كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

بين عيد الحب ورمضان... تنوَعت التصاميم والألوان وكسبت المرأة

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
TT

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

تساءل بعض الظرفاء مؤخراً عما إذا كان صناع الترف والموضة قد وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب تقارب تواريخ عيد الحب وشهر رمضان الفضيل بفارق أيام قليلة. تزامن بدا للبعض أشبه بمن وُلد في يوم عيد، فصار عليه أن يقاسم احتفاله وهداياه واهتمامه بين مناسبتين مختلفتين.

فإلى حد كبير تعتبر المناسبتان في جوهرهما أن واحداً يتلخص في الاهتمام بالآخر والتعبير عن ذلك بالعطاء. لكن الفرق بينهما أيضاً واضح. بينما يركز عيد الحب على علاقة ثنائية ومشاعر فردية، يوسّع رمضان دائرة الحب والعطاء لتشمل العائلة والمجتمع. وهنا يكمن الإرباك التجاري بالنسبة لبيوت الأزياء وضرورة اعتمادهم خطابين تسويقيين مختلفين.

محلات «هارودز» استبقت الشهر وطرحت منذ فترة كل ما لذ وطاب من أكل ومجوهرات وأزياء (هارودز)

القلب طريق الجيب

هذا التساؤل، رغم ما ينطوي عليه من شقاوة، يكشف الكثير إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناع الموضة اعتادوا استغلال المناسبتين معاً للترويج لمنتجاتهم وتحقيق أرباح مغرية. فهم يُدركون أنهم هنا يخاطبون وجدان شريحة من الزبائن لا تبخل على نفسها ولا على أحبتها بالغالي والنفيس. وهكذا يغرقون السوق بسيل من الاقتراحات المغرية، عبارة عن باقات ورد حمراء وعلب شوكولاتة ودببة ومجوهرات وعطور إلى جانب الأزياء والإكسسوارات الفخمة.

من وجهة نظر تجارية محضة، ورغم أن هذا التزامن لم يكن مريحاً لصناع الموضة والعلامات التجارية الكبيرة، فإنهم تعاملوا معه بقدر من الحنكة. كان لزاماً عليهم التضحية بواحد على حساب الثاني، وكانت الأولوية لشهر رمضان. ليس لأنه يمتد زمنياً فحسب، بل لأن معنى الحب الذي يحمله أوسع وأعمق، ولأن عائداته الاقتصادية أكبر، تسمح بتعويض فترات ركود تمتد لأشهر أخرى، كما أكدت تجارب وأرقام السنوات الماضية. في دراسة أجريت العام الماضي مثلاً، تبين أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لهذا الشهر في بريطانيا وحدها، يُقدّر بما يتراوح بين 800 مليون و1.3 مليار جنيه إسترليني، ويشمل ذلك الإنفاق على التجزئة والتبرعات الخيرية ومشتريات المتاجر الكبرى، والتسوق لعيد الفطر وما شابه.

محلات كثيرة تعرف أن لا بيت عربي يخلو من العطور والبخور فطرحت شموعاً وزيوتاً معطرة في قوالب مبتكرة (هارودز)

كل هذا يشير إلى أن الشهر الكريم، بالمقارنة بعيد الحب، لا يقتصر على الورود والقلوب الحمراء والإكسسوارات وعلب الشوكولاته والدببة ولا على يوم واحد فحسب، بل هو كل هذا فضلاً عن كرم الوقت ومراعاة الآخر والاهتمام به ولو من خلال وجبة إفطار في مكان خاص، سواء كان حميماً في بيت عائلي أو في مطعم فخم. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى أزياء وإكسسوارات أنيقة وروائح عطرة، إضافة إلى أن ما يتم تقديمه من هدايا أكبر وأغلى ينعش كل القطاعات التي تتعلق بالحياة.

سباق رمضان يتوسَّع

فالورود والدببة لا تشكل أرقاماً مجزية مقارنة بما تُحقِّقه الشموع المعطرة والمجوهرات، فضلاً عن مجموعات حصرية كاملة من الأزياء والإكسسوارات، فيما أصبح تقليداً سنوياً يُطلق عليه سباق رمضان يبدأ قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر. كل دار أزياء تتفنن في تقديم الجديد، وأحيانا اللعب على تشكيلاتها الأخيرة تنتقي منها ما يناسب ثقافة المنطقة، معتمدة إما على أسلوب الطبقات المتعددة لخلق صورة محتشمة أو على مواقع تصوير بطابع شرقي في حملاتها الرمضانية. في الأولى يتم تنسيق الفساتين أو العبايات مع كنزات كشمير ناعمة، وسراويل واسعة، ومعاطف من الصوف أو سترات دينم ناعمة، وفي الثانية تستعمل رمال الصحراء الذهبية أو مواقع أخرى ذات معمار شرقي. دار «فيراغامو» مثلاً صوّرت حملتها في المغرب على خلفية فسيفسائية، وعلى صوت الشاعرة الإماراتية فاطمة الجرمن، وهي تتلو نصاً صوتياً أصلياً، ساهم في تضخيم الطابع العاطفي.

الممثل معتصم النهار وزوجته لين في أزياء حملة «لاكوست» الرمضانية (لاكوست)

ويبدو واضحاً أن التعاون مع مؤثرين ومبدعين من المنطقة بات تقليداً مُرحّباً به. لا بوصفه خطوة تسويقية فحسب، بل كوسيلة تمنح المنتجات صوتاً محلياً وحمولة ثقافية أعمق. فالرغبة لدى البعض تتجاوز موسمية الشهر وتعكس محاولة لتوطيد علاقة طويلة الأمد مع سوق يُدركون أهميته في كل الأوقات. ومع ذلك لم ينجح الجميع في تحقيق المعادلة الصعبة بين العاطفة والتجارة... دار «لاكوست» مثلاً اكتفت بأزياء للنهار بألوان ساطعة، فيما راهنت على البُعد الإنساني عبر تعاونها مع الممثل معتصم النهار وزوجته لين برنجكجي في سرد بصري قالت إنه يُوثّق لحظات شخصية تنبض بالحميمية والدفء. تراجعت الأزياء للوراء لصالح المشاعر والإيقاع اليومي والارتباط الإنساني بين زوجين. اختيار يثير تساؤلاً حول ما إذا باتت العاطفة بديلاً للموضة في حملة يراد منها بيع الأزياء.

تعاونت «تيفاني آند كو» مع المؤثرة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي لاختيار نصّ شعري باللغة العربية (تيفاني آند كو)

«تيفاني آند كو» للمجوهرات في المقابل قدمت حملة مصورة بعنوان «تحت هلالٍ واحد»، قالت إنها تحتفي فيها بالتأمل الذاتي. هي الأخرى قدمت مجوهرات أيقونية من أرشيفها، مثل «هاردوير من تيفاني» و«نوت من تيفاني» و«تي من تيفاني» إضافة إلى «بيرد أون آ روك من تيفاني» الذي تقول إنه يستحضر إحساساً بالروحانية والتفاؤل، لما يجسّده من شعور بالتجدد. لكنها قوّت موقفها باستنادها إلى رموز رمضانية يظهر فيها الهلال كقوسٍ رقيق من الضوء، يرمز إلى الزمن والتحوّل، فيما توحي النجوم بالهداية والطمأنينة. وتشكل درجات السماء الليلية العميقة المرصعة بالنجوم ملامح المشهد، لتخلق أجواءً تأملية مفعمة بالسكينة. في قلب هذه الحملة، يبرز نصّ شعري باللغة العربية، كتبته الكاتبة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي، يعكس الوهج اللطيف لهلال الشهر الفضيل، وكيف يبعث نوره شعوراً بالقرب والحضور المشترك.

هلَّ هلال رمضان علينا بنقشٍ مُذَهَّب

وجمعَنا تحت سماءٍ لامعة كعقد الثُّرَيّا،

نورٌ يلامس القلوب ويضيء الإحساس

«تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية» مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية من (بالنسياغا)

بين الابتكار والاجترار

بيوت أزياء كثيرة أخرى لم تتأخر عن الركب ودخلت السباق بكل قوتها، متوجهة إلى زبائنها في المنطقة بتصاميم واقتراحات تأمل أن تجذبهم إليها ومن تم تحقق لهم الربح. نذكر منهم دار «بالنسياغا» التي استبقت الشهر وطرحت في يناير (كانون الثاني) الماضي «سلسلة بالنسياغا رمضان 26» الحصرية التي تعيد فيها ابتكار بعض الرموز الأيقونية ضمن لوحات لونية تروق للذائقة العربية، تشمل «تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية»، مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية، إلى جانب بلوزات حريرية وفساتين وأوشحة بألوان الأخضر الداكن والخوخي الفاتح. وتظهر النعال المكشوفة لحذاء «سبيد» الأيقوني باللون الذهبي.

بدورها طرحت دار «توري بيرش» الأميركية تشكيلة رمضانية تضم إكسسوارات وأزياء جاهزة ومجوهرات تعكس أسلوب مصممة تعشق روح الشرق وتستلهم تفاصيله في معظم عروضها حتى خارج الموسم الرمضاني.

دار «فالنتينو» طوّعت 6 إطلالات من عرضها من خط الكروز الأخيرة ليناسب الشهر الفضيل (فالنتينو)

أما «فالنتينو» فصوّرت حملة إعلانية صاغ رؤيتها المدير الإبداعي أليساندرو ميكيلي، والتقطتها عدسة المصورة جولي غريف، ضمت ست إطلالات من خط الـ«كروز» الأخير، واحد منها قفطان تم تنسيقه مع بنطلون متطابق بوهج ذهبي متدرج ووردي فاتح. ويبدو أن الدار مثل غيرها تراهن على الإكسسوارات بشكل كبير، بالنظر إلى كم حقائب اليد والأحذية والأوشحة التي طرحتها وأغدقت عليها الكثير من الترصيع.

من اقتراحات «دي كي إن واي» لهذا الشهر: الأزياء عصرية ومعاصرة والخلفية عربية (دي كي إن واي)

علامة «دي كي إن واي» DKNY ذهبت إلى أبعد من طرح مجرد أزياء محتشمة أو إكسسوارات تتوخى أن تجد لها مكاناً بارزاً في هذا السباق. تعاونت مع المؤثرة دينا السعدي من خلال تشكيلة محدودة الإصدار وحصرية «استُلهمت تفاصيلها من أمسيات رمضان الهادئة ولحظات التلاقي الدافئة» وفق قولها، وهو ما ترجمته في قصّات انسيابية، وألوان هادئة تتباين بين الترابي الهادئ والذهبي الدافئ.

المحلات الكبيرة أيضاً دخلت السباق متسلحة بكل العلامات المتوفرة لديها. محلات «هارودز» بلندن تقدم منذ بداية شهر فبراير (شباط) إلى شهر مارس (آذار) اقتراحات شهية عبارة عن سلال مليئة بكل ما طاب من تمور وحلويات وعسل طبيعي وشاي مغربي ومنتجات أخرى خاصة برمضان، يمكن تقديمها كهدايا، إضافة إلى أزياء وإكسسوارات تناسب دعوات الإفطار والسحور: أنيقة ومحتشمة وعملية، من مصممين كبار مثل تالر مامو، وستيلا مكارتني، وجيني باكهام، وميسوني.

صورت «هارودز» حملتها الرمضانية بالتعاون مع 5 مؤثرين ومبدعين عرب (هارودز)

وفي حملة مبتكرة تعاونت «هارودز» مع خمسة من أبرز المبدعين العرب في تصوير وإخراج فيلم قصير. تولّت بطولته نيا عمّون، المقيمة بين دبي والرياض ولندن، والتي تمثل فن «الاحتشام في الحداثة»، وأخرجه سيرج أسعد وصوره مازن أبصرور، ليجمع بين روعة ديكور هارودز وفخامة الأسلوب المحتشم المعاصر. أما تنسيق الأزياء فتولّاه أحمد النجار بينما أجرت المكياج خبيرة المكياج كنزة بيا.

اختارت «هارفي نيكولز دبي» ألواناً ترابية و50 قطعة بدرجة من الأزرق للدلالة على الصفاء والسكينة (هارفي نيكولز)

محلات «هارڤي نيكلز» أيضاً أطلقت منذ فترة حملة تأمل تدعو فيها للتصالح مع الذات، بعنوان «خيوط من النور». تلعب كل تفاصيلها على أناقة مرسومة بألوان الصحراء وتصاميم منسابة على شكل قفاطين من دار «تولر مارمو». لم تقتصر الاقتراحات على الألوان الترابية والذهبية، فهناك خمسون قطعة كلها بدرجة من الأزرق تتدرج من لون السماء إلى عمق الغسق، من ستيلا ماكارتني و«ماكوين» ومجوهرات من ميسوما وآلان كروسيتي وغيرهم. ويأتي هذا الاهتمام المكثف بالأزرق لتعزيز الإحساس بالسكينة والصفاء، وفق ما أكدته المسؤولات عن هذه الاختيارات.

الرموز الإيطالية في خدمة الثقافة العربية

ومن إيطاليا أرسلت دار «برونيلو كوتشينيللي» بطاقة حب إلى المنطقة العربية بمناسبة الشهر الفضيل، مكتوبة بلغة مباشرة وصادقة. كل ما فيها من تفاصيل يعترف بأنه يتودد لزبونة المنطقة، لكن بأسلوب يحترم ثقافتها وأسلوبها الخاص أيضاً.

كانت اقتراحات «برونيلو كوتشينيللي» الأقرب والأصدق لأنها احترمت الثقافة من دون استسهال (برونيلو كوتشينيللي)

ما يُحسب لها أن الجانب التجاري لم يأتِ على حساب الأناقة والحرفية. بالعكس تماماً، فكل عباية، بقصّاتها الراقية والمنسدلة، تُجسّد القيم الرمضانية، من راحة وخفّة وسهولة تنسيق. حتى الزخارف الهادئة في بعض القطع، تضيف للأقمشة المترفة بعُداً بصرياً وعمقاً إيقاعياً مستوحى من الزهور المتلألئة أو نقشة جلد التمساح، ونقشة الجاكارد المحبوكة. كلها تتناغم مع ألوان طبيعية مثل البني الرملي والبيج والبني الداكن والأبيض، إضافة إلى العنّابي الداكن والرمادي.

هذه الرغبة في إبراز الحرفية، تظهر أيضاً في مجموعة «فندي»، التي اعتمدت فيها الدار على استكشاف أبعاد جديدة لبريق المواد وملمسها ومدى تناغمها مع الدرجات المعدنية والتطريزات الدقيقة. والنتيجة جاءت على شكل فساتين طويلة من الشيفون أو الدانتيل تنسدل براحة فيما تتألق الملابس المنزلية بزخرفة زهرة الأقحوان.

في مجموعتها «نور» قدمت دار «فندي» مجموعة تعتمد على الحرفية والألوان الفاتحة مثل الوردي والذهبي (فندي)

وبينما غلب اللون الوردي على الأزياء، اكتسحت درجات الذهبي المائل للعاجي الإكسسوارات للتقرب من ذائقة اشتهرت بميلها إلى كل ما هو ذهبي أو زمردي ومصنوع باليد.

ضمن هذه المجموعة أعيد ابتكار حقيبتيْ «ميني باغيت» Mini Baguette وميني بيكابو Mini Peekaboo الأيقونيتين بتطريز كل قطعة يدوياً على قاعدة من الساتان، مع استخدام أحجار الكريستال والخرز الزجاجي في تقنية تتطلب ما يقارب الأسبوعين من العمل على يد حرفي متمكن للحقيبة الواحدة.

وهكذا فإن رمضان بروحه الجامعة وطقوسه الاجتماعية، ربما أربك التسويق لعيد الحب في المنطقة العربية وأنقص من وهجه، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، الأمر الذي جعل تضارب التوقيت فرصة لاختيار الحب بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية. كان أيضاً فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان معاً.


مقالات ذات صلة

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

أدرك المصممون ودور الأزياء أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية تجعل سوق الرفاهية لا يستحمل المبالغات والجرأة الفنية

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

منذ البداية حرصت «نونيز» على أن تُقدِم تصاميم بعيدة عن المبالغة، معتمدة بدلاً من ذلك على الخطوط البسيطة والتفاصيل التي تُعبِر عن حضور طبيعي يجمع الأناقة بالوظيف

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)

كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

سجل منتخب الكونغو أول هدف وأول نقطة في تاريخ مشاركاته في «كأس العالم»، يوم الأربعاء الماضي، بعد تحقيقه تعادلاً إيجابياً على المنتخب البرتغالي. لكن في عيون…

«الشرق الأوسط» (لندن)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
TT

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة الكوارتز في فترة من الفترات، بل أيضاً بعزوف الشباب عن مهنة لطالما شكّلت أحد أعمدة الصناعة السويسرية، وتوارثتها العائلات جيلاً بعد جيل بشكل طبيعي. كان لا بد من إغراءات تُلهم جيل الشباب لضمان الاستمرارية. وهذا ما كان.

من بين بيوت المجوهرات والساعات العريقة التي أخذت على عاتقها هذا الأمر، نذكر «كارتييه». دار لا تُقاس فيها القيمة بالدقة الميكانيكية فحسب، بل أيضاً بالقدرة على الابتكار والاستثمار في المستقبل. من هذا الالتزام وُلدت «جائزة كارتييه لمواهب صناعة الساعات المستقبلية» عام 1995؛ لتمنح الشباب فرصة اختبار حدود الإبداع التقني والفني من خلال إعادة تصور مفهوم الوقت نفسه.

أحد الأعمال المشاركة والفائزة بجائزة هذا العام (كارتييه)

وفي 24 يونيو (حزيران) 2026، تم الاحتفاء بالنسخة الثامنة والعشرين من الجائزة خلال حفل أقيم للمرة الأولى في «دار الفنون الحرفية» (Maison des Métiers d’Art) بمدينة لا شو دو فون السويسرية، والتي تأسست عام 2014 لحماية مجموعة من الفنون المهددة بالاندثار ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وتجمع المؤسسة بين عالَمي صناعة الساعات والمجوهرات من خلال تخصصات دقيقة، مثل فنون المينا والتطعيم، والتقنيات المتقدمة في حوار مستمر بين التراث والابتكار ضمن منظومة تجمع بين الحرفيين والفنانين.

وقال كريم دريسي، الرئيس التنفيذي للعمليات في «كارتييه»: «منذ تأسيسها عام 1847، لم تتوقف (كارتييه) عن نقل خبراتها الحرفية، مع الاستمرار في تطوير مهارات جديدة بما يتماشى مع تقاليدها القائمة على التميز. وتجسد جائزة صناعة الساعات، التي أطلقتها الدار عام 1995، هذه الرؤية والطموح بهدف إلهام الجيل المقبل من صناع الساعات وضمان استمراريته».

كان موضوع الدورة هذه السنة تحت عنوان: تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة (كارتييه)

جاء موضوع هذه الدورة تحت عنوان: تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة. وهو عنوان لا يطلب من المشاركين مجرد تصميم ساعة، بل إعادة التفكير في الزمن نفسه. طُلب منهم ابتكار قطعة مستوحاة من حركة البندول، تستكشف طرقاً جديدة لفهم الوقت بعيداً عن قياسه التقليدي. وهي فكرة تنتمي إلى خط إبداعي مألوف في «كارتييه»، يظهر في الساعات الغامضة، وRévélation d’une Panthère، وSantos Dumont Rewind، وTank Guichets.

بعد مرحلة أولى من الاختيار اعتمدت على الرسومات والنصوص والعروض المصورة، تأهل اثنا عشر متسابقاً إلى المرحلة النهائية. كان المطلوب هو تحويل فكرة كل واحد منهم إلى قطعة مكتملة، تحت إشراف مرشدين متخصصين من داخل الدار. ما نتج من ذلك لم يكن مجرد نماذج ساعات، بل أعمال تتعامل مع الزمن بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا مجرد وظيفة ميكانيكية. تم تقسيم المسابقة إلى فئات عدة انتهت بتكريم ستة فائزين - ثلاثة متدربين وثلاثة فنيين - عبر منحهم تجربة داخل «كارتييه»، إضافة إلى ساعة من الدار. كما سيحصل الفائزان بالمركز الأول في كل فئة على فرصة تدريب عملي داخل الشركة.

فئة المتدربين

فاز آرثر شوكيه من ثانوية جان جوريس في رين بالجائزة الأولى عن عمله Un Instant (لحظة)

فاز أيمريك بيترز من معهد IATA في نامور البلجيكية بالجائزة الأولى عن عمله Silence Choisi (الصمت المختار). تقوم الفكرة على ساعة لا تهدف إلى قياس الوقت بقدر ما تهدف إلى تعليقه. تتوقف العقارب عند الساعة السادسة، وكأن الزمن دخل حالة سكون تام. ولا تعود الآلية إلى العمل إلا عند استخدام مفتاح خاص يعيد تشغيل الحركة ويحرر العقارب إلى مواقعها الصحيحة. في تلك اللحظة فقط، يصبح الوقت شيئاً يُستدعى بدل أن يكون تدفقاً مستمراً.

ليلى سلايسمانز من معهد IATA في نامور على الجائزة الثانية مناصفةً عن عملها Nymphéa (نيمفيا) (كارتييه)

وحصلت ليلى سلايسمانز من معهد IATA في نامور على الجائزة الثانية مناصفةً عن عملها Nymphéa (نيمفيا)، المستوحى من زهرة النيلوفر المائية. تتحول الزهرة هنا كائناً ميكانيكياً يفتح ويغلق بتلاته على دورة تمتد لساعتين. صُنعت البتلات من الراتينج، في حين صُنعت القاعدة من خشب الأبنوس المكسيكي. ولا يظهر الميناء المطلي بالمينا إلا بعد اكتمال التفتح، في إشارة إلى أن الوقت لا يكشف عن نفسه إلا لمن يمنحه الانتباه الكافي.

إدوار نيكو مع عمله La Dualité Des Opposés (ثنائية الأضداد) (كارتييه)

وتقاسم الجائزة الثانية أيضاً إدوار نيكو من ثانوية إدغار فور في مورتو الفرنسية عن عمله La Dualité Des Opposés (ثنائية الأضداد). يعيد المشروع توزيع الأدوار داخل الساعة بالكامل: الميناء يصبح هيكلاً، العقرب يتوقف، والآلية الميكانيكية تصبح العنصر المرئي المتحرك. في المركز، يظهر قلب ميكانيكي معلق في الفراغ، يقابله تمثال لفهد نائم يؤدي دور الثقل الموازن. العمل يقوم على توازن هش بين الحركة والسكون، حيث يبدو أن أي اضطراب صغير قادر على تغيير البنية بأكملها.

فئة الفنيين

فاز آرثر شوكيه من ثانوية جان جوريس في رين بالجائزة الأولى عن عمله Un Instant (لحظة). يستحضر العمل العمارة الهوسمانية الباريسية، ويعيد إدخال المدينة في تجربة فهم الزمن، عبر إشارات بصرية إلى الواجهات الكلاسيكية ومصابيح الشوارع التقليدية. الزمن هنا لا ينفصل عن المكان، بل يتشكل من خلاله.

آدم ديروش الفائز بالجائزة الثانية عن عمله Médusée (متحجّر) (كارتييه)

أما الجائزة الثانية، فذهبت إلى آدم ديروش من ثانوية ديدرو في باريس عن عمله Médusée (متحجّر). يطرح المشروع سؤالاً بسيطاً: ماذا لو توقف الزمن؟ العقارب ثابتة عند 10:10، في حين تتحرك الأرقام بدلاً منها. وقد صُمم باستخدام السيراميك والمينا والراتينج والزخرفة الساعاتية. ويحمل الاسم إحالة مزدوجة إلى ميدوزا الأسطورية وقنديل البحر شبه الخالد، في مفارقة تجمع بين الجمود والحركة المستمرة.

«الصدى» كان لأدريان ستيفينيلي أحد الفائزين (كارتييه)

أما الجائزة الثالثة، فكانت من نصيب أدريان ستيفينيلي من ثانوية جان جوريس في رين عن عمله Echo (الصدى). في هذا العمل، تختفي العقارب والميناء بالكامل، لتحل محلها تجربة صوتية تعتمد على رنين دوري يشبه سقوط قطرة ماء على سطح صلب. تتحول الساعة هنا تجربةً إدراكية قائمة على الحضور، حيث يصبح الإيقاع البسيط وسيلة لإعادة التفكير في العلاقة مع اللحظة بدل قياسها.

تجدر الإشارة إلى أنه على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، استقطبت الجائزة أكثر من ألفي مشارك، لتصبح واحدة من أبرز المبادرات الأوروبية لاكتشاف المواهب الشابة في صناعة الساعات. ومع فتح باب الترشح للدورة التاسعة والعشرين في الخريف المقبل، تواصل «كارتييه» الاستثمار في فكرة بسيطة، لكنها مركزية: أن الزمن ليس شيئاً يُقاس فقط، بل يُعاد تخيله باستمرار.


حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)
قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)
TT

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)
قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة اليومية. ما زاد من رواجها إلى جانب أناقتها، تنامي الاهتمام العالمي بالمواد الطبيعية والمستدامة.

الحقائب المصنوعة من الرافيا تعود هذا الموسم أكثر ابتكاراً وإتقاناً وأيضاً تنوعاً من حيث الأحجام والألوان، بعد أن برزت بقوة في ربيع وصيف 2025، بفضل علامات تجارية شهيرة مثل «هيرميس، وسان لوران، وذا رو، ولويفي وكالت جايا، وأولا جونسون وزيمرمان».

علامات مصرية تعتمد فلسفة الأناقة الهادئة والبساطة الراقية عبر تصاميم جديدة لحقائب الرافيا مقتصرة على علامة «نونيز» (إنستغرام)

أما صيحات هذا الموسم، فتكشف عن مقاربة جديدة للرافيا، لم تعد فيها التصاميم تقتصر على السلال التقليدية، بل تتزين بالتطريزات الدقيقة والزخارف ثلاثية الأبعاد واللمسات الجلدية الفاخرة، إلى جانب ألوان نابضة تتماهى مع الموضة، وتتدرج بين الأحمر والخردلي والدرجات الرملية الطبيعية.

وترى المصممة روان زكريا التي قدمتها ضمن مجموعتها هذا العام أن الرافيا مثالية لحرارة الشرق الأوسط ونمط الحياة فيه، فهي تجمع بين المتانة والتهوية.

وتتابع في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ربما لهذا السبب تحديداً، ما إن يبدأ الصيف حتى تعود هذه الحقائب لتتصدر مشهد الموضة من جديد، مانحة المرأة إطلالة تجمع بين العفوية والأناقة، تستحضر نجمات هوليوود في عطلاتهن الصيفية الهادئة».

منتصف النهار في وسط المدينة بأناقة حقيبة الرافيا لإطلالة صيفية مثالية من «نونيز» Nuniz (حساب العلامة على إنستغرام)

وتنصح زكريا بالاعتماد على فكرة التوازن في الإطلالة؛ فملمس الرافيا المنسوج يبدو أكثر أناقة عند دمجه مع خامات ناعمة مثل الحرير والساتان والجلد الأملس، في حين تسمح درجاتها الطبيعية بإبراز الألوان القوية، أو استكمال الإطلالات الأحادية الهادئة بأسلوب متناغم وأنيق.

سحر الرافيا

ويوافق الخبراء زكريا الرأي بأن سحر الرافيا يكمن في طبيعتها الخام؛ فهذه الألياف تستخرج من أوراق نخيل الرافيا الاستوائي التي تجفف بعناية ثم تفكك وتنسج يدوياً؛ وهو ما يمنح كل حقيبة خصوصيتها ولمستها الطبيعية الدافئة. هذا الملمس الفريد يجعلها شديدة المرونة كما يجعل ألوانها النابضة سهلة التنسيق. فهي تنسجم بسهولة مع الأبيض الصيفي، والألوان الباستيلية الناعمة، وحتى الدرجات المتوهجة المستوحاة من الأحجار الكريمة. كما يسهل تنسيقها مع الإطلالات اليومية، مثل الفساتين الانسيابية والبدلات العملية الخفيفة وأحياناً مع الإطلالات المسائية الهادئة.

حقيبة الرافيا في 2026 بأحجام وألوان متنوعة من «نونيز»

دور الأسماء العالمية

ومهما تحدثنا عن هذه الخامة ووصولها إلى الموضة الراقية، لا يمكن أن نتجاهل دور «دار لويفي» الإسبانية، التي كانت أكثر من أدخل الرافيا بأسلوب عصري فاخر إلى الموضة اليومية وأعادت مكانتها إليها كخامة مرنة يمكن نسجها بأشكال متنوعة. كذلك «دار سان لوران» التي قدّمتها برؤية جريئة ضمن مجموعتها الصيفية لعام 2026، شملت تصاميم ضخمة وعملية مثل حقيبة «كاساندرا» المطرزة يدوياً.

واعتمدت الدار في تنفيذها على تعاون طويل الأمد مع مؤسسة «أكانجو» الاجتماعية في مدغشقر، الحاصلة على اعتماد المنظمة العالمية للتجارة العادلة.

من جانبها، عززت «فندي» Fendi مفهوم الحرفية اليدوية، وذلك بصياغة معظم أيقوناتها من الرافيا في عرض ربيع وصيف 2026، في حين اختارت «برادا» Prada أن تمنح هذه الخامة طابعاً أكثر حداثة عبر حقيبة تسوق كبيرة جمعت بين البساطة والأناقة العملية.

علامات مصرية

تصاميم مبتكرة لحقيبة الرافيا من «نونيز» Nuniz

بدورها، طرحت علامات مصرية مجموعة من التصاميم المعاصرة من الرافيا، في حين قدم بعضها حقائب من القش تبدو قريبة من مظهر الرافيا.

من أبرزها علامة «نونيز» Nuniz التي حملت حقائبها سيدات من المشاهير في مقدمتهن الملكة رانيا ونجمات مثل يسرا، وأمينة، خليل، ويارا السكري وهند صبري.

هذا الصيف، طرحت «نونيز» مجموعة من الحقائب خفيفة الوزن وناعمة الملمس، تجسد روح الصيف، وتجمع بين العملية والأناقة.

وتتصدر حقيبة بالما ذات الشراشيب مجموعة حقائب علامة «أوريمال» Orimal المصرية الراقية؛ التي ترفع شعار حقيبة تُجسد روح الصيف دون تكلف.

أما حقيبة «أوليا» للعلامة نفسها، فتجمع بين الحرفية اليدوية الراقية والأناقة الساحلية العصرية، وهي منسوجة يدوياً بنمط حلزوني طبيعي وأسود لافت، وتزدان بشراشيب رقيقة، وتتميز بأنها خفيفة الوزن؛ ما يجعلها مثالية لكل الأوقات، من دعوات العشاء إلى الفعاليات الشاطئية.


عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)
من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)
TT

عودة «الكلاسيكية» بنفحة استعراضية

من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)
من عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

تغيب إيطاليا عن كأس العالم لكرة القدم للمرة الثالثة على التوالي، لكن الموضة، وهي قوة ناعمة أخرى ترتبط بها، لم تغب. فقد شهدت ميلانو أسبوعها السنوي للأزياء الرجالية في أجواء لم يتأثر فيها الحدث بغياب إيطاليا عن البطولة ولا بانجذاب المشاهدات نحو الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا، بقدر ما تأثر بارتفاع درجات الحرارة. فقد بلغت في ميلانو ذروتها لتسجل نحو 35 إلى 36 درجة مئوية.

ثوم براون

من عرض «ثوم براون» (رويترز)

ويبدو أن المصمم ثوم براون قد توقَّع هذا الارتفاع واستعد له، ربما لأنه قدّم عرضه في فناء قصر «سيربيلوني» المفتوح. وزَع مظلات سوداء على الحضور، الأمر الذي خلق مشهداً سريالياً، تحوّل فيه الضيوف من دون تخطيط مسبق، من مجرد متابعين إلى «كومبارس» في مسرحية أتقن المصمم تصميمها وأطلق عليها عنوان «حديقة ثوم». لم يكن توفير المظلات صدفة، فقد كانت جزءاً من العرض نفسه. ظهرت على منصة العرض، كإكسسوار فاخر بمقابض ذهبية منحوتة بدقة على شكل رؤوس غربان وحيوانات أخرى، لتتناغم مع ثيمة العرض المستوحاة من عوالم الحكايات الخيالية وفيلم «حياة حشرة».

من عرض «ثوم براون» (رويترز)

إلى جانب المظلات، أطل العارضون بأقنعة من التول تغطي رؤوسهم ووجوههم، تشبه تلك التي يرتديها مربو النحل، بينما ازدانت البدلات بتطريزات ثلاثية الأبعاد لخلايا نحل ودبابير وعناكب مشغولة بخيوط ذهبية فوق قماش «السيرساكر» الصيفي المخطط وأقمشة أخرى لا تقل انتعاشاً. وحتى يكتمل السيناريو، ظهر المصمم في آخر العرض مرتدياً قناع ضفدع أخضر ضخم. اللافت أن هذه التفاصيل، رغم طابعها المسرحي، لم تحجب واقعية الأزياء التي بدت أكثر واقعية مقارنة بعروضه السابقة.

جورجيو أرماني

في عرض «جورجيو أرماني» روح الماضي بنفس الحاضر (رويترز)

في دار «جورجيو أرماني» كانت «القَصة» مختلفة، إذ تتبنى الدار في الغالب المدرسة الكلاسيكية كما أرساها المؤسس منذ عقود. قد يكون هذا التوجه وفاءً لروحه، كما قد يكون مردّه لسوق الرفاهية التي لا تزال تعاني من تراجع كبير في المبيعات.

المهم أن بصمات السنيور جورجيو كانت واضحة في الكثير من الإطلالات، سواء في الألوان التي غلبت عليها الدرجات الترابية والمطفية، أو في الأقمشة الطبيعية المرنة أو في التصاميم الانسيابية. ‌ليو ديل أوركو، ‌رئيس قسم تصميم الأزياء الرجالية ورئيس المؤسسة الحالي، علَّق على ذلك قائلاً إن «هناك ولاءً كبيراً للراحل جورجيو أرماني، ولكننا نتطلع ⁠أيضاً ⁠نحو الأمام».

الألوان الترابية والمطفية لم تغب من عرض «جورجيو أرماني» (إ.ب.أ)

في فناء داخل مبنى تاريخي في قلب المدينة، أقيم العرض وأطل العارضون وهم يرتدون ملابس خفيفة، ⁠شملت سراويل بتصاميم انسيابية ​وسترات تناسب رحلات السفاري، كما تناسب أجواء المدن. كل ما فيها كان أنيقاً ومعاصراً حتى في كلاسيكيته، وهذا ما يُحسب لليو ديل أوركو أنه لم يقم بقطيعة تامة لإرث الدار، بل احترمه من دون أن يقع أسيراً له. فهناك قدر من العفوية والخفة في هذه المجموعة تستشف فيها روحاً جديدة.

المصمم ليو ديل أوركو وسيلفانا حفيدة جورجيو أرماني في لقطة مع العارضين بعد انتهاء العرض (إ.ب.أ)

ربما يكون الجديد في هذه المجموعة ذلك المزج بين الطابع الشرقي الذي كان يميل إليه أرماني مع التفصيل الناعم والتركيز على ملمس الخامات والبنية النسيجية، أضفت على العديد من الإطلالات مزيجاً منعشاً يتراقص على الناعم والخشن، وعلى الهادئ والقوي، ما أكسبها روحها المختلفة نوعاً ما.

بول سميث

من عرض بول سميث (أ.ب)

أما المخضرم بول سميث، فلا يزال يؤكد لنا موسماً بعد آخر، وبعد أكثر من خمسين عاماً في المهنة أنه لا يزال يؤمن بالكلاسيكيات مع لمسة شقاوة بريطانية. هذا الموسم لم يختلف كثيراً عن سابقيه. قال إنه استلهم المجموعة من صور لجده على الشاطئ مرتدياً بدلة مع سروال مطوي الأطراف، عاد بعدها أيضاً إلى بعض مجموعاته السابقة من تسعينيات القرن الماضي، وهي الحقبة التي شهدت أوجه، ليقدِم ترجمة معاصرة لهذا الماضي، كل ما فيه يتكلم لغة الحاضر بسلاسة. والأهم من هذا لا تبدو أي قطعة فيها كما لو أنها اجترار للماضي واعتماد على نجاحات قديمة، بقدر ما يبدو التزاماً بالقناعات.

دولتشي آند غابانا

التطريزات السخية في عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

لعبت هي الأخرى على عنصر الخفة والنعومة بنفس مستلهم من خمسينيات القرن الماضي، مع وفرة التصاميم المفصلة بتطريز سانغالو.

لكنها ربما تكون الأكثر جُرأة من ناحية مخاطبتها الجانب الاستعراضي والفني للرجل. لم تكتف بالتفصيل، وأضافت إليه كما من التطريزات ارتقت بكل قطعة إلى مستوى الـ«هوت كوتور». وربما كانت النية منها أيضاً إغراء المرأة على سرقتها من خزانة الرجل. هذا السخاء في التطريز والبذخ في التصميم، لم يعكس ما تعانيه حالياً من أزمات تتعلق بديون تُقدّر بنحو 391 مليون جنيه إسترليني ولا الجدل الذي أحاط بعروضها الأخيرة، إلى جانب استقالة ستيفانو غابانا واحد من مؤسسيها من رئاسة الشركة في مارس (آذار) الماضي.

الجينز ممزق والسترة مطرزة في عرض «دولتشي آند غابانا» (إ.ب.أ)

كان المشهد على منصة العرض في المقابل، أقرب إلى عُرس صيفي، ظهرت فيه قمصان ضيقة تُبرز العضلات، وسراويل قصيرة وأخرى من الجينز المهلهل لكن المطرز بالأحجار، وطبعاً بدلات مفصلة تليق برجل يميل للتأنق.

«برادا»

دار «برادا» أيضاً غلبت عليها الروح الكلاسيكية من خلال مجموعة ركزت فيها كل من ميوتشا برادا وراف سيمونز على ما هو أساسي وفق ما صرَحت به. جاء في بيان الدار الصحافي إن عنوان المجموعة، وهو «كلاريتي»، أي الوضوح، يعكس ما تسعى إليه، وهو الأساسيات التي تتضمن قيمة جوهرية من خلال قطع صممت لتصمد أمام اختبار ‌الزمن.

من عرض «برادا» (رويترز)

وأضافت ميوتشا وراف سيمونز: «نحن نطمح ​إلى ابتكار ⁠شيء جديد من (اللا شيء)... بعيداً عن المبالغة والمواد المعقدة والتصميمات التي لا فائدة منها». عندما تأتي هذه الملاحظات من مصممة مُحنَكة مثل برادا، فإنها تعني أنها قرأت نبض الشارع والتحوَّلات التي تمر بها السوق العالمية. فالوقت الحالي، بأزماته السياسية وتذبذباته الاقتصادية، لا يستحمل المبالغات والجرأة الإبداعية، وبالتالي يكون اللعب على الأناقة الهادئة والتنوع الذي يخاطب كل الأذواق والأعمار أضمن.

من عرض «برادا» (إ.ب.أ)

طبعاً هذا لا يعني الاستغناء تماماً عن بعض البهارات لمنح العرض نكهته المثيرة. ظهر العارضون على منصة اتسمت بطابع مستقبلي أضاءتها شرائط نيون من تحت الأرضية، وأحاطت بها مقاعد شفافة تحت إضاءة ⁠بيضاء تميل للزرقة، شكّلت خلفية جيدة لمعاطف بيضاء ‌خفيفة وقمصان وسراويل بتفاصيل تستعرض ​تفاصيل الخياطة، بالإضافة ‌إلى صديريات من التريكو برقبة مثلثة ‌عليها نقوش هندسية، أو بدلات من الجينز وسترات جلدية قصيرة نسقتها مع سراويل ضيقة.