سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

التنافس على نيل رضا زبون المنطقة يثير ردوداً عكسية

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
TT

سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)

منذ فترة وموجة من التعليقات والانتقادات تظهر على السطح حول استغلال بيوت الأزياء العالمية شهر رمضان والعيد، وتحويلهما من مناسبة روحانية إلى فرصة تجارية يُسوّقون فيها منتجات خاصة تحت عنوان «تشكيلة رمضان» أو «رمضان كوليكشن». في البداية اعتبرت المنطقة تخصيص قِطع حصرية بخامات مُترفة وترصيعات غنية احتراماً لها، لكن بعد دخول أغلب بيوت الأزياء السباق الرمضاني، فإن الظاهرة أغرقت السوق بفساتين بخطوط محتشمة وأكمام طويلة، تتماوج بدرجات الرمال والذهب أو الزمرد، مما أصاب البعض بالتخمة.

يمكنك قراءة أيضا... هجمة «رمضانية» على الـ«كوفر آب»

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

المصمم السعودي العالمي محمد آشي يعلِّق على هذه الظاهرة قائلاً إنه مهما تعددت الأساليب واختلفت النيات، وبغضّ النظر عن الأهداف المعلَنة وغير المعلَنة، فإن المجموعات الرمضانية أصبحت في السنوات الأخيرة كما لو أنها جزء من تقويم الموضة، مثلها مثل موسم الـ«هوت كوتور والأزياء الجاهزة وخط الكروز وخط البري فول. وصُنّاع الموضة والترف يتعاملون معه مثلما يتعاملون مع السنة الصينية في كل عام».

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

لا يرفض آشي فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر: «فأنا أيضاً طرحت مجموعة قفاطين في السابق، وكانت تجربة تجارية ناجحة»، وفق اعترافه، لـ«الشرق الأوسط». ويتابع: «لكن هذا لا يمنع من القول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم الثقافة وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول. فكلنا نعرف أن تفاصيل طقوس رمضان في السعودية ليست هي نفسها في قطر أو دبي أو المغرب أو تونس أو مصر وغيرها... لكل بلد خصوصيته وتقاليده وطقوسه».

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

ما يُجمِع عليه عدد من المراقبين أن هذا السباق المحموم على الوجود في المنطقة، خلال هذا الشهر، يوقع البعض في مطب الاستسهال. يكتفون بفساتين محتشمة بألوان ترتبط بالمنطقة، أو يعرفون أن أهل المنطقة يميلون إليها مثل الأخضر، يطلقون عليها اسم «تشكيلة رمضان»؛ لتسويقها.

المصمم السعودي العالمي محمد آشي لا يرفض فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر، وكانت له تجربة تجارية ناجحة من خلال مجموعة قفاطين، لكنه يقول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم ثقافتها وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول

 

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

فرانشيسكا فانتوري، وهي مؤسِّسة شركة «إيليفايت» للعلاقات العامة بإيطاليا، وعملت في دبي لسنوات، تقول إن «هذا الشهر أصبح يمثّل للعلامات التجارية العالمية ما يمثّله يوم الحب العالمي أو أعياد الميلاد في الغرب، ومن ثم يتعاملون معه على هذا الأساس: بطرح منتجات حصرية ومحدودة بألوان يرون أنها تمثّل الثقافة العربية والإسلامية. وهذا يطرح السؤال عما إذا كان صناع الموضة يفهمون ما يعنيه الشهر الفضيل بالنسبة للملايين من المسلمين، أم أنه مجرد وسيلة لتسويق منتجاتهم»، وفقاً لتساؤلها.


«فندي» من بيوت الأزياء التي تربطها بالمنطقة علاقة جيدة (خاص)

ولا تخفي فانتوري أن النية قد تكون حسنة تستهدف تقديم منتجات متميزة وأنيقة تليق بسوق تقدِّر كل ما هو جميل: «لكن هناك استسهالاً وعدم تعمق في فهم المعنى الحقيقي لهذا الشهر»، مضيفة: «اسم (تشكيلة رمضان) بحد ذاته يتضمن مفهوماً مغلوطاً؛ لأنه يعطي الانطباع بأن رمضان بالنسبة للمسلمين يتمحور حول الاستهلاك، وصرف مبالغ طائلة على آخِر صيحات الموضة، مع أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. إنه شهر الروحانيات والاهتمام بالآخر من خلال أعمال الخير والصبر والعطاء. أما المظهر الجميل فهو مُكمل لكل هذا وليس الأساس».

من تشكيلة «فندي» لرمضان 2023 (خاص)

توافقها الرأي راني إيلمي، وهي مؤسِّسة شركة «فرايم» للعلاقات العامة في دبي، وتتعامل مع بيوت أزياء مهمة مثل «إيترو» و«جيني» و«باي فار» وغيرها، بأن هناك مبالغة في التسويق والرغبة في الوجود عوض الاهتمام بالجانب الروحاني والخيري لهذا الشهر الفضيل. تقول: «أشعر أحياناً بأن بعض الأسماء العالمية لم تفهم بعدُ المعنى الحقيقي لهذا الشهر، من تواصل إنساني والإحساس بالغير، وغير ذلك من الأمور. تركز، في المقابل، على جانب السهر والولائم والحفلات».

من تشكيلة «هارفي نيكلز» (خاص)

الحل، بالنسبة لها، أن تفهم بيوت الأزياء العالمية أن سوق المنطقة مهمة طوال السنة وليس خلال رمضان وحده. لكن فرانشيسكا فانتوري ترى أنه على الشركات الإقليمية التي تُوظفها هذه العلامات أن تكون شُجاعة، بحيث تشرح لهم بعض التفاصيل الغائبة عنهم: «عليهم التعاون مع خبراء ومتخصصين لقراءة ما بين السطور، وفهم تلك التفاصيل المهمة التي لا يمكن أن تفهمها أو تشعر بها إلا إذا عشتها وتغلغلت في عُمقها».

من تشكيلة «ماج» الرمضانية (خاص)

وهذا تحديداً ما تدركه راني إيلمي عندما تقول إن جانباً من المشكلة التي باتت تستفزّ البعض، أن السباق لم يعد يقتصر على اقتطاع جزء من الكعكة الدسمة التي تشكِّلها المنطقة من خلال الدعايات التلفزيونية، أو طرح التشكيلات الحصرية باللونين الذهبي أو الأخضر فحسب، بل بات يشمل حفلات إفطار وسحور خاصة تقيمها بيوت الأزياء بشكل يومي تقريباً. ربما يكون الأمر، بالنسبة لها، وسيلة تعبّر بها عن احترامها لزبون المنطقة ورغبتها الصادقة في مشاركته احتفاليته بهذا الشهر، لكن إذا أخذنا العام الماضي مقياساً، فإن كثرتها باتت تثير استياء البعض لما تتطلبه من جهد ووقت. فهذا الشهر خاص بالعائلة والأحبّة والمقرَّبين. راني إيلمي تحاول تجنيب عملائها ركوب هذه الموجة «باقتراحي عليهم أن يقدموا هدايا عوض دعوات الإفطار والسحور التي من المفترض أن يقضيها الصائم مع الأهل والأقرباء والأصدقاء وليس مع العملاء».

الأخضر يتألق في هذا الشهر (خاص)
 

بالصور... مختارات «الشرق الأوسط» لأجمل التصاميم في حفل الأوسكار

نيز جبريل، وهي مستشارة موضة ولاكجري في دبي، أكدت بدورها أن كثرة حفلات الإفطار والسحور، التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، أثارت موجة من الاستياء لدى شريحة كبيرة من الناس، ولا سيما من العاملين في مجال الموضة: «فالمعروف لدينا أن رمضان هو شهر البساطة والخير والعبادات ومساعدة الغير، لهذا خلقت كثرة هذه الحفلات والمأدبات ردّات فعل عكسية، حيث ترجمها البعض على أنها انتهازية»، ثم تستطرد: «أعتقد أن هذه الانتقادات تناهت إلى مسامع هذه العلامات العالمية. فمكاتبهم الإقليمية قدّمت، هذا العام، اقتراحات من شأنها أن تقوّي العلاقة من دون أن تخُص المتعارف عليه، مثل تقديم هدايا أو تبرعات لصالح أعمال خيرية عوض إقامة هذه الحفلات». وفي حين تبدو نيز جبريل متفائلة بأن أغلب العلامات التجارية صادقة في رغبتها في فهم المنطقة وربط علاقة جيدة معها تستمر طويلاً، تضيف راني إيلمي أنه من الخطأ إلقاء كل اللوم على العلامات التجارية: «علينا أن ندرك أن أكثر ما تفهمه هو الإيرادات، والأرقام تؤكد لهم دائماً أن رمضان من الأشهر التي لا تبخل فيها المرأة على مظهرها بالغالي والنفيس. من هذا المنظور، فإن المستهلك يسهم في ترسيخ بعض هذه الأفكار، حين يُقبل على هذه التشكيلات الحصرية بنهم، لتكون النتيجة ارتفاع المبيعات، ومن ثم تعزيز الانطباع الذي كوّنته العلامات العالمية عن رمضان بأنه شهر الاستهلاك والأرباح، لهذا لا يمكننا أن نلومهم على حرصهم على تسجيل حضورهم فيه بأي شكل من الأشكال»، وفق قولها.
ما لا يختلف فيه اثنان أن ما يزيد من وطيس هذا السباق على كسب ود الزبون الشرقي حالياً، الانفتاح الذي شهدته المملكة العربية السعودية، والذي أسهم في جعل المنطقة كلها بمثابة المُنقذ أو طوق النجاة الذي يتشبث به صُنّاع الترف في ظل غياب الصين وإغلاقها لثلاث سنوات تقريباً. فقطاع الموضة السعودي وحده قُدّر بـ24 مليار دولار أميركي في عام 2021، والتوقعات تشير إلى أن هذا الرقم سيزيد أكثر وأكثر في السنوات المقبلة، كما أن قطاع الموضة في منطقة الخليج كلها يقدَّر بـ89 مليار دولار أميركي.

كيف كانت البداية وكيف تطورت

في عام 2016 زاد وطيس المنافسة على نيل ود زبون المنطقة في هذا الشهر الفضيل.
فعندما طرحت دار «دولتشي آند غابانا» مجموعة عباءات، أثارت كثيراً من الجدل؛ بين مستاء لم ير فيها جديداً سوى أنها تلعب على مشاعر زبون يحب كل شيء يحمل توقيعاً عالمياً، ومعجَب على أساس أن العباءة أخذت حقها من الاهتمام. لكن في النهاية حققت المراد للدار الإيطالية، وحصدت أرباحاً طائلة فتحت عيون بقية بيوت الأزياء على فرصة ذهبية لا يجب تفويتها. الآن دخلت على الخط دُور مجوهرات عريقة وبيوت أزياء عالمية كانت في الماضي تُلمّح أو تقدم إصدارات بكميات قليلة وعلى استيحاء. من النادر حالياً غياب اسم عالمي عن هذه المناسبة، من «ديور» و«فندي» إلى «كارولينا هيريرا» و«ساندرو»، وهلمّ جرّاً، بل حتى علامة «فكتوريا سيكريت» المعروفة بملابسها الداخلية وعروضها المثيرة التي لا يتوقع أحد أن تصميماتها واستراتيجياتها تتمشى مع ثقافة رمضان، دخلت السباق، هذا العام، بمجموعة ملابس منزلية وبيجامات نوم طويلة وبأكمام من حرير الساتان. قالت إن الهدف منها «تسليط الضوء على أهمية حبّ الذات وقوة المرأة في الشهر الفضيل، والاحتفاء، في الوقت نفسه، بالجمال والسلام الداخلي». التفسير نفسه تقريباً قدّمته مصممة المجوهرات فاليري ميسيكا، التي أطلقت حملة جديدة لا تختلف عن تلك التي قدّمتها في العام الماضي، باستثناء اختلاف الوجوه. هذه السنة تعاونت مع لاعبة كرة المضرب السعودية يارا الحقباني، والمصمّمة الإماراتية مريم الرميثي، والممثّلة اللبنانية المقيمة في الكويت ليلى عبد الله، كُلّهن أجمعن على أن شهر رمضان المبارك يتمحور، بالنسبة لهن، حول التأمّل الذاتي والالتزام بالنمو على الصعيد الشخصي والمثابرة.
مصمم الأحذية كريستيان لوبوتان، الذي يقضي وقتاً لا بأس به في مصر، يعرف أهمية الفوازير، لهذا ركز حملته الرمضانية على إثارة مشاعر الحنين بداخلنا، بجعلها تيمة مجموعته الرمضانية، حسبما جاء في منشور أرفقه مع الحملة يقول فيه: «الفوازير من البرامج الفنية التي أحدثت ثورة في الأزياء والموضة في العالم العربي، وهي، لدى البعض، جزء لا يتجزأ من ذكريات رمضان».

يمكنك قراءة أيضا... عرض مثير لـ«دولتشي آند غابانا» في العلا

بدورها تحتفي علامة «ساندرو» بإطلاق مجموعة جديدة وحصرية تشمل فساتين طويلة تعتمد على ألوان الأخضر، والأخضر الزمرّدي، والأصفر.
في المقابل ركزت شركة «بنفت كوزمتكس» على مفهوم العطاء والعمل الخيري الذي يرتبط بهذه المناسبة، وطوَّرت برنامجاً رمضانياً مليئاً بالتحديات يجمع بين المرح والترفيه من خلال مسابقات شيّقة يذهب ريعها لصالح «جمعية النهضة»، وهي منظمة غير ربحية تدعم النساء في السعودية اجتماعياً واقتصادياً.


مقالات ذات صلة

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

لمسات الموضة تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج، ولا حتى في فرادة المكان والمعمار فحسب، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

جميلة حلفيشي (بيدمونت - ميلانو)
لمسات الموضة لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

أخذ شون ماكغير عذابات الراحل لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن مصدر للألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.


داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».