سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

التنافس على نيل رضا زبون المنطقة يثير ردوداً عكسية

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
TT

سباق رمضان يضع بيوت الأزياء العالمية في مأزق

«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)
«فكتوريا سيكريت» دخلت السباق الرمضاني بملابس منزلية (خاص)

منذ فترة وموجة من التعليقات والانتقادات تظهر على السطح حول استغلال بيوت الأزياء العالمية شهر رمضان والعيد، وتحويلهما من مناسبة روحانية إلى فرصة تجارية يُسوّقون فيها منتجات خاصة تحت عنوان «تشكيلة رمضان» أو «رمضان كوليكشن». في البداية اعتبرت المنطقة تخصيص قِطع حصرية بخامات مُترفة وترصيعات غنية احتراماً لها، لكن بعد دخول أغلب بيوت الأزياء السباق الرمضاني، فإن الظاهرة أغرقت السوق بفساتين بخطوط محتشمة وأكمام طويلة، تتماوج بدرجات الرمال والذهب أو الزمرد، مما أصاب البعض بالتخمة.

يمكنك قراءة أيضا... هجمة «رمضانية» على الـ«كوفر آب»

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

المصمم السعودي العالمي محمد آشي يعلِّق على هذه الظاهرة قائلاً إنه مهما تعددت الأساليب واختلفت النيات، وبغضّ النظر عن الأهداف المعلَنة وغير المعلَنة، فإن المجموعات الرمضانية أصبحت في السنوات الأخيرة كما لو أنها جزء من تقويم الموضة، مثلها مثل موسم الـ«هوت كوتور والأزياء الجاهزة وخط الكروز وخط البري فول. وصُنّاع الموضة والترف يتعاملون معه مثلما يتعاملون مع السنة الصينية في كل عام».

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

لا يرفض آشي فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر: «فأنا أيضاً طرحت مجموعة قفاطين في السابق، وكانت تجربة تجارية ناجحة»، وفق اعترافه، لـ«الشرق الأوسط». ويتابع: «لكن هذا لا يمنع من القول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم الثقافة وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول. فكلنا نعرف أن تفاصيل طقوس رمضان في السعودية ليست هي نفسها في قطر أو دبي أو المغرب أو تونس أو مصر وغيرها... لكل بلد خصوصيته وتقاليده وطقوسه».

تشكيلة «دولتشي آند غابانا» لرمضان (خاص)

ما يُجمِع عليه عدد من المراقبين أن هذا السباق المحموم على الوجود في المنطقة، خلال هذا الشهر، يوقع البعض في مطب الاستسهال. يكتفون بفساتين محتشمة بألوان ترتبط بالمنطقة، أو يعرفون أن أهل المنطقة يميلون إليها مثل الأخضر، يطلقون عليها اسم «تشكيلة رمضان»؛ لتسويقها.

المصمم السعودي العالمي محمد آشي لا يرفض فكرة طرح أزياء خاصة بهذا الشهر، وكانت له تجربة تجارية ناجحة من خلال مجموعة قفاطين، لكنه يقول إن الغرب يمكن أن يستفيد أكثر في حال استعان بخبراء ومتخصصين من أبناء المنطقة؛ لأنهم أكثر من يفهم ثقافتها وتلك الفروقات الدقيقة التي تميِّز بلداً عن آخر ولا يمكن أن يشعر بها شخص من ثقافة أخرى، مهما حاول

 

من تشكيلة «جيورجيو أرماني» لرمضان (خاص)

فرانشيسكا فانتوري، وهي مؤسِّسة شركة «إيليفايت» للعلاقات العامة بإيطاليا، وعملت في دبي لسنوات، تقول إن «هذا الشهر أصبح يمثّل للعلامات التجارية العالمية ما يمثّله يوم الحب العالمي أو أعياد الميلاد في الغرب، ومن ثم يتعاملون معه على هذا الأساس: بطرح منتجات حصرية ومحدودة بألوان يرون أنها تمثّل الثقافة العربية والإسلامية. وهذا يطرح السؤال عما إذا كان صناع الموضة يفهمون ما يعنيه الشهر الفضيل بالنسبة للملايين من المسلمين، أم أنه مجرد وسيلة لتسويق منتجاتهم»، وفقاً لتساؤلها.


«فندي» من بيوت الأزياء التي تربطها بالمنطقة علاقة جيدة (خاص)

ولا تخفي فانتوري أن النية قد تكون حسنة تستهدف تقديم منتجات متميزة وأنيقة تليق بسوق تقدِّر كل ما هو جميل: «لكن هناك استسهالاً وعدم تعمق في فهم المعنى الحقيقي لهذا الشهر»، مضيفة: «اسم (تشكيلة رمضان) بحد ذاته يتضمن مفهوماً مغلوطاً؛ لأنه يعطي الانطباع بأن رمضان بالنسبة للمسلمين يتمحور حول الاستهلاك، وصرف مبالغ طائلة على آخِر صيحات الموضة، مع أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. إنه شهر الروحانيات والاهتمام بالآخر من خلال أعمال الخير والصبر والعطاء. أما المظهر الجميل فهو مُكمل لكل هذا وليس الأساس».

من تشكيلة «فندي» لرمضان 2023 (خاص)

توافقها الرأي راني إيلمي، وهي مؤسِّسة شركة «فرايم» للعلاقات العامة في دبي، وتتعامل مع بيوت أزياء مهمة مثل «إيترو» و«جيني» و«باي فار» وغيرها، بأن هناك مبالغة في التسويق والرغبة في الوجود عوض الاهتمام بالجانب الروحاني والخيري لهذا الشهر الفضيل. تقول: «أشعر أحياناً بأن بعض الأسماء العالمية لم تفهم بعدُ المعنى الحقيقي لهذا الشهر، من تواصل إنساني والإحساس بالغير، وغير ذلك من الأمور. تركز، في المقابل، على جانب السهر والولائم والحفلات».

من تشكيلة «هارفي نيكلز» (خاص)

الحل، بالنسبة لها، أن تفهم بيوت الأزياء العالمية أن سوق المنطقة مهمة طوال السنة وليس خلال رمضان وحده. لكن فرانشيسكا فانتوري ترى أنه على الشركات الإقليمية التي تُوظفها هذه العلامات أن تكون شُجاعة، بحيث تشرح لهم بعض التفاصيل الغائبة عنهم: «عليهم التعاون مع خبراء ومتخصصين لقراءة ما بين السطور، وفهم تلك التفاصيل المهمة التي لا يمكن أن تفهمها أو تشعر بها إلا إذا عشتها وتغلغلت في عُمقها».

من تشكيلة «ماج» الرمضانية (خاص)

وهذا تحديداً ما تدركه راني إيلمي عندما تقول إن جانباً من المشكلة التي باتت تستفزّ البعض، أن السباق لم يعد يقتصر على اقتطاع جزء من الكعكة الدسمة التي تشكِّلها المنطقة من خلال الدعايات التلفزيونية، أو طرح التشكيلات الحصرية باللونين الذهبي أو الأخضر فحسب، بل بات يشمل حفلات إفطار وسحور خاصة تقيمها بيوت الأزياء بشكل يومي تقريباً. ربما يكون الأمر، بالنسبة لها، وسيلة تعبّر بها عن احترامها لزبون المنطقة ورغبتها الصادقة في مشاركته احتفاليته بهذا الشهر، لكن إذا أخذنا العام الماضي مقياساً، فإن كثرتها باتت تثير استياء البعض لما تتطلبه من جهد ووقت. فهذا الشهر خاص بالعائلة والأحبّة والمقرَّبين. راني إيلمي تحاول تجنيب عملائها ركوب هذه الموجة «باقتراحي عليهم أن يقدموا هدايا عوض دعوات الإفطار والسحور التي من المفترض أن يقضيها الصائم مع الأهل والأقرباء والأصدقاء وليس مع العملاء».

الأخضر يتألق في هذا الشهر (خاص)
 

بالصور... مختارات «الشرق الأوسط» لأجمل التصاميم في حفل الأوسكار

نيز جبريل، وهي مستشارة موضة ولاكجري في دبي، أكدت بدورها أن كثرة حفلات الإفطار والسحور، التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، أثارت موجة من الاستياء لدى شريحة كبيرة من الناس، ولا سيما من العاملين في مجال الموضة: «فالمعروف لدينا أن رمضان هو شهر البساطة والخير والعبادات ومساعدة الغير، لهذا خلقت كثرة هذه الحفلات والمأدبات ردّات فعل عكسية، حيث ترجمها البعض على أنها انتهازية»، ثم تستطرد: «أعتقد أن هذه الانتقادات تناهت إلى مسامع هذه العلامات العالمية. فمكاتبهم الإقليمية قدّمت، هذا العام، اقتراحات من شأنها أن تقوّي العلاقة من دون أن تخُص المتعارف عليه، مثل تقديم هدايا أو تبرعات لصالح أعمال خيرية عوض إقامة هذه الحفلات». وفي حين تبدو نيز جبريل متفائلة بأن أغلب العلامات التجارية صادقة في رغبتها في فهم المنطقة وربط علاقة جيدة معها تستمر طويلاً، تضيف راني إيلمي أنه من الخطأ إلقاء كل اللوم على العلامات التجارية: «علينا أن ندرك أن أكثر ما تفهمه هو الإيرادات، والأرقام تؤكد لهم دائماً أن رمضان من الأشهر التي لا تبخل فيها المرأة على مظهرها بالغالي والنفيس. من هذا المنظور، فإن المستهلك يسهم في ترسيخ بعض هذه الأفكار، حين يُقبل على هذه التشكيلات الحصرية بنهم، لتكون النتيجة ارتفاع المبيعات، ومن ثم تعزيز الانطباع الذي كوّنته العلامات العالمية عن رمضان بأنه شهر الاستهلاك والأرباح، لهذا لا يمكننا أن نلومهم على حرصهم على تسجيل حضورهم فيه بأي شكل من الأشكال»، وفق قولها.
ما لا يختلف فيه اثنان أن ما يزيد من وطيس هذا السباق على كسب ود الزبون الشرقي حالياً، الانفتاح الذي شهدته المملكة العربية السعودية، والذي أسهم في جعل المنطقة كلها بمثابة المُنقذ أو طوق النجاة الذي يتشبث به صُنّاع الترف في ظل غياب الصين وإغلاقها لثلاث سنوات تقريباً. فقطاع الموضة السعودي وحده قُدّر بـ24 مليار دولار أميركي في عام 2021، والتوقعات تشير إلى أن هذا الرقم سيزيد أكثر وأكثر في السنوات المقبلة، كما أن قطاع الموضة في منطقة الخليج كلها يقدَّر بـ89 مليار دولار أميركي.

كيف كانت البداية وكيف تطورت

في عام 2016 زاد وطيس المنافسة على نيل ود زبون المنطقة في هذا الشهر الفضيل.
فعندما طرحت دار «دولتشي آند غابانا» مجموعة عباءات، أثارت كثيراً من الجدل؛ بين مستاء لم ير فيها جديداً سوى أنها تلعب على مشاعر زبون يحب كل شيء يحمل توقيعاً عالمياً، ومعجَب على أساس أن العباءة أخذت حقها من الاهتمام. لكن في النهاية حققت المراد للدار الإيطالية، وحصدت أرباحاً طائلة فتحت عيون بقية بيوت الأزياء على فرصة ذهبية لا يجب تفويتها. الآن دخلت على الخط دُور مجوهرات عريقة وبيوت أزياء عالمية كانت في الماضي تُلمّح أو تقدم إصدارات بكميات قليلة وعلى استيحاء. من النادر حالياً غياب اسم عالمي عن هذه المناسبة، من «ديور» و«فندي» إلى «كارولينا هيريرا» و«ساندرو»، وهلمّ جرّاً، بل حتى علامة «فكتوريا سيكريت» المعروفة بملابسها الداخلية وعروضها المثيرة التي لا يتوقع أحد أن تصميماتها واستراتيجياتها تتمشى مع ثقافة رمضان، دخلت السباق، هذا العام، بمجموعة ملابس منزلية وبيجامات نوم طويلة وبأكمام من حرير الساتان. قالت إن الهدف منها «تسليط الضوء على أهمية حبّ الذات وقوة المرأة في الشهر الفضيل، والاحتفاء، في الوقت نفسه، بالجمال والسلام الداخلي». التفسير نفسه تقريباً قدّمته مصممة المجوهرات فاليري ميسيكا، التي أطلقت حملة جديدة لا تختلف عن تلك التي قدّمتها في العام الماضي، باستثناء اختلاف الوجوه. هذه السنة تعاونت مع لاعبة كرة المضرب السعودية يارا الحقباني، والمصمّمة الإماراتية مريم الرميثي، والممثّلة اللبنانية المقيمة في الكويت ليلى عبد الله، كُلّهن أجمعن على أن شهر رمضان المبارك يتمحور، بالنسبة لهن، حول التأمّل الذاتي والالتزام بالنمو على الصعيد الشخصي والمثابرة.
مصمم الأحذية كريستيان لوبوتان، الذي يقضي وقتاً لا بأس به في مصر، يعرف أهمية الفوازير، لهذا ركز حملته الرمضانية على إثارة مشاعر الحنين بداخلنا، بجعلها تيمة مجموعته الرمضانية، حسبما جاء في منشور أرفقه مع الحملة يقول فيه: «الفوازير من البرامج الفنية التي أحدثت ثورة في الأزياء والموضة في العالم العربي، وهي، لدى البعض، جزء لا يتجزأ من ذكريات رمضان».

يمكنك قراءة أيضا... عرض مثير لـ«دولتشي آند غابانا» في العلا

بدورها تحتفي علامة «ساندرو» بإطلاق مجموعة جديدة وحصرية تشمل فساتين طويلة تعتمد على ألوان الأخضر، والأخضر الزمرّدي، والأصفر.
في المقابل ركزت شركة «بنفت كوزمتكس» على مفهوم العطاء والعمل الخيري الذي يرتبط بهذه المناسبة، وطوَّرت برنامجاً رمضانياً مليئاً بالتحديات يجمع بين المرح والترفيه من خلال مسابقات شيّقة يذهب ريعها لصالح «جمعية النهضة»، وهي منظمة غير ربحية تدعم النساء في السعودية اجتماعياً واقتصادياً.


مقالات ذات صلة

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

لمسات الموضة تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

مع حلول رأس السنة الصينية، تعود العلامات الفاخرة إلى الأبراج الصينية، لإصدار مجموعات محدودة؛ احتفاءً وتبركاً بالعام الجديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)

عام الحصان القمري... إصدارات فاخرة معدودة

تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)
تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)
TT

عام الحصان القمري... إصدارات فاخرة معدودة

تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)
تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)

مع حلول رأس السنة الصينية، تعود العلامات الفاخرة إلى الأبراج الصينية، لإصدار مجموعات محدودة؛ احتفاءً وتبركاً بالعام الجديد. ورغم أن هذه العملية السنوية تخاطب عادة الذائقة والثقافة الصينيَّتين، فإنها تأخذ هذه المرة بُعداً إضافياً يتجاوز سياقها الآسيوي، لأنه «عام الحصان». فالخيول، لا سيما الخيول الأصيلة، لها دلالات رمزية قوية في المخيلة الشعبية العربية. ارتبطت عبر قرون بالقوة والشهامة والشجاعة والأصالة، وهو ما تشهد عليه الملاحم والفنون الشعبية والتراث الثقافي.

في عالم الساعات المعاصرة، فيتجلى هذا التوجه بوضوح من خلال إصدارات تجمع بين الرمز والفن والتقنية (فاشرون كونستانتان)

إذا كان ما تمَّ طرحه حتى الآن من ساعات هو المقياس، فإن جانبها التجاري قوي، لما تتمتع به من جاذبية تجمع البُعدَين العاطفي والجمالي. كونها أيضاً مطروحة بأعداد قليلة يجعل من اقتنائها استثماراً. من «فاشرون كونستانتين» التي طرحت ساعة من الذهب الوردي مزينةً بنقش يدوي لحصان على الميناء الزجاجية، إلى «جيجير لوكولتر» التي تحتفي من خلال ساعة «ريفيرسو تريبيوت إيناميل هورس» بإصدار محدود من 10 قطع فقط في استحضار مباشر للجذور الفروسية التي انطلقت منها «ريفيرسو» عام 1931، بوصفها ساعةً خاصةً بلاعبي البولو. من بين الخيارات الكثيرة والتي تصيب بالحيرة لجمالها وفنيتها، نذكر التالي:

إصدار «لويس مونيه» (لويس مونيه)

«لويس مونيه» أطلقت ساعة «Tourbillon Puzzle Fire Horse»

كما يدل اسمه، فهو ناري متحفز. من الناحية التقنية يتميَّز بحركة يدوية مع توربيون طائر، ويحتوي على قرص مع لوحة مصغرة للحصان الناري، مرسومة يدوياً على 81 قطعة مكعبة. الميناء مطبوع بألوان نارية تعكس قوة الحصان وحركته الديناميكية، مع تفاصيل دقيقة لبدنه والشعر والعيون. أما العلبة فمن الذهب الأحمر 18 قيراطاً بقطر 40 ملم، مع قبة ياقوتية تُبرز جمال هذه اللوحة من كل الزوايا.

إصدار «آي دبليو سي شافهاوزن» (آي دبليو سي)

دار «آي دبليو سي شافهاوزن» أيضاً لم تتأخر عن الركب، وطرحت ساعة – «Portugieser Automatic 42 Year of the Horse» بإصدار محدود من 500 ساعة فقط. وتتميَّز الساعة بعلبة من الفولاذ بقطر 42 ملم، وميناء مستوحى من ألوان احتفالات السنة القمرية. حركة متطورة بفضل توربيون داخلي ودوار ذهبي على شكل حصان يركض. وتوفر الساعة احتياطي طاقة يصل إلى 7 أيام مع إمكانية اختيار سوار من جلد التمساح الأسود أو الأحمر.

إصدار «آرنولد أند صان» (أرنولد أند صان)

دار «آرنولد أند صان» تحتفل بساعتها «Perpetual Moon 41.5 Red Gold - Year of the Horse» بإصدار محدود من 8 ساعات فقط، يعكس روح الحصان الناري من خلال لوحة مصغرة على الميناء الوردي السلموني، مع تفاصيل ثلاثية الأبعاد تحاكي الحركة والانطلاق. الساعة بعيار يدوي يتابع الدورة القمرية بدقة متناهية، مع احتياطي طاقة يصل إلى 90 ساعة. يدمج التصميم أيضاً الفن مع التقاليد الفلكية، حيث يظهر الحصان شامخاً فوق تلة تحت سماء مرصعة بالنجوم، مع تأثيرات ضوئية تمثل شرارات النار الرمزية.

إصدار «بلانبان» (بلانبان)

دار «بلانبان» أصدرت ساعة «Blancpain – Traditionnel Chinois Calendrier Villeret»

بإصدار محدود من 50 قطعة مزود بحركة معقدة عيار 3638. وتضم الساعة الواحدة 464 مكوناً مع احتياطي طاقة لمدة 7 أيام، كما تتميَّز بمصححات مخفية لتسهيل ضبط التقويمَين الصيني والغريغوري وطور القمر دون أي أدوات إضافية. ويظهر الحصان هنا في دوار من الذهب عيار 22 منقوش يدوياً، يرمز إلى «تيانما» الحصان السماوي في الأساطير الصينية. ويتلوَّن الميناء بسلمون وردي تحيط به عقارب على شكل أوراق مجوفة وأرقام من الذهب الأبيض، لتكون الساعة تحفة فنية وميكانيكية في آن واحد.

يأتي إصدار "جيرار-بيريغو" الجديد ضمن علبة بقطر 43 ملم من الذهب الوردي (جيرار - بيريغو)

الحصان بكل جموحه وحيويته ظهر أيضاً في جديد دار «جيرار - بيريغو». فقد أعادت إطلاق إحدى أكثر ساعاتها رمزية: لا إسميرالدا توربيون A secret... «رمز الخلود». لم تُجسّد فيها براعة حرفييها من الناحيتين التقنية والجمالية فحسب بل أيضاً قصة حيوان نبيل ارتبط بمجموعة «لا إسميرالدا».

هذا الارتباط بدأ في عام 1889، حين قدمت الدار ساعة جيب عُرفت باسم La Esmeralda فازت بميدالية ذهبية في المعرض العالمي بباريس. ما ميَّزها آنذاك لم يكن فقط حركة التوربيون ذات الجسور الذهبية الثلاثة، بل أيضاً الزخارف المحفورة يدوياً على الجسر الخلفي، ويظهر فيها حصانان متقابلان في وضعية ديناميكية أنيقة. كانت اللغة التسويقية حينها التي لم تتغير، أن الحصان رمز للقوة الكامنة والزخم المنضبط.

يظهر هنا الحصانان متقابلان في وضعية ديناميكية أنيقة ترمز إلى القوة الكامنة والزخم المنضبط (جيرار - بيريغو)

مرت العقود والقرون، ورأت «جيرار - بيريغو» أن تعود إلى هذا الإرث لتستلهم منه إصدارها الجديد. والنتيجة كانت أكثر ديناميكية، حيث تأتي الساعة ضمن علبة بقطر 43 ملم من الذهب الوردي، وهي الأخرى تتميز بالجسور الذهبية الثلاثة بلون متناغم، وميناء أحمر مطلي بمينا «غراند فو»، كما تزدان العلبة والعروات والإطار والمشبك بنقوش دقيقة.

توربيون الساعة الجديدة بجسوره الذهبية الثلاثة (جيرار - بيريغو)

في قلب الساعة ينبض توربيون الدار المُزوّد بالجسور الذهبية الثلاثة، مجهزاً بميكرو دوار خفي من الذهب الأبيض، يتمركز أسفل برميل النابض الرئيسي ليمنح ميزة التعبئة الذاتية.


الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».