نصر الله في المشهد الأخير: هكذا قُطع الحبل مع طهران

شهادات عن «حرب الإسناد» في لبنان... وأسرار دُفنت مع «ثلاثة رجال»

TT

نصر الله في المشهد الأخير: هكذا قُطع الحبل مع طهران

أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله وهو يُلقي خطاباً عبر شاشة عملاقة داخل مسجد في الضاحية الجنوبية بيروت في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)
أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله وهو يُلقي خطاباً عبر شاشة عملاقة داخل مسجد في الضاحية الجنوبية بيروت في نوفمبر 2019 (أ.ف.ب)

في الأشهر الأخيرة قبل اغتياله، اعتقد الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، أن «حرب الإسناد» ستظل حتى نهايتها تحت سقف «قواعد الاشتباك»، وأن إيران لن تترك 4 عقود من «المقاومة الإسلامية» في لبنان فريسة سهلة، غير أن حسابات خاطئة هي ما أعاقت الحزب عن قرارات حاسمة بشأن الحرب التي أضحت بحلول سبتمبر (أيلول) 2024 دموية وشاملة.

يكشف هذا التحقيق عن أن «أسراراً ميدانية طُمرت مع قادة في الحزب اغتالتهم إسرائيل، ومعها فقد نصر الله الفاعلية مع بدلائهم المجردين من المعرفة الميدانية»، رغم أن رواية مخالفة أفادت بأن مشكلة الحزب لم تكن في القادة، بل في خسارة مشغلي الصواريخ، «العملة النادرة» في الحزب والحرب.

يستند التحقيق إلى مقابلات مع شخصيات لبنانية وعراقية كانت على تماس مع قيادة الحزب عام 2024، أجريت بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، وتنوعت بين قياديين سابقين ورجال دين وعناصر أمن، حُجبت هويات بعضهم لأسباب أمنية.

ورغم أن حرب الإسناد في لبنان باتت مسرحاً لسرديات متصارعة، فإن الشهادات ملأت جزءاً معقولاً من ثغرات المشهد الأخير الذي سبق اغتيال نصر الله، ما بين يناير (كانون الثاني) وحتى سبتمبر 2024.

خلال تلك الفترة، قُتل نحو 3768 شخصاً، وجرح أكثر من 15 ألفاً وفق السلطات اللبنانية، بينما أفاد تقرير لجامعة تل أبيب بأن «حزب الله» خسر نحو 2500 من عناصره في غارات ضربت أكثر من 12 ألف هدف، كان أكثرهم أهمية حسن نصر الله، وقادة عسكريين من نخبة «الجهادية» للحزب.

شريحة واسعة من اللبنانيين كانوا يترقبون الكلمات المتلفزة للأمين السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله (أ.ف.ب)

حرب تحت السقف

في الأسابيع الأولى من الحرب، سادت قناعة «حزب الله» بأن «قواعد الاشتباك» ستبقى سارية، وأن الأمر «لن يبلغ حرباً مفتوحة»، وفق شخصية لبنانية كانت على صلة وثيقة مع قادة عسكريين.

نقل الرجل الذي وافق على التحدث لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم الكشف عن هويته، عن أحد الاجتماعات الخاصة لأفراد متنفذين في الحزب في مرحلة مبكرة من الحرب إن «حسابات نصر الله لم تكن تتعدى مناوشات في نطاق مزارع شبعا».

واستخدام مزارع شبعا مجازاً، وفق الشخصية اللبنانية، إشارة إلى مناوشات كلاسيكية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي باستخدام مسيَّرات مفخخة أو صواريخ مصنعة محلياً.

ظل الحال داخل ذهنية «حزب الله» في نطاق «معادلة الردع» منذ اتفاق وقف العمليات الواسعة بعد حرب 2006. ورغم أن نصر الله قال في خطاب شهير آنذاك إنه «ذاهب إلى حرب مفتوحة»، لكنه لم يذهب أبعد مما حدث بالفعل.

نقلت الشخصية اللبنانية عن قيادي في «حزب الله» أشيع لاحقاً أنه أصيب بجراح بليغة وتوارى عن الأنظار، إن «جزءاً من خطط الحزب بعد (طوفان الأقصى) اعتمد على أن إيران ستنجح يوماً في ضبط الردع ووقف النار من خلال تموضعها في المفاوضات».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحزب انتظر إيران تعيد التوازن إلى الصراع المختل، ما دام (حبل السرة) مضفوراً بين طهران والضاحية، ونصل إلى لحظة وقف النار من دون خسارة كبرى».

طالما صرح مسؤولون إيرانيون، على رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي، أن طهران لن تتخلى عن حلفائها، كما أن نصر الله نفسه كان يرجع الفضل إلى إيران كون حزبه متماسكاً ومدعوماً مالياً وتسليحياً.

ثلاث عيون

في منزله قرب الضاحية ببيروت، تحدث رجل دين شيعي إلى «الشرق الأوسط» عن نقطة تحول لعبت دوراً حاسماً في تأخر «حزب الله» عن إدراك المسار السريع للحرب الشاملة.

رجل الدين، وهو لبناني الجنسية ودرس العلوم الدينية في النجف، كان خسر 4 شباب من عائلته خلال الحرب، منهم اثنان قضوا بغارة إسرائيلية في «العديسة»، إحدى بلدات «مرجعيون»، جنوبي البلاد. يقول إن نصر الله خسر كذلك قياديين قلبوا عليه المعادلات في ساحة المعركة.

يضيف الرجل الذي بدا في منتصف الستينات: «تبين في النهاية، أنه كلما قتل قائد ميداني يخسر نصر الله عيناً تساعده على الرؤية الواضحة. الأمين العام السابق كان شديد التعلق والهوس بالمتابعة الميدانية، لكنه بدأ يفقد أدواته الفاعلة».

وفقاً لهذه الشهادة، فإن أكثر ما أثّر على نصر الله غياب 3 قياديين هم طالب عبد الله، ويلقب بـ«أبو طالب»، إبراهيم عقيل، المعروف أيضاً باسم إبراهيم تحسين، ووسام الطويل الذي يعتقد أن صلة تربطه بالأمين العام السابق، ومن الصعب تأكيدها.

من مراجعة التسلسل الزمني لسقوط الثلاثة، فإن نصر الله بدأ يخسر ما قيل إنهم «العيون الثلاث» على امتداد المراحل المتقلبة لـ«حرب الإسناد».

صورة مركبة لقادة عسكريين في «حزب الله» وهم من اليسار إبراهيم عقيل ووسام الطويل وطالب عبد الله

قُتل الطويل، وهو قائد بارز في قوة «الرضوان» التابعة للحزب، في 8 يناير 2024. وضربت غارة إسرائيلية في 11 يونيو (حزيران) منزلاً في قرية جويا جنوب لبنان، لتقتل طالب عبد الله المعروف بكنية «أبو طالب» المسؤول عن عمليات الحزب في المنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي مع إسرائيل وحتى نهر الليطاني. قيل يومها إنه اغتياله كان الأقسى على نصر الله.

وفي 20 سبتمبر 2024، خسر نصر الله أيضاً إبراهيم عقيل، قائد المجلس العسكري، الذي خَلَف فؤاد شكر الذي اغتيل في 30 يوليو (تموز) 2024.

في النهاية، «حوصر نصر الله بمعلومات ميدانية مشوشة، ولم يكن يعرف ضباط الحزب في الميدان تفسير ما يحدث كلما انتظرواً قراراً في لحظة حاسمة»، يقول رجل الدين.

شيء من الفوضى عم غرف العمليات خلال فترات معينة. اشتكى قياديون في الميدان «من الارتجال، لأن العناصر كانت تتصرف بدافع القلق والريبة أكثر مما كان يتوجب عليها، بانضباط»، وفق مصادر لبنانية.

إلى جانب القياديين الثلاثة، كان نصر الله خسر قائد وحدة «عزيز» محمد نعمة ناصر في 3 يوليو. لم يبق سوى علي كركي الذي اغتيل مع الأمين العام السابق في الغارة التي استهدفت حي ماضي بالضاحية يوم 27 سبتمبر 2024.

رغم فقدان القادة الثلاثة، وعلى مدار ثمانية أشهر، بقي نصر الله ومحيطه يفكرون داخل صندوق «قواعد الاشتباك»، ومواقفه كانت تستبعد «الحرب الشاملة».

بعد اغتيال الطويل، قال نصر الله إن «تصرفات المقاومة تُدار بروية، وليس من منطلق انفعال». وفي إثر اغتيال أبو طالب، نقلت وسائل إعلام لبنانية عن مصادر الحزب أن «الرد سيكون ضمن الحدود، وليس حرباً شاملة على الفور». وخلال تشييع إبراهيم عقيل، ألقى نعيم قاسم كلمة مطوّلة، ملخصها أن الحزب «دخل في مرحلة جديدة عنوانها معركة الحساب المفتوح». بعد أيام معدودة، اغتيل نصر الله.

يقول علي الأمين، وهو ناشر وكاتب لبناني، إن نصر الله «كان يعتقد أن الحزب قادر عسكرياً على ردع إسرائيل ومنع نشوب حرب شاملة، غير أن هذا التقدير تبين لاحقاً أنه خاطئ».

لبنانية تمشي أمام مكتب «حماس» المدمر بعد هجوم إسرائيلي أسفر عن مقتل صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت في 2 يناير 2024 (د.ب.أ)

«الدرون» يعرف الحزب جيداً

تكمن مشكلة «حزب الله» في «حزب الله» نفسه؛ في طريقة تكوينه القادة وتعويضهم.

بحسب مصادر لبنانية، فإن القادة الميدانيين الذين اغتيلوا منذ يناير وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 كانوا أفراداً ضمن سلسلة منقطعة من القيادة. ليسوا جزءاً من جسم مؤسساتي أو تراتبية تنقل الخبرة والمعلومات بسلاسة.

تقول المصادر، إن «القائد البديل لم يتمكن من الإحاطة بكامل أسرار القائد الذي اغتيل؛ ثمة تفاصيل عملياتية بقيت طيّ الكتمان. كان ذلك أحدَ مشكلات نصر الله في التعاطي مع الحرب وإدامة الحزب».

فُهم من مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط»، أن كل قائد في «حزب الله» يبني منظومته الخاصة من العلاقات والمعلومات والأساليب بناءً على خبرته الشخصية بشكل منفرد، وعندما يُقتل، تُدفن خبرته معه، بما في ذلك خرائطه الحزبية التي أضحت في النهاية مقتنيات شخصية، حتى لو كانت عن مخازن السلاح أو خطط الانتشار، توارى الثرى مع صاحبها.

«في مرحلةٍ ما من الحرب، بات «الدرون» الإسرائيلي حين يحلق فوق وحدة لـ«حزب الله» أكثر معرفةً بالحزب من القائد الميداني الذي تسلّم مهامه حديثاً»، يقول رجل الدين اللبناني.

إسرائيل من ثقب إبرة

تسرب الشك إلى دائرة حسن نصر الله، للمرة الأولى، بعد اغتيال صالح العاروري، النائب السابق لرئيس المكتب السياسي لـ«حماس» في 2 يناير 2024.

يقول رجل الدين اللبناني إن الأسبوع الأول من ذلك العام كان قاسياً، إذ انتهى باغتيال وسام الطويل أيضاً. سُمِع على نطاق محدود داخل الحزب إن «نصر الله لم يتوقع ما حدث (...) ظل صامتاً لفترة بعد الاغتيالين».

اختار نصر الله الدفاع بدل الهجوم. يقول علي الأمين، إنه في إثر اغتيال العاروري ترشح من مطبخ الحزب القيادي أن عسكريين وميدانيين، التقوا نصر الله بشكل عاجل، «طلبوا فتح الحرب إلى أقصاها، بسبب ما تقوم به إسرائيل من اصطياد للكوادر والعناصر»، لكن رد نصر الله عليهم كان: «إياكم أن نذهب إلى هناك».

رد فعل الحزب كان الانكماش والغرق في الشك العميق. يقول رجل الدين اللبناني إن هذه عادة «الحركات الإسلامية، الشيعية خصوصاً، هو الانعزال بداعي مراجعة النفس». مع ذلك، أفادت مصادر أمنية أن الحزب نفض شبكات اتصالاته عله يعثر على ثقب الإبرة الذي تتسرب منه المعلومات إلى «العدو».

في شهادة لقيادي شيعي عراقي كان نقطة اتصال مع «حزب الله» اللبناني منذ عام 2015، قال إن «قنوات التواصل مع الحزب تغيرت مراراً مع تصاعد الاغتيالات في بيروت». وتابع: «كنا نتعرف على أشخاص جدد في كل مرة نحتاج إلى شيء من الضاحية».

تفهّمت فصائل عراقية «المحاذير التي طغت سلوك أشخاص في الحزب، ممن كانوا معتادين على تغذية مجموعات عراقية بتقديرات سياسية وميدانية». قال القيادي العراقي، إن «حزب الله كان مرجعاً ليس فقط لتحركاتنا الميدانية، بل نعود إليه في تفاعلاتنا السياسية المحلية، لذلك تحمس كثيرون في بغداد لتقديم المساعدة».

في مرحلة ما من أغسطس 2024، طلب الإيرانيون من فصائل عراقية إسناد «حزب الله». قال القيادي العراقي: «سألناهم كيف ذلك. قالوا: في هذه المرحلة اضغطوا في الإعلام أنكم جاهزون للحرب».

بعد فترة، عاد إلى الإيرانيين برسالة من فصائل عراقية مسلحة أظهرت استعداداً للقتال دفاعاً عن «حزب الله»، مفادها: «قالوا لنا: لا، حتى نصر الله لا يريد ذلك».

وفي 20 سبتمبر 2024، تعهّد فصيل «كتائب سيد الشهداء» العراقي، بإرسال 100 ألف مقاتل إلى حدود لبنان، ولم يذهب أحد.

وجهت إسرائيل ضربات لـ«حزب الله» من خلال تصفية عدد من كبار قادتها مما أضعف بشكل كبير البنية العسكرية للحركة (أ.ف.ب)

البحث عن التسريب

فاحت رائحة «خيانة» من مكان ما. يلمح إلى ذلك القيادي العراقي، الذي قال إنه ظل يتردد على بيروت حتى سبتمبر 2024، يقول إن «وسطاء أُبلِغوا في مناسبات مختلفة بإيقافهم عن مهام نقل الرسائل. كان الحزب في الحقيقة يجرب طرقاً أخرى».

لدى رجل الدين اللبناني تفسير لهذا. لقد «اختبر الحزب طرقاً مختلفة في التواصل، في محاولة لاكتشاف أين يكمن الاختراق. من أي شق خفي تسربت إسرائيل إلى جدار الأمن المشيد حول قيادات الحزب».

لكن تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية المعروفة باسم «البيجر» عصف بالحزب وعزل القيادات عن بعضها وعن شبكاتها الميدانية ودخلت المنظومة في حالة تشبه الإطفاء التام. وفي مرحلة ما، توقفت محاولات من تبقى في القيادة رأب صدع استخباري رافق نشاط الحزب منذ أكتوبر 2023.

قال رجل الدين اللبناني إن وحدات ميدانية تابعة للحزب لم تسمع شيئاً في الأيام التي تلت تفجير «البيجر». واستغرقت القيادة وقتاً طويلاً قبل أن تعود إلى تغذية «ضباط الوحدات بالأوامر الروتينية، ولم تكن تجدي».

في تلك المرحلة، سأل قيادي عسكري في «حزب الله» نصر الله عما إذا كانت قواعد الاشتباك لا تزال سارية. «كان من غير المعتاد عدم سماع جواب محدد»، وفق شهادة حصلت عليها «الشرق الأوسط».

وأدرك نصر الله أنه بات في قلب حرب مفتوحة لم يكن يرغب فيها، لكن الوقت كان متأخراً، كما تنقل مصادر عن قياديين حضروا اجتماعات مفصلية.

يقدّم علي محمد أحمد، وهو أستاذ الإعلام السياسي، قراءة قريبة إلى حد ما من سردية يتبناها تيار المقاومة، على نطاق واسع. يقول إن بقاء قواعد الاشتباك التقليدية كان سيجعل الكفة تميل ضد إسرائيل، لكن ما غيّر المعادلة فعلياً هو التفوق التقني والمعلوماتي الذي لم يضعه الحزب في الحسبان. ذلك كان هو المعطى الناقص.

مقاتلو «حزب الله» يؤدون القسم خلال تدريب عسكري مُنظم في معسكر بقرية عرمتى جنوب لبنان (أرشيفية - د.ب.أ)

المشهد الأخير

على نطاق واسع، قيل إن نصر الله حضر يوم 27 سبتمبر تشييع محمد سرور، قائد وحدة مسيّرات الحزب، قبل أن يتوجه إلى حارة حريك في الضاحية، برفقة نائب قائد «فيلق القدس» في لبنان، عباس نيلفوروشان.

ما دار بينهما بقي طي الكتمان. لا أحد يعرف ما إذا كانا قد راجعا، للمرة الأخيرة، أين وصلت بهما «حرب الإسناد». وصلا في النهاية إلى مخبأ تحت الأرض، وهو مقر مركزي للحزب، وهناك انتهت رحلتهما. قضيا في هجوم تقول إسرائيل إنها استخدمت فيه أطناناً من متفجرات خارقة للتحصينات. في اليوم التالي، تفجّرت أطنان من الأسئلة في الضاحية، وفي كل مكان.

يقول رجل الدين اللبناني، الذي كان يتحدث وعيناه ترصدان صور القتلى من عائلته، إن «كثيرين من بيئة (المقاومة) استغرقوا وقتاً طويلاً تحت الصدمة، لكنهم في النهاية كانوا يسألون: من خذل الآخر؟ الحزب أم إيران؟ المقاومة أم ولاية الفقيه؟».

يرى علي محمد أحمد أن «العقل الكامن في الحزب كان يعمل بطريقة واحدة وأساسية، وهي أنه لم يكن يستطيع مغادرة حرب تُفرض عليه. لذلك، استمر فيها».

لا يتخيل علي الأمين أن نصر الله كان قد أعلن قيام «وحدة الساحات» لولا استناده إلى دور إيراني، وقناعته بأن إسرائيل «تحسب حساباً لقوة الأذرع في لبنان والعراق واليمن»، لكن تلقيه صدمات أمنية وعسكرية جعله وطهران في حالة من الارتباك، فقطع الحبل بينهما. وبسبب «جهلهما بخطط الحرب الإسرائيلية في حرب الإسناد» اكتشفا أنهما وقعا في الفخ.

لحظة ضرب مقر «حزب الله» في الضاحية الجنوبية ببيروت واغتيال نصر الله يوم 27 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

غير أن علي محمد أحمد، يقول إن «الحزب منظومة قيادة جماعية. لكن إسرائيل تفوقت في مرحلة مبكرة من الحرب عندما حيّدت مشغلي الصواريخ الاستراتيجية». يرى محمد أحمد أن المشغّلين «عملة نادرة» من الصعب تعويضهم. ومشكلة «حزب الله» ليست خسارة القيادات الميدانية، بل المشغلين.

«حين أطلق الحزب مئات الصواريخ في اليوم الأخير قبل وقف النار، عرفنا أنه تمكن من ضخ دم جديد، بمشغلي صواريخ جدد»، يقول محمد علي.

«لم يخذل أحد الآخر». المشكلة تكمن في أن الطرفين، إيران و«حزب الله»، كانا يعيشان في لحظة ما قبل السابع من أكتوبر 2023، ولم تتحرك الساعة في يد أيٍّ منهما.

يقول عقيل عباس، الباحث العراقي المتخصص في الشأن الأميركي، إن الحزب وإيران لم يفهما بشكل دقيق حجم التغير الكبير، رغم أن إسرائيل وبنيامين نتنياهو كانا يكرّران أن ما حدث يشبه أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. «الجميع فهم أن القواعد القديمة لم تعد سارية، وأن هناك قواعد جديدة تُفرض بالقوة».

ما عمّق الأزمة على إيران والحزب أن الوسطاء الدوليين اختفوا من الساحة. «في حروب سابقة، كان الأوروبيون، مثلاً، مهتمين بوقف الحرب، إلا هذه الحرب»، وفق عباس.

مهما يكن، فإن سرعة إسرائيل لعبت دوراً حاسماً في صنع الفارق. «لم تكن إيران قادرة على فعل شيء حيال ذلك. الأحداث كانت أكبر من قدرتها على الاستجابة، إذ تحتاج وقتاً للإعداد لمواجهة بهذا الحجم».

مع ذلك، حاولت إيران في وقت متأخر أن تتواصل مع نصر الله وتحثه على التهدئة، وربما الانسحاب، بعد أن أدركت أن طريقة التفكير القديمة لم تعد صالحة، لكنها لم تكن قادرة على إجبار نصر الله على فعل شيء. يقول الباحث العراقي إن طهران كانت ترى نصر الله «صاحب الميدان».

بعد نحو عام من وقف النار في لبنان، فإن نهاية الحرب في لبنان تعتمد على الجمر الذي لا يزال يلمع تحت الأنقاض، كما يصفه رجل الدين اللبناني. يقول إن «لبنان الذي يُكتب له السلام، يُكتب عليه في نفس الصفحة، جبهات وخطوط تماس جديدة».


مقالات ذات صلة

عون يبدأ محادثاته في واشنطن بلقاء روبيو ويمهد لـ«قمة حاسمة» مع ترمب

المشرق العربي روبيو مستقبلاً عون في الخارجية الأميركية لأحد (الرئاسة اللبنانية)

عون يبدأ محادثاته في واشنطن بلقاء روبيو ويمهد لـ«قمة حاسمة» مع ترمب

بدأ الرئيس اللبناني جوزيف عون محادثاته السياسية في واشنطن صباح الأحد بلقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، للتمهيد للقمة المرتقبة مع الرئيس الأميركي دونالد.

هبة القدسي (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

الكنيسة المارونية تدعم مسار لبنان التفاوضي مع إسرائيل: السلام خيارنا

تلقى مسار الدولة اللبنانية القاضي بالتفاوض مع إسرائيل جرعةَ دعمٍ من الكنيسة المارونية، إذ أكد البطريرك بشارة الراعي أن «السلام خيارنا»...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - رويترز)

قمة عون - ترمب... جرعة دعم زائدة لتطبيق «اتفاق الإطار»

تشكل قمة واشنطن المرتقبة بين الرئيسين اللبناني جوزيف عون، ونظيره الأميركي دونالد ترمب، أول محطة سياسية لرئيس لبناني لا يحمل أثقال وصاية النظام السوري السابق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عَلم إسرائيل فوق مبنى بجنوب لبنان في صورة تم التقاطها من الجانب الإسرائيلي من الحدود 5 يوليو الحالي (رويترز)

الجيش الإسرائيلي: استهداف خلية لـ«حزب الله» بعد رصد طائرة مسيرة

قال الجيش الإسرائيلي ​إنه استهدف خلية تابعة لجماعة حزب الله قرب تبنيت بجنوب لبنان ‌اليوم السبت، بعد ‌أن ​رصد ‌جنوده ⁠طائرة ​مسيّرة تابعة ⁠للجماعة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

غادر رئيس الجمهورية جوزيف عون، السبت، إلى واشنطن في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة منذ عام 2009

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عاطف نجيب في محكمة «أطفال درعا»... مقاطعة الروايات وقصة «الشرارة الأولى»

متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

عاطف نجيب في محكمة «أطفال درعا»... مقاطعة الروايات وقصة «الشرارة الأولى»

متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

تشكّل قضية اعتقال أطفال درعا في مارس (آذار) 2011 الشرارة الأولى للثورة السورية، وإحدى أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ البلاد المعاصر، حيث اندلعت الاحتجاجات الشعبية التي امتدت لاحقاً لتشمل مختلف أنحاء البلاد قبل أن تتحول حرباً طاحنة، لم تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية والخسائر البشرية الهائلة، بل امتدت لتصبح حرباً على الرواية، أو السردية التاريخية والحق في امتلاكها.

اليوم، وبعد أكثر من عامين على سقوط النظام السابق، عادت هذه القضية المحورية إلى الصدارة مع فتح ملفات المساءلة القانونية المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة وحملات الاعتقال، والتعذيب الممنهج، والإجراءات القمعية التي شهدتها درعا في تلك المرحلة، والتي ارتبطت بشكل وثيق بأسماء بارزة من أركان نظام الأسد، وفي مقدمتهم رئيس فرع الأمن السياسي آنذاك، عاطف نجيب.

وفي ظل المساعي الجارية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات الممتدة منذ عام 2011، تبرز قضية أطفال درعا بوصفها اختباراً حقيقياً لمدى قدرة مؤسسات العدالة الانتقالية في حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع على التعامل مع إرث ثقيل من التجاوزات و«رموز» مرحلة لا تزال حاضرة في حياة السوريين.

عاطف نجيب داخل المحكمة الجنائية بدمشق في جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

«الشرق الأوسط» التقت باثنين من الأطفال الذين اعتُقلوا في تلك الحقبة، وقد أصبحا اليوم شابَّين يرويان ما جرى خلف الأبواب المغلقة داخل الأفرع الأمنية، منذ بدء شرارة بعبارة «جاييك الدور يا دكتور»، التي خُطت على جدران مدرسة في درعا، ونُسبت إلى أطفال، عانوا الأمرّين بسببها.

وبعد 15 عاماً، وحرب روايات لم تحسم بعد، لم يعد السؤال من كتب العبارة، بل كيف تحولت تلك العبارة إلى فرصة للانتقام من بيئة معارضة للأسد عبر سلسلة من الاعتقالات والتعذيب لأطفالها. وإذا كانت الشهادات الجديدة في هذا التحقيق تعيد رسم تفاصيل البدايات وتسلسل أحداثها، فإنها لا تبدل الحقيقة الأساسية: أن ما جرى داخل الأفرع الأمنية هو الذي حوّل حادثة محلية إلى قضية غيّرت مصير بلد بكامله.

نايف أبا زيد... طفولة في أقبية التحقيق

كان نايف أبا زيد يبلغ من العمر 13 عاماً فقط عند اعتقاله. وقد ارتبط اسمه بالاتهام بكتابة العبارة الشهيرة التي خُطّت على الجدران: «جاييك الدور يا دكتور». إلا أن أبا زيد ينفي لـ«الشرق الأوسط» هذه الرواية، مؤكداً أنه لم يكتب سوى اسمه واسم صديقه على جدار مدرسة «درعا البلد» كذكرى في عام 2009.

يشدد أبا زيد على أنه «لم يلتقِ بعاطف نجيب مطلقاً»، وأن الضابط الذي تولّى التحقيق معه مباشرة هو لؤي العلي، الذي كان يحمل رتبة عقيد في ذلك الوقت. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل من قال بأن الكتابة كانت على مدرسة الأربعين في حي الأربعين يمثل رواية عارية عن الصحة. أول كتابة في درعا البلد كانت على جدار مدرسة (درعا البلد) للبنين، وهي مدرسة إعدادية وليست ابتدائية، وعلى الرغم من أنها إعدادية لكننا عملياً كنا أطفالاً حينها، في الصف السابع وعمري 13 عاماً فقط. ومن سرقوا قصتي قاموا بنسخها وتغيير مكان الكتابة وبعض التواريخ فقط لينسبوها لأنفسهم، علماً بأنني تحملت العواقب بلا ذنب».

جانب من مدرسة الأربعين في درعا التي شهدت كتابات ضد بشار الأسد في 2011 وبدا أحد الشبان الذين اعتقلوا في تلك الفترة وكان طفلاً (غيتي)

ربما تكمن المفاجأة في أن هذه الشهادات لا تنتهي إلى النتيجة التي قد يتوقعها البعض؛ تغيير هوية الضحية أو الجلاد. فهي لا تبرئ مطلقاً عاطف نجيب، لكنها تعيد ترتيب الأحداث داخل أكثر الروايات تداولاً حول كيفية بدء القصة. فبينما تنقل هذه الشهادة مركز الثقل من عاطف نجيب إلى الضابط لؤي العلي في مرحلة التحقيق الأولى، تعيد شهادة أخرى قمنا بمقاطعتها، تثبيت مسؤولية نجيب بوصفه رئيس الفرع وصاحب السلطة الأعلى على الجهاز الذي احتجز الأطفال، بل وتؤكد أنه باشر التحقيق مع بعضهم بنفسه.

بين الروايتين لا يختفي الاتهام، وإنما يصبح أكثر دقة: القضية لم تعد من هو الشخص الذي أمسك بالكبل أولاً، بل من كان يقود المنظومة التي سمحت بأن يتحول أطفال إلى ضحايا للاعتقال والتعذيب وانتزاع الاعترافات.

يرى أبا زيد أن عاطف نجيب، وإن لم يكن الشخص الذي اعتقله وحقق معه، لكنه كان جزءاً أساسياً ومحركاً رئيسياً في جسد المنظومة الأمنية، وساهم بشكل فعال في تأجيج الأوضاع، إلى جانب غيره من قيادات أعلى تمسك بزمام الأمور.

وحسب القانون الدولي، فإن المسؤولية لا تتوقف عند الشخص الذي مارس التعذيب بيده، وإنما تمتد حسب «هيكلية اتخاذ القرار» (order of command) لتشمل من كان يعلم أو يفترض أن يعلم بالانتهاكات وامتلك سلطة منعها أو معاقبة مرتكبيها.

الاعتقال في يوم مدرسي عادي

يستذكر أبا زيد تفاصيل يوم اعتقاله، حين اقتحمت الأجهزة الأمنية مدرسته، بعد أن كانت شرطة «مخفر العباسية» قد داهمت منزله صباحاً بحثاً عن ابن عمه. يروي اللحظات الأولى قائلاً: «بعد دخولي للصف في المدرسة تم مناداتي للإدارة وهناك وجدت أمين السر والضابط لؤي العلي وكان برتبة عقيد قبل ترفيعه لاحقاً إلى رتبة عميد، ولاحقاً عرفت من هو».

ويضيف واصفاً تلك اللحظات: «قال لي لؤي العلي، أنا من التربية جئت لأنني علمت أنك كتبت اسمك واسم حبيبتك على جدار المدرسة، وراح يؤشر على مكان العبارة الشهيرة (جاييك الدور يا دكتور) وقد كانت ممسوحة ولم أرها حين دخلت إلى المدرسة صباحاً».

لم يعرف الطفل ماذا يقول آنذاك، ولكنه جرى اقتياده مع ضابط الأمن الذي طمأن إدارة المدرسة بأن الأمر لن يستغرق أكثر من 10 دقائق، طالباً عدم إبلاغ ذويه قبل العاشرة صباحاً. لكن الواقع كان مختلفاً تماماً، وعن ذلك يقول: «بعدها ذهبنا إلى الفرع ومن ثم إلى غرفة التحقيق وقد كانت غرفة مخيفة جداً؛ هناك عدة تعذيب مثل الكبل والعصاة والدواليب وعلى الجدار كلبشات، وهناك بدأ التحقيق معي».

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

من كتب «أجاك الدور يا دكتور»؟

عند سؤاله عما كتبه على الجدار، أجاب أبا زيد بصدق، وبأنه لا يعرف وأن ليس له حبيبة. إلا أن الرد الأمني كان قاسياً. ويروي أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»: «قلت لهم ما كتبت شي غير اسمي بعام 2009، ليرد الضابط: لا كاتب شي آخر، وبدأ بضربي بالكبل وبعدها بالعصا على كتفي ثم وضعني بالدولاب حتى -شبحني- وخلال التعذيب قلت له أخبرني ما مكتوب لكي أعترف».

تحت وطأة التعذيب الشديد، اضطر أبا زيد للاعتراف بما لم يفعله لينتهي من العذاب. ويلفت صاحب الرواية إلى أنه لم يعرف إلا لاحقاً بعد فترة من خروجه من السجن هوية الشاب الحقيقي الذي كان في الصف التاسع آنذاك، وكتب عبارة «جاييك الدور يا دكتور».

بعد جولة التعذيب، سلمه الضابط ورقة وقلماً وأمهله 10 دقائق لكتابة ما كان مدوناً على الجدار، ليروي أبا زيد قائلاً: «أعدت كتابة كل شيء كان مكتوباً على جدار المدرسة حتى الذي كان على المقاعد، لكنه عندما عاد بدأ بضربي وشتمي وتعذيبي من جديد ثم علقني على الجدار؛ لأن تلك العبارة لم تكن موجودة».

فلم يكن من الضابط إلا أن بدأ بتلقين الطفل العبارة الشهيرة بالقوة: «أنت كتبت (جاييك) ثم قال ماذا بعد؟ رددت من بعده جاييك، ليعود ويضربني مرة أخرى، ويطلب مني تكملة الجملة، فأكملها هو وقال: (الدور) وأعدتها بعده ليستمر بضربي، وقال: (يا دكتور) وأعدتها أنا بعده كاملة: (جاييك الدور يا دكتور)».

ويضيف في تفصيل يعكس سادية المحققين: «قال الضابط: (بشار)، فسألته: (من بشار؟). لم يخطر ببالي بشار الأسد، ليقوم بتعذيبي أكثر. عندها عرفت أنه يتكلم عنه فقلت: (بشار الأسد) فقال: (الآن بدأت تفهم)».

ولم يتوقف الأمر عند انتزاع الاعتراف، بل امتدّ لإجبار الطفل على توريط آخرين: «فتح لي الضابط الباب وقال: (قول مين كان معك واطلع). عندها خطر ببالي صديقي بشير الذي كان معي عندما كتبنا أسماءنا كذكرى عام 2009».

صورة للرئيس السوري الهارب إلى روسيا بشار الأسد بعد سقوط نظامه في 2024 (ا.ب.ا)

اعترافات تحت التعذيب

وعلى إثر ذلك، ذكر أبا زيد أسماء جيرانه وأبناء منطقته، ومنهم إياد خليفة وعبد الرحمن وآخرون، ولكن لم يسمح له بالخروج من ذلك الباب الذي فتح. بل جولة تنكيل، نُقل إلى مكتب الضابط لؤي العلي الذي استعرض أمامه مشاهد لمظاهرات تونس، وقال إنه استحضر محلل خطوط ليتأكد.

ويصف أبا زيد المشهد النهائي في درعا: «خرجنا إلى الباحة وكتب على جدار فرع الأمن: (جاييك الدور يا دكتور). وبعدها في الداخل قال لي لؤي العلي إن الخط خطك. عندها صرت أبكي من دون توقف، ثم عادوا للتحقيق معي واعترفت مرة أخرى تحت التعذيب والتهديد».

نُقل أبا زيد لاحقاً إلى فرع السويداء بإدارة سهيل رمضان، حيث تكرر سيناريو التعذيب.

في تلك الأثناء بدأ أهالي درعا يتحركون للمطالبة بالإفراج عن نايف وأطفال آخرين كانوا اعتقلوا لأسباب أخرى، فعمد الضابط لؤي العلي إلى مساومتهم؛ مقترحاً إطلاق سراح نايف مقابل تسليم بشير نفسه، واعداً بأن تنتهي القضية بتوقيع تعهد. وكان واضحاً أن الأمور تتجه إلى أزمة. فمن جهة، تواجه الأفرع الأمنية مأزق إلصاق تهمة كتابة العبارة بأي كان، ومن جهة أخرى هناك أطفال تحت التعذيب بدأت قصصهم ترشح للخارج وتغذي الغضب وتثير حماسة التظاهرات التي كانت في بدايتها.

عبد الله الخطيب يرفع صورة شقيقه حمزة الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

رفاق الصف في فرع فلسطين

بالفعل، قام بشير بتسليم نفسه لإنقاذ رفيقه. لكن بمجرد تسليم بشير، تم اعتقاله وتحويله إلى فرع السويداء ليلتقي بصديقه نايف. هناك، تعرضا لتعذيب شديد، واعترف بشير بدوره مجبراً، مورطاً أسماء أخرى مثل إياد خليفة وعبد الرحمن ارشيدات أبا زيد، وعدي وبهاء ارشيدات أبا زيد.

اعتُقل الأربعة، وتم تحويلهم جميعاً، فيما عدا إياد الذي لم يعترف، إلى فرع فلسطين في دمشق. وهناك تعرضوا لضرب مبرح وجُردوا من أسمائهم ليصبحوا مجرد أرقام فكان رقم نايف 16 وبشير 14. ورغم نصائح السجناء الآخرين لهم في المهجع بإنكار التهم لأن القضية تصل عقوبتها إلى الإعدام، فإن التهديد بـ«جلب أسرهم» أجبرهم على تكرار الاعترافات المنتزعة سلفاً.

أما عاطف نجيب، فكان قد تلقى طلبات الإفراج عن الأولاد ووافق عليها في وقت لاحق بعد مماطلة وتأجيل وبعدما كاد الأهالي يفقدون الأمل بلقائهم؛ ما يثبت بحسب أبا زيد معرفته بما جرى للأطفال ومسؤوليته غير المباشرة عن استمرار احتجازهم وتعذيبهم.

عاطف نجيب في مرآة سامر الصياصنة

سامر علي الصياصنة، طفل آخر طالته يد الاعتقال التعسفي على خلفية اتهامه بحرق «كشك» شرطة عند زاوية مدرسة الأربعين بدرعا البلد بتاريخ 14 فبراير (شباط) 2011، وأدلى بإفادته ضد عاطف نجيب، لدى المحكمة.

يُحمّل الصياصنة، عاطف نجيب المسؤولية الكاملة عن شرارة الأحداث في درعا، بدءاً من الاعتقالات التعسفية وصولاً إلى الأوامر بإطلاق النار في مجزرتي «الجامع العمري» و«الكازية»، مؤكداً أن فروع الأمن لم تكن لتتجرأ على اتخاذ أي خطوة دون ضوء أخضر منه. ويستبعد الصياصنة أي فرصة لتبرئة نجيب استناداً إلى ثغرات قانونية، مشدداً على أن تورطه في الانتهاكات أمر لا جدال فيه.

سامر الصياصنة ورفيقه في زيارة لمدرستهما في درعا بعد سقوط بشار الأسد في 2024 وقد كتب على جدارها «هرب دكتور إجاك الدور» (غيتي)

تحدث الصياصنة لـ«الشرق الأوسط» عن ليلة مداهمة منزله ومنزل جده بحملة أمنية شرسة وكثافة عددية كبيرة. ويقول: «قضيت 6 أيام في مخفر العباسية ثم نقلت إلى فرع الأمن الجنائي، وهناك تعرضت للتعذيب قبل نقلي إلى فرع الأمن السياسي».

ويصف بدقة لحظة مواجهته مع رئيس الفرع: «هناك كانت الكارثة، فمن شدة التعذيب والإهانة من قبل عناصر الفرع وبعد مرور 24 ساعة تم نقلي من قبو الفرع إلى مكتب رئيس الفرع عاطف نجيب، وتم التحقيق معي من قبله، وقد قلت ذلك للمحكمة ولقاضي التحقيق ووصفت لباسه وشكله بدقة قبل أن يظهر مؤخراً على التلفزيون».

وينقل الصياصنة الذي يؤكد براءته التامة من تهمة حرق الكشك أو كتابة العبارات، طبيعة الأسئلة العبثية التي وجهت لأطفال صغار لم يتجاوز كبيرنا 14 عاماً.

ويقول: «عندما دخلت إلى عاطف نجيب كان يحمل جهاز اتصال ويرتدي لباساً رسمياً، ووجّه لنا سؤالاً أنا وزملائي: لمن تتبع لـ(جند الشام) أم لـ(فتح الإسلام)؟».

ثم يختم شهادته بالقول: «طريقة التعذيب وأساليبه كانت أشبه لنا بالموت. فقد ضربوني ضرباً مبرحاً وأنا لم أتجاوز الرابعة عشرة من عمري. مهما تحدثت لن أصف مدى إجرام هذا المجرم عاطف ومن كان معه».

القانون السوري أساس المحاسبة

في الشق القانوني تحدثت «الشرق الأوسط» مع المحامية نهى المصري التي أوضحت أن الأساس القانوني لتوجيه الاتهامات في هذه القضية يستند إلى نصوص القانون السوري، بينها القانون رقم 16 لعام 2022، إضافة إلى مواد في قانون العقوبات السوري والمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013. ويمكن توصيف الأفعال المرتكبة في درعا خلال مارس 2011 قانونياً باعتبارها «جرائم ضد الإنسانية» في المفهوم الدولي للتعريف، نظراً لكونها «ارتُكبت بشكل واسع ومنهجي ضد المدنيين»، وفق المحامية نهى المصري.

كما أشارت المصري إلى أن القانون الدولي العرفي يعتبر القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي جرائم ضد الإنسانية عندما تُمارس بصورة منظمة، حتى لو لم يرد المصطلح نفسه بشكل صريح في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، مع فارق أن الأخير هو المعتمد في المحاكمات التي تجري حالياً.

جنرال سوري سابق يدخل قاعة محكمة فيينا الإقليمية في النمسا حيث يحاكَم وضابط شرطة سوري كبير بتهمة تعذيب معارضي نظام بشار الأسد (أ.ف.ب)

وتضيف أن المسؤولية الجنائية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى كل من خطط أو أمر أو أشرف أو تغاضى عن الانتهاكات رغم علمه بها وقدرته على منعها، مؤكدة أن مبدأ «مسؤولية القيادة» وهرمية اتخاذ القرار، يُعَد من المبادئ المستقرة في القانون الدولي الإنساني.

وترى المصري أن شهادات الضحايا والفيديوهات والتقارير الطبية والوثائق الرسمية تشكّل بمجملها ملفاً متكاملاً يمكن أن يؤسس لمحاكمة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، تصاغ بقية المحاكمات على ضوئها.

وتؤكد المحامية أن القانون السوري يتيح للضحايا الادعاء الشخصي والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الجسدية والنفسية والمادية والمعنوية، مشيرة إلى أن تقوية ملف الإثبات تتطلب مطابقة الشهادات مع الفيديوهات، والوثائق والتقارير الطبية والحقوقية.

المحاكمة... اختبار العدالة

شكّل اعتقال عاطف نجيب في يناير (كانون الثاني) 2025 نقطة تحول مفصلية في مسار العدالة الانتقالية، ليكون أول مسؤول أمني رفيع يخضع للتحقيق في هذه القضية.

ففي الجلسة الإجرائية المنعقدة في 26 أبريل (نيسان) 2026، مثَل نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل بدمشق لتثبيت حضور الأطراف، فيما عقدت جلسة توجيه لائحة الاتهام في 10 مايو (أيار) 2026، تلا القاضي فخر الدين الأريان لائحة اتهامات ثقيلة شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل العمد والتعذيب والإخفاء القسري، وإعطاء أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، والمسؤولية عن تعذيب أطفال درعا.

وخلال الاستجواب، تمسك نجيب بالإنكار التام، مدعياً أنه لم يأمر بإطلاق النار أو اعتقال الأطفال، محاولاً إلقاء اللائمة على أجهزة المخابرات الجوية والأمن العسكري وأمن الدولة، متذرعاً بأن فرعه لا يملك صلاحية الاحتجاز لأكثر من 24 ساعة، وأنه أقيل في 22 مارس 2011. ورغم إنكاره المستمر، تقف شهادات الضحايا مثل نايف وسامر والوثائق الحقوقية كجدار صلب يفنّد محاولاته للتنصل من مسؤوليته.

وبين شهادات الأطفال الذين تحولوا لاحقاً إلى شهود على بداية الثورة، ثم شهود في المحكمة، ومحاولات المتهم التنصل من مسؤوليته، تبدو محاكمة عاطف نجيب اليوم أكثر من مجرد قضية جنائية، بل اختباراً لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، ولقدرة الدولة الجديدة على التعامل مع إرث سنوات طويلة من القمع والانتهاكات.


بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
TT

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)

بعد أكثر من شهر على نيلها ثقة البرلمان، في 14 مايو (أيار) 2026، لا تزال حكومة علي الزيدي غير مكتملة التشكيل، فما يقرب من 10 حقائب وزارية لم تُحسم بعد، من بينها وزارتان تحتلان موقعاً محورياً في بنية الدولة العراقية، هما الداخلية والدفاع.

وفي بلدٍ كثيراً ما تولد فيه الحكومات بعد مفاوضات طويلة بين الأحزاب، والكتل البرلمانية، وشبكات النفوذ، والقوى الإقليمية، قد يبدو هذا البطء مألوفاً، غير أن هذا الانطباع لا يصح إلا ظاهرياً؛ فعدم اكتمال التشكيلة الحكومية لا يعكس الصعوبات المعتادة المرتبطة بتقاسم المناصب فحسب، بل يكشف، قبل كل شيء، أن التسويات التي أتاحت وصول علي الزيدي إلى السلطة لم تُفضِ بعد إلى توازن حكومي حقيقي.

وبذلك، يتمتع رئيس الوزراء بشرعية برلمانية، لكنه لا يسيطر بصورة كاملة على جهازه التنفيذي. وحكومته قائمة قانونياً، لكنها تبقى ناقصة سياسياً. ولم تعد المسألة الأساسية تتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، بل في هامش المناورة الذي سيُمنح له لتنفيذ برنامجه السياسي والاقتصادي والأمني.

فهل سيكون علي الزيدي مجرد مدير لتسوية أبرمتها القوى الرئيسية داخل المعسكر الشيعي، أم سيتمكن تدريجياً من تحويل هذه التسوية إلى رافعة حقيقية للعمل السياسي، واستعادة جزء، ولو محدود، من قدرة الدولة العراقية على المبادرة؟

في هذا السياق، تكتسب الزيارة التي يُفترض أن يجريها علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف يوليو (تموز) أهمية خاصة؛ فهذه الزيارة تتجاوز بكثير إطار زيارة دبلوماسية تقليدية. وإلى جانب الملفات الاقتصادية والطاقة والقضايا الأمنية التي أُعلن أنها ستكون محور النقاش، فإنها ستمثل أول اختبار حقيقي لولايته الحكومية، كما ستتيح تقييم قدرته على تعزيز شرعيته الدولية، وتوسيع هامش استقلاليته إزاء القوى السياسية التي أوصلته إلى السلطة، وكذلك تحديد طبيعة علاقته بالإدارة الأميركية، في وقت تبدو فيه أولويات واشنطن في العراق آخذة في التغير.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

العراق في معادلة إقليمية جديدة

استوقفت كثيرين المفاجأة الاستراتيجية التي فجّرتها طهران، وغيرت بعض موازين القوى في المنطقة، وتمثلت في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإدخال تغيير مقلق على القانون الدولي عبر فرض ما سمته «حقها في السيطرة».

وقد أتاح الاتفاق المرحلي الذي جرى التوصل إليه بين واشنطن وطهران وقفاً لإطلاق النار، وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات المقبلة. ومن المرجح أن يقلل هذا الاتفاق من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة على المدى القصير، لكنه لا يحل أياً من الملفات الأساسية التي لا تزال موضع خلاف عميق بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، بل إن المنافسة بينهما تميل، على العكس، إلى الانتقال نحو ساحات لا تزال مصالحهما تتقاطع فيها، ويأتي العراق في مقدمتها.

بالنسبة إلى بغداد، ينطوي هذا التطور على مفارقة واضحة. فمن جهة، قد يتيح الانفراج النسبي بين واشنطن وطهران لحكومة علي فالح الزيدي هامشاً إضافياً لمواصلة إصلاحاتها، من دون أن تتحمل بصورة مباشرة تداعيات أي تصعيد إقليمي. ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا الانفراج نفسه إلى نقل ساحة التنافس بين القوتين إلى داخل المؤسسات العراقية، بحيث تصبح الدولة العراقية هي ميدان الصراع الرئيسي.

إضافة إلى ذلك، يعيد الاتفاق بين واشنطن وطهران فتح الملف العراقي على جبهات جيوسياسية أخرى.

فمن المتوقع أن تعمل دول الخليج على تسريع استراتيجياتها الرامية إلى ترسيخ مصالحها الإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بالعراق وسوريا ولبنان. وفي الوقت نفسه، ستسعى تركيا، تحديداً عبر استراتيجيتها الجيوسياسية في مجالي الطاقة والربط اللوجستي، إلى تعزيز موقعها في العراق. أما الصين وروسيا، فستحاولان بدورهما تثبيت حضورهما فيما تعدانه «الجبهة الجنوبية» للهجوم الأميركي ــ والغربي عموماً ــ في الفضاء الأوراسي، أي إيران (إلى جانب الجبهة الغربية المتمثلة بأوكرانيا، والجبهة الشرقية المتمثلة بتايوان) وما يحيط بها من فضاءات اتصال وامتداد.

ومن المفترض أن يتمكن العراق من الاستفادة من هذه المنافسة الجديدة على النفوذ الإقليمي، ولا سيما من خلال جذب الاستثمارات الاقتصادية، والحصول على دعم أكبر لمسار التطبيع والاندماج الإقليمي.

وسوف ينعكس هذا التحول الجيوسياسي، بصورة حتمية، على موقع العراق داخل التنافس القائم بين واشنطن وطهران. فعلى امتداد ما يقرب من عقدين، قام النظام السياسي العراقي على توازن ملتبس؛ فلا هو محمية أميركية، ولا تابع مطلق لإيران، بل فضاء مفتوح للتفاوض الدائم بين التأثيرات الخارجية، والنخب المحلية، والأحزاب الطائفية، والفصائل المسلحة، والمؤسسات الهشة، والاقتصاد الريعي.

وأتاح هذا النموذج، رغم هشاشته، قدراً من الاستقرار النسبي طوال سنوات، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأنه يدخل اليوم مرحلة جديدة، يُفترض أن تتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

تحول في السياسة الأميركية

يبدو أن إدارة ترمب لم تعد مستعدة للقبول الكامل بالمنطق الضمني الذي حكم الملف العراقي خلال السنوات الماضية، والقائم على نوع من الإدارة المشتركة، المباشرة أو غير المباشرة، بين واشنطن وطهران.

فالرسائل التي صدرت حتى الآن تشير إلى توجه أميركي يقوم على إرساء نفوذ طويل الأمد، يستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية نفسها، بحيث يؤدي هذا التعزيز، عبر أدوات تكنوقراطية، وربما أيضاً من خلال قدر أكبر من الحياد الآيديولوجي، إلى ترجيح كفة المصالح الوطنية العراقية، لا سيما الاقتصادية منها، على حساب النفوذ الإيراني.

ويبدو أن عدداً من المسؤولين داخل الإدارة الأميركية يتبنون هذه الرؤية؛ إذ يؤكدون أن العراق يمكنه أن يتحرر تدريجياً من اعتماده على الدعم الإيراني إذا ما استعادت مؤسسات الدولة العراقية مصداقيتها وفاعليتها.

وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب العسكري الأميركي، المقرر في سبتمبر (أيلول) 2026، تبدو المقاربة الأمنية البحتة غير كافية لمعالجة الوضع العراقي، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن عمليات استهداف قادة الفصائل المسلحة وبناها التنظيمية، التي استمرت بصورة متكررة منذ عام 2020، لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.

ومن بين أبرز المدافعين عن هذا التوجه يبرز توم برّاك، الذي يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المقاربة. فهو السفير الأميركي لدى تركيا، وأحد المقربين من دونالد ترمب، كما يُعرف بعلاقته الوثيقة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان واحد أبرز المدافعين عن فاعلية النظم المركزية (بل حتى التسلطية) في أحداث انتقال، وهو اليوم أحد أبرز الفاعلين في الملفين السوري والعراقي.

وينتمي برّاك إلى المدرسة الكلاسيكية التي ترى أن أي نفوذ مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم من دون دول مركزية تتمتع بحد أدنى من المصداقية السياسية والمؤسساتية. من هنا، يدعم برّاك في سوريا مساراً براغماتياً لتطبيع العلاقات مع الحكم الجديد في دمشق، بينما ينعكس الأمر في العراق في اهتمام خاص بتعزيز دور بغداد، من دون إغفال أهمية أربيل ومكانتها.

لهذا السبب ينبغي فهم إعادة تنشيط عدد من الملفات خلال الفترة الأخيرة؛ فالمساعي الرامية إلى تخفيف التوتر بين بغداد وأربيل، والرغبة في تشجيع تنسيق أوثق بين بغداد ودمشق، وكذلك الاهتمام المتجدد ببعض المشاريع الإقليمية، لا تعكس مجرد اعتبارات دبلوماسية، بل تندرج جميعها ضمن منطق واحد، يتمثل في تعزيز قدرة الدولة العراقية تدريجياً على استعادة دورها بوصفها الفاعل المركزي في التوازنات الإقليمية. وسيؤدي التوصل إلى تسوية للخلافات المزمنة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ــ سواء فيما يتعلق بالموازنة، أو صادرات النفط، أو إدارة موارد الطاقة، أو توزيع الصلاحيات ــ إلى تعزيز موقع بغداد، ومن ثم إلى تقوية موقع علي الزيدي نفسه.

وينطبق المنطق نفسه على العلاقات بين بغداد ودمشق؛ إذ يبدو أن السلطات الأميركية (تحت تأثير برّاك) باتت تفضل اليوم قيام تنسيق براغماتي بين العاصمتين، ليس انطلاقاً من تأييدها للسلطة السورية الجديدة بقدر ما ينبع ذلك من رغبتها في تحقيق الاستقرار في منطقة حدودية أصبحت ذات أهمية بالغة للأمن الإقليمي.

فلا تزال الحدود العراقية - السورية تمثل رهاناً استراتيجياً رئيسياً في مكافحة الجماعات المسلحة، وعمليات التهريب، وشبكات العبور غير الشرعي، لكنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تستعيد دورها فضاءً للتبادل الاقتصادي ولحركة الطاقة إذا ما توفرت الظروف السياسية المناسبة.

وفي هذا السياق، تستعيد فكرة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك – بانياس أهمية خاصة؛ فهذا المشروع لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يحمل أيضاً دلالات جيوسياسية عميقة، ومن شأنه أن يوفر للعراق منفذاً إضافياً لتصدير نفطه عبر البحر الأبيض المتوسط، بما يقلل، ولو جزئياً، من اعتماده على المسارات الحالية التي تمر عبر الخليج أو تركيا.

والأهم من ذلك أنه سيجسد عودة العراق إلى أداء دوره التاريخي بوصفه حلقة وصل بين الخليج والمشرق العربي والبحر الأبيض المتوسط. ورغم أن هذا المشروع، وحده، لن يكون كفيلاً بحل الأزمة الاقتصادية العراقية، فإنه يعبّر عن إرادة لإعادة تموضع العراق في قلب الديناميات الإقليمية، بدلاً من بقائه مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية.

الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

الحكم في ظل القيود المالية

غير أن هذا الأفق شديد الهشاشة، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الداخلي؛ فحكومة علي الزيدي ورثت أوضاعاً مالية متدهورة. وتقلصت هوامش حركة الدولة بصورة كبيرة نتيجة الالتزامات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في عهد حكومة محمد شياع السوداني. وباتت كتلة الرواتب في القطاع العام، والإنفاق الاجتماعي، والديون الداخلية، والالتزامات المالية المختلفة، تستنزف جزءاً كبيراً من موارد الدولة.

يضاف إلى ذلك ما يحيط بصادرات النفط من صعوبات؛ فالمفاوضات مع تركيا بشأن استئناف التصدير عبر ميناء جيهان لم تحسم بعد، ما يحرم العراق من جزء مهم من إيراداته النفطية. وقبل اندلاع هذه الأزمة، كانت الصادرات عبر هذا الخط تبلغ مئات الآلاف من البراميل يومياً.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد ظرف اقتصادي عابر أو وضع مالي مؤقت، بل تكشف الحدود البنيوية للنموذج السياسي والاقتصادي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003؛ فقد تحولت الدولة العراقية تدريجياً إلى آلية واسعة لإعادة توزيع الريع النفطي. وأصبحت رواتب الموظفين، ومعاشات التقاعد، والإعانات الاجتماعية، والعقود الحكومية، والشركات العامة، وشبكات المقاولات الثانوية، تشكل الأدوات الأساسية التي يجري من خلالها تنظيم التوازنين السياسي والاجتماعي.

وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد ضمان دفع الرواتب بصورة منتظمة مجرد قضية تتعلق بالإدارة المالية أو بالموازنة العامة، بل أصبح قضية جوهرية تتصل باستقرار النظام السياسي نفسه. ويعتمد بصورة مباشرة على المالية العامة ما يقرب من 5 ملايين موظف حكومي، يضاف إليهم ملايين المتقاعدين والمستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا النظام قد يؤدي سريعاً إلى انفجار توترات اجتماعية واسعة، ويزيد من هشاشة حكومة تواجه أصلاً تحديات سياسية متعددة ومتزامنة.

أما الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، فتظل محدودة؛ فقد يوفر إصدار السندات الحكومية سيولة مالية مؤقتة، لكنه لن يعالج الاختلالات البنيوية العميقة، كما أن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يبقى مقيداً بضعف السيولة المتوافرة داخل الاقتصاد العراقي.

ويبقى خيار الاستعانة بالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي قائماً، غير أنه سيقترن بشروط صارمة، من بينها إصلاح الشركات العامة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة المالية العامة، والحد التدريجي من بعض أشكال الدعم الحكومي.

وقد تسهم هذه الإجراءات في طمأنة الشركاء الدوليين، لكنها تحمل في المقابل مخاطر تغذية حالة من الاستياء الاجتماعي في بلد لا تزال الدولة فيه تمثل صاحب العمل الأكبر، كما تمثل شبكة الأمان الأساسية التي تمتص آثار الأزمات الاقتصادية.

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غربي مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

الفصائل بين المأسسة وإعادة التشكل

ترتبط الأزمة الاقتصادية في العراق ارتباطاً وثيقاً بالمسألة الأمنية؛ لأن الدولة لم تعد مجرد دولة ريعية توزع عوائد النفط، بل أصبحت فضاءً تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع شبكات سياسية وإدارية واقتصادية وعسكرية متشابكة، تتغذى جميعها، بدرجات متفاوتة، من الريع العام. ومن هنا، لم تعد الفصائل المسلحة تستمد قوتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من عملية مأسسة طويلة شهدتها خلال العقدين الماضيين، جعلتها تمتلك امتدادات داخل البرلمان والسلطة التنفيذية، وحضوراً في أجهزة الإدارة العامة، وموارد مالية، وشبكات ومكاتب اقتصادية، ومكاتب حماية للعمل مع الشركات النفطية، ووسائل إعلام، ومنظمات اجتماعية، فضلاً عن بعض «الشرعية» التي اكتسبها عدد منها خلال الحرب ضد تنظيم «داعش».

وبذلك، فإن النظر إلى هذه الفصائل بوصفها مجرد جماعات مسلحة تقف خارج الدولة لم يعد يعكس الواقع العراقي كما تشكل بعد عام 2003؛ لهذا، فإن التداخل بين الدولة والفصائل لم يعد مجرد اختراق لمؤسسات الدولة، بل أصبح جزءاً من طريقة اشتغالها نفسها.

وهذا الواقع يدعو أيضاً إلى تجاوز تبسيط آخر كثيراً ما يتكرر في الأدبيات الغربية، وهو اختزال هذه الفصائل في كونها «أذرعاً إيرانية»؛ فليست جميعها على الدرجة نفسها من القرب من طهران، ولا تتمتع بالمستوى نفسه من الارتباط السياسي أو العسكري بها؛ فبعضها يمتلك هامشاً معتبراً من الاستقلالية، ويضع حساباته العراقية في المقام الأول، بينما يبقى بعضها الآخر أكثر اندماجاً في الشبكات الإقليمية لطهران؛ ولذلك يبدو أدقّ الحديث عن «فصائل عراقية قريبة من إيران» بدلاً من اختزالها في كونها مجرد امتدادات مباشرة لها؛ لأن هذا الاختزال يحجب التحولات التي عرفتها هذه التنظيمات داخل المجتمع والدولة العراقيين.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لفهم النقاشات الدائرة اليوم حول مستقبل الفصائل؛ إذ يبدو أن قسماً منها أصبح مستعداً لبحث إعادة تنظيم وضعه بصورة تدريجية، بينما لا تدور المفاوضات القائمة مع الحكومة حول نزع السلاح بصورة فورية، بقدر ما تتمحور حول تعميق اندماج هذه التنظيمات داخل «هيئة الحشد الشعبي»، وإقامة فصل أوضح بين النشاط السياسي والقيادة العسكرية.

وفي المقابل، تبدي تنظيمات أخرى، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء»، تحفظاً أكبر تجاه أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تقليص هامش استقلالها أو إعادة تعريف علاقتها بالدولة.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى واقعية الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فهل يمكن فعلاً الفصل بين السياسة والسلاح، بينما كلاهما يتحرك ضمن البنية المؤسسية نفسها؟ وهل يمكن تطبيق نماذج تقليدية لنزع السلاح، وإعادة الإدماج على تنظيمات لم تعد تقف خارج الدولة؟

واليوم، لم تعد الفصائل تدافع عن ترساناتها العسكرية، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخل الدولة، وعن حصتها من الموارد العامة، وعن شبكاتها الاقتصادية، وعن جمهور اجتماعي بات يعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ما توفره من وظائف، ورواتب، وخدمات، ورعاية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتسبين إليها يتراوح بين 200 ألف و300 ألف عنصر، وهو رقم يعني، مع احتساب أسرهم، أن ملايين العراقيين أصبحوا مرتبطين بهذه المنظومة بدرجات مختلفة؛ ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة هيكلتها أو تقليص دورها سيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغوط أميركية تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ونفوذ إيراني يسعى إلى الحفاظ على جزء من منظومة الردع الإقليمية، ومصالح محلية واسعة أصبحت ترى في استمرار هذه الفصائل ضماناً لمواقعها الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل هذا التداخل، لم يعد السؤال: كيف يمكن نزع سلاح الفصائل؟ بل كيف يمكن إعادة بناء دولة؟

الزمن بوصفه عنصراً في ميزان القوى

يضاف إلى هذا التعقيد المؤسسي بعدٌ آخر غالباً ما يجري التقليل من أهميته، هو العلاقة بالزمن. فالولايات المتحدة تفكر عادة وفق أفق زمني سياسي قصير نسبياً، تحكمه مدة الولاية الرئاسية، والبحث عن نتائج سريعة، والاستحقاقات الدبلوماسية القريبة.

أما الفصائل العراقية القريبة من إيران، شأنها شأن طهران نفسها، فتتحرك ضمن أفق زمني مختلف تماماً؛ فهي تعرف كيف تنتظر، وكيف تؤجل اتخاذ القرارات، وكيف تستوعب الضغوط، وتكثر من الوساطات، وتحول الزمن نفسه إلى مورد سياسي.

وفي العراق، يشكل الزمن في حد ذاته أحد عناصر ميزان القوى؛ فالفاعلون الأكثر رسوخاً هم الذين يعرفون كيف يصمدون أمام تغير الحكومات، والعقوبات الدولية، وتبدل التوازنات السياسية، والأزمات الإقليمية.

وهذه القدرة على العمل بمنطق الزمن الطويل تفسر لماذا أسفرت المحاولات المتعاقبة لإعادة هيكلة المجال الأمني عن نتائج متواضعة؛ فالقوى المحلية تدرك أن موازين القوى الدولية تتغير بوتيرة أسرع كثيراً من تغير التوازنات الداخلية العراقية. كما تساعد هذه الفوارق الزمنية على فهم الكيفية التي جرى بها تلقي الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل داخل جزء مهم من المشهد السياسي العراقي.

فقد ترسخ تدريجياً لدى شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين الاعتقاد بأن إيران خرجت من هذه المواجهة وهي أكثر قوة من الناحية السياسية، ولا يعني ذلك أن طهران لم تتكبد خسائر، أو أنها لم تتعرض لضغوط كبيرة، بل يعني ببساطة أن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يُدفع إلى هامش المعادلة الإقليمية. وبالنسبة إلى كثير من حلفائه، فإن مجرد قدرته على الصمود قدمت شكلاً من أشكال «الانتصار السياسي».

وتؤثر هذه القراءة بصورة مباشرة في سلوك الفصائل العراقية الأقرب إلى طهران؛ فكثير منها يطرح اليوم سؤالاً بسيطاً: إذا كانت إيران نفسها قد حافظت على قدراتها الإقليمية، فلماذا تقدم الفصائل، داخل العراق، تنازلات؟

عناصر من "الحشد الشعبي" يجرون تمريناً تعبوياً في أحد المعسكرات (إعلام الهيئة)

هل هناك عقيدة أميركية جديدة؟

في المحصلة، لا تسمح المرحلة الراهنة بعدُ بالقول إن ثمة عقيدة أميركية جديدة، واضحة المعالم، قد تبلورت تجاه العراق، غير أن جملة من المؤشرات توحي بأن جزءاً من الإدارة الأميركية بات يرى أن الحد من النفوذ الإيراني لا يمر، عبر المواجهة المباشرة مع طهران، بل عبر تعزيز تدريجي لمصداقية الدولة العراقية وقدرتها على العمل.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع العراقي الآنف الذكر، كما أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران والعراق يتحرك وفق إيقاع زمني مختلف.

وسيجد علي الزيدي نفسه مضطراً إلى مواجهة مجموعة من التحديات المتزامنة. ففي الوقت نفسه، عليه أن يعمل على استعادة التوازن في المالية العامة، وأن يحافظ على التسويات السياسية القائمة، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، وأن يوازن علاقات بغداد بكل من أربيل ودمشق، وأن يحافظ على حوار بنّاء مع واشنطن، من دون أن يؤدي ذلك كله إلى إعادة إنتاج حالة الاستقطاب الداخلي.

لذا، فإن تحدي الحكومة الجديدة اليوم ليس في نجاحها في إدارة شؤون البلاد، بل في معرفة ما إذا كان العراق قادراً، على إعادة بناء دولة أكثر مصداقية، ضمن التوازنات السياسية القائمة التي وفرت قدراً من الاستقرار النسبي.

وفي هذه المنطقة الفاصلة، بين الإصلاح والاستمرار، وبين سلطة الدولة وسلطة شبكات النفوذ والهيمنة، وبين الإيقاعات الوطنية والإقليمية المختلفة، سيتحدد، على الأرجح، مستقبل العراق السياسي خلال السنوات المقبلة.

*باحث في الأنثروبولوجيا السياسية

المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي


بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
TT

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)

فتحت الفيضانات التي ضربت شمال وشرق سوريا مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة إضافة إلى زيادة تدفق المياه الواردة من تركيا، الباب من جديد أمام تساؤلات حول أزمة المياه في سوريا والعراق، وما إذا كانت تركيا تستخدم نهري دجلة والفرات ورقة ضغط سياسية وأمنية.

تتمحور أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا حول تقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، وتركيا هي دولة المنبع التي تسيطر على الروافد الرئيسية، وتسببت سياساتها المائية وتوسعها في إنشاء السدود على النهرين في التأثير الشديد على التدفقات المائية وتفاقم الجفاف وانخفاض مناسيب المياه إلى مستويات شبه كارثية، لا سيما في العراق الذي ضربته موجة جفاف لم يشهدها منذ أكثر من 80 عاماً.

وتتمسك تركيا بأن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وأن من حقها إدارة مواردهما بناءً على سيادتها الإقليمية، بينما يطالب العراق وسوريا بتصنيفهما نهرين دوليين، واعتماد معايير التقاسم العادل والقوانين الدولية وفقاً للاتفاقيات التاريخية الموقعة، كمعاهدة لوزان 1923، وبروتوكولات التعاون المشترك.

سوء إدارة أم استنزاف موارد؟

واجهت تركيا اتهامات بتوظيف المياه ورقة ضغط ضد العراق وسوريا لأسباب أمنية تتعلق في الأساس بنشاط حزب «العمال الكردستاني» وامتداداته الموجودة على أراضي البلدين، والتي تطورت إلى التدخل العسكري عبر عمليات جوية وبرية في البلدين الجارين خلَّفت وجوداً عسكرياً تركياً، لطالما كان مثار خلاف بين أنقرة وبغداد على وجه الخصوص.

وتتمحور الأزمة حول قضايا رئيسية عدة، أهمها مشروع «جنوب شرقي الأناضول» لتنمية مناطق شرق وجنوب شرقي تركيا، والذي أقامت خلاله تركيا سدوداً وخزانات ضخمة، من أبرزها سدود أتاتورك، وكيبان، وإليسو، بهدف تنظيم الري وتوليد الطاقة، ما أدى إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي الممر والمصب، سوريا والعراق، بشكل كبير.

أدى شح المياه إلى جفاف شديد في العراق خلال عام 2025 لم يسبق له مثيل منذ 80 عاماً (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الأمر بشكل سلبي جداً على العراق تحديداً، حيث أدى شح المياه إلى أزمة حادة في القطاع الزراعي، وتقلص المساحات الزراعية، وتضرر الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى اندلاع أزمات اجتماعية واضطرابات بيئية متكررة.

كذلك أثر انخفاض التدفقات، بشكل مباشر، على توليد الطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب لملايين الأشخاص، وزيادة مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في سوريا في فترات الجفاف.

وجرت محاولات دبلوماسية بين الحين والآخر؛ لتسوية الخلافات، حيث تم التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة ومذكرات تفاهم ثنائية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، لضمان تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الحيوية لكل دولة، أو الاعتماد في بعض فترات الجفاف الشديد على إقناع تركيا بزيادة التدفقات، في ظل تمسكها بأنها دولة فقيرة مائياً، وإصرارها بأن الأزمة في العراق نابعة من سوء إدارة محلية واستغلال للموارد وليس بسبب سدودها.

وغالباً ما شكلت المياه في بلاد ما بين النهرين عنصراً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، إلى عامل مؤسس للحضارة أو مصدر للصراع، وأحياناً مفتاح لإعادة البناء والتنمية المشتركة، كما انعكس في توقيع العراق وتركيا اتفاقية إطارية في مجال المياه والتنمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ما يجمعه دجلة يفرّقه الفرات

بحسب الكاتب الباحث التركي المتخصص في شؤون المياه، بيلجاي دومان، برزت هذه الاتفاقية، التي لم يكشف الطرفان عن بنودها بالكامل بعد، باعتبارها تطوراً مهماً، ليس فقط في العلاقات بين أنقرة وبغداد، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة الموارد المشتركة في الشرق الأوسط.

ولفت دومان إلى أنه مع نشوء تركيا والعراق وسوريا، أصبح تنظيم استخدام الموارد ضرورة سياسية وقانونية، لكنه في الوقت ذاته تحوّل إلى ملف خلافي دائم، وبينما أصبح نهر الفرات قضية ثلاثية، بات نهر دجلة محوراً أساسياً للعلاقات التركية - العراقية.

فيضانات الفرات أغرقت مساحات شاسعة من الأراضي في دير الزور في شمال شرقي سوريا مطلع يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وجرت محاولات مبكرة للتوصل إلى تفاهمات حول تقسيم الحصص، كاتفاقية أنقرة عام 1921 واتفاقية 1946 بين تركيا والعراق، اللتين وضعتا أسس تقنية للتعاون، شملت تبادل البيانات والسيطرة على الفيضانات.

ولاحقاً، جاءت الاتفاقية السورية - التركية عام 1987، وهي اتفاقية مؤقتة لتقاسم مياه نهر الفرات بين سوريا وتركيا خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك والتي امتدت إلى 5 سنوات.

ووقّعت الاتفاقية في 17 يوليو (تموز) 1987، ونصت على تعهد الجانب التركي بأن يوفر معدلاً سنوياً يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية - السورية بشكل مؤقت إلى حين الاتفاق على التوزيع النهائي لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاث على ضفتيه.

وفي 17 أبريل (نيسان) 1989، وقعت سوريا والعراق اتفاقية تنص على أن تكون حصة العراق الممررة له من الحدود السورية 9.106 مليار متر مكعب، وحصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة.

وسجلت سوريا اتفاقيتها مع تركيا في الأمم المتحدة عام 1994 لضمان الحد الأدنى من حقها وحق العراق في مياه الفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

المياه مقابل «العمّال الكردستاني»

مع تزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، والضغط على الأكراد في سوريا، ودفع العراق إلى اتخاذ موقف من حزب «العمال الكردستاني» وتصنيفه منظمة إرهابية، تم تحديد مبادئ عدم الضرر والعدالة في التوزيع ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه، وضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة.

مسلحون من «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

وعززت هذه الاتفاقية الموقف القانوني للعراق وسوريا في مواجهة تركيا، باعتبارهما دولتين تضمان أراضي واسعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، ولذلك كانت سوريا من أولى الدول التي صادقت عليها فور إعلانها، لكن تركيا لم تنضم إليها؛ لأنها رأت فيها إضراراً بمصالحها وحقوقها المائية، وصوتت ضد اعتمادها.

ولم تلجأ سوريا، التي يروي الفرات أكثر من 640 ألف هكتار من أراضيها، إلى التحكيم الدولي للحصول على حقوقها المائية من تركيا؛ لأن القانون الدولي لا يزال غير حاسم في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن القانون الدولي يشترط موافقة طرفي النزاع على الذهاب للتحكيم.

وتسبب الدعم السوري لحزب «العمال الكردستاني»، والسماح لمسلحيه باستخدام شمال سوريا كقاعدة خلفية لعملياتهم، في أن اتجهت تركيا للتعنت أكثر وربطت هذا الدعم بالخلافات المائية.

وعقدت عام 1993 جولة مفاوضات تركية - سورية في أنقرة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول حصص المياه، لم تصل إلى نتيجة مختلفة عن اتفاقية عام 1987، المؤقتة التي ارتبطت بفترة ملء بحيرة أتاتورك فقط.

وشهدت الفترة نفسها توقيع اتفاقية تنمية مشتركة بين سوريا وتركيا على نهر العاصي، الذي ينبع من أعالي سهل البقاع في لبنان، وكانت تركيا قد استُبعدت من تقاسمه مع سوريا ولبنان عام 1994. وجاء تنازلها عن حصتها منه بمثابة ثمن زهيد دفعته مقابل استفادة أكبر من نهر الفرات، فلم يكن يصل إلى ولاية هاتاي التركية سوى 10 في المائة من مياهه بعدما تكون ملوثة وغير صالحة لأي استخدام. ولعقود طويلة، اعتبر سكان الولاية الحدودية مع سوريا، والمعروفة تاريخياً بـ«لواء إسكندرون»، أن سياسات المركز جاءت مجحفة بحقهم، وأسهمت في تهميشهم وحرمانهم من مورد طبيعي نتيجة لاعتبارات سياسية وقومية ودينية.

استهدفت الفصائل السورية الموالية لتركيا سد تشرين في شرق حلب بعد سقوط نظام بشار الأسد لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة (رويترز)

الثورة السورية... فرصة تركية

بعد انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد، سارعت تركيا إلى استكمال تنفيذ مشروع قنوات مياه شانلي أورفا عام 2012، التي سمحت باستخدام المياه المحتجزة في سد أتاتورك لري السهول الحدودية مع سوريا في حرّان وماردين وجيلان بينار، وكذلك اكتمال حجز المياه في سد سيلوان عام 2011، ولم تتخذ سوريا أي خطوة مقابلة نتيجة انشغال سلطة الأسد بقمع الثورة.

وأظهر التحرك السوري في ملف المياه في مواجهة تركيا أن أهم استراتيجيتها كانت التركيز على استغلال الأمن الداخلي وتهديد «العمال الكردستاني»، الذي انتهى مع توقيع اتفاقية أضنة؛ لأن السبل الأخرى بدت غير ممكنة، بحكم قوة تركيا العسكرية وقدرتها على تعزيز موقفها من خلال التحالفات الخارجية، فضلاً عن سيطرتها على منبع نهر الفرات.

العراق: جفاف واضطرابات

كان العراق، الذي يحصل على 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا، هو الأكثر تضرراً من نقص المياه، وواجه أزمات حادة متتالية في أجزاء مختلفة من أراضيه، وبخاصة بعد بدء تشغيل سد إليسو، الذي بني في أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا، عام 2020، والسدود الأخرى التي بنيت على روافد أصغر، ووصلت التوترات إلى ذروتها مع تركيا بشأن هذه المسألة.

يقول خبراء إن إقامة سد إليسو ضمن مشروع تنمية جنوب شرقي تركيا أثر سلباً على حصة العراق من مياه دجلة وخفضها بنسبة 60 % (موقع ولاية بطمان التركية)

وأدت قضايا بيئية أخرى، مثل قطع الأشجار في شمال العراق وسط حملة عسكرية تركية ضد مسلحي «العمال الكردستاني»، إلى تفاقم التوترات مع أنقرة، ولم تسفر الجهود المبذولة للضغط على الحكومة التركية عن أي تغير بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إليسو قليلاً، أي ترحيل المشكلة قليلاً بدلاً من حلها.

وفي صيف عام 2018، تسبب تضاؤل موارد المياه إلى جانب التلوث في نفوق الأسماك في نهر الفرات، وتحول نقص المياه إلى أحد الأسباب الرئيسية للاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات التي تلت ذلك، وصولاً إلى ذروة الجفاف في 2025 على نحو غير مسبوق منذ 80 عاماً.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه نهر دجلة إلى ما يقرب من 60 في المائة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء.

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا العراق إلى عدم استخدام ملف المياه ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، وطالب بالتوصل إلى رؤية إقليمية مشتركة تعتمد على توزيع عادل للمياه العابرة للحدود، منوهاً في الوقت نفسه بوجود تقدم في المفاوضات وعمل اللجان المشتركة مع الجانبين التركي والإيراني.

وحافظ البلدان، على الرغم من ذلك، على علاقات إيجابية، تطورت بشكل كبير في ظل رئاسة محمد شياع السوداني للحكومة العراقية، حيث تم التوصل إلى تفاهمات أمنية واقتصادية وتجارية وفي ملفات المياه والطاقة، والتركيز على التعاون في مشروع «طريق التنمية».

وتحولت الخلافات المائية، التي ارتبطت أيضاً بالملف الأمني كما في الحالة السورية، إلى سبيل للتعاون بعدما أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» جماعة محظورة في 2024.

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان والعراق فؤاد حسين يوقعان اتفاقية آلية التعاون المائي في بغداد بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في 2 نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

«طريق التنمية» يمرّ بالسياسة

في 2 نوفمبر 2025، وقّع وزيرا الخارجية التركي، هاكان فيدان، والعراقي، فؤاد حسين، «وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي» كآلية لتنفيذ اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه الموقعة في عام 2024 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العراق.

ورسمت الاتفاقية إطار التعاون المائي في مشروعات تُقدر بمليارات الدولارات، وبموجبها ستقوم شركات تركية بإنشاء بنية تحتية جديدة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتخزينها في العراق، ويتم تمويل هذه المشاريع من عائدات النفط العراقي، في محاولة لتحويل صادرات البلاد من النفط الخام إلى أمن مائي.

وحسب ما رشح عن الاتفاقية، التي لم يعلن الجانبان بنودها، تشمل المشاريع الأولية سدوداً لتجميع المياه ومبادرات لاستصلاح الأراضي.

ووصفت أنقرة هذه المبادرة بأنها مفيدة للطرفين من حيث تحقيق الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مراسم التوقيع: «نحن في تركيا حريصون على دعم أمن العراق وتنميته وسلامته، ودعمنا في هذا الشأن مطلق».

ووصف حسين الاتفاقية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي والإنتاج الغذائي والاستقرار الاقتصادي، لافتاً إلى أن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تثبيت رئاسة إردوغان في 2028؟

وأثارت الاتفاقية شكوكاً ومخاوف لدى بعض السياسيين والخبراء في مجال المياه في العراق، وذهب البعض إلى أنها تخدم مصالح تركيا أكثر من العراق، كما تدعم إردوغان في سعيه إلى البقاء في رئاسة تركيا بعد عام 2028.

وتواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية، التي أعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة بمشروع «طريق التنمية» والتعاون المائي، معتبرة أنه طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا.

كما أن مسألة تخصيص إيرادات نفطية لإبرام عقود مع الشركات التركية تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية، فضلاً عن احتمال نشوء عراقيل بسبب الاعتماد على مورد واحد، هو النفط لهذا التمويل، ما يجعله عرضة للمخاطر والتقلبات حسب الأسعار في أسواق النفط العالمية.

مباحثات تركية - عراقية حول المياه والأمن وقضايا التعاون في أنقرة في 2025 (الخارجية التركية)

ويلفت بعض معارضي الاتفاقية إلى عدم وجود إطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب إطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.

وعلى الرغم من بدء عملية بين تركيا وحزب «العمال الكردستاني» لإنهاء نشاطه، فإن ملف الحزب ووجود عناصره في شمال العراق في مناطق لا تسيطر عليها حكومة بغداد، يمكن أن يتسبب في عقبة تحول دون تنفيذ الاتفاقية.

يضاف إلى ذلك أن الأمر لا يقتصر على الأوضاع الداخلية للعراق بل يمتد إلى الوضع الإقليمي، ورؤية بعض الأطراف أن تعزيز العلاقات بين العراق وتركيا قد يشكل ضغطاً عليها، وهو ما قد يحول العراق إلى ساحة للتنافس وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية.

الإرث العثماني

بحسب الكاتب التركي، بيلجاي دومان، فإن الاتفاقية تحقق مصلحة مشتركة لكل من تركيا والعراق، لافتاً إلى أن إشكالية المياه بين تركيا والعراق لم تكن وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين تحول دجلة والفرات من نهرين داخليين في كيان سياسي واحد إلى نهرين عابرين للحدود بين دول مستقلة.

لكنه أشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة في العلاقات التركية - العراقية هو التحوّل التدريجي من منطق الصراع حول تقاسم المياه إلى منطق إدارة المنفعة المشتركة، وإعادة صياغة شاملة لكيفية فهم الموارد العابرة للحدود على أنها أداة دافعة للتكامل، لا مصدر دائم للتوتر.

إردوغان ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني خلال توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع طريق التنمية في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التركية)

وأوضح أن الملمح الجديد الأبرز في الاتفاقية يتمثل في الربط العضوي بين ملفي المياه والطاقة، حيث تستخدم عائدات النفط الذي تستورده تركيا من العراق في تمويل مشاريع مائية داخل الأراضي العراقية، وهي مشاريع تنفذها شركات تركية متخصصة في مجالات السدود، وشبكات الري الحديثة، ومعالجة المياه، والحد من الهدر، وبذلك يجرى تجاوز أحد أهم عوائق التنمية في العراق، وهو نقص التمويل، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو شروط مؤسسات مالية دولية.

وأضاف دومان، في مقال عبر منصة «فكر تورو» التركية، أن هذا النموذج يمنح تركيا دوراً جديداً، لا بوصفها دولة تتحكم بمصادر المياه فحسب، بل كشريك في إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وهو ما يعزز نفوذها الإقليمي بأدوات اقتصادية وتنموية بدل الأدوات الصلبة، مع إمكانية التوسع إقليمياً؛ إذ يمكن أن يشكل مرجعاً عملياً للتعاون مع سوريا في المستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة مياه نهر الفرات، وذلك في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة، وتحول دبلوماسية المياه في المشرق من مصدر هشاشة وصراع مزمن إلى منصة لبناء الثقة والتكامل الإقليمي، من خلال الربط بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية بدل اختزالها في معادلات السيادة والصراع.

بدورها، قالت الباحثة التركية البارزة في مجال المياه العابرة للحدود، الدكتورة توبا إيفريم مادن، لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حاجة للإدارة المشتركة القائمة على حلول تكنولوجية لموارد المياه بدلاً من الصراع أو النزاعات القانونية.

وأضافت أن مشاكل دول المصب تنتج في الغالب عن غياب الاستقرار السياسي وتدمير البنية التحتية، وبالتالي سوء استغلال الموارد وهدرها.

تركيا ليست غنية بالمياه

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن تركيا ليست دولة غنية بالموارد المائية، كما أنها ليست دولة بها الكثير من المياه في منطقتها؛ إذ تقع في منطقة مناخية شبه قاحلة، ولديها مياه أقل من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه مقارنة بجيرانها وأميركا الشمالية وشمال أوروبا الغنية بالمياه.

في البلدان الغنية بالمياه، يبلغ نصيب الفرد من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً أكثر من 10 آلاف متر مكعب، وتبلغ هذه الكمية في تركيا نحو 1350 متراً مكعباً، بحسب بيانات وزارة الخارجية التركية.

ووفقاً للتقديرات بأن عدد السكان سيصل إلى 100 مليون في عام 2030، فمن المتوقع أن تتخفض كمية المياه للفرد في تركيا إلى نحو 1000 متر مكعب، ونظراً لأن موارد المياه في تركيا تختلف جغرافياً وموسمياً، فإنها لا تستطيع تلبية الاحتياجات الحالية والمتوقعة في كل منطقة، وبمعنى آخر، بينما تتمتع بعض مناطق تركيا بموارد مائية وفيرة وغير مناسبة للاستخدام، لا توجد مياه كافية في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان.

وتتلقى المناطق القاحلة وشبه القاحلة في تركيا 4 أو 5 أشهر من هطول الأمطار سنوياً، ولذلك فإن مشاريع تطوير موارد المياه، مثل السدود والخزانات التي تسمح بتجميع المياه في أوقات المطر لاستخدامها طول العام، ذات أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

في الوقت ذاته، يزداد استهلاك الطاقة في تركيا بسبب التحضر السريع والتصنيع، ويتوافق نصيب الفرد من استخدام الطاقة في تركيا مع سدس متوسط ​​الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، ويتم تنفيذ مشاريع لاستخدام الموارد المحلية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، للاستفادة من إمكانات الطاقة المائية المتجددة والرخيصة والصديقة للبيئة.

تسببت قلة هطول الأمطار في جفاف خزانات المياه في تركيا وأثرت بشكل كبير على الزراعة في عام 2025 (إعلام تركي)

ووضع تقرير «بؤر الجفاف حول العالم 2023 - 2025»، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80 في المائة من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

ومع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي، وتقترب، بحسب خبراء أتراك ودوليين، من الوصول إلى العتبة الحرجة للفقر المائي» مع احتمالات لتصنيفها رسمياً كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

وتراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا من نحو 1650 متراً مكعباً في مطلع الألفية الثانية إلى ما دون 1300 متر مكعب حالياً، مقترباً من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنوياً، ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19 في المائة خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحدياً هيكلياً بالغ الخطورة، كما يقول خبراء المياه.

وشهدت تركيا عاماً من الجفاف الحاد في 2025، تميز بندرة الأمطار وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، وعاشت أكثر شهور ديسمبر (كانون الأول) حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50 في المائة عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

غياب الاستجابة

يرى خبراء أنه رغم تزايد التحذيرات بشأن الوصول إلى خطر الفقر المائي، فإن الاستجابة الرسمية من جانب السلطات لا تزال دون مستوى التحدي.

ونبه أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، مصطفى تشاشماز، إلى أن التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية، كما أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر مع نزايد موجات الحر، ما يتطلب حلولاً تقنية عاجلة، مثل إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقاً وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها المياه المالحة المعالجة بها.

وأشار، في الوقت ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءاً من المشكلة، بسبب استهلاك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة.

وتواجه تركيا واحداً من أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف، وتزايد مظاهر الإجهاد البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف 2025، التي بلغت نحو 3 آلاف حريق.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم في نحو 90 في المائة من مياه الفرات، وفي قسم كبير من مياه دجلة.

وخلال افتتاح مشاريع مائية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه كما يعتقد البعض، موضحاً أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 ملليمتراً، وهو ما يقل كثيراً عن المعدل العالمي.

يطالب خبراء بإيجاد حلول تكنولوجية لتقليل فائض خزانات مياه الأمطار المكشوفة في تركيا لتقليل التبخر (إعلام تركي)

ويوضح الخبراء أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35 في المائة عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

وأعلنت الحكومة التركية، مؤخراً، عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غرب البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة، وبناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لا سيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

وتتمثل الأولويات العاجلة في خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15 في المائة، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20 في المائة من الطلب الحضري، وتعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.