«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

بين الجزأين... الزمن تغيَّر وكذلك الثقافة

أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
TT

«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)
أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)

إذا كنتِ تتابعين السينما، فغالباً لفت انتباهك الزخم المحيط بالجزء الثاني من فيلم «The Devil Wears Prada»، وإذا كنتِ من عشاق الموضة، فإن الطابع البصري للحملات الترويجية وحفلات الافتتاح الأولية، قد شدّكِ أيضاً، خصوصاً غلبة الأحمر والأسود.

هذا الاختيار ليس مجرد تنسيق ألوان أو لمسة جمالية عابرة. فالأحمر يوحي بالقوة والجاذبية وأحياناً بالتوتر، فيما يعكس الأسود الصرامة والهيبة وجانباً أكثر بروداً في عالم الموضة. وهذا ما يجعل الصور تبدو كأنها تمهّد لأجواء الفيلم قبل مشاهدته: عالم أنيق ولامع، لكنه مشحون بالتوتّر ومعقَّد في آن واحد.

لقطة جماعية لأبطال الفيلم (د.ب.أ)

هذا ما يبدو للوهلة الأولى، ويُذكّرنا بتعامل السينما مع الأزياء بوصفها جزءاً من سرد بصري حساس وأحياناً أساسي. بيد أن هذا التعامل يختلف هذه المرة. هو واضح في إشهار جانبه التجاري. في السابق، كانت السينما تستعمل الإعلانات بشكل غير مباشر، عبر لقطات خاطفة وإيحاءات بصرية تؤثر في اللاوعي. اليوم، كل شيء في الجزء الثاني من الفيلم مُعلن، وقائم على الإعلانات. فقد فتحت استوديوهات «ديزني» المنتجة الأبواب على مصراعيها أمام بيوت الأزياء ودور المجوهرات ومستحضرات التجميل. وحتى بعد صدوره، لم تتوقف العملية، بدليل هذا التسابق المحموم على تسجيل دور الأزياء حضورها على السجادة الحمراء.

آن هاثاواي وفستان من تصميم دار «لوي فويتون» (أ.ف.ب)

هذا الأمر لم يكن سهلاً في عام 2006، عندما صدر الجزء الأول من فيلم «The Devil Wears Prada»، وفق ما اعترفت به باتريشيا فيلد، مصممة أزيائه، في عدة مناسبات. قالت إنها واجهت صعوبة في إقناع المصممين والعلامات الكبيرة بالتعاون معها. ليس لأن الموضة كانت ترفض العمل مع السينما، بل ببساطة لأن القصة كانت تقترب من منطقة حساسة داخل هذا العالم. كانت تستند إلى شخصية آنّا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ»، النسخة الأميركية آنذاك، التي لا تزال واحدة من أكثر الشخصيات نفوذاً وهيبة داخل صناعة الأزياء. هي الآن المُشرفة على التوجه الاستراتيجي والمحتوى في مجموعة «كوندي ناست» المالكة لعدة مجلات براقة إلى جانب «فوغ».

إيميلي بلانت وإطلالة مميزة من توقيع دار «مايكل كورس» وصندل من «فالنتينو» ظهرت بها في لندن (أ.ب)

من هذا المنظور، لم يكن غريباً أن تختار مجموعة من العلامات التجارية والمصممين مسافة آمنة يراقبون من خلالها ما يجري من بعيد. الاستثناء كان المصمم الراحل فالنتينو غارافاني، الذي لم يكتفِ بتوفير تصاميم تحمل اسم الدار، بل ظهر شخصياً في دور قصير داخل الفيلم. كانت لقطة عابرة، لكنها عادت على علامة «فالنتينو» بأثر واضح. فخلال الأشهر الأربعة التي تلت طرح الإعلان التشويقي الذي ظهر فيه حذاء «روكستاد» Rockstud الذي تشتهر به الدار، حققت التغطيات الرقمية نحو 1.9 مليون دولار من «القيمة الإعلامية»، حسب بيانات «Launchmetrics»... وحتى في الجزء الثاني، ظهر هذا الحذاء بصيغته المعاصرة في لفتة امتنان له.

أما ميوتشا برادا، فربما وافقت على التعاون مع الفيلم اضطراراً. كانت تُدرك أن الأمر يحمل شيئاً من المغامرة، إلا أنها كانت تعرف أيضاً أنه لا مفر من هذه المشاركة، بالنظر إلى أن اسمها يأتي عنواناً للفيلم.

لقطة من الفيلم (أ.ب)

نجح الفيلم من كل النواحي، إذ تجاوزت إيراداته 326 مليون دولار عالمياً. ليس هذا فحسب، كان أيضاً نقطة تحول في مسار آن هاثاواي، التي انتقلت بعده من ممثلة شابة مرتبطة بالأدوار الخفيفة إلى ممثلة قادرة على حمل أدوار أكثر نضجاً وتعقيداً في السوق السينمائية الأميركية. وحتى ميريل ستريب، التي كانت واحدة من أكثر ممثلات جيلها تتويجاً بالجوائز وأقرب إلى المدرسة الكلاسيكية «الجادة» في التمثيل، منحها الدور انتشاراً شعبياً أوسع خارج الدوائر النقدية المعتادة.

في الجانب الآخر، حصل المشاهد العادي على فرصة للدخول إلى عالم كان يراه مبهراً من الخارج من دون أن يعرف خباياه وحروبه، بينما تعلّم صنّاع الموضة درساً قاسياً لتجاهلهم مقولة رجل الأعمال الأميركي بي.تي بارنوم، إن أي دعاية، مهما كانت، أفضل من عدم وجود دعاية على الإطلاق.

آن هاثاواي بإطلالة من «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

الفيلم يلعب على البذخ والإثارة: بدلاتُ مفصلة، حقائبُ أنيقة، أحذيةُ لم تصدر بعد في الأسواق. أما الماكياج والتَّسريحاتُ والمُجوهراتُ فحدِّث بلا حرج. الطريف أن ملامح هذا البذخ والإثارة الإعلانية لا تزال مستمرة في كل حفل افتتاح يجري في عواصم العالم. وفيها كلها، ليس هناك أدنى محاولة للتمويه على الجانب التسويقي كأننا في عرض أزياء وإكسسوارات لـ«سيلين» أو «بالنسياغا» أو «ديور» وهلمَّ جرّا من الأسماء العالمية. وفي حين قد يتحفظ البعض على هذه الحملات التسويقية على أنها مباشرة للغاية، يرى آخرون أنها مقبولة لأنها نجحت في تحويل الجانب التجاري إلى شكل من أشكال الترفيه. هذه الشريحة تضيف أن المستهلك أصبح واعياً بالرسائل التسويقية حتى المبطَّنة منها، كما أصبح يعرف أن الأزياء التي تظهر بها النجمات في المناسبات الكبيرة إما تُقدَّم لهن هدايا أو سلفاً، وبالتالي لم يعد هناك داعٍ لإخفاء هذه الأمور أو التمويه عليها. المهم هو تقديمها بأسلوب منطقي.

لقطة من الجزء الثاني من الفيلم تظهر فيها آن هاثاواي مع ستانلي توشي (أ.ب)

الموضة مرآة لعصرها

داخل الفيلم نفسه، لم يكن حضور الموضة مجرد عنصر للتشويق بكشف المستور، ولم تعامَل على أنها صناعة منفصلة عن الواقع، بل بوصفها مرآة تعكس ثقافة العصر وتحولاته الاقتصادية والسياسية. في عام 2006، لم تكن الأزمات الاقتصادية حادة على النحو الذي نعرفه اليوم، لذلك بدا الفيلم كأنه ينظر إلى عالم الموضة من خلف زجاج عاكس؛ مفتون به من جهة، وساخر منه من جهة أخرى، من دون أن ينتمي إليه بالكامل.

آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)

في الجزء الثاني، أصبح عالم الموضة جزءاً من هذا العالم المشحون بالقلق.

فهناك إشارات إلى ارتفاع الأسعار، وما يفرضه ذلك من خيارات واقعية مثل شراء الملابس المستعملة أو المعاد تدويرها، ورغبة في خلق توازن بين الفخامة والواقع الاقتصادي الحالي. كما تطرق الفيلم إلى مصير الصحافة المكتوبة أمام غزو الإعلام البصري، وما يدور في الأوساط الإعلامية من صراع مع وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. يظهر هذا في لقطة للممثل ستانلي توشي وهو يستخدم أداة تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاختيار فستان مناسب، في تجربة تحوّل عملية اختيار قطعة أزياء إلى تفاعل رقمي قائم على البيانات والاقتراحات الذكية بدل البحث التقليدي، بما يعكس كيف أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تجربة التسوق شاء البعض أم أبى. هذا الصراع تُجسِّده شخصية «آندي ساكس، التي تلعب دورها آن هاثاواي. في الجزء الأول من الفيلم كانت تعيش حالة من الصدمة في بيئة شديدة الضغط يقودها نظام صارم من المعايير المهنية والشكلية. صحافة الموضة كانت بالنسبة إليها منفصلة عن الصحافة الجادة. في الجزء الثاني تتطور الشخصية وتتغير نظرتها إلى هذا العالم. لم تعد ترفضه تماماً، بقدر ما تحاول التكيف معه بوصفه جزءاً من منظومة إعلامية واقتصادية أوسع، تتداخل فيه الحدود بين الإعلام والموضة والتسويق.

يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)

كل هذه التفاصيل الصغيرة منحت الفيلم طبقة من الواقعية لم تكن قوية في الجزء الأول، مما جعل الجزء الثاني من الفيلم، نقطة انعطاف جديدة في علاقة الموضة بالسينما. لم يعد مجرد عمل يكشف دهاليز هذه الصناعة ليحرِّك شباك التذاكر، وتحول إلى جزء من شبكة تضم دور أزياء فاخرة، وشركات تكنولوجيا، ومنصات بيع بالتجزئة، تتحرك جميعها ضمن إطار واحد يدرّ الملايين على كل الأطراف: الاستوديوهات المنتجة، وبيوت الأزياء الكبيرة، والشركات الكبيرة.

آن هاثاواي وفستان أسود طويل من «جيورجيو أرماني» في لندن (أ.ب)

توزيع الأدوار

من بين العلامات التي دخلت في هذه المنظومة «ديور» و«تيفاني آند كو» و«مرسيدس بنز» و«سكياباريلي» و«جيفنشي» و«لوريال» و«وولمارت» و«ستارباكس» و«سامسونغ غالاكسي» وغيرها. ومن لم يشارك بالفيلم يسعى للظهور في حفلاته الافتتاحية، لأنها أصبحت منصة ترويج عالمية متعددة الطبقات. شركة «ديزني» عرفت كيف تستفيد من هذا المشروع وتعاملت معه بشكل غير مسبوق. فبدل نموذج الإعلان التقليدي، بنت نظام شراكات يسمح بتوزيع العلامات التجارية ضمن طبقات مختلفة داخل العمل. الطبقة الأولى تضم بيوت الأزياء الفاخرة حيث تُستخدم الأزياء والإكسسوارات والمجوهرات كجزء من السرد البصري وبناء الشخصيات داخل الفيلم.

الطبقة الثانية تشمل علامات مثل «ستارباكس» و«سامسونغ» وغيرهما، من خلال حملات تسويقية مشتركة وظهور متزامن في الإعلام والمنصات الرقمية.

أما الطبقة الثالثة فتشمل شراكات التجزئة والترخيص مثل «وولمارت» و«أولد نافي»، حيث يتم تحويل عناصر من الفيلم إلى منتجات استهلاكية تُطرح في الأسواق خارج الشاشة.

ميريل ستريب في إطلالة من «سيلين» خلال افتتاح الفيلم في سيول (أ.ف.ب)

هذا النموذج يجعل الفيلم لا يقتصر على كونه منتجاً ثقافياً، بل يُحوِّله إلى بنية اقتصادية متكاملة تدخل فيها العلامات التجارية كجزء من النظام نفسه، لا كمعلنين خارجيين فقط، وسواء ظهروا كجزء من الحبكة في الفيلم، أو خارجها من خلال منتجات يطرحونها باسم الفيلم.

أحد الجوانب الأخرى في هذا التحول هو دخول مفهوم «القيمة الإعلامية» إلى قلب النقاش، إذ تشير تقديرات متخصصة إلى أن الفيلم حقق نحو 38.6 مليون دولار من هذه القيمة في مراحله الأولى. هذا الرقم لا يعكس مبيعات التذاكر، بل حجم التغطية الإعلامية والتفاعل الرقمي الناتج عن حضور العلامات التجارية داخل الفيلم وخارجه.

القيمة الاقتصادية

ميريل ستريب وفستان من مجموعة «سكياباريلي» للأزياء الجاهزة (سيكاباريلي)

تتشكل هذه القيمة من التغطيات الصحافية، والمحتوى على وسائل التواصل، والحملات المشتركة، والتفاعل الثقافي مع الإطلالات والشخصيات والعلامات المرتبطة بالفيلم. بعض التقديرات تذهب إلى أن كل إطلالة داخل الفيلم يمكن أن تولِّد نحو مليوني دولار من القيمة الإعلامية، مما يعكس تحوُّل الأزياء من عنصر بصري إلى وحدة اقتصادية قابلة للقياس.

وهذا ما يجعل التحول بين عامي 2006 و2026 لافتاً. ففي النسخة الجديدة، اختفى الحذر وحل محله سباق واضح للحصول على موقع، أو بالأحرى مكسب، مهما كان صغيراً، بدليل أنه قبل إطلاق الفيلم بوقت طويل، سارعت علامات تجارية كبرى للتواصل مع استوديوهات «ديزني» لضمان الحضور داخل الحملة التسويقية. الوكالة الإعلانية لعلامة «تريسيمي» المتخصصة في منتجات الشعر، مثلاً تقدمت بطلب لحجز مكان لها منذ خريف 2024. كما دخلت أسماء أخرى مثل «لوريال» و«بانتين» في هذا السباق. لم يكن الهدف بالنسبة إليها مجرد الظهور في الفيلم، بل تحويل كل لقطة إلى مادة تسويقية قابلة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.


خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
TT

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

يبدو أن صناع الموضة في مأزق صعب، الأمر الذي يُفسِّر حجم التغييرات التي تقوم بها كل من مجموعة «إل في آم آش» ومجموعة «كيرينغ» مؤخراً. فأرقام المبيعات في تراجع، وعدد زبائن المنتجات الفخمة أيضاً في تراجع، والعالم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تتجلى فقط في الإضرابات التي تشهدها العديد من العواصم الأوروبية، بل أيضاً فيما يجري داخل بيوت الأزياء من انقلابات، وإقالات.

وبين ضغوط المبيعات، وتقلّبات سوق الرفاهية، وتوقعات العلامات التجارية تحقيق نتائج سريعة، باتت المساحة المتاحة أمام المديرين الإبداعيين لاختبار أفكارهم وبناء هوياتهم داخل الدور تضيق أكثر فأكثر. لم تعد فترة عام أو عامين متاحة أمامهم لتأسيس لغة إبداعية متماسكة. وهكذا بين الفترة والأخرى تنتشر إشاعات حول رحيل مصمم، أو إقالته سرعان ما تتأكد صحتها، في مشهد يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت الذي يحتاج إليه، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

فمنذ أيام أعلنت دار «كالفين كلاين» خروج مديرتها الفنية فيرونيكا ليوني، وبعدها مباشرة أعلنت شركة «كيرينغ»، المالكة لعلامة ألكسندر ماكوين، أن مديرها الإبداعي شون ماكغير غادر منصبه.

قبل ذلك، أعلنت المجموعة رحيل أنتوني فاكاريلو، المدير الإبداعي لـ«سان لوران»، فيما تقول مصادر في القطاع إن فترة تولي بييرباولو بيتشولي منصبه في «بالنسياغا» تقترب أيضاً من نهايتها، فيما لا تزال دار «بروني» من دون مصمم حتى الآن.

سبب خروج ماكغير أنه واجه صعوبة في إثبات حضوره، بعد أن قوبلت تصاميمه الأولى بفتور. كان ماكغير قد انضم إلى ماكوين في وقت كانت فيه العلامة التجارية تواجه تراجعاً حاداً في المبيعات، نتيجة تباطؤ سوق السلع الفاخرة، وتراجع الطلب على خطها الناجح من الأحذية الرياضية تحديداً.

في عرضه الأول في مارس (آذار) 2024، قدّم أسلوباً أكثر تحرراً وخشونة. بدا متجدداً، ما أعطى الأمل بأنه تغيير إيجابي. لكن بعض تجار التجزئة والنقاد رأوا أن العرض كان غير متماسك، وأنه ابتعد بدرجة كبيرة عن السمعة التي تتمتع بها ماكوين بوصفها علامة متخصصة في التفصيل الدقيق، والمتقن.

حاول المصمم تجديدها في مجموعته لربيع وصيف 2027 بالألوان والعودة إلى إرثها (ماكوين)

ورغم أن المجموعات اللاحقة جاءت أكثر إحكاماً في تنفيذها، فإنها لم تنجح في تجديد اهتمام السوق بالعلامة التجارية. وبحلول عام 2025، انخفضت الإيرادات المقدّرة إلى أقل من 200 مليون يورو، بعدما بلغت 800 مليون يورو في ذروتها. هذا التراجع جعل الشركة المالكة، «كيرينغ»، تدرس إمكانية بيع العلامة التجارية، قبل أن تبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة لها.

وتعتبر ماكوين واحدة من أصغر العلامات التجارية التابعة لـ«كيرينغ»، ومن أكثرها تعقيداً أيضاً، لأنها لم تخرج من عباءة مؤسسها ألكسندر ماكوين حتى الآن. فهو لا يزال حاضراً في الذاكرة بعروضه المسرحية، وبراعة تفصيله، وروحه المتمردة بفنية لا يستطع أياً كان أن يُعوِّضها بسهولة. وربما هذا ما تبحث عنه الدار لحد الآن، وهو أيضاً ما صرَّح به لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرينغ» بقوله إنه يقدر مساهمة شون ماكغير، وتفانيه في خدمة «ألكسندر ماكوين»، لكن «المجموعة تطمح إلى رسم مسار جديد وجريء للدار، يستند إلى إرثها الفريد في التفصيل الاستثنائي، والإبداع الذي لا يقبل المساومة، والتمرد، من أجل تأكيد مكانتها بوصفها أحد أكثر الأصوات ابتكاراً، وتأثيراً ثقافياً في قطاع السلع الفاخرة».

تشتهر الدار ببراعتها في التفصيل الرجالي (ماكوين)

وتقود «كيرينغ» حالياً تغييرات كبيرة في القيادة الإبداعية عبر مجموعة علاماتها التجارية، في وقت لا تزال فيه سوق السلع الفاخرة تمر بظروف صعبة.

ربما تبدو «غوتشي»، العلامة الرئيسة للمجموعة، وكأنها تتجه تدريجياً نحو التعافي تحت قيادة مديرها الإبداعي الجديد ديمنا، إلا أن هذا التعافي لا يزال بطيئاً، ويحتاج إلى تسريع قوي.