«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تقوم على «صُنع من الجلد الطبيعي» من الرباط إلى الكعب

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
TT

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

يعد الحذاء الجلد بتصميمه الكلاسيكي قطعة لا غنى عنها في خزانة كل رجل أنيق؛ فهو ليس مجرد «تفصيلة» بقدر ما هو قطعة أساسية تعكس ذوقه، وشخصيته، ومدى اهتمامه بجودة ما يرتديه.

وبينما تفرض الموضة إيقاعها المتسارع على ألوان الحذاء، وخاماته، وأشكاله، تظل الأحذية الجلدية المصنوعة يدوياً محتفظة بمكانتها، بوصفها رمزاً للحرفية الراقية، والفخامة الهادئة. فهي تكون أكثر متانة، وتبقى مدة أطول مع صاحبها، لا سيما إذا جمعت بين الكلاسيكية والأناقة المعاصرة.

التوأم زياد ونادين فتح الله (الشرق الأوسط)

إيماناً بهذه المفاهيم، وأهمية الحرف اليدوية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله في عام 2017 علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي». انطلقا من فكرة واضحة تستهدف إحياء مهنة «صانع الأحذية الشعبية» التي كانت على وشك الاندثار بسبب وسائل التصنيع الحديثة التي تعتمد على الآلات، شأنها شأن كثير من الحرف اليدوية المصرية.

تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية (الشرق الأوسط)

دخول نادين وزياد هذا المجال بالتحديد لم يأتِ من فراغ. ففي بعض الحكايات لا تبدأ المهنة باختيار، أو صدفة، وهذا ما يمكن قوله عليهما. فهذا الإرث تسلل إلى وجدانهما منذ الطفولة عندما كان جدهما ووالدهما يصطحبانهما إلى الورش الحرفية لتصنيع احتياجات الأسرة. هناك اكتشفا هذا العالم، وكيف تتحول الخامات البسيطة إلى قطع تحمل بصمة صانعها.

الصنعة وراثة

يقول زياد فتح الله لـ«الشرق الأوسط»: إن «الشغف بكل ما هو مصنوع يدوياً انتقل إلينا كإرث عائلي؛ فترسخت لدينا قناعة بأن الحرفة مهارة، وثقافة، وهوية تستحق الحفاظ عليها، وتطويرها».

حذاء أكسفورد المدبب كما تصوره الثنائي ونفذه الحرفيون (الشرق الأوسط)

لم تكن بداية الثنائي فتح الله في مجال الإكسسوارات، بل في تصنيع الملابس، وتطور الأمر إلى تصنيع الأحذية. فكرة أن تتخصص في تصنيع أحذية كلاسيكية يدوية فاخرة ربما تبدو غريبة وجريئة في مصر، وأن تتحول إليها من قطاع الملابس، فإن ذلك يعني الخروج من «منطقة الأمان» إلى حد كبير، لكنهما قررا خوض المغامرة، والعودة بالرجل المصري إلى أناقة أيام زمان بإحياء فكرة الإسكافي، على أن تكون هذه المرة في معرض فاخر، أو متجر إلكتروني بدلاً من الدكاكين العتيقة في الحارات الشعبية المصرية.

تعتمد العلامة على مجموعة من أمهر الحرفيين (الشرق الأوسط)

تقول نادين: «قبل أن تتحول صناعة الأحذية إلى خطوط إنتاج ضخمة تعتمد على السرعة، والكميات الكبيرة، كان الإسكافي يمثل أحد أبرز رموز الحرفة اليدوية. يعتمد على مهارته، وخبرته، من دون الاستعانة بالآلات الحديثة؛ ولذلك كان الإسكافي في الأحياء والأسواق التقليدية مقصداً لمن يرغب في ترميم حذائه المفضل، أو اقتناء تصميم ينفذ خصيصاً وفق احتياجاته».

من الدكاكين إلى المعارض

في المرحلة الأولى كان التصنيع لدى حرفيين في ورشهم، ثم افتتحا استوديو خاصاً متخصصاً بالكامل في صناعة الأحذية حسب الطلب في حي روكسي بالقاهرة. وسرعان ما توسَّع نشاطهما، فتم إنشاء مصنع بمنطقة العباسية. في هذه المرحلة زادت خبرتهما، وقناعتهما بأن الجودة تعني التفاني، والدقة. فصنع حذاء واحد قد يستغرق عدة أسابيع، حيث يخضع فيها لخطوات تصنيعية متنوعة يقوم بها عدة حرفيين ماهرين، وكل منهم خبير في مجاله قبل اكتمال القطعة، ثم وصولها إلى صاحبها.

العراقة والحداثة تجتمعان في حذاء من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

أكثر ما شجعهما في مسيرتهما أن هيمنة صناعة الأحذية آلياً لم تمنع شريحة من الرجال الشغوفين بالجودة والتفرد من البحث عن الحذاء اليدوي المصنوع من الجلد الطبيعي الخالص الذي كان يقدمه الإسكافي قبل سنوات. هذه الشريحة هي التي يستهدفانها بتصاميم مستوحاة من أحذية أكسفورد، وديربي، ولوفر، مع إعادة تقديمها بروح معاصرة من خلال لمسات خفيفة، وألوان تتناغم مع اتجاهات الموضة في كل موسم. ويضيف زياد موضحاً: «أن نجاح العلامة يقوم أيضاً على خبرات الحرفيين الذين يشكلون قلبها النابض، فهم فريق متكامل من الصناع، وينتمي بعضهم إلى أجيال تجاوزت الستين والثمانين عاماً، ورثوا المهنة، وينتمي بعضهم إلى جيل جديد من الشباب جرى تدريبهم، لضمان انتقال الخبرة، واستمرارها».

تصميم على المقاس

ويؤكد المؤسسان أن الأحذية المصنوعة يدوياً لا تنافس المنتجات الجاهزة من حيث الشكل فحسب، بل تقدم حلولاً عملية يصعب أن توفرها الصناعة التجارية؛ فالتفصيل حسب الطلب يلبي احتياجات أشخاص يعانون من مقاسات غير متوفرة في الأسواق، سواء كانت كبيرة جداً، مثل المقاسات التي تتجاوز 46، وتتجاوز الـ49، أو صغيرة بالنسبة للأحذية الرجالية، مثل 36 أو 38، وهي فئات كثيراً ما تواجه صعوبة في العثور على حذاء مناسب، بل يشعر بعض أصحابها بالحرج من تجربة الشراء التقليدية.

يحرص المؤسسان على أن يكون حتى الرباط من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر الخدمة على اختلاف المقاسات؛ إذ تستقبل الورشة أيضاً عملاء يعانون مشكلات في القدم، مثل القدم المسطحة، أو ارتفاع مشط القدم، أو اختلاف قياس القدمين. ويجري تصميم كل حذاء وفق القياسات الدقيقة لكل عميل؛ بما يحقق الراحة والدعم اللازمين، ويحول الحذاء إلى قطعة مصممة خصيصاً لصاحبها، وفق زياد فتح الله.

أما عشاق الأناقة الكلاسيكية، فإنهم يجدون في الأحذية اليدوية فرصة لامتلاك تصميمات تحمل بصمتهم الشخصية، من خلال اختيار نوع الجلد، ولونه، وطريقة الخياطة، والتفاصيل الدقيقة، ليكتسب الحذاء في آخر مرحلة تفرده، عكس الإنتاج المتشابه الذي تفرضه المصانع الكبرى.

لكل المناسبات بما فيها المساء والسهرة (الشرق الأوسط)

نقل الحرفة للمستقبل

وعن سر الحفاظ على مستوى الجودة، يؤكد التوأم أن تطوير الحرفة لم يعتمد على الدراسة الأكاديمية وحدها، بل جاء من سنوات طويلة من الممارسة اليومية، والاطلاع المستمر على أحدث تقنيات الصناعة في هذا المجال، وذلك عبر السفر، ومتابعة المدارس الأوروبية الرائدة -ولا سيما في إيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا- التي لا تزال تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية، إلى جانب الكتب المتخصصة، والدورات التدريبية.

حذاء ذا سولاس من الإسكافي بلمسة حديثة (الشرق الأوسط)

كما أطلقا أخيراً خطاً جديداً من الأحذية اليومية (Active)، حيث لا يندرج ضمن الأحذية الرياضية التقليدية، بل يعتمد على الجلد الطبيعي بالكامل مع نعل مسطح، وخفيف الوزن، ليمنح مرتديه راحة طوال اليوم، فيما يناسب شكله الملابس الكاجوال.

ويكشف التوأم أن موسم خريف وشتاء 2026 سيشهد إطلاق أول مجموعة نسائية متكاملة، وبالمواصفات التي تميز العلامة، وتُلبِي طموح التوأم. فحلمهما لن يكتمل إلا بإنشاء أكاديمية مصرية متخصصة لتعليم صناعة الأحذية اليدوية وفق تصريحهما، حيث تعيد الاعتبار لحرفة الإسكافي، وتُغري شريحة شابة من الحرفيين بحملها إلى المستقبل.


مقالات ذات صلة

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

لمسات الموضة لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

يقول دانييل روزبيري المدير الإبداعي لـ«سكياباريلي» إن مجموعة الموسم الماضي، والتي توجهت للربيع والصيف، شكّلت نقطة تحوّل له وللدار على حد سواء. وجد فيها…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)

لماذا استحوذت «شانيل» على «شارفيه»؟

في عالم الموضة، لا شيء يحدث بالمصادفة تماماً. وحتى أكثر الشراكات التي تبدأ بعفوية، قد تتحول مع مرور الوقت إلى قرارات استراتيجية تُغيِر مسار الكثير من الأشياء…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

إضافة إلى بساطته ومرونته، يحمل من البنطلون الرسمي حضوره الأنيق، ومن الشورت خفته وعمليته

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)

لامين يامال... من نجم كروي إلى أيقونة موضة

وصل لامين يامال إلى كأس العالم وهو يُعدُّ أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم. وغادر البطولة وقد أصبح بالنسبة لكثيرين أكثر لاعبيها جاذبية من الناحية التسويقية

جميلة حلفيشي (لندن)

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

TT

لخريف / شتاء 2026-2027… دانييل روزبيري يملأ الفراغ فناً

يقول دانييل روزبيري المدير الإبداعي لـ«سكياباريلي» إن مجموعة الموسم الماضي، والتي توجهت للربيع والصيف، شكّلت نقطة تحوّل له وللدار على حد سواء. وجد فيها المعادلة التي ظلَ يبحث عنها طويلاً. وعندما بدأ العمل على مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027، اعتقد أن مهمته ستكون سهلة، لأن كل ما عليه القيام به هو إعادة النهج الإبداعي ذاته والبناء عليه. وبالفعل اتخذ الخطوات نفسها: السفر للاستلهام وزيارة صرحٍ معماري، كان هذه المرة إلى برشلونة لاكتشاف أعمال غاودي. الخطوة التالية كانت إطلاق العنان لخياله.

المصمم دانييل روزبيري يضع لمساته على واحدة من إبداعاته (سكياباريلي)

لكن الأمور لم تسر على هذا النحو. اكتشف سريعاً أن تكرار تلك المعادلة أدخله في دائرة فراغ أحبطت ولادة فكرة غير مسبوقة، وأن الشعور بالطمأنينة الذي استشعره في البداية جرَّد الأفكار سحرها وقدرتها على الإدهاش.

كان لا بد له من التراجع عن فكرته الأولية، وتسليم نفسه للمجهول. بدأ صفحة جديدة منطلقاً من نقطة أرستها مؤسسة الدار، إلسا سكياباريللي، وهي السريالية. فهذه لم تكن بالنسبة لها هروباً من الواقع بل نهجاً يكشف حقائق ظلّت عصيّة على التفسير جعلتها تؤمن بأن أكثر الإبداعات خلوداً لا تولد من اليقين، بل من التناقض، والمصادفة، ومن الشجاعة لخوض غمار المجهول من دون حسابات تقيد خيالها أو اعتبارات تجارية.

حتى أكثر الخطوط بساطة تصرخ بالسريالية (سكياباريلي)

يقول روزبيري إنه فقط عندما عاد إليها، سمع «الفراغ يناديه» وبدأ الابتكار الحقيقي.

هذا التحوّل جعله يُفكِر عمّا إذا كان الجمال يكمن في المادة والمنتج، أم في الخيال القادر على إعادة ابتكارهما. اختار أن يخوض في هذه المجموعة تجربة عملية جديدة تجمع بين تقنيات الأزياء الراقية والمواد الصناعية. فبدلاً من الحرير، والساتان، والصوف التقليدي، اعتمد اللاتكس والسيليكون، إلى جانب طبقات من الطلاء خضعت للمعالجة الحرارية حتى تحوّلت إلى صفائح، ثم نُحتت لتتخذ أشكالاً تصميمية مبتكرة.

كل قطعة بما فيها سترة الدار الأيقونية جمعت بين الأزياء والإكسسوارات (سكياباريلي)

حتى سترة «سكياباريلي» الأيقونية، نقلها من مجرد قطعة أزياء إلى قطعة فنية لا تحتاج إلى إكسسوارات. فهي مطرزة بسخاء من كل الجوانب والزوايا. الكورسيه أيضاً تم نحته حرفياً قبل أن يُصبّ بالسيليكون، كذلك الزهور التي تزيّن تنورة، وألَّفها من مئات الأزهار المصنوعة من الجوارب النسائية المشدودة على أسلاك معدنية ولآلئ. فستان آخر تألق بأنابيب من الكرينولين، بينما تزدان سترة وسروال ضيق متناسق بأزهار طبيعية، وقشور أسماك، وأزهار مصنوعة من الشرائط، بينما تنبثق من الكتفين مجسّات من اللاتكس تنبض بالحركة.

حتى أكثر الخطوط بساطة تصرخ بالسريالية (سكياباريلي)

شهد هذا الموسم أيضاً تجارب لونية جديدة، ارتكزت على درجات مستوحاة من النباتات والكائنات البحرية: الوردي المستوحى من الكركند، والبنفسجي، والبرتقالي المتوهج، والزعفراني، والأخضر النعناعي الشاحب؛ جميعها تتألق على خلفية من الأسود اللامع شديد البريق، ولون الإكرو الشمعي الخام. ثم لا ننسى اللمسات الذهبية. ففي الدار، لا يُعد الذهب مجرد لمسة نهائية، بل أقرب إلى مادة نحتية؛ تُحوّل الجسد إلى كيان يجمع بين الزينة، والدرع، والعمل الفني في آن.

حقيبة مزدانة بالكامل بالأزهار (سكياباريلي)

هذه الجرأة الفنية تمتد إلى الإكسسوارات أيضاً، مثل حقيبة Secret المزدانة بنتوءات من الكرينولين أو بأزهار، وحذاء The Bubble، بتكوينه المعدني المغلَف بالسيليكون، وأقراط على هيئة أصداف مطلية بالذهب، وأخرى تستلهم هيئة مجسّات الأخطبوط المتمايلة، أو أشكال شقائق النعمان البحرية.


«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)
اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)
TT

«ثُريا» عزة فهمي... حوار النجوم والمجوهرات

اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)
اختيار الإسكندرية لتصوير الحملة ليس صدفة أو اعتباطياً (عزة فهمي)

قد يقود اسم المجموعة، للوهلة الأولى، إلى صورة «الثريا» المعلقة في سقوف البيوت، لكنه يحيل في الواقع إلى كوكبة «الثريا»، التي اهتدى بها البحارة قديماً، واستلهمها الشعراء في قصائدهم. من هذه الإحالة السماوية تنطلق دار «عزة فهمي» في مجموعتها الجديدة لتبني حواراً بصرياً حول الهلال والنجوم، بوصفهما من أكثر الرموز حضوراً في الفنون والزخارف الإسلامية والعثمانية.

لا تبدو «ثريا» مجرد مجموعة جديدة بل حلقة تجعل من التاريخ مادة حية للحوار مع الحاضر (عزة فهمي)

منذ تأسيس الدار، انشغلت عزة فهمي بالبحث في التراث المصري والإسلامي والشرق أوسطي، واستخراج تفاصيله لتقديمها في تصاميم معاصرة، من دون أن تتحول إلى استنساخ للماضي. وتواصل هذا النهج ابنتها أمينة غالي، فهي تشارك والدتها الشغف بالبحث في المراجع التاريخية، وتحويلها إلى مصدر إلهام للتصميم.

ويأتي «ثريا» امتداداً لهذا النهج، مع تركيز واضح على فكرة الترابط؛ وهي الفكرة التي استُلهمت من تكوين الكوكبة نفسها؛ حيث لا تكمن جمالية النجوم في كل نجم على حدة، بل في العلاقة التي تجمع بينها.

يحتفظ كل تصميم باستقلاليته رغم انتمائه إلى المجموعة نفسها (عزة فهمي)

هذا المفهوم ينعكس مباشرة على لغة التصميم في المجموعة، إذ تحتل السلسلة مكانة محورية في معظم القطع، بوصفها وسيلة لربط أجزاء الحلي، وعنصراً بصرياً قائماً بذاته. فهذا العنصر يمنح القطعة انسيابية وحركة، ويخلق صلة بين الهلال والنجوم والأحجار والزخارف المختلفة. ولعل هذه المعالجة تُمثل امتداداً لإحدى السمات التي ارتبطت باسم عزة فهمي خلال العقود الماضية، واكتسبت فيها السلسلة حضوراً يكاد يوازي حضور الذهب والأحجار الكريمة في تشكيل هوية الدار.

ولأن الهلال والنجوم رمزان من رموز الفنون العثمانية ظهرا في العمارة والمشغولات المعدنية والمنسوجات والمجوهرات، واستعملتهما «عزة فهمي» نقطة انطلاق لتصاميم تُرجم فيها التاريخ بلغة معاصرة.

استغرق تنفيذ عقد «Celestial Scarf Necklace» نحو 82 ساعة من العمل اليدوي (عزة فهمي)

ومن أبرز قطع المجموعة عقد «Celestial Scarf Necklace» الذي يُعيد تقديم السلسلة في تصميم مرن يمكن ارتداؤه بأكثر من أسلوب. وتتدلى من العقد سلاسل متفاوتة الطول تتزين برموز الهلال والنجوم، ويحمل نقشاً لعبارة «أوقاتي بتحلو، بتحلو معاك» من أغنية للفنانة وردة في امتداد لأسلوب عزة فهمي في توظيف الشعر والأمثال الشعبية في تصاميمها. وتُشير الدار إلى أن تنفيذ هذا العقد استغرق نحو 82 ساعة من العمل اليدوي، نظراً لما تطلَّبه من تفاصيل دقيقة وروابط متحركة.

التأثير الفيكتوري

تترجم الدار تأثير الحضارات المتنوعة التي توالت على مصر بأسلوبها الخاص (عزة فهمي)

ولم تقتصر مراجع المجموعة على الإرث العثماني، بل شملت أيضاً المجوهرات الأوروبية أيضاً. ففي «Beaded Celestial Choker» تستلهم الدار عقد الطوق الفيكتوري، وتعيد تفسيره من خلال 3 صفوف من اللؤلؤ أو الأحجار الملونة، تتوسطها زخرفة الهلال والنجمة المرصعة بالألماس العسلي.

الكردان المصري بلغة «عزة فهمي» المعاصرة (عزة فهمي)

وفي اتجاه آخر، تستعيد المجموعة واحدة من أشهر قطع الحلي المصرية التقليدية من خلال «Kirdan Celestial Necklace»، المستوحى من الكردان الذي ترتديه نساء الريف المصري منذ عقود طويلة. ويأتي هنا بصياغة أكثر مرونة وانسيابية، تتدلى منها نجوم وأحجار كريمة، فيما يحتل الهلال والنجمة مركز التكوين. والنتيجة قطعة تستدعي الذاكرة الشعبية، لكنها تنتمي في خطوطها إلى الحاضر.

الهلال والنجوم تم تشكيلهما بأحجام ومواضع مختلفة داخل القطعة الواحدة (عزة فهمي)

ويظهر الاهتمام بالبناء الهندسي أيضاً في «Bracelet Chain Constellation»، الذي يوظف 3 أشكال.

الإسكندرية جزء من القصة

واللافت في هذه المجموعة أيضاً أن الحوار الذي تقترحه «ثريا» لا يقتصر على استحضار الرموز التاريخية بل يمتد إلى الأماكن أيضاً. فقد اختارت الدار مدينة الإسكندرية لتصوير حملتها الخاصة بالمجموعة، وهو اختيار ليس اعتباطياً، فالإسكندرية مدينة تشكلت هويتها من التبادل الثقافي، وتعاقبت عليها حضارات تركت آثارها في عمارتها وشوارعها وميناءها.

كانت الإسكندرية مكاناً مناسباً لتصوير الحملة (عزة فهمي)

ولعل هذا التعدد يجد صداه في المجموعة نفسها، إذ تنتقل بين مرجعيات عثمانية ومصرية وأوروبية من دون أن تبدو مفككة. فكما تحتضن الإسكندرية طبقات تاريخية متجاورة، تجمع «ثريا» بين الكردان المصري، والطوق الفيكتوري، والزخارف العثمانية. ويعود الفضل في الحفاظ على توازن هذه العناصر إلى السلسلة التي تصل بينها، كما تصل الكوكبة بين نجومها.

وهناك بُعد آخر لاختيار الإسكندرية، يتمثل في تاريخها البحري. فقبل ظهور وسائل الملاحة الحديثة، كانت النجوم، ومنها كوكبة الثريا، بمثابة بوصلة يهتدي بها البحارة في رحلاتهم عبر البحر المتوسط. وبالنسبة إلى مدينة ارتبط تاريخها بالميناء والتجارة والسفر، يصبح حضور السماء في هذه المجموعة أكثر من مجرد استعارة جمالية؛ إنه استحضار لعلاقة قديمة بين الإنسان والنجوم، وللدور الذي أدّته السماء يوماً في هداية المسافرين عبر البحر.


لماذا استحوذت «شانيل» على «شارفيه»؟

تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)
تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)
TT

لماذا استحوذت «شانيل» على «شارفيه»؟

تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)
تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)

في عالم الموضة، لا شيء يحدث بالمصادفة تماماً. وحتى أكثر الشراكات التي تبدأ بعفوية، قد تتحول مع مرور الوقت إلى قرارات استراتيجية تُغيِر مسار الكثير من الأشياء. وهذا تماماً ما حدث بين «شانيل» و«شارفيه» بعد تعاون أسفر على ثلاثة قمصان مُفصلة من قبل «شارفيه» ومطرزة بتوقيع «شانيل» في أول عرض قدمه ماثيو بلازي بعد التحاقه بدار الأزياء الفرنسية. ثم توالى بعدها ظهور القميص في تشكيلة «الكروز» لعام 2027.

تم تنسيق هذا القميص بكل بساطته مع تنورة فخمة في إطلالة مسائية لافتة (شانيل)

ليست علاقة عابرة

يقول المصمم في أحد لقاءاته النادرة، إنه عندما اقترح التعاون مع دار «شارفيه» كان رد رئيس قسم الموضة برونو بافلوفسكي أن «شانيل» لا تتعاون مع بيوت أزياء أخرى. فقد كان لها شبكتها الواسعة من الحرفيين، و«شارفيه» ليست واحدة منها. لكنه نجح في إقناع الدار، وما كان مجرد تعاون عابر تحوّل بعد أقل من عام إلى استحواذ كامل، تنضم بموجبه «شارفيه» لسلسلة الدور المتخصصة، التابعة لـ«شانيل»، مثل «لوساج» للتطريز، و«لومارييه» للريش والزهور، و«ماسارو» لصناعة الأحذية، و«غوسان» للأقمشة الفاخرة، فضلاً عن علامة «إيريس» لملابس السباحة، وغيرها. كل هذا في إطار استراتيجية طويلة الأمد تستهدف حماية الحرف التقليدية، وتأمين سلسلة التوريد الخاصة وضمان استمرارية الـ«هوت كوتور» وكل ما يتطلب تنفيذه أنامل ناعمة.

أبيض مخرم من الأمام في عرض «الكروز» 2027 (شانيل)

علاقة قديمة متجددة

أهمية «شارفيه» بالنسبة لـ«شانيل» لا تكمن فقط في تاريخها العريق، ولا في أسماء عملائها البارزين عبر تاريخها، مثل شارل بودلير، وإميل زولا، وشارل ديغول، ووينستون تشرشل، وإيف سان لوران، وكارل لاغرفيلد، بل أيضاً في تلك الصلة التاريخية التي أعاد ماثيو بلازي اكتشافها، ثم كشف عنها لنا في أوّل عرض قدَمه للدار.

بعد أن نبش أرشيف الدار، عثر المصمم على صور لغابرييل ترتدي قميصاً رجالياً قطنياً، يُرجَح أنه كان لآرثر «بوي» كابيل، حب حياتها وأحد أبرز الداعمين لمسيرتها في بداياتها. وكان كابيل بحسب الرواية لا يُفصِل قمصانه إلّا لدى «شارفيه». لكن المفاجأة جاءت عندما عرض بلازي فكرة التعاون على جون كلود وأخته آن ماري كولبان، المالكين الحاليين لـ«شارفيه»، فأخبراه بأن الآنسة شانيل نفسها كانت من الزبونات الدائمات للعلامة، وكانت قمصان آرثر كابيل وتشتريها له.

كما ظهر في عرض ربيع وصيف 2026 (شانيل)

كان هذا خيطاً نسج منه عناصر مهمة في أول تشكيلة قدمها لـ«شانيل» وكان من بينها ثلاثة قمصان يقدر سعر الواحد منها بنحو 4300 دولار تقريباً، أكدت تألق «شانيل» ووضعت «شارفيه» تحت الأضواء العالمية بعد أن ظلت لعقود علامة يعرفها المطلعون أكثر من الجمهور العريض.

يُعلَق برونو بافلوفسكي، على عملية الاستحواذ قائلاً إن «(شارفيه) جوهرة بكل معنى الكلمة، كما أن هناك أسباباً كثيرة تجعل العلاقة بيننا منطقية ومتجانسة؛ فـ(شانيل) علامة نسائية تستقبل عدداً متزايداً من الرجال في متاجرها، فيما أصبحت (شارفيه)، وهي علامة رجالية، تجذب عدداً متزايداً من النساء».

الممثل الأسترالي جاكوب إيلوردي وقميص «شارفيه_شانيل» (شانيل)

غير أن عراقة «شارفيه» كانت، في الوقت نفسه، أحد أسباب محدودية انتشارها. فمنذ تأسيسها في عام 1838، اكتفت بمتجرها التاريخي في ساحة فاندوم الباريسية، متمسكة بأسلوبها التقليدي في إدارة أعمالها. لذلك يبدو الاستحواذ بالنسبة للطرفين، خطوة منطقية؛ فهو يمنح «شانيل» خبرة حرفية نادرة، بينما يفتح أمام «شارفيه» آفاقاً جديدة للنمو، من دون التفريط بهويتها.