السعودية... 100 عام من التجربة الشورية العريقة

تقليد ملكي لافتتاح أعمال المجلس... والملك فيصل تولى رئاسته 49 عاماً

مجلس الشورى السعودي
مجلس الشورى السعودي
TT

السعودية... 100 عام من التجربة الشورية العريقة

مجلس الشورى السعودي
مجلس الشورى السعودي

الملك عبد العزيز في صورة نادرة عند إقرار أول مجلس للشورى في الدولة الناشئة

منذ بدايات الدولة السعودية الحديثة، أرسى الملك عبد العزيز ثوابت وسنّ تقاليد راسخة منها اختيار الشورى منهاجاً وركيزة من ركائز حكمه الرشيد، ففي عهده تأسس مجلس الشورى وتعدّ تلك الخطوة أولى النقلات لمأسسة ممارسات الحكم، وهي النقلة أو التجربة التي أسست لمنظومة من المؤسسات الدستورية في الدولة الناشئة.

بداية المجلس الأهلي

بدأ ذلك الحراك الدستوري في شهر رجب 1343هـ - فبراير (شباط) 1925م بتشكيل «المجلس الأهلي» برئاسة الشيخ عبد القادر الشيبي، والذي أعيد تشكيله بعد نحو ستة أشهر بمسمى «مجلس الشورى الأهلي»، وانتُخب السيد محمد المرزوقي أبو حسين رئيساً، والشيخ عبد القادر الشيبي نائباً للرئيس والشيخ محمد سرور الصبان أميناً للسر. وفي عصر يوم الثلاثاء 13 محرم 1344هـ - 5 أغسطس (آب) 1925م افتتح عظمة السلطان عبد العزيز - كما كان يسمى وقتذاك – دورة انعقاد المجلس في مقرّه بدار الحكومة (مبنى الحميدية) بمكة المكرمة، وألقى ما يمكن عدّه أول «خطاب ملكي» في مجلس الشورى، واللافت أن ذلك الخطاب جاء في جزأين: الكلمة المختصرة التي ارتجلها الملك وتضمنت توجيهاته ورؤيته لعمل المجلس، أما الكلمة الموسعة أو البيان الرسمي فألقاها المستشار حافظ وهبة، وهذا التقليد استمر العمل به أحياناً، منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وعدّ الأعضاء ذلك الخطاب الملكي «برنامج عمل» للمجلس، وقرّروا تشكيل لجان للنظر في كل الفروع التي وردت في الخطاب وبحثها ثم رفع النتائج لعظمة السلطان بعد إقرارها من المجلس، فيما يشبه الجواب على الخطاب الملكي.

اللبنة الأولى في البناء الشوري

وفي 2 ذو القعدة 1344هـ - 13 مايو (أيار) 1926م نُشر بلاغ رسمي لانتخاب المجالس الاستشارية بما فيها مجلس الشورى، وصدر مرسوم ملكي في 12 ذو القعدة 1344هـ - 23 مايو 1926م بإسناد رئاسة مجلس الشورى للشريف محمد شرف باشا بن عدنان آل غالب. إلا أن كل تلك المجالس لم تتشكل أصلاً بسبب قِصر المدة بين الدعوة لتشكيلها وصدور التعليمات الأساسية (أول وثيقة دستورية منشورة)، والتي نصت مواد القسم الرابع منها على تشكيل «المجلس الشوري».

الملك فيصل بن عبد العزيز حينما كان نائباً للملك في الحجاز

فشُكّل برئاسة نائب الملك في الحجاز في شهر صفر 1345هـ - سبتمبر (أيلول) 1926م، وكان نائبه مستشاره الشيخ عبد العزيز بن محمد العتيقي. وحقيقة، تعدّ تلك المجالس الثلاثة وبغض النظر عن مسمياتها وتباين المؤرخين في تسميتها وقصر مدتها، اللبنة الأولى في البناء الشوري الهيكلي ومرحلة التجريب والاختبار للنموذج الذي ستبنى عليه دولة المؤسسات السعودية، من حيث أنظمة تلك المجالس وطرق تشكيلها (انتخاباً أو تعييناً) وسابقتها البرلمانية في المنطقة وآليات عملها وإنجازاتها، لكنه من المتعذر في مقال كهذا الإحاطة بكل التفاصيل التي تستحق إفرادها ببحث مستقل يغوص في ثنايا تلك التجربة ويقيس أثرها وما تلاها من تجارب دستورية سعودية أوصلتها إلى ما هي فيه اليوم.

المؤسس يفتتح المجلس بخطاب ملكي

الشريف شرف عدنان

وفي 9 محرم 1346هـ - 8 يوليو (تموز) 1927م وبناءً على توصيات لجنة التفتيش والإصلاح، وافق الملك على اعتماد نظام جديد للمجلس وتفريغ أعضائه وإعادة تشكيله برئاسة نائب الملك في الحجاز، وكان ينوب عنه في رئاسة الجلسات مستشاره الشريف محمد شرف عدنان.

مرسوم ملكي لإسناد مجلس الشورى للشريف عدنان

وفي 14 محرم – 13 يوليو 1927 افتتح الملك عبد العزيز دورته الأولى بخطاب ملكي، وهنا بعض مقتطفاته:

«- الحكومة جادة في إدخال كثير من الإصلاحات والأعمال النافعة.

- ستعرض على مجلسكم مشاريع وموضوعات عدة، منها:

- مشاريع حفر الآبار الارتوازية لأن المياه أهم ما نحتاج إليه

- مشاريع تعبيد الطريق بين مكة وجدة وتوسعة الشوارع في مكة.

- إصلاح إدارة البريد والبرق التي استكملت معداتها لتعمل بموجب الاتفاقات الدولية بعد انضمام المملكة للاتحاد البريدي الدولي.

- إصلاح شؤون المعارف وتوحيد نظام التعليم في البلاد.

- إصلاح الحالة الصحية، واتخاذ الأسباب لراحة الحجاج».

الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن ويقف خلفه الطيب الهزازي

المؤسّس وتطوير مجلس الشورى

وتعدّ هذه الدورة انطلاقة مجلس الشورى بشكله الذي استمر عليه لعقود، ثم جاءت الدورة الثانية فرأى الملك عبد العزيز ضرورة تطوير نظامه الذي صدر في 14 مادة مع ملحق من 7 مواد، كما صدر النظام الداخلي للمجلس في 24 مادة، وعُرف بنظام (1347هـ - 1928م)، واستمر العمل به لما يقارب 65 عاماً يمارس فيها المجلس اختصاصاته.

المرسوم الملكي بتشكيل مجلس الشورى عام 1955م

وإن كانت قلّت صلاحياته بعد إنشاء مجلس الوزراء عام 1373هـ - 1952م وصدور نظامه الذي منحه اختصاص السلطة التنظيمية، فكان لا بد من تطوير نظام مجلس الشورى بما يواكب مراحل التطور التي مرّت بها سلطات وأجهزة الدولة المختلفة، وكانت أولى المحاولات عندما بادر المجلس بإعداد مشروع تطوير نظامه ولائحته الداخلية عام 1373هـ - 1953م ورفعها إلى المقام السامي، وشكلت لجان لدراسة الموضوع، ثم دُرس في اللجنة المشكلة برئاسة الأمير مساعد بن عبد الرحمن عام 1382هـ - 1962م لإعداد مشروع النظام الأساسي للحكم، وبعد ذلك في اللجنة التي شُكّلت عام 1400هـ - 1980م برئاسة الأمير نايف بن عبد العزيز؛ فكان أحد مخرجاتها «نظام مجلس الشورى».

تشكيل مجلس الشورى عام 1955م

في 54 عاماً عُقد 5963 جلسة

وعلى الرغم من تأخر تطوير النظام لنحو 40 عاماً، فإن تجربة المجلس في مرحلته تلك ظلت محفورة في الذاكرة السياسية والإدارية وآثارها محفوظة في الأراشيف الحكومية، وأحصى المؤرخ الشوري السعودي الدكتور عبد الرحمن بن علي الزهراني، أن عدد دورات المجلس خلال تاريخه الممتد بين عامي 1346 و1400هـ - 1927 و1980م، كانت (51 دورة) عقد خلالها (5963 جلسة) وأصدر (8583 قراراً) تضمنت مئات الأنظمة واللوائح والتعليمات والتفسيرات وغيرها. وتعاقب على عضويته (85 عضواً) ( تراوح عدد أعضاء الدورة الواحدة بين 6 و25 عضواً)، كان أطولهم مدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي الذي استمرت عضويته 51 عاماً تدرج فيها من سكرتير إلى عضو إلى نائب دائم لرئيس المجلس، أما أقلهم مدة فكان الشيخ محمد الطيب الهزازي الذي كانت عضويته لمدة شهر واحد فقط، وكان تمديد العضوية سمة لتلك المرحلة، ووجدت أن متوسط عدد سنوات العضوية يصل إلى 10 سنوات ونصف السنة للعضو الواحد.

الملك فيصل... 49 عاماً رئيساً للمجلس

وتولى رئاسة المجلس منذ عام 1346هـ - 1927م وحتى وفاته عام 1395هـ - 1975م الملك فيصل، واستمر المجلس بعد ذلك مرتبطاً بالملك ويقوم بإدارة أعماله نائب الرئيس، وحتى صدور الأمر الملكي بتعيين الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير رئيساً عام 1413هـ - 1992م، ومما يجدر ذكره أن ابن جبير كان عضواً في اللجان التي درست تطوير نظام المجلس منذ عام 1382هـ - 1962م.

أما منصب نائب الرئيس، فقد تولاه كل من: الشيخ عبد الله بن محمد الفضل، والسيد صالح شطا، والشيخ عبد الله الشيبي، والشريف محمد شرف رضا، والشيخ أحمد الغزاوي والسيد صادق دحلان.

أحمد الغزاوي

كما تعاقب على أمانته العامة 7 أمناء عامون، هم: الشيخ أحمد الغزاوي، والسيد حمزة المرزوقي أبو حسين، والأستاذ فؤاد علي رضا، والسيد صادق دحلان، والسيد علوي العيدروس، والأستاذ محمد سعيد جوهرجي والأستاذ عبد الرزاق الطيب. ويلاحظ أيضاً أن هناك أسراً شورية تعددت أسماء منها في عضوية المجلس، مثل: الزواوي، وشطا، والشيبي، والفضل ونصيف. علماً أن آخر جلسة عقدها ذلك المجلس خلال دورته الـ51، كانت يوم 18 ذو القعدة 1400هـ - 27 سبتمبر 1980م.

مجلس الشورى... من مكة إلى الرياض

لكن اللافت، أنه بعد ذلك التاريخ لم تتوقف أعمال المجلس؛ بل استمر ككيان قائم له ميزانيته وموظفوه ومقرّه في حي الششة بمكة المكرمة، حيث أمانته العامة وجهازه الإداري، كما كان يتم التمديد إلى من بقي من أعضائه.

صادق دحلان

وبعد وفاة نائب رئيس المجلس الشيخ أحمد الغزاوي صدر الأمر السامي رقم (2931) في 13 رمضان 1401هـ - 14 يوليو 1981م، بأن يحل السيد صادق بن عبد الله دحلان محل الشيخ الغزاوي، في إدارة أعمال مجلس الشورى، حيث استمر حتى عام 1413هـ - 1992م وانتقال إدارات المجلس للرياض. من هنا يمكن القول إن مسيرة الشورى السعودية مستمرة منذ مائة عام، ولا أعلم سبباً في عدم استمرار المجلس في مرحلته الحالية امتداداً للمجلس السابق من حيث أرقام دوراته وسنواته، رغم أن المادة ثانياً من الأمر الملكي رقم (أ/91) الصادر بنظام مجلس الشورى نصت على: «يحل هذا النظام محل نظام مجلس الشورى الصادر عام 1347هـ...»؛ ما يؤكد أنه امتداد له وليس منفصلاً عنه!

خادم الحرمين الشريفين لدى افتتاحه أعمال السنة الجديدة لمجلس الشورى (واس)

تقليد ملكي عريق لافتتاح أعمال المجلس

أما عن الخطب الملكية في مجلس الشورى، فاستمرت تقليداً عريقاً طوال عهد الملك عبد العزيز، ومما يسترعي الانتباه أن مجلس الشورى كان له مقر صيفي في الطائف، حيث افتتح الملك عبد العزيز الدورة الثالثة وألقى الخطاب الملكي في قاعة المجلس بالطائف يوم 2 ربيع الأول 1349هـ - 27 يوليو 1930م، كما ناب عن الملك في إلقاء الخطاب الملكي كل من: ولي العهد (الأمير) سعود، ونائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى (الأمير) فيصل، والأمراء منصور بن عبد العزيز وعبد الله الفيصل بصفتهما رئيسين لمجلس الشورى بالنيابة.

تلك الركائز التي أرساها الملك عبد العزيز في مرحلة دقيقة من عمر الدولة التي لم يكن اكتمل توحيدها بعد، وعلى الرغم من انشغاله في حروب التوحيد وتوطيد الأمن والاستقرار، فإنه كان حريصاً على تثبيت دعائم بناء الدولة واستكمال هياكلها التنظيمية ومؤسساتها الدستورية، والتي سار عليها أبناؤه ملوك المملكة العربية السعودية من بعده وطوّروا ممارساتها وتطبيقاتها.

الملك فهد بن عبد العزيز يصدر مرسوماً ملكياً بإصدار نظام مجلس الشورى ويحل محل النظام السابق الصادر عام 1347 للهجرة

فأصدر الملك فهد نظام مجلس الشورى عام 1412هـ – 1992م ونصت مادته 14: «يلقي الملك أو من ينيبه، في مجلس الشورى، كل سنة خطاباً ملكياً، يتضمن سياسة الدولة الداخلية والخارجية.»؛ لذا يمكن القول إن هذا الخطاب الملكي هو الوحيد المؤسس له دستورياً والمحدد مكانه ووقته.

الملك فهد بن عبد العزيز وبجواره ولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز أثناء افتتاح أولى جلسات مجلس الشورى عام 1993م

ركائز ثابتة في الخطابات الملكية

وبتتبع الخطابات الملكية في مجلس الشورى خلال 30 عاماً، وجدت أن إطارها العام استعراض للسياسة الداخلية والخارجية مع رصد للمنجزات وإلقاء الضوء على المستجدات والتطورات، وعلى الرغم من اختلاف تفاصيل مضامينها عاماً بعد عام، فإن ركائزها الأساسية ظلت ثابتة، ويمكن تلخيصها في:

- التأكيد على ثوابت الدولة ونهجها.

- التأكيد على مكانة المملكة العربية السعودية وتشرفها بخدمة الحرمين.

- التذكير بنعمة الأمن والاستقرار وضرورة الحفاظ عليها.

- استعراض المنجزات والمستهدفات التنموية وأن المواطن هو محورها.

- إيضاح الأدوار الإنسانية والإغاثية.

- بيان المواقف السياسية السعودية.

- استعراض للجوانب الاقتصادية من مبادرات ومخرجات للخطط، والإشارة للسياسات المالية والبترولية.

- التطرق إلى الشأن الاجتماعي بمختلف جوانبه وأبعاده.

ولا يخلو الخطاب عادة من ملامسة لموضوعات الساعة مع ختمه بعبارات الشكر.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يلقي الخطاب الملكي السنوي لافتتاح أعمال مجلس الشورى (واس)

أما عن من ألقى الخطاب الملكي خلال تلك الأعوام، فكل من: الملك فهد وناب عنه في بعض السنوات ولي عهده (الأمير) عبد الله، ثم الملك عبد الله وناب عنه ولي عهده (الأمير) سلمان، ثم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وأناب عنه هذا العام ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

ثلاثة عقود منذ صدور نظام المجلس بعد تطويره، والمجلس يتشرف سنوياً بتلقي الخطاب الملكي في بداية كل سنة شورية؛ ما يؤكد تقدير القيادة للدور الوطني الذي يقوم به مجلس الشورى في اقتراح الأنظمة والقوانين وتطوير البنية التشريعية للجهاز الحكومي والإداري للدولة، خاصة خلال هذه المرحلة التنموية التاريخية التي تشهد فيها المملكة العربية السعودية حراكاً تشريعياً يواكب متطلبات «رؤية السعودية 2030»، ويلبي تطلعاتها المستقبلية ومستهدفاتها الوطنية، كما يعكس الدعم الذي يحظى به مجلس الشورى من القيادة السعودية ما يُمكّنه من القيام بدوره الرقابي والتشريعي، وأداء دوره البرلماني الوطني بالكفاءة المطلوبة.

مراحل وتحولات وأدوار في مجلس الشورى

وهنا، لا بد من توضيح أن المجلس مرّ بمراحل وتطورات وتحولات طوال مسيرته الممتدة وأدى أدواراً متعددة، فإضافة إلى دوره التشريعي، كُلف مهمات تفتيشية، وأسند إليه النظر في الأمور الإدارية، كما كان حاضراً في كثير من المحطات المفصلية في تاريخ الوطن، فمن أعضائه رُفع مشروع نظام إعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية بدلاً من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها عام 1351هـ - 1932م، كما اشترك مع مجلس الوكلاء ورئاسة القضاء في ترشيح الأمير سعود لولاية العهد عام 1352هـ - 1933م، وفي عام 1355هـ - 1936م أعد مشروع النظام الأساسي للمملكة من (140) مادة ورفعه للمراجع العليا، كما اشترك مع مجلس الوزراء في إصدار بيان مبايعة الملك فيصل عام 1384هـ - 1964م، وغير ذلك كثير.

لذا؛ كان للمجلس دوره وتاريخه وإن قلت صلاحياته وتحولت كثير من اختصاصاته السابقة إلى أجهزة ومؤسسات أخرى، لكنه بقي كمؤسسة دستورية قائمة تنتظر تطوير نظامها ورهن إشارة الملك في أي وقت، كما كان دوماً حاضراً في ذهن القيادة، ومما يدل على ذلك أمر الملك فهد ببناء مقر للمجلس وفق أحدث التصاميم وتجهيزه بأفضل التقنيات ضمن مجمع قصر اليمامة في الرياض، وكان ذلك في أواسط الثمانينات الميلادية من القرن المنصرم وقبل صدور نظام المجلس وإعادة تشكيله بسنوات. ومن هنا يمكن أن نفهم ما سبق أن ذكره الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، في حديث نقله الكاتب السعودي خالد بن حمد السليمان، «أن تطوير دور وتعزيز صلاحيات مجلس الشورى هو إحدى الخطوات القادمة على طريق الإصلاح».

ومن الموافقات، أن الخطاب الملكي هذا العام جاء ونحن في منتصف رحلة الإنجاز نحو 2030 وقد تحقق الكثير، وكان مدعماً بالأرقام والمؤشرات؛ مما يبشر بمزيد من النجاحات الاقتصادية، كما أن تسهيل أداء الحج والعمرة لما يقارب 12 مليون مسلم، واستضافة عدد من القمم الكبرى جمعت أكثر من (100) دولة في عام واحد، عدا تنظيم عشرات المؤتمرات والمنتديات والمعارض والفعاليات الكبرى المختلفة، يعكس الدور الريادي للمملكة والإمكانات التي تؤهلها لاستضافة أبرز المحافل العالمية.

جانب من كلمة ولي العهد السعودي أمام «الشورى» (واس)

الخطاب الملكي وخريطة الطريق

ولا بد من الإشارة إلى أن المادة 14 في نظام مجلس الشورى والتي نصت على إلقاء الخطاب الملكي، جاءت قبل المادة التي حددت مدة المجلس، وتلتها المادة التي تضمنت اختصاصاته، ويمكن أن يُفهم من ذلك أن الخطاب الملكي ليس الغرض منه الإفصاح عن السياسة الداخلية والخارجية للدولة فحسب؛ بل وتزويد المجلس بخريطة طريق وبرنامج عمل لسنته التشريعية. وقد لا يكون معلوماً لدى كثيرين أن المجلس يعد جواباً على الخطاب الملكي، ووفقاً للمواد الواردة في قواعد عمله، يتم اختيار لجنة من بين أعضائه لإعداد مشروع الجواب على خطاب الملك، وبعد إقرار الجواب من المجلس يرفع إلى الملك.

كل ذلك يؤكد أن الخطاب السنوي في مجلس الشورى ليس خطاباً حولياً روتينياً؛ لكنه تقليد ملكي دستوري عريق، له ركائزه وبروتوكولاته، ويمكن من خلاله فهم سياقات كثيرة لتاريخ المملكة العربية السعودية وقراءة لحاضرها واستشراف لمستقبلها. إن مائة عام من التجربة الشورية الفريدة بأبعادها وقواعدها وتطبيقاتها كافة وما يصاحبها من التقاليد الملكية الأصيلة ليست بالمدة اليسرة؛ لذا أرى أن الرجوع للخطابات الملكية يمكن أن يؤرخ للسياسة السعودية الداخلية والخارجية في 100 عام، كما أن تلك الخطب والكلمات لا تمثل خريطة طريق لمجلس الشورى وبقية مؤسسات الدولة فحسب؛ لكنها مفاتيح مهمة لقراءة المستقبل السعودي من قِبل المحللين والباحثين، ووثائق تاريخية للدارسين والمؤرخين.


مقالات ذات صلة

رئيس مجلس الشورى السعودي لـ«الشرق الأوسط»: الخطاب الملكي «خريطة طريق»

الخليج رئيس مجلس الشورى السعودي أكّد أن الخطاب الملكي يشكل برنامج عمل متكاملاً (تصوير: مشعل القدير)

رئيس مجلس الشورى السعودي لـ«الشرق الأوسط»: الخطاب الملكي «خريطة طريق»

أكد رئيس مجلس الشورى السعودي، الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ، أن الخطاب الملكي لهذا العام، يمثل خريطة طريق شاملة.

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج خادم الحرمين وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (الشرق الأوسط)

ولي العهد السعودي يُلقي الخطاب الملكي السنوي في «الشورى»

نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، يُلقي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، يوم الأربعاء، الخطاب الملكي السنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج تضم هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ رئيساً و20 عضواً (واس)

السعودية: انضمام عضوين لـ«كبار العلماء» و77 لـ«الشورى»

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أمرَين ملكييْن بإعادة تكوين «هيئة كبار العلماء» و«مجلس الشورى»، شهدا انضمام عضوين جديدين للهيئة و77 للمجلس.

غازي الحارثي (الرياض)
الاقتصاد تحركات حكومية مكثفة لرفع نسبة تملك المواطنين للمسكن الأول (الشرق الأوسط)

«الشورى» السعودي يطالب بزيادة دعم القروض العقارية للمواطنين

طالب مجلس الشورى السعودي، بدراسة إمكانية زيادة مقدار المبلغ غير المسترد الذي يدفعه صندوق التنمية العقارية للمواطن لتملك مسكنه الأول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مشروع محطة سكاكا لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية (الشرق الأوسط)

السعودية: مطالب بإنشاء مشاريع صغيرة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية

طالب مجلس الشورى السعودي بتشجيع ودعم القطاع الخاص للاستثمار في إنشاء مشروعات صغيرة ومتوسطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني