رياح التغيير تهب على «أسبوع نيويورك»

توم فورد يبدأ رئاسته «مجلس الموضة» بتغييرات مهمة واستراتيجيات هادفة

من عرض «تومي هيلفغر» على «مسرح أبولو»
من عرض «تومي هيلفغر» على «مسرح أبولو»
TT

رياح التغيير تهب على «أسبوع نيويورك»

من عرض «تومي هيلفغر» على «مسرح أبولو»
من عرض «تومي هيلفغر» على «مسرح أبولو»

في شهر يونيو (حزيران) الماضي، وعندما اختير المصمم توم فورد رئيساً لـ«مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، تفاءل الجميع خيراً. جاء خلفاً للمصممة دايان فون فورتنسبورغ، التي قامت بهذه المهمة لمدة 13 عاماً. كان التغيير ضرورياً لخضّ المياه الراكدة، إضافة إلى أن عالم الموضة بات يعيش تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة في السنوات الأخيرة، تحتاج إلى نفَس طويل وتدخلات من نوع جديد.
لا يختلف اثنان في أن ألق «أسبوع نيويورك» خفتَ في هذه السنوات، كما تشتتت ركائزه بين تغيير أماكن العرض الرسمية؛ من «براين بارك» إلى «مركز لينكولن»، ثم إلى أماكن متفرقة في نيويورك، وعزوف مشترين عالميين عن حضوره لافتقاده أي جديد يُذكر. كل هذا حدا ببعض المصممين إلى هجره، إما إلى أوروبا أو إلى لوس أنجليس؛ فمردوديته بالنسبة لهم لم تعد تستحق التعب والتكاليف التي يتكبدونها من أجل المشاركة فيه. خلاصة الأمر؛ كان «الأسبوع» يحتاج إلى ضخ دم جديد يُعيد له رونقه القديم ومكانته العالمية، لهذا ليس غريباً أن تُهلل أوساط الموضة عندما تم اختيار توم فورد، وأن تُعقد عليه آمال كبيرة. فهو المصمم الذي نجح نجاح الأبطال في إنقاذ دار «غوتشي» من الإفلاس في التسعينات من القرن الماضي.
يوم الجمعة الماضي، ومع انطلاق أول يوم في الأسبوع النيويوركي تحت رئاسته، كانت رياح التغيير بادية وملموسة. نجح في استقطاب، أو بالأحرى استعادة، أسماء مهمة كانت قد هجرته إلى «باريس» مثل «تومي هيلفغر» الذي عاد إلى الحُضن بعد 3 سنوات من الغياب، كذلك «راغ آند بون» إضافة إلى «ريهانا»... وغيرهم. الرئيس الحالي صرح في إحدى مقابلاته الصحافية بأن المهم بالنسبة له أن يُخرج «نيويورك» من شعورها بالاكتفاء الذاتي «لأن العالم أوسع بكثير».
يذكر أن توم فورد، الذي عمل طويلاً مع بيوت أزياء عالمية مثل «غوتشي» و«إيف سان لوران»، وعاش تجارب كثيرة مع المجموعات الكبيرة التي تنضوي تحتها هذا البيوت، تعلم الكثير من هذه التجارب، بحلوها ومرها، وعلى رأسها أن حلم العالمية هو ما يطمح إليه أي مصمم عندما يتكبد مئات الآلاف من الدولارات لتحقيق ذلك. تجربته الأوروبية جعلته أيضاً واقعياً وعملياً. واقعيته تجلت في تقصيره مدة الأسبوع النيويوركي من 7 أيام إلى 5 أيام، في خطوة شجاعة طالب بها كثير من المتابعين وصناع الموضة سابقاً من دون أن تتحقق. فطول الأسبوع كان من نقاط ضُعفه لما كان يُسببه من تعب وضيق وقت لحضور الأسابيع الأوروبية، لا سيما «لندن»، التي كان يتضارب يومها الأول مع اليوم الأخير في «نيويورك». ثم لا ننسى أن تقصيره يعني تكاليف أقل بالنسبة للذين يحضرون إليه من أوروبا.
رياح التغيير شملت أيضاً التنوع باحتضان اختلاف الآخر، وهو ما كان من بين القرارات التي اتخذها وعدّها ضرورية، مثل الاستعانة بعارضات من كل الأجناس والألوان والأحجام. كذلك، وحتى يحصل كل المصممين على تمثيل متكافئ في «مجلس المصممين الأميركي»، ضم إليه 4 أسماء جديدة، هي: المصمم فيرجيل أبلو، مؤسس ماركة «أوف وايت» ومصمم دار «لويس فويتون» الحالي للخط الرجالي، والبريطانية كارلي كوشني، التي أسست ماركتها منذ 10 سنوات بالتعاون مع ميشيل أوكس، وكوربي جون رايموند، الذي فاز في العام الماضي بتمويل «المجلس الأميركي» لتسليطه الضوء على تجربة السود في عروضه ومن خلال وسائل إعلامية أخيراً. وأخيراً وليس آخراً، التشيلية ماريا كورنيو، التي تُثير الإعجاب بأسلوبها الفني البسيط. جاء تعيين هؤلاء على حساب 4 آخرين نذكر منهم: جورجينا تشابمان، مصممة دار «ماركيزا»، التي لا يزال اسمها يثير الجدل رغم انفصالها عن زوجها السابق هارفي وينشتين، ومصممة المجوهرات كارا روس، التي يعدّ زوجها الملياردير ستيفن روس أحد الموالين للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكان قد أثار ضجة كبيرة في شهر أغسطس (آب) الماضي لجمعه تبرعات لصالحه.
حسبما صرح به توم فورد لمجلة «ويمنز وير دايلي»، فإن النية من التغيير كانت إعادة ترتيب المجلس وخلق تنوع يتطلبه العصر الحالي، وليس له علاقة بآراء سياسية لأحد، ولا انتماءاته على الإطلاق.
وسواء كانت قراراته تحركها أسباب سياسية أم لا، فإن كل ما قام به حتى الآن قوبل بالترحاب ولمس هوى لدى الأغلبية. فنحن في زمن أصبح فيه للموضة دور اجتماعي وصوت سياسي يعلو مطالباً بحقوق الإنسان أو نابذاً الظلم والأفكار الشعبوية... وغيرها. في شهر أغسطس الماضي مثلاً، وبعد أن تناهى إلى المسامع خبر دعم الملياردير ستيفن روس الرئيس ترمب، قرر كثير من المصممين ممن كانوا سيعرضون تشكيلاتهم في مكان يملكه الملياردير، الانسحاب والبحث عن أماكن أخرى. كانت الرسالة سياسية واضحة رغم أن أغلبهم صرحوا بأن الأمر لا علاقة له بالدعم. المصمم برابال غوانغ كان الوحيد الذي أعلن أن سبب انسحابه كان رفضه هذا الدعم. وأرفق هذا الاحتجاج بطرح «تي - شيرت» كتب عليه: «نحن نعيش في حالة أزمة».
بيد أن قوة توم فورد تكمن حتى الآن في دعمه اللامشروط وغير المسبوق المواهب الصاعدة؛ ففي مساء أول يوم من انطلاق الأسبوع، استضاف في مطعم فيتنامي 35 مصمماً ناشئاً؛ في خطوة أراد من ورائها فتح الأبواب والفرص أمامهم بخلق حوار بينهم وبين وسائل الإعلام وصناع الموضة المحترفين. شرح توم فورد فكرته قائلاً: «إننا عندما نتفاعل مع أي شخص وجهاً لوجه ونتحدث إليه، فإننا نفهمه أكثر، والنتيجة أننا ننظر إلى أعماله بنظرة مختلفة»؛ أكثر إيجابية.
ولا شك في أن توم فورد الذي عاش في أوروبا لأكثر من عقد من الزمن، لا يريد أن تُصبح «نيويورك» هرمة مثلا ميلانو، تعتمد على شيوخها من المؤسسين، بل يريدها نابضة بالحيوية والديناميكية مثل «لندن». فهذه الأخيرة قوت نفسها ورسخت مكانتها باحتضان المواهب الصاعدة بغض النظر عن جنسياتهم واختلافهم وميولهم. مع الوقت تحولت من الحلقة الأضعف بين العواصم الأربع إلى الأقوى، باستثناء باريس، التي حافظت على مكانتها، بحكم تاريخها واحتضانها خط الـ«هوت كوتير».
المصممة الشاب هيلاري تايمور كانت واحدة من المدعوين، وقالت بعد العشاء إنها، ولأول مرة، غمرها إحساس دافئ بالانتماء بفضل الجو العائلي الذي جمع بين مصممين يسمع كل منهم عن الآخر لكن لم يسبق لهم أن جلسوا معاً ليتجاذبوا أطراف الحديث بشكل ودّي؛ «وهو ما أراه منعشاً» حسب قولها. وتتابع: «كنت دائماً أشعر بأننا متفرقين، خصوصاً بعد أن تغيرت أماكن العرض من (براينت بارك) و(مركز لينكولن)، إلى أماكن أخرى...أصبح الكل وحيداً، عليه أن يعوّل على نفسه، ليأتي توم فورد الآن ويضمنا جميعاً في نادٍ واحد».
بيد أن تشجيعه الشباب ومحاولته فتح الأبواب أمامهم، لم يُلغ أهمية المصممين الكبار، من أمثال كارولينا هيريرا، ورالف لورين، وتومي هيلفغر... وغيرهم. فهؤلاء لم يؤسسوا إمبراطوريات عالمية أو يُثبتوا أنهم يفهمون السوق فحسب باعتمادهم دائماً تصاميم بأسلوب سلس يروق للجميع؛ بل هم حالياً قوة دعائية لا يمكن تجاهلها من قبل وسائل الإعلام، مما يعطي «الأسبوع» زخماً. وطبعاً لا يمكن تجاهل أن هذه القوة تنعكس على عروضهم الباهرة، بدءاً من اختيارهم الأماكن التي يقدمون فيها عروضهم؛ إلى نوع الإخراج... وباقي التفاصيل.
وليس أدل على هذا من عرضي تومي هيلفغر، ورالف لورين. الأول عرض تشكيلة قوية بعبق الثمانينات والسبعينات من القرن الماضي في «مسرح أبولو» الشهير بهارليم، والثاني كان عرضه بمثابة حفل خاص جداً حضرته باقة من النجوم، مثل كايت بلانشيت. كان المصمم يريد أن يُجسد هذا الحفل كل معاني الانطلاق وروح الانعتاق التي شهدتها حقبة العشرينات، سواء من خلال الديكور الذي غلب عليه الـ«آرت ديكو»، أو من خلال استعانته بفرقة جاز كانت في استقبال الحضور. كانت التشكيلة أيضاً سخية بفساتين السهرة وتايورات المساء، مثل التوكسيدو. «لو سموكينغ» كما يُطلق عليه الفرنسيون، تكرر بألوان وأقمشة عدة، إلى حد القول إنه كان النجم بلا منازع. ورغم أنها قطعة ارتبطت بالراحل إيف سان لوران في السبعينات، فإن رالف لوران له تاريخ معها وحق فيها، لأنه بدأ مصمماً رجالياً. اقتراحاته لربيع وصيف 2020، كانت بلا شك أنيقة، قدمها في أجواء مثيرة، لكن اللافت فيها أنها تؤكد حقيقة مهمة؛ وهي أنه عندما يتمتع أي مصمم بإمكانات مادية كبيرة، فإنه ينجح في شد الأنفاس واستقطاب النجوم.
المصمم الشاب كريستيان سيريانو، قد لا تكون له إمكانات تومي هيلفغر أو رالف لورين، لكنه يعرف أن أي عرض يحتاج إلى بهارات وحبكة مثيرة لكي ينجح. استعان بعارضات مثل كوكو روشا لاستعراض فنيته في تشكيلة قال إنه استلهمها من لوحات فنانة الـ«بوب آرت» آشلي لونغشور، رآها معروضة في قاعتها الفنية في نيو أورليانز. ويذكر أن الفنانة تشتهر بجمعها ألوان النيون بالباستيل في أعمالها، وهو ما ترجمه سيريانو في أزياء تجمع هي الأخرى بين الأناقة والشقاوة. شرح بعد عرضه: «أرى في هذه الفنانة نسخة عصرية للفنان آندي وورهول... فجميل للغاية أن ترى فنانين يرسمون لوحات يستلهمونها من مصممي الموضة والعكس». باستثناء قطع قليلة تعدّ على أصابع اليد الواحدة بالأسود والرمادي، كانت الألوان الغالبة تسطع بالأخضر المعدني، الذي ظهر في فساتين وجاكيتات «بلايزر»، والوردي الذي ظهر في فساتين قصيرة، إضافة إلى ألوان قوس قزح في فساتين من اللاميه تلمع مع كل خطوة. تأثير الفنانة آشلي لونغشور ظهر أيضاً في طبعات ثلاثية الأبعاد.
من جهته؛ قدم المصمم جايسون وو، أيضاً، تشكيلة تحتفل بألوان الصيف. قال إنه، ولأول مرة منذ سنوات، استطاع أن يقتطع لنفسه إجازة هذا الصيف مدتها شهر كامل قضاه في كل من ميكونوس ومايوركا. لم يرد لحلمه بالشمس والبحر أن ينتهي بسرعة ويبقى مجرد ذكرى، لهذا ترجمه في تشكيلته لربيع وصيف 2020، من خلال ألوان وخطوط تحتفل بالسفر والإجازة، مثل جاكيت السافاري، وفساتين اللف، وقطع أخرى قال إنه استوحاها من صور لإريفينغ بين تُروج للريفييرا الفرنسية.
أما دار «كايت سبايد» فأطلقت على عرضها عنوان: «الحديقة السرية». استلهمتها من رواية فرنسيس هودجسون بيرنيت بالعنوان نفسه، ووصفتها مصممة الدار الجديدة، نيكولا غلاس بأنها أرادتها أن «تتفتح في أي مكان توجد فيه». فهذا تحديداً ما أنيط بها وما كان متوقعاً منها عندما تولت إدارة الدار الفنية: أن تُجددها وتضخ فيها جرعة تفاؤل كانت تحتاجها بعد انتحار مؤسستها، كايت سبايد في العام الماضي. كان العرض تكريماً لذكراها من ناحية؛ أو بالأحرى «الإبقاء على اسمها حياً» حسب قول الممثلة ديبي مازار، لكنه كان أيضاً طبقاً دسماً ومتنوعاً من الأزياء الأنيقة والإكسسوارات العملية التي تحمل بصمات المؤسسة وروحها المرحة التي انطفأت.


مقالات ذات صلة

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

التجربةُ بالنسبة إلى إيلي صعب اكتشافٌ لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية...

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

غاليانو... عودة لم تكتمل وماضٍ لا يرحم

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

إيماناً بالحرف اليدوية المصرية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي»

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
TT

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

من عرض «رالف لورين» (أ.ب)
من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

ثمة شيء منعش في هواء أسبوع الموضة بنيويورك هذا الموسم. فالمدينة تعود إلى موعدها السنوي لربيع وصيف 2027 بنبرة أكثر تفاؤلاً وثقة. وطبعاً لا يمكننا تجاهل تأثير عمدتها زهران ممداني في زيادة هذه الثقة والتفاؤل. الرجل صاحب الابتسامة العريضة والضحكة التي تسبق أحياناً تصريحاته، وصل إلى سيتي هول حاملاً معه وعداً بمدينة أكثر حيوية. لم يُخيِّب الآمال لحد الآن، وهذه الحيوية انعكست على أسبوع سكنه الخمول في السنوات الأخيرة، وبدا فيها وكأنه يفقد ثقله في خريطة الموضة العالمية.

البرنامج الرسمي هذا الموسم أكثر امتلاءً وتفاؤلاً: نحو 70 عرضاً وتقديماً، مع عودة «تومي هيلفيغر» و«مونص» وآخرون إلى جانب أسماء جديدة مثل «كونر آيفز» و«ماغدا بوتروم» و«زالدي» ومجموعة من الأسماء الصاعدة التي تألقت مؤخراً.

واليوم، سيختتم المصمم توم براون الأسبوع، بعد غيابه عن عرض فبراير (شباط).

من عرض «كيد سوبر»... ألوان متوهجة وتصاميم تميل إلى السريالي (أ.ف.ب)

تزامُن هذه الحركة الجديدة التي يشهدها الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل أسبوع الموضة عن المدينة نفسها. فبينما تتحرَّك هذه الأخيرة نحو ديناميكية ثقافية واجتماعية واقتصادي جديدة، تعمل صناعة الموضة على استعادة زخمها القديم، واسترجاع مَن هجروها من أبنائها إلى باريس بحثاً عن انتشار أكبر، مثل غابرييلا هيرست و«ذي رو» وغيرهما، مما جعل المدينة تفقد شيئاً من أهميتها في التقويم العالمي. لكن الصورة تبدو حالياً أقل قتامة وأكثر إيجابية.

ورغم أنه من السابق لأوانه الجزم بأن الأسبوع استعاد كامل عافيته هذا الموسم، يُمكن القول بأمان إن المزاج العام يُؤمن بأن القادم أفضل.

من عرض «برابال غورونغ» تصاميم تصب في خانة السهل الممتنع (أ.ف.ب)

جانب من الفضل يعود إلى زهران ممداني، الذي رفع الثقة بنيويورك، لكن السبب الرئيسي يعود إلى ما تشهده السوق الأميركية من نمو يجعل المصممين المخضرمين والشباب، على حد سواء، يرون أن المدينة باتت محطة مهمة يمكنهم الوصول من خلالها إلى العالم بسهولة. فالسوق الأميركية تُعدّ حالياً أكثر صموداً من أسواق أوروبية كانت إلى الأمس القريب مهمة؛ الأمر الذي يجعله مُغرياً لبيوت أزياء مهمة، مثل «شانيل» و«بالنسياغا» و«غوتشي» أقامت عروضاً في نيويورك هذا العام.

«رالف لورين» لا يقف عند الماضي

علامات أميركية كبيرة كثيرة استفادت من هذا النمو، وحققت إيرادات عالية، مثل «كوتش» و«رالف لورين» اللذين بدآ الأسبوع قبل انطلاق برنامجه الرسمي بيوم. فإيرادات «رالف لورين» المالية، مثلاً، تجاوزت هذا العام حاجز 8 مليارات دولار للمرة الأولى في تاريخ الشركة، لتصل إلى 8.1 مليار دولار، بزيادة 15 في المائة عن العام السابق. كان من الطبيعي وفق المتابعين أن يكون عرضه ممتعاً. لكن ما لم يكن متوقعاً أن يفاجئوهم بالجديد.

فالدار تحتفل بمرور 60 عاماً على تأسيسها، وبالتالي كان من السهل، ومن المتوقَّع، أن يتحول عرضها إلى استعراض لتاريخها من خلال استنساخ قطعاً من أرشيفها. لكن العكس حصل. لخَّصت فيه الدار المشكلة التي يمكن أن تواجه أي دار عريقة تتمسك بماضيها بطريقة عمياء، وفي الوقت ذاته، قدَّمت الحل بعدم اعتمادها عليه كليا وتحقيق التوازن.

يعتبر رالف لورين من بين أكثر المصممين الذين زيَّنوا ربطة العنق للمرأة (أ.ب)

يشرح ديفيد لورين، نجل المصمم وكبير مسؤولي العلامة التجارية والابتكار أن «هذا ليس عاماً للنظر إلى الوراء»، موضحاً أن والده كان يريد الحفاظ على الشرارة الأولى التي انطلقت منها الشركة، مع نفخ جمرها لمنحها المزيد من التوهُّج. ظهرت في المجموعة إشارتان لافتتان إلى ذلك الماضي. الأولى بدلتان نسائيتان صُنعتا في إيطاليا، في تحية إلى أول بدلة نسائية صممها رالف لورين. والثانية قميص وسترة من البروكار وربطة عنق عريضة تستعيد الذي ساهم في إطلاق خط «بولو» عام 1967. لكن الباقي كله كان موجهاً لامرأة من هذا الزمن.

لم تتجاهل «رالف لورين» ماضيها لكن لم تقف عنده (أ.ب)

تميزت المجموعة بروح مختلفة عما عودنا عليه: بناطيل واسعة منخفضة الخصر، وسترات أكثر رشاقة، وفساتين مسائية مفعمة بالرومانسية، وبدلات مصممة بدقة. طبعاً لم تتنصل الدار من جيناتها بالكامل، فقد حضر الدينم، لكن «مطلياً» أو معالجاً بتقنيات حديثة، مثله مثل بعض الأقمشة الأخرى التي خضعت لعمليات متطورة من الغسل والرسم اليدوي، فيما أدخلت عليها تأثيرات تجعلها تبدو وكأنها «فينتاج». أكّد رالف لورين أن المجموعة تدور حول «الابتكار والأصالة والشخصية».

تباينت تصاميم «رالف لورين» بين العملية والرومانسية (أ.ب)

أما قوتها بالنسبة للمستهلك، فتكمن في أنها لا تحتاج إلى تفسير. كل قطعة كانت تحكي قصتها وتسرد تاريخها مع الدار بأسلوب حيوي ومعاصر. وربما كان هذا هو التحدي الذي واجهته الدار في عامها الستين: الإبقاء على شخصيتها الأميركية واضحة وفي الوقت ذاته اعتماد لغة تصل لكل العالم والأعمار.

الأسلوب الأميركي... الحاضر القوي

لم تكن «رالف لورين» وحدها مَن أخذت هذا الاتجاه؛ فالعروض منذ بداية الأسبوع تشير إلى أنها رمت القتامة وراءها. «كوتش» التي تحتفل هذا العام بمرور 85 على تأسيسها، لم يتجاهل مصممها ستيوارت فيفيرز أن مكمن قوتها التجارية في أرشيفها وفي إكسسواراتها الجلدية تحديداً، وهو ما ترجمه في حقيبة جديدة «TurnLock Tote» استوحاها من تصميم يعود إلى السبعينات، لتتناسب مع أزياء سلسة وعملية.

دار «تومي هيلفيغر» هي الأخرى عادت إلى البرنامج الرسمي لنيويورك، بعرض في فندق «بلازا» قالت عنه في بيانها الصحافي إنه «أقرب إلى احتفال شخصي بنيويورك».

العارضة جيجي حديد وإطلالة من «تومي هلفيغر» (تومي هلفيغر)

تحوَّل الفندق الذي أقام فيه المصمم مع عائلته في سنوات سابقة إلى مسرح أعاد فيه واحدة من أكثر مفردات الموضة الأميركية وضوحا؛ الـ«بريبي». أسلوب لا يرتبط بالموضة الأميركية فحسب بل أيضاً بأسلوبه. قدَّمه هذه المرة بنسب وأحجام أكثر تحرراً وألوان أكثر جرأة، ظهرت في قمصان «أكسفورد» وبناطيل «تشينو» وقطع من التارتان و«تي - شيرتات» بولو. يشرح هيلفيغر أن نيويورك كانت ولا تزال مصدر إلهام لا ينضب بالنسبة له «فمنذ 40 عاماً، وأنا أستلهم من أسلوب أهلها، وتلك الطرق التي يتعاملون بها مع القطع الكلاسيكية، كل بأسلوبه الخاص».

العودة إلى التسعينات

دار «كالفين كلاين» تحت قيادة فيرونيكا ليوني الإبداعية، ظلت هي الأخرى وفية لأسلوب الدار المتميز بالخطوط البسيطة، لتكون واحدة من أكثر ما تم تقديمه طوال الأسبوع هدوءاً. تضمنت التشكيلة معاطف بسيطة وفساتين انسيابية مع استدعاء واضح لروح التسعينات التي ارتبطت تاريخياً باسمها، واستحضرت بشكل أو بآخر الراحلة كارولين بيسيت.

من عرض «مايكل كورس» (رويترز)

من جهتها، قدمت دار «مايكل كورس» عرضاً استند إلى الحداثة والفن، من دون أن تتحول الإحالات الفنية إلى استنساخ أو درس في تاريخ الفن. اكتفت باقتباس إشارات خفيفة تُرجمت بأسلوب يجمع النعومة بالقوة. ظهرت النعومة في التصاميم الأنثوية والمنسابة والقطع المنفصلة العملية، بينما ظهرت القوة في تصاميم مفصَّلة قال المصمم إنه استلهمها من صمود نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر، التي تتزامن ذكراها مع فعاليات الأسبوع في هذا الشهر من كل عام.

توري بيرش..المرح أولاً وأخيراً

التفاؤل والإيجابية اللذان تميزت بهما أجواء هذا الأسبوع ظهرا جليّاً في عرض «توري بيرش»، من خلال توليفة من الألوان تبرز فيها تدرجات المرجاني، والفيروزي، والبنفسجي، والأخضر الفاتح، والأحمر القرمزي، والأصفر الكريمي، في تباين لافت مع البني الداكن والألوان المحايدة الباردة.

من اقتراحات توري بيرش (توري بيرش)

لكن لم تنس المصممة أهمية الحفاظ على عملية التصاميم، وهو ما فسَّرته قائلة إن المجموعة تُزاوج بين «الأنوثة المترفة والعملية الأميركية مع لمسة شقاوة مستمدة من متعة الموضة نفسها وتلك المساحة التي تمنحها للعب بمفرداتها». هذه الشقاوة ظهرت في تطريزات معدنية، وسترات الصوف الطويلة بتفاصيل متموجة وملمس مخملي، إلى جانب الخيوط المنقّطة التي تضفي طابعاً مرحاً على القطع. كما تتزين الأوشحة والكرات الزخرفية بريش مصنوع يدوياً، وفق لمسات فنية، ليلتف حول الأكتاف أو الحقائب كلمسة احتفالية مفعمة بالحيوية.

إطلالة تجمع الكلاسيكي بالمبتكر (توري بيرش)

لكن، في المجموع، تميزت الأزياء بتنوع يجمع التصاميم المحاكة بطابع رياضي، والتنانير المنخفضة على الخصر، والبناطيل بخصر مشدود، والقمصان بجيوب خارجية، إلى جانب تفاصيل زخرفية أصبحت لصيقة باسم الدار. تأتي معاطف الأوبرا بقصة تحاكي المعاطف المطرية المريحة، فيما تنحرف الخياطة الحادة قليلاً عن توازنها المعتاد، لتكشف عن أناقة مدروسة بلمسات غير مألوفة.

من ناحية الأقمشة والخامات، فهناك اقتراحات كثيرة، تتباين بين أقمشة صوفية تظهر في تصاميم مستوحاة من الملابس الرجالية، ولمسات من الحرير كان الغرض منها التخفيف من صرامتها وخلق إحساس بالخفة. هناك أيضاً اقتراحات من القطن المعالج بتقنيات متطورة إلى جانب أقمشة جاكارد تحاكي ورق الجدران ببطانات من الحرير وخيوط فيل كوبيه، فضلاً عن حرير «كريب دو شين» بلمسته اللامعة.

الهشاشة والقوة كما ظهرت في عرض «كالت غايا» (كالت غايا)

ربما يكون عرض «كالت غايا» (Cult Giai) الأكثر قتامة من حيث فكرته، رغم أن هذه الفكرة لم تُترجم في الأزياء بشكل حرفي. قالت إنها مجموعة تتأمل في الحزن والصمود وما يمكن أن يحدث بعد الفقدان. تتحرك المجموعة بصرياً من الظلمة إلى الضوء؛ حيث تبدأ بألوان داكنة وترابية، ثم تتدرج نحو الأخضر والأزرق السماوي والأحمر، قبل أن تنتهي بدرجات وردية أكثر رقة ونعومة. مسار يشبه الانتقال من أرض قاحلة إلى واحة أو حديقة تتحول فيها الأورغنزا والحرير إلى أزهار نحتية مرسومة يدوياً. ورغم ما تحمله المجموعة من تناقض بين القوة والهشاشة، والقوة والنعومة، فإنها تؤكد أنه من رحم الألم يُولَد الجمال.


تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
TT

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

هناك أسماء في الموضة لا تحتاج إلى شرح أو تعريف. يكفي أن يُذكر اسم إيلي صعب حتى تحضر صور فساتين صُممت للحظة لا تتكرر: أعراس، وحفلات فخمة، وحفلات توزيع جوائز، ومهرجانات سينمائية... فهي تصاميم حالمة تنسدل على الجسم وتليق بالقصور... غالباً ما تزينها تطريزات تلتقط الضوء من مسافة بعيدة وتجعل صاحبتها تتألق مثل نجمة.

إيلي صعب في لقطة تجمعه مع آن صوفي جوهانسون (إيلي صعب وإتش آند إم)

حتى يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تبقى تصاميمه بعيدة المنال، واسمه مرتبطاً بالأحلام أكثر مما يخاطب كل الطبقات الاجتماعية. كل هذا سيتغير بمجرد طرح المجموعة في الأسواق. الفضل يعود إلى متاجر «إتش آند إم»، التي يمكن القول إنها حققت الصعب حين أقنعته بالتعاون معها وطرح مجموعة يترقبها العالم أجمع الشهر المقبل بعنوان «إيلي صعب x إتش آند إم (Elie Saab x H&M).

تقول آن صوفي يوهانسون، المستشارة الإبداعية في «إتش آند إم» ورئيسة تصميم الأزياء النسائية، إن «الشركة شعرت بأن الوقت مناسب جداً لهذا التعاون. فالناس أكبر حاجة إلى الجمال وتلك الروح الرومانسية بعيداً عن الأخبار اليومية الثقيلة التي تحاصرهم من كل الجهات».

وتضيف يوهانسون أن اختيار المصمم الذي يجري التعاون معه، لا يقوم دائماً على خطة ثابتة؛ «فأحياناً تبدأ الفكرة من شعور بأن اسماً معيناً يناسب اللحظة». وتتابع قائلة: «في حالة صعب، كان هناك إحساس بأن أسلوبه في العمل اليدوي والتفاصيل يمكن أن يقدم شيئاً مختلفاً في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تطغى على كثير من جوانب الموضة».

إيلي صعب... الورقة الرابحة

رغم أنها لم تُشر إلى أهمية السوق العربية عموماً وزبائن منطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن توقيت هذا التعاون يقول الكثير. فاسم إيلي صعب يثير كثيراً من المشاعر الإيجابية في هذه السوق، الأمر الذي من شأنه أن يجعل لهذا التعاون أهمية تجارية تتجاوز الفني. فهو بالنسبة إلى المرأة عموماً، والمرأة العربية خصوصاً، لن يكون مجرد تعاون جديد بين مصمم ارتبط اسمه بالفخامة وعلامة جماهيرية جعلت من التعاونات مع كبار المصممين تقليداً سنوياً منذ 2004، بل تحقيق حلم طال انتظاره.

فستان أسود كل ما فيه يذكّر بلمسات إيلي صعب الرومانسية (إيلي صعب وإتش آند إم)

حجم التوقعات يطرح سؤالاً ملحاً عمّا إذا كان المصمم سينجح في نقل الإحساس الشاعري الذي صنعه طيلة عقود إلى أزياء تخاطب جمهورا واسعا من دون أن يفقد شيئا من خصوصيته وهويته؟

والجواب أن إيلي صعب، رغم أسلوبه الرومانسي وشاعريته الواضحة في تصاميمه، لم يحقق ما حققه من نجاحات من دون أن يحسب كل شيء بالعقل. فهو لا يتسرّع في القرارات الكبيرة، بدليل أنه عندما طُرحت عليه فكرة هذا التعاون منذ نحو عام، لم يستعجل. درس الفكرة من كل الجوانب قبل أن يوافق؛ فارضاً شروطه.

فستان أخضر بتدرجات باللون الأسود من أسفل (إيلي صعب وإتش آند إم)

لم يكن يريد تعاوناً بالمفهوم التقليدي، الذي يكتفي فيه المصمم بإضافة اسمه على القطعة، بل أراده أن يكون لقاءً فعلياً يجمع بين علامتين لخدمة المرأة. لم يبخل بلمساته الرومانسية في التصاميم، وفرض استعمال خامات وتقنيات لم تكن «إتش آند إم» تستخدمها بهذا المستوى أو بهذه الطريقة.

تقول يوهانسون إن بعض القطع المصنوعة من الفرو الصناعي، مثلاً، لم تكن ممكنة بالجودة نفسها قبل سنوات قليلة، مضيفة أن الشركة استفادت من الخبرة التي راكمتها من تعاونات سابقة مع بيوت الأزياء الكبيرة، إضافة إلى تطور المواد المعاد تدويرها.

الأسود والدانتيل من البصمات التي ترتبط بالمصمم ولم يتخلَّ عنها في هذه التشكيلة (موقع إتش آند إم)

تضم المجموعة 35 قطعة نسائية، و6 قطع رجالية، ونحو 10 إكسسوارات تشمل أحذية وحقائب يد ومجوهرات. أما الأسعار، فتبدأ من 29.99 يورو لتصل إلى 399 يورو. بالنسبة إلى المرأة، سيبدأ الاختيار من الفستان، لكن لن ينتهي عنده. ورغم ما يتردد من أن المرأة التي تنتظر طرح هذه المجموعة بفارغ الصبر، ليست بالضرورة زبونة إيلي صعب الدائمة ذات الإمكانات العالية، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغيّر في السنوات الأخيرة ولم يعد يرتبط بالسعر فقط.

بين المساء والنهار

قطع تناسب المساء والسهرة يمكن أن تدخل مناسبات النهار بسلاسة وأناقة (إيلي صعب وإتش آند إم)

من المعادلات التي كان على كل من إيلي صعب و«إتش آند إم» تحقيقها الجمعُ بين الليل والنهار. فالمصمم اسمه مرتبط بالأفراح الفخمة والحفلات الكبيرة، والمتاجر السويدية، وبأزياء عملية للنهار، وبالتالي كان من الضروري أن تجمع المجموعة بين الأناقة والعملية، وأن تخرج من المساء إلى النهار بأشكال يسهل تنسيقها معاً. هذا التنسيق يظهر واضحاً في الصور التي نُشرت على موقع «إتش آند إم». تقترح فيه يوهانسون، مثلاً، تنسيق سترة قصيرة من الفرو الصناعي وسترات هندسية مع الجينز، ومعطف مفصل بشكل راق مع قطع «كاجوال»، وقطع تلمع بالترتر مع بنطلون مستقيم أسود.

تجمع القطع ذات الخياطة الراقية بين الخطوط الحادة والانسيابية (إيلي صعب وإتش آند إم)

لكن إذا أُخذت كل قطعة على حدة، فإن لمسات إيلي صعب الفخمة حاضرة دائماً... مثلاً؛ فستانٌ أخضر بفتحة جانبية عالية، وتدرجات لونية داكنة أسفله، يُمثّل إحدى البصمات الرئيسية للمصمم عبر تاريخه. هناك أيضاً فستان أسود بقَصّة منحوتة يُزينه ذيل طويل وفيونكة بارزة عند الخصر، وآخر مفتوح عند الصدر من قماش الدوشيس المعاد تدويره، إلى جانب سترات مغطاة بالترتر بتدرجات من الذهبي إلى الأسود. الدانتيل هو الآخر حضر إلى جانب الملابس المحبوكة والمطرزة... وغيرها من التصاميم التي ستُغني خزانة أي امرأة.

كان التحدي أن يحافظ المصمم على هويته وفخامته (إيلي صعب)

هذا التنوع ليس تفصيلاً جانبياً... فصعب يقول إن المجموعة طُوِرت بالطريقة نفسها التي تُطوَّر بها مجموعاته في العادة. وربما هذا سبب حرصه على أن تنفَّذ في مشاغله الخاصة بباريس وليس في معامل «إتش آند إم» كما جرت العادة في تعاوناتها السابقة. حرص أيضاً على ألا ترتبط بموسم محدد، وهو ما يُفسر حضور اللون الاسود بقوة، والنابع من رغبته في أن تُستعمل القطعة أعواماً عدة قادمة وليس موسماً واحداً، وفي أن يعاد ارتداؤها مراراً وتكراراً من دون أن تصيب صاحبتها بالملل.

تتباين التصاميم بين فساتين السهرة وقطع منفصلة لكل المناسبات (إيلي صعب وإتش آند إم)

وهذا عز الطلب بالنظر إلى أن فرصة الحصول على تصميم بتوقيعه وبسعر مقدور عليه لن تتكرر في الوقت القريب.

سترة مطرزة بالترتر مثلاً يمكن أن تُكمل إطلالة مسائية، كما يمكن أن تنسَّق مع بنطلون جينز في النهار... وهكذا. فكل قطعة قادرة على اختراق كل المناسبات بأناقة واقعية. هذه المرونة جزء من محاولة إيلي صعب أن يجعل المجموعة أقرب إلى خزانة فعلية متكاملة. وهي فكرة لا تقوم على جعل ما يطرحه عادياً، بل هي اكتشاف لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية.

فستان بتصميم هندسي يزينه ذيل طويل يصرخ بالفخامة (إيلي صعب وإتش آند إم)

فأصعب ما في أي تعاون بين دار أزياء كبيرة وعلامة جماهيرية واسعة الانتشار هو الحفاظ على الهوية. بذكائه الفني وحسه التجاري، يُدرك المصمم خطورة هذا الأمر على تاريخه، لهذا جاءت معالجته هذه المجموعة في الاتجاه المعاكس: حافظ على رموزه البصرية، وبدل استنساخه صورة فستان من مجموعاته الخاصة يُقدر بمئات آلاف الدولارات، جعله جزءاً من الحياة اليومية.


كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
TT

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.

فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.

من هي كريستينا ليون؟

كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)

بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.

وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.

تأثرها بجاكلين كينيدي

تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.

لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟

من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.

الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.

من مكسيكو إلى لندن

ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.

كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.

من لندن إلى القاهرة

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.

سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».

الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)

ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».