة، وشركات تكنولوجيا، ومنصات بيع بالتجزئة، تتحرك جميعها ضمن إطار واحد يدرّ الملايين على كل الأطراف: الاستوديوهات المنتجة، وبيوت الأزياء الكبيرة، والشركات الكبيرة.

آن هاثاواي وفستان أسود طويل من «جيورجيو أرماني» في لندن (أ.ب)

توزيع الأدوار

من بين العلامات التي دخلت في هذه المنظومة «ديور» و«تيفاني آند كو» و«مرسيدس بنز» و«سكياباريلي» و«جيفنشي» و«لوريال» و«وولمارت» و«ستارباكس» و«سامسونغ غالاكسي» وغيرها. ومن لم يشارك بالفيلم يسعى للظهور في حفلاته الافتتاحية، لأنها أصبحت منصة ترويج عالمية متعددة الطبقات. شركة «ديزني» عرفت كيف تستفيد من هذا المشروع وتعاملت معه بشكل غير مسبوق. فبدل نموذج الإعلان التقليدي، بنت نظام شراكات يسمح بتوزيع العلامات التجارية ضمن طبقات مختلفة داخل العمل. الطبقة الأولى تضم بيوت الأزياء الفاخرة حيث تُستخدم الأزياء والإكسسوارات والمجوهرات كجزء من السرد البصري وبناء الشخصيات داخل الفيلم.

الطبقة الثانية تشمل علامات مثل «ستارباكس» و«سامسونغ» وغيرهما، من خلال حملات تسويقية مشتركة وظهور متزامن في الإعلام والمنصات الرقمية.

أما الطبقة الثالثة فتشمل شراكات التجزئة والترخيص مثل «وولمارت» و«أولد نافي»، حيث يتم تحويل عناصر من الفيلم إلى منتجات استهلاكية تُطرح في الأسواق خارج الشاشة.

ميريل ستريب في إطلالة من «سيلين» خلال افتتاح الفيلم في سيول (أ.ف.ب)

هذا النموذج يجعل الفيلم لا يقتصر على كونه منتجاً ثقافياً، بل يُحوِّله إلى بنية اقتصادية متكاملة تدخل فيها العلامات التجارية كجزء من النظام نفسه، لا كمعلنين خارجيين فقط، وسواء ظهروا كجزء من الحبكة في الفيلم، أو خارجها من خلال منتجات يطرحونها باسم الفيلم.

أحد الجوانب الأخرى في هذا التحول هو دخول مفهوم «القيمة الإعلامية» إلى قلب النقاش، إذ تشير تقديرات متخصصة إلى أن الفيلم حقق نحو 38.6 مليون دولار من هذه القيمة في مراحله الأولى. هذا الرقم لا يعكس مبيعات التذاكر، بل حجم التغطية الإعلامية والتفاعل الرقمي الناتج عن حضور العلامات التجارية داخل الفيلم وخارجه.

القيمة الاقتصادية

ميريل ستريب وفستان من مجموعة «سكياباريلي» للأزياء الجاهزة (سيكاباريلي)

تتشكل هذه القيمة من التغطيات الصحافية، والمحتوى على وسائل التواصل، والحملات المشتركة، والتفاعل الثقافي مع الإطلالات والشخصيات والعلامات المرتبطة بالفيلم. بعض التقديرات تذهب إلى أن كل إطلالة داخل الفيلم يمكن أن تولِّد نحو مليوني دولار من القيمة الإعلامية، مما يعكس تحوُّل الأزياء من عنصر بصري إلى وحدة اقتصادية قابلة للقياس.

وهذا ما يجعل التحول بين عامي 2006 و2026 لافتاً. ففي النسخة الجديدة، اختفى الحذر وحل محله سباق واضح للحصول على موقع، أو بالأحرى مكسب، مهما كان صغيراً، بدليل أنه قبل إطلاق الفيلم بوقت طويل، سارعت علامات تجارية كبرى للتواصل مع استوديوهات «ديزني» لضمان الحضور داخل الحملة التسويقية. الوكالة الإعلانية لعلامة «تريسيمي» المتخصصة في منتجات الشعر، مثلاً تقدمت بطلب لحجز مكان لها منذ خريف 2024. كما دخلت أسماء أخرى مثل «لوريال» و«بانتين» في هذا السباق. لم يكن الهدف بالنسبة إليها مجرد الظهور في الفيلم، بل تحويل كل لقطة إلى مادة تسويقية قابلة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.