سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

التنافس على نيل رضا زبون المنطقة يثير ردوداً عكسية

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
TT

سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)

منذ فترة وموجة من التعليقات والانتقادات تظهر على السطح حول استغلال بيوت الأزياء العالمية شهر رمضان والعيد، وتحويلهما من مناسبة روحانية إلى فرصة تجارية يُسوّقون فيها منتجات خاصة تحت عنوان «تشكيلة رمضان» أو «رمضان كوليكشن». في البداية اعتبرت المنطقة تخصيص قِطع حصرية بخامات مُترفة وترصيعات غنية احتراماً لها، لكن بعد دخول أغلب بيوت الأزياء السباق الرمضاني، فإن الظاهرة أغرقت السوق بفساتين بخطوط محتشمة وأكمام طويلة، تتماوج بدرجات الرمال والذهب أو الزمرد، مما أصاب البعض بالتخمة.

يمكنك قراءة أيضا... هجمة «رمضانية» على الـ«كوفر آب»

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

المصمم السعودي العالمي محمد آشي يعلِّق على هذه الظاهرة قائلاً إنه مهما تعددت الأساليب واختلفت النيات، وبغضّ النظر عن الأهداف المعلَنة وغير المعلَنة، فإن المجموعات الرمضانية أصبحت في السنوات الأخيرة كما لو أنها جزء من تقويم الموضة، مثلها مثل موسم الـ«هوت كوتور والأزياء الجاهزة وخط الكروز وخط البري فول. وصُنّاع الموضة والترف يتعاملون معه مثلما يتعاملون مع السنة الصينية في كل عام».

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

لا يرفض آشي فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر: «فأنا أيضاً طرحت مجموعة قفاطين في السابق، وكانت تجربة تجارية ناجحة»، وفق اعترافه، لـ«الشرق الأوسط». ويتابع: «لكن هذا لا يمنع من القول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم الثقافة وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول. فكلنا نعرف أن تفاصيل طقوس رمضان في السعودية ليست هي نفسها في قطر أو دبي أو المغرب أو تونس أو مصر وغيرها... لكل بلد خصوصيته وتقاليده وطقوسه».

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

ما يُجمِع عليه عدد من المراقبين أن هذا السباق المحموم على الوجود في المنطقة، خلال هذا الشهر، يوقع البعض في مطب الاستسهال. يكتفون بفساتين محتشمة بألوان ترتبط بالمنطقة، أو يعرفون أن أهل المنطقة يميلون إليها مثل الأخضر، يطلقون عليها اسم «تشكيلة رمضان»؛ لتسويقها.

المصمم السعودي العالمي محمد آشي لا يرفض فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر، وكانت له تجربة تجارية ناجحة من خلال مجموعة قفاطين، لكنه يقول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم ثقافتها وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول

 

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

فرانشيسكا فانتوري، وهي مؤسِّسة شركة «إيليفايت» للعلاقات العامة بإيطاليا، وعملت في دبي لسنوات، تقول إن «هذا الشهر أصبح يمثّل للعلامات التجارية العالمية ما يمثّله يوم الحب العالمي أو أعياد الميلاد في الغرب، ومن ثم يتعاملون معه على هذا الأساس: بطرح منتجات حصرية ومحدودة بألوان يرون أنها تمثّل الثقافة العربية والإسلامية. وهذا يطرح السؤال عما إذا كان صناع الموضة يفهمون ما يعنيه الشهر الفضيل بالنسبة للملايين من المسلمين، أم أنه مجرد وسيلة لتسويق منتجاتهم»، وفقاً لتساؤلها.


«فندي» من بيوت الأزياء التي تربطها بالمنطقة علاقة جيدة (خاص)

ولا تخفي فانتوري أن النية قد تكون حسنة تستهدف تقديم منتجات متميزة وأنيقة تليق بسوق تقدِّر كل ما هو جميل: «لكن هناك استسهالاً وعدم تعمق في فهم المعنى الحقيقي لهذا الشهر»، مضيفة: «اسم (تشكيلة رمضان) بحد ذاته يتضمن مفهوماً مغلوطاً؛ لأنه يعطي الانطباع بأن رمضان بالنسبة للمسلمين يتمحور حول الاستهلاك، وصرف مبالغ طائلة على آخِر صيحات الموضة، مع أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. إنه شهر الروحانيات والاهتمام بالآخر من خلال أعمال الخير والصبر والعطاء. أما المظهر الجميل فهو مُكمل لكل هذا وليس الأساس».

من تشكيلة «فندي» لرمضان 2023 (خاص)

توافقها الرأي راني إيلمي، وهي مؤسِّسة شركة «فرايم» للعلاقات العامة في دبي، وتتعامل مع بيوت أزياء مهمة مثل «إيترو» و«جيني» و«باي فار» وغيرها، بأن هناك مبالغة في التسويق والرغبة في الوجود عوض الاهتمام بالجانب الروحاني والخيري لهذا الشهر الفضيل. تقول: «أشعر أحياناً بأن بعض الأسماء العالمية لم تفهم بعدُ المعنى الحقيقي لهذا الشهر، من تواصل إنساني والإحساس بالغير، وغير ذلك من الأمور. تركز، في المقابل، على جانب السهر والولائم والحفلات».

من تشكيلة «هارفي نيكلز» (خاص)

الحل، بالنسبة لها، أن تفهم بيوت الأزياء العالمية أن سوق المنطقة مهمة طوال السنة وليس خلال رمضان وحده. لكن فرانشيسكا فانتوري ترى أنه على الشركات الإقليمية التي تُوظفها هذه العلامات أن تكون شُجاعة، بحيث تشرح لهم بعض التفاصيل الغائبة عنهم: «عليهم التعاون مع خبراء ومتخصصين لقراءة ما بين السطور، وفهم تلك التفاصيل المهمة التي لا يمكن أن تفهمها أو تشعر بها إلا إذا عشتها وتغلغلت في عُمقها».

من تشكيلة «ماج» الرمضانية (خاص)

وهذا تحديداً ما تدركه راني إيلمي عندما تقول إن جانباً من المشكلة التي باتت تستفزّ البعض، أن السباق لم يعد يقتصر على اقتطاع جزء من الكعكة الدسمة التي تشكِّلها المنطقة من خلال الدعايات التلفزيونية، أو طرح التشكيلات الحصرية باللونين الذهبي أو الأخضر فحسب، بل بات يشمل حفلات إفطار وسحور خاصة تقيمها بيوت الأزياء بشكل يومي تقريباً. ربما يكون الأمر، بالنسبة لها، وسيلة تعبّر بها عن احترامها لزبون المنطقة ورغبتها الصادقة في مشاركته احتفاليته بهذا الشهر، لكن إذا أخذنا العام الماضي مقياساً، فإن كثرتها باتت تثير استياء البعض لما تتطلبه من جهد ووقت. فهذا الشهر خاص بالعائلة والأحبّة والمقرَّبين. راني إيلمي تحاول تجنيب عملائها ركوب هذه الموجة «باقتراحي عليهم أن يقدموا هدايا عوض دعوات الإفطار والسحور التي من المفترض أن يقضيها الصائم مع الأهل والأقرباء والأصدقاء وليس مع العملاء».

الأخضر يتألق في هذا الشهر (خاص)
 

بالصور... مختارات «الشرق الأوسط» لأجمل التصاميم في حفل الأوسكار

نيز جبريل، وهي مستشارة موضة ولاكجري في دبي، أكدت بدورها أن كثرة حفلات الإفطار والسحور، التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، أثارت موجة من الاستياء لدى شريحة كبيرة من الناس، ولا سيما من العاملين في مجال الموضة: «فالمعروف لدينا أن رمضان هو شهر البساطة والخير والعبادات ومساعدة الغير، لهذا خلقت كثرة هذه الحفلات والمأدبات ردّات فعل عكسية، حيث ترجمها البعض على أنها انتهازية»، ثم تستطرد: «أعتقد أن هذه الانتقادات تناهت إلى مسامع هذه العلامات العالمية. فمكاتبهم الإقليمية قدّمت، هذا العام، اقتراحات من شأنها أن تقوّي العلاقة من دون أن تخُص المتعارف عليه، مثل تقديم هدايا أو تبرعات لصالح أعمال خيرية عوض إقامة هذه الحفلات». وفي حين تبدو نيز جبريل متفائلة بأن أغلب العلامات التجارية صادقة في رغبتها في فهم المنطقة وربط علاقة جيدة معها تستمر طويلاً، تضيف راني إيلمي أنه من الخطأ إلقاء كل اللوم على العلامات التجارية: «علينا أن ندرك أن أكثر ما تفهمه هو الإيرادات، والأرقام تؤكد لهم دائماً أن رمضان من الأشهر التي لا تبخل فيها المرأة على مظهرها بالغالي والنفيس. من هذا المنظور، فإن المستهلك يسهم في ترسيخ بعض هذه الأفكار، حين يُقبل على هذه التشكيلات الحصرية بنهم، لتكون النتيجة ارتفاع المبيعات، ومن ثم تعزيز الانطباع الذي كوّنته العلامات العالمية عن رمضان بأنه شهر الاستهلاك والأرباح، لهذا لا يمكننا أن نلومهم على حرصهم على تسجيل حضورهم فيه بأي شكل من الأشكال»، وفق قولها.
ما لا يختلف فيه اثنان أن ما يزيد من وطيس هذا السباق على كسب ود الزبون الشرقي حالياً، الانفتاح الذي شهدته المملكة العربية السعودية، والذي أسهم في جعل المنطقة كلها بمثابة المُنقذ أو طوق النجاة الذي يتشبث به صُنّاع الترف في ظل غياب الصين وإغلاقها لثلاث سنوات تقريباً. فقطاع الموضة السعودي وحده قُدّر بـ24 مليار دولار أميركي في عام 2021، والتوقعات تشير إلى أن هذا الرقم سيزيد أكثر وأكثر في السنوات المقبلة، كما أن قطاع الموضة في منطقة الخليج كلها يقدَّر بـ89 مليار دولار أميركي.

كيف كانت البداية وكيف تطورت

في عام 2016 زاد وطيس المنافسة على نيل ود زبون المنطقة في هذا الشهر الفضيل.
فعندما طرحت دار «دولتشي آند غابانا» مجموعة عباءات، أثارت كثيراً من الجدل؛ بين مستاء لم ير فيها جديداً سوى أنها تلعب على مشاعر زبون يحب كل شيء يحمل توقيعاً عالمياً، ومعجَب على أساس أن العباءة أخذت حقها من الاهتمام. لكن في النهاية حققت المراد للدار الإيطالية، وحصدت أرباحاً طائلة فتحت عيون بقية بيوت الأزياء على فرصة ذهبية لا يجب تفويتها. الآن دخلت على الخط دُور مجوهرات عريقة وبيوت أزياء عالمية كانت في الماضي تُلمّح أو تقدم إصدارات بكميات قليلة وعلى استيحاء. من النادر حالياً غياب اسم عالمي عن هذه المناسبة، من «ديور» و«فندي» إلى «كارولينا هيريرا» و«ساندرو»، وهلمّ جرّاً، بل حتى علامة «فكتوريا سيكريت» المعروفة بملابسها الداخلية وعروضها المثيرة التي لا يتوقع أحد أن تصميماتها واستراتيجياتها تتمشى مع ثقافة رمضان، دخلت السباق، هذا العام، بمجموعة ملابس منزلية وبيجامات نوم طويلة وبأكمام من حرير الساتان. قالت إن الهدف منها «تسليط الضوء على أهمية حبّ الذات وقوة المرأة في الشهر الفضيل، والاحتفاء، في الوقت نفسه، بالجمال والسلام الداخلي». التفسير نفسه تقريباً قدّمته مصممة المجوهرات فاليري ميسيكا، التي أطلقت حملة جديدة لا تختلف عن تلك التي قدّمتها في العام الماضي، باستثناء اختلاف الوجوه. هذه السنة تعاونت مع لاعبة كرة المضرب السعودية يارا الحقباني، والمصمّمة الإماراتية مريم الرميثي، والممثّلة اللبنانية المقيمة في الكويت ليلى عبد الله، كُلّهن أجمعن على أن شهر رمضان المبارك يتمحور، بالنسبة لهن، حول التأمّل الذاتي والالتزام بالنمو على الصعيد الشخصي والمثابرة.
مصمم الأحذية كريستيان لوبوتان، الذي يقضي وقتاً لا بأس به في مصر، يعرف أهمية الفوازير، لهذا ركز حملته الرمضانية على إثارة مشاعر الحنين بداخلنا، بجعلها تيمة مجموعته الرمضانية، حسبما جاء في منشور أرفقه مع الحملة يقول فيه: «الفوازير من البرامج الفنية التي أحدثت ثورة في الأزياء والموضة في العالم العربي، وهي، لدى البعض، جزء لا يتجزأ من ذكريات رمضان».

يمكنك قراءة أيضا... عرض مثير لـ«دولتشي آند غابانا» في العلا

بدورها تحتفي علامة «ساندرو» بإطلاق مجموعة جديدة وحصرية تشمل فساتين طويلة تعتمد على ألوان الأخضر، والأخضر الزمرّدي، والأصفر.
في المقابل ركزت شركة «بنفت كوزمتكس» على مفهوم العطاء والعمل الخيري الذي يرتبط بهذه المناسبة، وطوَّرت برنامجاً رمضانياً مليئاً بالتحديات يجمع بين المرح والترفيه من خلال مسابقات شيّقة يذهب ريعها لصالح «جمعية النهضة»، وهي منظمة غير ربحية تدعم النساء في السعودية اجتماعياً واقتصادياً.


مقالات ذات صلة

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

مجموعة تحتفل بامرأة معاصرة ترغب في أزياء تغطي كل احتياجاتها ولا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)

هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

الذكاء الاصطناعي قد يشجع على استئجار الملابس بدلاً من شرائها، عبر تجربة القطع افتراضياً؛ ما يقلل الهدر والأثر البيئي للأزياء السريعة.

سمير أندراوس (لندن)
لمسات الموضة حلق مستوحى من مراجيح المولد (الشرق الأوسط)

حلي مستوحاة من «نبض كيميت» و«صدى صوت أم كلثوم»

تقول هاجر نبيل إنها تحاول في هذه المجموعة أن تروي حكاية حضارة لا تكف عن إعادة تقديم نفسها عبر العصور، وكشف بعض أسرار التعلق بها.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
TT

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)
تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

عندما قدّمت علامة «برادا» تشكيلتها لربيع وصيف 2027 خلال «أسبوع ميلانو» الأخير، أكدت مرة أخرى أنها تضع مفهومي الانضباط والتناسق تحت المجهر، وفي الوقت ذاته تُرسِّخ أفكاراً أصبحت جينات ترتبط بالدار منذ تسلمت قيادتها الفنية ميوتشيا برادا.

منذ البداية، تُسوّق المصممة لفكرة أنه ليست للجمال قاعدة واحدة يجب التقيد بها. شريكها الفني، راف سيمونز يتفق معها في هذه الرؤية، التي تقول إنه من الفوضى يولد الإبداع، ومن تحت عباءة «القبح» وعدم التناسق يولد جمال، قد لا يكون تقليدياً بالضرورة، لكنه ينجح في فتح نقاشات فكرية وفنية مثيرة.

تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

63 تنورة

من بين الجينات التي تعود إليها الدار في كل موسم، التنورة. فهي حاضرة في كل مجموعة مهما تبدّلت توجهات الموضة وتغيّرت نزعاتها. في الموسم المقبل، ستطغى على باقي القطع. فهي بطلة قصتها لربيع وصيف 2027 دون منازع، حيث اكتسحت العرض من خلال نحو 63 إطلالة. ولا يستغرب متابعو مسيرة الدار وأسلوب ميوتشيا الشخصي هذا العدد؛ لأنه ينسجم مع قناعة راسخة ومستديمة لدى ميوتشيا برادا بأهمية هذه القطعة ومكانتها في خزانة المرأة.

ففي مقابلة أجرتها معها إحدى المجلات في عام 2006 قالت: «بالنسبة إليّ، تُشبه التنورة القميص؛ يمكن تنسيقها بسهولة لتناسب مختلف المناسبات. لهذا أضع في كل مجموعة، وفي كل موسم، كل أفكاري فيها». وتابعت: «حتى عندما تبدو غريبة أو مُفرطة في الجرأة، فإن هذه الصفات لا تُؤثر على الإطلالة العامة لصاحبتها؛ لأنها بكل بساطة تقع في الجزء السفلي من الجسم».

ظهرت أيضاً مع جاكيتات من اللون والخامة نفسيهما (أ.ف.ب)

بعد 20 عاماً على هذه المقولة، جاءت ترجمتها في مجموعتها لربيع وصيف 2027 عبر أشكال وألوان تتراوح بين القصات الكلاسيكية ذات الطيات والثنيات الجانبية، والتصاميم العصرية المنسدلة، إلى جانب مزيج من الأقمشة المترفة والمواد الحديثة التي تزيّنت بالكريستال والأشرطة، وترافقت مع طبقات شفافة.

ورغم أنه ليس من السهل أن تُبنى تشكيلة بالكامل على قطعة واحدة، فإن ميوتشيا برادا وراف سيمونز تداركا الأمر بحرصهما على التنويع في تصاميمها وتفاصيلها. لكن مما ساعد على تماسك العرض في المقام الأول، ولم يُصب الناظر بالملل فعلياً، أن برادا وسيمونز لم يتعاملا معها على أنها قطعة ثابتة وأساسية فحسب، بل استخدماها مساحةً للتجريب وإعادة التفكير في الشكل والخامة وطريقة التنسيق، لتخدم في النهاية المرأة.

الفني والجريء

افتٌتح العرض بإطلالة مكونة من قميص داخلي من الدانتيل الأسود وتنورة بلون أحمر زاهٍ. المثير فيها أنها تنورة منخفضة الخصر تكشف جزءاً واضحاً من البطن. لم تكن الإطلالة الثانية أقل إثارة. كانت هي الأخرى تنورة بفتحة عالية جداً، في حين ظهرت العارضة الثالثة مرتدية حمالة صدر مع تنورة ذات طيات وكشاكش جانبية مبتكرة. وهكذا تكرر المشهد وتوالت الإطلالات بتناسبات تسمح لهذه القطعة بالانحدار نحو الوركين بدلاً من أن تستقر عند الخصر كما هو متعارف عليه أو تغطي الركبة ولا تتعداها كثيراً. وربما كان طولها هو القاسم المشترك بينها؛ لأنها جاءت تلامس الركبة أو بالكاد تُغطيها، باستثناء قطع قليلة جداً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

جرأة التنسيق لم تمحُ جمال التنورة ومرونتها (أ.ب)

اختبار الأفكار

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة التجريبية التي خضعت لها التنورة هذا الموسم، ليست جديدة على مصممة تتعامل مع الأنوثة بوصفها أكثر من مجرد مظهر خارجي، وتأخذنا إلى خلفيتها الثقافية وميولها الفكرية اليسارية، بما في ذلك، علاقتها الطويلة بقضايا المرأة وتحريرها من القوالب الجاهزة، التي كانت التنورة طرفاً فيها إلى حد ما.

فحتى في شبابها وهي ناشطة في «الحزب الشيوعي الإيطالي»؛ أي في وقت لم تكن فيه التنورة جزءاً من الثقافة اليسارية مثل الجينز، تبنّتها ميوتشيا برادا زيّاً خاصاً بها، في مفارقة تعكس استقلالها وعدم ميلها إلى التقيد بالقواعد الجمالية والاجتماعية السائدة. مع الوقت؛ أصبحت واحدة من المفردات التي تستعملها وسيلةً للتعبير عن التناقض والاستقلال؛ وليست فقط رمزاً للأناقة كما يراها المجتمع.

وجه الاختلاف بينها وبين بعض النسويات، اللاتي رفضنها، أنها لم تُعانقها بصورتها الأنثوية المُغرية أو الرومانسية. اختارت في المقابل اتجاهاً ثالثاً يتعامل معها بوصفها قطعة أساسية تعتمد على طُرق تنسيقها للحصول على المظهر الذي تتوخاه المرأة، وهكذا تُثبت أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

إذا كانت بتصميمها المستقيم والضيق تناسب امرأة تريد إبراز أنوثتها، مثل كيم كاردشيان، وبشكلها المستدير تخاطب امرأة رومانسية، فإنها بالشكل الذي تقترحه دائماً، تفرض نفسها بجدية تُركّز على الفني والمريح بدل الأنثوي وحده. وهذا يعني أنها لا تعانق الجسم بقدر ما تلاعبه وتتراقص معه، وهنا تكمن عمليتها وجاذبيتها.

نُسقت مع كنزات وسترات لخلق تنوع يُدخلها كل المناسبات (أ.ف.ب)

وربما هذا ما شفع لهذه المجموعة وأنقذها من إصابة المتابع بالتخمة. فهي تُقدم احتمالات لا تنتهي للقطعة الواحدة، وفق طريقة تنسيقها. عندما تنسَّق مع سترات مستوحاة من خزانة الرجل، فإنها تعطي تأثيراً مختلفاً عن تنسيقها مع قمصان مع حمالات صدر. الأمر ذاته ينطبق على التنوع في الخامات، التي تتراوح بين النايلون والأقمشة الصناعية والقطن والجلد، لتلعب على ازدواجية القوة والنعومة. وفي كل الإطلالات تقريباً، تبدو إطاراً تُسقط عليه الدار الأفكار الجديدة، وتستعمل الخامات المتنوعة والتفاصيل المبتكرة لخلق شخصيات مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد.

طريقة تنسيقها تحدد مكانتها والمناسبة (إ.ب.أ)

توظيف الفكري بأدوات تجارية

من يتابع مسيرة ميوتشيا برادا منذ عقود، يعرف أن وراء اختياراتها الجمالية والفنية، فكرة تتجاوز الشكل وحده. فهي تعشق إثارة النقاشات الفكرية من خلال الموضة، وهو ما وجدته أيضاً في شريكها الفني راف سيمونز. بينهما انسجام كبير في القناعات والرؤى، ورغبة مشتركة في طرح الأسئلة أكبر من تقديم ابالإنجدلإجابات الجاهزة.

ومن خلال محاولتهما كسر القوالب المألوفة والتقاليد الراسخة، فهما لا يختبران فقط حدود الموضة أو قولبتها، بل يقدمان تصوراً أوسع شمولية للجمال. هذا التصور يفتح مساحة تتسع لكل الاحتمالات؛ للرومانسية والشاعرية وللجدية والعملية، ولما هو جريء وغير متوقع تبعاً لشخصية المرأة التي ترتديه.

ويبقى اللافت أنه، حتى في أعلى اقتراحاتهما جرأة، تظل هناك قدرة عجيبة على مخاطبة سوق واسعة تعرف «برادا» جيداً كيف تصل إليها. فقد سبق للدار أن قدمت تصاميم بدت، عند ظهورها أول مرة، غير مألوفة أو حتى صادمة، قبل أن تجد طريقها تدريجياً إلى خزانة المرأة وتتحول اختياراتٍ ناجحةً تجارياً. وهذه ربما من أشد نقاط قوة «برادا»: قدرتها على دفع حدود المألوف، من دون أن تفقد صلتها بالمرأة أو بالسوق.

لعبت على النعومة والقوة عبر الجمع بين الحرير والجلد (إ.ب.أ)

وهذه القدرة على دفع حدود المألوف، من دون فقدان الصلة بالسوق، تتجلى بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها ميوتشيا مع التنورة. فهي ودار «برادا» عموما تدركان أن عالم الأعمال لا يكتفي بالأفكار الفلسفية والفنية أو بالمشاعر، بل لا بد في نهاية المطاف من ترجمتها أرقاماً؛ لذلك تصوغ المصممة التنورة بأشكال مفعمة بالأناقة والجمال تلائم مناسبات متعددة، وتجمع في الوقت نفسه بين العملية والمرونة، بما يتيح للمرأة حرية أكبر في الحركة. والأهم؛ أنها لا تَفرض على الجسد، مهما اختلفت مقاييسه وأبعاده، نموذجاً واحداً أو صورةً محددة للأنوثة.

فالتصميم يَترك مساحة للمرأة كي تمنحه شخصيتها الخاصة، بدل أن يَفرض عليها نمطاً جاهزاً ومكرراً. ولعل هذا ما يجعل التنورة في هذا العرض أكبر من مجرد قطعة متكررة على المنصة أكثر من 60 مرة. فمع نهاية العرض، يتضح أن كل تصميم قُدِّم تأكيدٌ جديدٌ على أن التنورة ستكون الزي الرسمي لامرأة «برادا» في الموسم المقبل.


مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

 

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».


«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.