أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


مقالات ذات صلة

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

لمسات الموضة تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

إيماناً بالحرف اليدوية المصرية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة لقطة من عرضه الأخير (سكياباريلي)

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

يقول دانييل روزبيري المدير الإبداعي لـ«سكياباريلي» إن مجموعة الموسم الماضي، والتي توجهت للربيع والصيف، شكّلت نقطة تحوّل له وللدار على حد سواء. وجد فيها…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)

لماذا استحوذت «شانيل» على «شارفيه»؟

في عالم الموضة، لا شيء يحدث بالمصادفة تماماً. وحتى أكثر الشراكات التي تبدأ بعفوية، قد تتحول مع مرور الوقت إلى قرارات استراتيجية تُغيِر مسار الكثير من الأشياء…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

إضافة إلى بساطته ومرونته، يحمل من البنطلون الرسمي حضوره الأنيق، ومن الشورت خفته وعمليته

جميلة حلفيشي (لندن)

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
TT

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

يعد الحذاء الجلد بتصميمه الكلاسيكي قطعة لا غنى عنها في خزانة كل رجل أنيق؛ فهو ليس مجرد «تفصيلة» بقدر ما هو قطعة أساسية تعكس ذوقه، وشخصيته، ومدى اهتمامه بجودة ما يرتديه.

وبينما تفرض الموضة إيقاعها المتسارع على ألوان الحذاء، وخاماته، وأشكاله، تظل الأحذية الجلدية المصنوعة يدوياً محتفظة بمكانتها، بوصفها رمزاً للحرفية الراقية، والفخامة الهادئة. فهي تكون أكثر متانة، وتبقى مدة أطول مع صاحبها، لا سيما إذا جمعت بين الكلاسيكية والأناقة المعاصرة.

التوأم زياد ونادين فتح الله (الشرق الأوسط)

إيماناً بهذه المفاهيم، وأهمية الحرف اليدوية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله في عام 2017 علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي». انطلقا من فكرة واضحة تستهدف إحياء مهنة «صانع الأحذية الشعبية» التي كانت على وشك الاندثار بسبب وسائل التصنيع الحديثة التي تعتمد على الآلات، شأنها شأن كثير من الحرف اليدوية المصرية.

تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية (الشرق الأوسط)

دخول نادين وزياد هذا المجال بالتحديد لم يأتِ من فراغ. ففي بعض الحكايات لا تبدأ المهنة باختيار، أو صدفة، وهذا ما يمكن قوله عليهما. فهذا الإرث تسلل إلى وجدانهما منذ الطفولة عندما كان جدهما ووالدهما يصطحبانهما إلى الورش الحرفية لتصنيع احتياجات الأسرة. هناك اكتشفا هذا العالم، وكيف تتحول الخامات البسيطة إلى قطع تحمل بصمة صانعها.

الصنعة وراثة

يقول زياد فتح الله لـ«الشرق الأوسط»: إن «الشغف بكل ما هو مصنوع يدوياً انتقل إلينا كإرث عائلي؛ فترسخت لدينا قناعة بأن الحرفة مهارة، وثقافة، وهوية تستحق الحفاظ عليها، وتطويرها».

حذاء أكسفورد المدبب كما تصوره الثنائي ونفذه الحرفيون (الشرق الأوسط)

لم تكن بداية الثنائي فتح الله في مجال الإكسسوارات، بل في تصنيع الملابس، وتطور الأمر إلى تصنيع الأحذية. فكرة أن تتخصص في تصنيع أحذية كلاسيكية يدوية فاخرة ربما تبدو غريبة وجريئة في مصر، وأن تتحول إليها من قطاع الملابس، فإن ذلك يعني الخروج من «منطقة الأمان» إلى حد كبير، لكنهما قررا خوض المغامرة، والعودة بالرجل المصري إلى أناقة أيام زمان بإحياء فكرة الإسكافي، على أن تكون هذه المرة في معرض فاخر، أو متجر إلكتروني بدلاً من الدكاكين العتيقة في الحارات الشعبية المصرية.

تعتمد العلامة على مجموعة من أمهر الحرفيين (الشرق الأوسط)

تقول نادين: «قبل أن تتحول صناعة الأحذية إلى خطوط إنتاج ضخمة تعتمد على السرعة، والكميات الكبيرة، كان الإسكافي يمثل أحد أبرز رموز الحرفة اليدوية. يعتمد على مهارته، وخبرته، من دون الاستعانة بالآلات الحديثة؛ ولذلك كان الإسكافي في الأحياء والأسواق التقليدية مقصداً لمن يرغب في ترميم حذائه المفضل، أو اقتناء تصميم ينفذ خصيصاً وفق احتياجاته».

من الدكاكين إلى المعارض

في المرحلة الأولى كان التصنيع لدى حرفيين في ورشهم، ثم افتتحا استوديو خاصاً متخصصاً بالكامل في صناعة الأحذية حسب الطلب في حي روكسي بالقاهرة. وسرعان ما توسَّع نشاطهما، فتم إنشاء مصنع بمنطقة العباسية. في هذه المرحلة زادت خبرتهما، وقناعتهما بأن الجودة تعني التفاني، والدقة. فصنع حذاء واحد قد يستغرق عدة أسابيع، حيث يخضع فيها لخطوات تصنيعية متنوعة يقوم بها عدة حرفيين ماهرين، وكل منهم خبير في مجاله قبل اكتمال القطعة، ثم وصولها إلى صاحبها.

العراقة والحداثة تجتمعان في حذاء من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

أكثر ما شجعهما في مسيرتهما أن هيمنة صناعة الأحذية آلياً لم تمنع شريحة من الرجال الشغوفين بالجودة والتفرد من البحث عن الحذاء اليدوي المصنوع من الجلد الطبيعي الخالص الذي كان يقدمه الإسكافي قبل سنوات. هذه الشريحة هي التي يستهدفانها بتصاميم مستوحاة من أحذية أكسفورد، وديربي، ولوفر، مع إعادة تقديمها بروح معاصرة من خلال لمسات خفيفة، وألوان تتناغم مع اتجاهات الموضة في كل موسم. ويضيف زياد موضحاً: «أن نجاح العلامة يقوم أيضاً على خبرات الحرفيين الذين يشكلون قلبها النابض، فهم فريق متكامل من الصناع، وينتمي بعضهم إلى أجيال تجاوزت الستين والثمانين عاماً، ورثوا المهنة، وينتمي بعضهم إلى جيل جديد من الشباب جرى تدريبهم، لضمان انتقال الخبرة، واستمرارها».

تصميم على المقاس

ويؤكد المؤسسان أن الأحذية المصنوعة يدوياً لا تنافس المنتجات الجاهزة من حيث الشكل فحسب، بل تقدم حلولاً عملية يصعب أن توفرها الصناعة التجارية؛ فالتفصيل حسب الطلب يلبي احتياجات أشخاص يعانون من مقاسات غير متوفرة في الأسواق، سواء كانت كبيرة جداً، مثل المقاسات التي تتجاوز 46، وتتجاوز الـ49، أو صغيرة بالنسبة للأحذية الرجالية، مثل 36 أو 38، وهي فئات كثيراً ما تواجه صعوبة في العثور على حذاء مناسب، بل يشعر بعض أصحابها بالحرج من تجربة الشراء التقليدية.

يحرص المؤسسان على أن يكون حتى الرباط من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر الخدمة على اختلاف المقاسات؛ إذ تستقبل الورشة أيضاً عملاء يعانون مشكلات في القدم، مثل القدم المسطحة، أو ارتفاع مشط القدم، أو اختلاف قياس القدمين. ويجري تصميم كل حذاء وفق القياسات الدقيقة لكل عميل؛ بما يحقق الراحة والدعم اللازمين، ويحول الحذاء إلى قطعة مصممة خصيصاً لصاحبها، وفق زياد فتح الله.

أما عشاق الأناقة الكلاسيكية، فإنهم يجدون في الأحذية اليدوية فرصة لامتلاك تصميمات تحمل بصمتهم الشخصية، من خلال اختيار نوع الجلد، ولونه، وطريقة الخياطة، والتفاصيل الدقيقة، ليكتسب الحذاء في آخر مرحلة تفرده، عكس الإنتاج المتشابه الذي تفرضه المصانع الكبرى.

لكل المناسبات بما فيها المساء والسهرة (الشرق الأوسط)

نقل الحرفة للمستقبل

وعن سر الحفاظ على مستوى الجودة، يؤكد التوأم أن تطوير الحرفة لم يعتمد على الدراسة الأكاديمية وحدها، بل جاء من سنوات طويلة من الممارسة اليومية، والاطلاع المستمر على أحدث تقنيات الصناعة في هذا المجال، وذلك عبر السفر، ومتابعة المدارس الأوروبية الرائدة -ولا سيما في إيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا- التي لا تزال تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية، إلى جانب الكتب المتخصصة، والدورات التدريبية.

حذاء ذا سولاس من الإسكافي بلمسة حديثة (الشرق الأوسط)

كما أطلقا أخيراً خطاً جديداً من الأحذية اليومية (Active)، حيث لا يندرج ضمن الأحذية الرياضية التقليدية، بل يعتمد على الجلد الطبيعي بالكامل مع نعل مسطح، وخفيف الوزن، ليمنح مرتديه راحة طوال اليوم، فيما يناسب شكله الملابس الكاجوال.

ويكشف التوأم أن موسم خريف وشتاء 2026 سيشهد إطلاق أول مجموعة نسائية متكاملة، وبالمواصفات التي تميز العلامة، وتُلبِي طموح التوأم. فحلمهما لن يكتمل إلا بإنشاء أكاديمية مصرية متخصصة لتعليم صناعة الأحذية اليدوية وفق تصريحهما، حيث تعيد الاعتبار لحرفة الإسكافي، وتُغري شريحة شابة من الحرفيين بحملها إلى المستقبل.


لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

لقطة من عرضه الأخير (سكياباريلي)
لقطة من عرضه الأخير (سكياباريلي)
TT

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

لقطة من عرضه الأخير (سكياباريلي)
لقطة من عرضه الأخير (سكياباريلي)

يقول دانييل روزبيري المدير الإبداعي لـ«سكياباريلي» إن مجموعة الموسم الماضي، والتي توجهت للربيع والصيف، شكّلت نقطة تحوّل له وللدار على حد سواء. وجد فيها المعادلة التي ظلَ يبحث عنها طويلاً. وعندما بدأ العمل على مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027، اعتقد أن مهمته ستكون سهلة، لأن كل ما عليه القيام به هو إعادة النهج الإبداعي ذاته والبناء عليه. وبالفعل اتخذ الخطوات نفسها: السفر للاستلهام وزيارة صرحٍ معماري، كان هذه المرة إلى برشلونة لاكتشاف أعمال غاودي. الخطوة التالية كانت إطلاق العنان لخياله.

المصمم دانييل روزبيري يضع لمساته على واحدة من إبداعاته (سكياباريلي)

لكن الأمور لم تسر على هذا النحو. اكتشف سريعاً أن تكرار تلك المعادلة أدخله في دائرة فراغ أحبطت ولادة فكرة غير مسبوقة، وأن الشعور بالطمأنينة الذي استشعره في البداية جرَّد الأفكار سحرها وقدرتها على الإدهاش.

كان لا بد له من التراجع عن فكرته الأولية، وتسليم نفسه للمجهول. بدأ صفحة جديدة منطلقاً من نقطة أرستها مؤسسة الدار، إلسا سكياباريللي، وهي السريالية. فهذه لم تكن بالنسبة لها هروباً من الواقع بل نهجاً يكشف حقائق ظلّت عصيّة على التفسير جعلتها تؤمن بأن أكثر الإبداعات خلوداً لا تولد من اليقين، بل من التناقض، والمصادفة، ومن الشجاعة لخوض غمار المجهول من دون حسابات تقيد خيالها أو اعتبارات تجارية.

حتى أكثر الخطوط بساطة تصرخ بالسريالية (سكياباريلي)

يقول روزبيري إنه فقط عندما عاد إليها، سمع «الفراغ يناديه» وبدأ الابتكار الحقيقي.

هذا التحوّل جعله يُفكِر عمّا إذا كان الجمال يكمن في المادة والمنتج، أم في الخيال القادر على إعادة ابتكارهما. اختار أن يخوض في هذه المجموعة تجربة عملية جديدة تجمع بين تقنيات الأزياء الراقية والمواد الصناعية. فبدلاً من الحرير، والساتان، والصوف التقليدي، اعتمد اللاتكس والسيليكون، إلى جانب طبقات من الطلاء خضعت للمعالجة الحرارية حتى تحوّلت إلى صفائح، ثم نُحتت لتتخذ أشكالاً تصميمية مبتكرة.

كل قطعة بما فيها سترة الدار الأيقونية جمعت بين الأزياء والإكسسوارات (سكياباريلي)

حتى سترة «سكياباريلي» الأيقونية، نقلها من مجرد قطعة أزياء إلى قطعة فنية لا تحتاج إلى إكسسوارات. فهي مطرزة بسخاء من كل الجوانب والزوايا. الكورسيه أيضاً تم نحته حرفياً قبل أن يُصبّ بالسيليكون، كذلك الزهور التي تزيّن تنورة، وألَّفها من مئات الأزهار المصنوعة من الجوارب النسائية المشدودة على أسلاك معدنية ولآلئ. فستان آخر تألق بأنابيب من الكرينولين، بينما تزدان سترة وسروال ضيق متناسق بأزهار طبيعية، وقشور أسماك، وأزهار مصنوعة من الشرائط، بينما تنبثق من الكتفين مجسّات من اللاتكس تنبض بالحركة.

حتى أكثر الخطوط بساطة تصرخ بالسريالية (سكياباريلي)

شهد هذا الموسم أيضاً تجارب لونية جديدة، ارتكزت على درجات مستوحاة من النباتات والكائنات البحرية: الوردي المستوحى من الكركند، والبنفسجي، والبرتقالي المتوهج، والزعفراني، والأخضر النعناعي الشاحب؛ جميعها تتألق على خلفية من الأسود اللامع شديد البريق، ولون الإكرو الشمعي الخام. ثم لا ننسى اللمسات الذهبية. ففي الدار، لا يُعد الذهب مجرد لمسة نهائية، بل أقرب إلى مادة نحتية؛ تُحوّل الجسد إلى كيان يجمع بين الزينة، والدرع، والعمل الفني في آن.

حقيبة مزدانة بالكامل بالأزهار (سكياباريلي)

هذه الجرأة الفنية تمتد إلى الإكسسوارات أيضاً، مثل حقيبة Secret المزدانة بنتوءات من الكرينولين أو بأزهار، وحذاء The Bubble، بتكوينه المعدني المغلَف بالسيليكون، وأقراط على هيئة أصداف مطلية بالذهب، وأخرى تستلهم هيئة مجسّات الأخطبوط المتمايلة، أو أشكال شقائق النعمان البحرية.


«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)
اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)
TT

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)
اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً، واستلهمها الشعراء في قصائدهم. من هذه الإحالة السماوية تنطلق دار «عزة فهمي» في مجموعتها الجديدة لتبني حواراً بصرياً حول الهلال والنجوم، بوصفهما من أكثر الرموز حضوراً في الفنون والزخارف الإسلامية والعثمانية.

لا تبدو «ثريا» مجرد مجموعة جديدة بل حلقة تجعل من التاريخ مادة حية للحوار مع الحاضر (عزة فهمي)

منذ تأسيس الدار، انشغلت عزة فهمي بالبحث في التراث المصري والإسلامي والشرق أوسطي، واستخراج تفاصيله لتقديمها في تصاميم معاصرة، من دون أن تتحول إلى استنساخ للماضي. وتواصل هذا النهج ابنتها أمينة غالي، فهي تشارك والدتها الشغف بالبحث في المراجع التاريخية، وتحويلها إلى مصدر إلهام للتصميم.

ويأتي «ثريا» امتداداً لهذا النهج، مع تركيز واضح على فكرة الترابط؛ وهي الفكرة التي استُلهمت من تكوين الكوكبة نفسها؛ حيث لا تكمن جمالية النجوم في كل نجم على حدة، بل في العلاقة التي تجمع بينها.

يحتفظ كل تصميم باستقلاليته رغم انتمائه إلى المجموعة نفسها (عزة فهمي)

هذا المفهوم ينعكس مباشرة على لغة التصميم في المجموعة، إذ تحتل السلسلة مكانة محورية في معظم القطع، بوصفها وسيلة لربط أجزاء الحلي، وعنصراً بصرياً قائماً بذاته. فهذا العنصر يمنح القطعة انسيابية وحركة، ويخلق صلة بين الهلال والنجوم والأحجار والزخارف المختلفة. ولعل هذه المعالجة تُمثل امتداداً لإحدى السمات التي ارتبطت باسم عزة فهمي خلال العقود الماضية، واكتسبت فيها السلسلة حضوراً يكاد يوازي حضور الذهب والأحجار الكريمة في تشكيل هوية الدار.

ولأن الهلال والنجوم رمزان من رموز الفنون العثمانية ظهرا في العمارة والمشغولات المعدنية والمنسوجات والمجوهرات، واستعملتهما «عزة فهمي» نقطة انطلاق لتصاميم تُرجم فيها التاريخ بلغة معاصرة.

استغرق تنفيذ عقد «Celestial Scarf Necklace» نحو 82 ساعة من العمل اليدوي (عزة فهمي)

ومن أبرز قطع المجموعة عقد «Celestial Scarf Necklace» الذي يُعيد تقديم السلسلة في تصميم مرن يمكن ارتداؤه بأكثر من أسلوب. وتتدلى من العقد سلاسل متفاوتة الطول تتزين برموز الهلال والنجوم، ويحمل نقشاً لعبارة «أوقاتي بتحلو، بتحلو معاك» من أغنية للفنانة وردة في امتداد لأسلوب عزة فهمي في توظيف الشعر والأمثال الشعبية في تصاميمها. وتُشير الدار إلى أن تنفيذ هذا العقد استغرق نحو 82 ساعة من العمل اليدوي، نظراً لما تطلَّبه من تفاصيل دقيقة وروابط متحركة.

التأثير الفيكتوري

تترجم الدار تأثير الحضارات المتنوعة التي توالت على مصر بأسلوبها الخاص (عزة فهمي)

ولم تقتصر مراجع المجموعة على الإرث العثماني، بل شملت أيضاً المجوهرات الأوروبية أيضاً. ففي «Beaded Celestial Choker» تستلهم الدار عقد الطوق الفيكتوري، وتعيد تفسيره من خلال 3 صفوف من اللؤلؤ أو الأحجار الملونة، تتوسطها زخرفة الهلال والنجمة المرصعة بالألماس العسلي.

الكردان المصري بلغة «عزة فهمي» المعاصرة (عزة فهمي)

وفي اتجاه آخر، تستعيد المجموعة واحدة من أشهر قطع الحلي المصرية التقليدية من خلال «Kirdan Celestial Necklace»، المستوحى من الكردان الذي ترتديه نساء الريف المصري منذ عقود طويلة. ويأتي هنا بصياغة أكثر مرونة وانسيابية، تتدلى منها نجوم وأحجار كريمة، فيما يحتل الهلال والنجمة مركز التكوين. والنتيجة قطعة تستدعي الذاكرة الشعبية، لكنها تنتمي في خطوطها إلى الحاضر.

الهلال والنجوم تم تشكيلهما بأحجام ومواضع مختلفة داخل القطعة الواحدة (عزة فهمي)

ويظهر الاهتمام بالبناء الهندسي أيضاً في «Bracelet Chain Constellation»، الذي يوظف 3 أشكال.

الإسكندرية جزء من القصة

واللافت في هذه المجموعة أيضاً أن الحوار الذي تقترحه «ثريا» لا يقتصر على استحضار الرموز التاريخية بل يمتد إلى الأماكن أيضاً. فقد اختارت الدار مدينة الإسكندرية لتصوير حملتها الخاصة بالمجموعة، وهو اختيار ليس اعتباطياً، فالإسكندرية مدينة تشكلت هويتها من التبادل الثقافي، وتعاقبت عليها حضارات تركت آثارها في عمارتها وشوارعها وميناءها.

كانت الإسكندرية مكاناً مناسباً لتصوير الحملة (عزة فهمي)

ولعل هذا التعدد يجد صداه في المجموعة نفسها، إذ تنتقل بين مرجعيات عثمانية ومصرية وأوروبية من دون أن تبدو مفككة. فكما تحتضن الإسكندرية طبقات تاريخية متجاورة، تجمع «ثريا» بين الكردان المصري، والطوق الفيكتوري، والزخارف العثمانية. ويعود الفضل في الحفاظ على توازن هذه العناصر إلى السلسلة التي تصل بينها، كما تصل الكوكبة بين نجومها.

وهناك بُعد آخر لاختيار الإسكندرية، يتمثل في تاريخها البحري. فقبل ظهور وسائل الملاحة الحديثة، كانت النجوم، ومنها كوكبة الثريا، بمثابة بوصلة يهتدي بها البحارة في رحلاتهم عبر البحر المتوسط. وبالنسبة إلى مدينة ارتبط تاريخها بالميناء والتجارة والسفر، يصبح حضور السماء في هذه المجموعة أكثر من مجرد استعارة جمالية؛ إنه استحضار لعلاقة قديمة بين الإنسان والنجوم، وللدور الذي أدّته السماء يوماً في هداية المسافرين عبر البحر.