أمن العالم والمنطقة مرتبطان وعلى العراق استعادة دوره المحوري

موظف في هيئة الانتخابات العراقية يحمل صندوقاً في مركز بالكرخ لفرز الأصوات الانتخابات المحلية في 23 ديسمبر (أ.ف.ب)
موظف في هيئة الانتخابات العراقية يحمل صندوقاً في مركز بالكرخ لفرز الأصوات الانتخابات المحلية في 23 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

أمن العالم والمنطقة مرتبطان وعلى العراق استعادة دوره المحوري

موظف في هيئة الانتخابات العراقية يحمل صندوقاً في مركز بالكرخ لفرز الأصوات الانتخابات المحلية في 23 ديسمبر (أ.ف.ب)
موظف في هيئة الانتخابات العراقية يحمل صندوقاً في مركز بالكرخ لفرز الأصوات الانتخابات المحلية في 23 ديسمبر (أ.ف.ب)

يطوي العالم عام 2023 في ظل هيمنة الصراعات والحروب، واستمرار الحرب الأوكرانية، وتصاعد التوتر بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، ومؤخراً الحرب على غزة، تترافق مع استمرار مؤشرات تراجع النمو الاقتصادي العالمي؛ فهو بحق عام من التحولات العنيفة والخطيرة التي تُهدد السلم والأمن الدوليين إذا تُركت دون كابح، ونتطلع إلى أن يكون العام الجديد منطلقاً لحسم هذه الأزمات.

ووسط السجالات القائمة حول نشوء نظام جديد ثنائي أو متعدد القطبية من عدمها، يقف العالم أمام مُفترق طرق في مواجهة تحديات تستدعي تحرّكاً جادا لفرض الاستقرار عبر مواثيق وتفاهمات تمنع التصعيد أولاً، وتضع مساراً للخروج من الأزمات المتعددة ثانياً.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن تصاعد الأزمات الدولية على محاور متعددة؛ من التوترات الجيوسياسية والصراعات المسلحة والحروب الاقتصادية لن تكون مطلقاً في صالح الخطر الوجودي الذي يهدد الكرة الأرضية برمتها، ألا وهو أزمة المناخ وتداعياتها على الأمن الغذائي والمائي والهجرة، حيث إن مواجهة هذا الخطر لن تتحقق من دون الأمن والاستقرار الدوليين، وإزالة هواجس الشك، لا سيما بين الدول الكبرى التي تتحمل الجزء الأكبر من مهمة مواجهة التداعيات الخطيرة للتغيرات المناخية.

وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى النجاح الذي حققه مؤتمر المناخ «كوب 28» على مستوى التنظيم من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى مستوى النتائج، حيث إن انعقاده في الشرق الأوسط التي هي واحدة من أكثر مناطق العالم تأثراً بتغيرات المناخ أمر جدير بالدعم، لا سيما أن مُخرجاته تُمثل انطلاقة واعدة لتحقيق هدف «صفر انبعاثات»، بحلول عام 2050، تماشياً مع العلم، والخطوات الحاسمة في زيادة دعم الطاقة المتجددة وتفعيل صندوق الخسائر والأضرار.

في منطقة الشرق الأوسط التي لا تعاني من تداعيات المناخ فحسب، بل تُعرف بمصدر قلق وتهديد دائم للسلم والأمن الدوليين، يمكن تلمُّس هواجس الخوف المتصاعدة إزاء التطورات الدولية الأخيرة، زادتها الحرب الإسرائيلية على غزة، لتؤكد أنه لا سلام ولا استقرار في هذه المنطقة التاريخية في قلب العالم من دون حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية؛ فلقد أثبتت الحرب الإسرائيلية على غزة، وبشكل لا يقبل الشك، أن بقاء القضية الفلسطينية معلّقة، واستمرار مظلومية الشعب الفلسطيني، ومحاولة تصفية القضية بالمراهنة على عامل الوقت، أمر محكوم بالفشل، بل سيبقى يشكل تهديداً دائماً للسلم والأمن الدوليين، كما أن هذه الحرب وتداعياتها تؤكد أن الوقت قد حان لضمان الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية عبر تأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وإنهاء معاناة شعب صبر لعقود طويلة.

دمار إثر غارة إسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)

وإحدى نتائج هذه الحرب، مع أزمات إقليمية مترابطة، دحض السردية القائلة إن منطقة الشرق الأوسط لم تعد أولوية للولايات المتحدة والدول الكبرى، حيث إن عودة الولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري بالمنطقة مجدداً يقابله انخراط لافت لقوى كبرى، كالصين وروسيا، سياسياً واقتصادياً وتجارياً، يؤكد محورية الشرق الأوسط وأهميته للعالم أجمع.

إن عودة الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط نتيجة حرب غزة، أمنياً وسياسياً، يشير إلى تأجيل التحوّل الأميركي نحو الشرق الأقصى بعيداً عن الشرق الأوسط، حيث إن الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، ولو لفترة معينة، يكشف اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة، وأهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة والعالم أجمع. إن شرق أوسط محكوماً بأزمات متناسلة بلا آفاق استقرار دائم يؤكد أن السلم والأمن الدوليين سيبقيان مثلومين من دون حل، وهذا ليس صعب المنال.

العراق في قلب المتغيرات

وعلى بلد مثل العراق عانى لعقود طويلة من الحروب والصراعات والإرهاب، ويسعى للنهوض وتجاوز مآسي الماضي، أن يكون مستعداً لتبوؤ مكانه الطبيعي والمحوري فيه، حيث إن التحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة التي شهدها عام 2023 وما سيليها من تطورات مقبلة في العام الجديد تمثل اختباراً حقيقياً للعراق، فالحرب الأوكرانية وتداعياتها على العالم أجمع بما فيه العراق، ولو بشكل محدود، وأخيراً الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية المحتملة تُشكل عوامل ضغط قد تعوق الاستقرار الضروري للانطلاق بمشاريع اقتصادية تنموية واعدة للعراق ودول المنطقة.

انتهينا قبل أيام قليلة من انتخابات مجالس محافظات طال انتظارها، بعد 10 سنوات من التأجيل والتعطيل والتأخير كان نتيجته كسر شرعية وجودها، وأفضت إلى قرار نيابي بإلغائها، ليس لتأخر انتخاباتها فحسب، بل بسبب الإخفاق في عمل هذه المجالس حيث عدها طيف واسع من العراقيين مؤسسة غير فاعلة لم تنجُ من ظواهر سوء الإدارة والفساد.

تجب الإشارة إلى أهمية مجالس المحافظات، بوصفها مبدأ دستورياً يُقر اللامركزية الإدارية، ولضرورات الحكم الرشيد والمتطلبات الخدمية والاقتصادية المتباينة لكل محافظة، والأهم ضمان بناء توازن في السلطة وتوزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات يمنع خطورة تنامي نظام سلطوي مركزي على المدى البعيد.

لا بد هنا من الإشادة بجهود الحكومة في الإيفاء بإجراء الانتخابات المحلية، وتبقى مخرجات هذه الانتخابات في تشكيل مجالس محافظات تمارس مهامها بفاعلية هو الأهم، فعلى هذه المجالس تدارك الإخفاقات التي سجلتها خلال السنوات الماضية نتيجة عوامل عدة لا تتحملها فقط مجالس المحافظات، بل مرتبطة بإجراءات السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ إن إرث البيروقراطية المركزية المتشددة، والخشية من أن يؤدي اتساع وتشّعب الموازنات المالية إلى مفاقمة الفساد، والشحة في تشريعات ضرورية أسفرت عن عرقلة المحافظات في إدارة شؤونها.

وفي حين مضت الاستعدادات لإجراء الانتخابات بانسيابية، فإننا لا يمكن أن نتجاهل واقع عزوف العراقيين عن المشاركة في الانتخابات، وشكّلت في هذه الانتخابات أكثر من نصف الناخبين، فالأغلبية التي تقاطع الانتخابات تهدد شرعية الحكم، أُضيف إليها مقاطعة جمهور التيار الصدري المهم في المجتمع، فالانتخابات في نهاية المطاف ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة ومسار سلمي يَضمنُ مشاركة العراقيين في تجديد خياراتهم وتحقيق تطلعاتهم.

إن تفعيل الدور المهم لمجالس المحافظات، ومعالجة حالة الانسداد السياسي التي تواجه البلد في أعقاب كل عملية انتخابية، وحسم الأزمة القائمة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، تستدعي إصلاحاً واسعاً يبدأ من إعادة النظر في الدستور وتعديله وفق السياقات الدستورية والقانونية؛ بالاستفادة من الإخفاقات والتعقيدات التي أفرزها التطبيق العملي، وكما اقترحت سابقاً، مثلاً يمكن إصلاح النظام النيابي والانتقال إلى نظام شبه رئاسي، وأن يكون انتخاب المحافظ بشكل مباشر من سكان محافظته، وبما يعزز المنظومة الديمقراطية والمساءلة الشعبية، وإيجاد حل جذري وبنيوي للأزمة المستدامة بين بغداد وإقليم كردستان.

اقتصادياً، يبقى العراق أمام اختبار مهم رغم الوفرة المالية المتحققة، التي هي بطبيعة المال مؤقتة؛ ففي ظل التقلبات الاقتصادية العالمية وتوقعات تراجع النمو الاقتصادي في العام الجديد، وفقاً لـ«صندوق النقد الدولي»، تترافق مع تصاعد التوترات الدولية والإقليمية، لا سيما الحرب الروسية - الأوكرانية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والانتخابات الرئاسية الأميركية، واتفاقات المناخ، ينبغي على العراق الاستعداد لذلك جيداً.

مظاهرات احتجاجية أمام البنك المركزي في بغداد على هبوط قيمة الدينار العراقي في يناير 2023 (أ.ف.ب)

يشهد العراق في الوقت الحالي انتعاشاً اقتصادياً بفضل الوفرة المالية المتحققة نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية، ويُتوقع أن يستمر ذلك لفترة قد تقصر أو تطول، ولكن لا مناص من الشروع في تحقيق التحوّل الاقتصادي، إذ من الخطير استمرار اقتصادنا الريعي غير المستدام المعتمد على النفط، في ظل تزايد سكاني من بين الأعلى عالمياً بمعدل تجاوز مليون نسمة سنوياً، الجزء الأكبر منهم من الشباب، وما يفرضه من تزايد الطلب على الوظائف وفرص العمل، حيث إن هذه الزيادة السكانية لن تُضيف إلى الازدهار الاقتصادي الكثير، رغم إيجابية الدخل القومي السنوي، من دون ترتيبات مستدامة.

كما أن تصاعد الالتزامات المناخية العالمية؛ بالتخلي عن الوقود الأحفوري والانتقال نحو الطاقات المتجددة، وانعكاس ذلك على توقعات تراجع الطلب العالمي على النفط خلال السنوات العشر المقبلة، يستوجب التخطيط المبكر لتغيير شامل في أسس اقتصادنا، ويرتبط ذلك أيضاً بضرورة مواجهة أخطر تهديد للبلاد يتمثل في التغير المناخي وآثاره الاقتصادية وأضراره البيئية الكبيرة على جميع أنحاء العراق.

إن الإسراع في إجراءات اقتصادية تُركِّز على تعظيم الموارد غير النفطية يمثل أولوية قصوى للعراق، عبر الانخراط في التجارة البينية؛ بالاستفادة من موقعنا الجغرافي وتشجيع الاستثمار الحقيقي ودعم القطاع الخاص والنهوض بقطاع الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة وإصلاح أنظمة الضرائب والجمارك.

وبالتوازي مع هذه الترتيبات، لا بد من تعزيز برنامج مكافحة ظاهرة الفساد؛ فلا إصلاح حقيقياً من دون مكافحة الفساد، ولا اجتثاث للإرهاب إلا باستئصال الفساد الذي يمثل منبعاً أساسياً لتمويله، فلا بد من إجراءات استثنائية تقوم على استرجاع ما تم نهبه وتهريبه من أموال العراقيين إلى الخارج، عبر تشريعات جريئة وتنسيق دولي فاعل لمكافحة الفساد، على غرار التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب.

إلا أن التحدي الأخطر والآني الذي يواجه العراق هو التجاوز على الدولة وانتهاك سيادتها واستباحة هيبتها؛ فما شهدناه من استهداف للبعثات الدبلوماسية ومؤسسات حكومية عراقية وقواعد عسكرية تستضيف مستشاري التحالف الدولي، بناء على دعوة الحكومة العراقية، مؤشر خطير يضر بمصالح العراق وشعبه. موقف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في هذه القضية موضع تقدير، وينبغي علينا دعمه ومساندته في التصدي الفاعل لهذه التجاوزات وكبح جماح الخارجين على القانون؛ فقرار السلم والحرب هو قرار الدولة ومؤسساتها الدستورية، لا قرار جماعة خارجة عن القانون غير حاسبةٍ العواقب على البلد وشعبه. القرار الوطني، ومن خلال المؤسسات الدستورية، هو المخول حصراً بإقرار الحاجة إلى التحالف الدولي من عدمه، وذلك بناء على مستلزمات مصلحة البلد وأمنه واستقراره.

تهدد أدوار الفصائل الخارجة على القانون سيادة العراق (أ.ف.ب)

إن موقع العراق الجغرافي في قلب المنطقة يحمل من المفارقات الكثير؛ إما أن يكون نقمة للعراقيين وكل المنطقة عبر حروب عبثية وساحة صراع وتناحر إقليمية ودولية، وقد اختبرنا هذا المسار لعقود خلت وكان الخاسر فيها الجميع، أو أن يكون نعمة للعراقيين والمنطقة والعالم أجمع؛ فهذا الموقع الجغرافي بثرواته الوفيرة وتنوعه الديموغرافي والبيئي يمكنه أن يجمع دول الشرق الأوسط اقتصادياً وتجارياً واجتماعياً وبيئياً، عبر ترابطات متينة تقوم على خدمة العراقيين وتبادل المصالح بين شعوب كل المنطقة التي جزعت من العنف والصراعات، وتتطلع إلى مستقبل مزدهر من التنمية الاقتصادية وفرص العمل.

يتوق العراقيون بشدة إلى معالجات جذرية للخلل البنيوي في منظومة الحكم، وتجاوز ما خلّفه العقدان الماضيان من إخفاقات، عبر حوار وطني حقيقي وإصلاح يحقِّق لهم حكماً رشيداً يضمن حقوق جميع المكونات ويحفظ خصوصياتهم، عبر إعلاء مبدأ المواطنة، وليس لنا خيار في العراق سوى تعزيزِ السياسة الخارجية القائمة على النأي عن الصراعات والمحاور المتقاطعة، والعمل على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، والمصلحة الإقليمية اليوم مرتبطة بدعم عودة العراق إلى دوره المحوري، وإنهاء التنافسات على أرضه.


مقالات ذات صلة

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024

خاص السعودية تعزز ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي في قطاع الاتصالات والمعلومات (الشرق الأوسط)

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024

ما لا شك فيه أن الفرص السانحة في المملكة العربية السعودية لا تعد ولا تحصى، إلا أن التوجهات التي سترسم ملامح عام 2024، وما بعده ستتخطى التقنيات والحلول الجديدة.

إياد مرعي
خاص أهم 6 توجهات لتقنيات «ويب 3.0» و«بلوك تشين» والعملات الرقمية

خاص أهم 6 توجهات لتقنيات «ويب 3.0» و«بلوك تشين» والعملات الرقمية

خوارزميات الـ«بلوك تشين» يمكن استخدامها لتعزيز أمان الشبكات والمساعدة في اكتشاف مشكلات الأمان المحتملة بشكل أكثر كفاءة من المنهجيات التقليدية.

بن تشو
خاص ثورة المدفوعات الرقمية  في السعودية تعزز فرص التجارة الإلكترونية

خاص ثورة المدفوعات الرقمية في السعودية تعزز فرص التجارة الإلكترونية

يشكّل التحول نحو وسائل الدفع الرقمية محفزاً لتحول أوسع في قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجيستية في المملكة العربية السعودية.

إيمان الغامدي
خاص الاتصالات المعزَّزة تعد بنقلة في قطاع السيارات

خاص الاتصالات المعزَّزة تعد بنقلة في قطاع السيارات

تواجه مسألة التحضُّر المدني والنمو الاقتصادي السريع في العصر الحالي عدّة تحدّيات رئيسية، من أبرزها الازدحام المروري الخانق الذي تتسبّب به الزيادة السكانية.

لويس دي لا كروز
خاص بزوغ عصر اقتصاد التجربة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي

خاص بزوغ عصر اقتصاد التجربة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي

في حين يقف العالم على أبواب مرحلة اقتصادية جديدة حافلة بالفرص والتحديات على كل المستويات، بدأت ملامح «اقتصاد التجربة Experience Economy» في الاكتمال في عدد من…

نضال أبو لطيف

«سودان بديل» في مصر يمنح أبناءه ملاذاً آمناً... ويثير حساسيات

TT

«سودان بديل» في مصر يمنح أبناءه ملاذاً آمناً... ويثير حساسيات

حضور سوداني لافت في الشوارع والميادين (الشرق الأوسط)
حضور سوداني لافت في الشوارع والميادين (الشرق الأوسط)

حين كانت الشمس تهبط في الأفق لتأذن لليل بالقدوم، بعد نهار صيفي ملتهب أشار الشاب السوداني مصعب حمدان (33 عاماً) بيده إلى «ميكروباص» متوجه نحو نهاية شارع السودان النابض بالحياة والصخب بالجيزة، ليكتشف عقب صعوده أن السائق والركاب جميعهم من بني وطنه.

لم يُبد مصعب (عامل النظافة بإحدى الشركات الخاصة) بحي المهندسين، أي إيحاء بالتعجب جراء هذا الانتشار اللافت لـ«الجلباب والتوب» بالأحياء المصرية، التي تكرست ملاذاً لآلاف النازحين الفارين من الحرب.

مقهى شعبي بالجيزة يضم تجمعاً سودانياً (الشرق الأوسط)

بعدما أسدل الليل ستاره؛ وصل مصعب إلى شارع «الملكة» المكتظ بالوجوه السمراء، ليجد لافتات المتاجر المضيئة وقد أضيأت بعبارات مثل «سنتر أم درمان لأجود اللحوم السودانية»، ومقهى «ملتقى أحباب السودان»، ومخبز «باب جنقرين للخبز البلدي السوداني»، و«مطعم القراصة» و«سلطان الكيف» التي تقع جميعها في نطاق جغرافي ضيق.

«نحن نعيش في مجتمع سوداني متكامل بمصر، لا ينقصنا أي شيء سوى المساحات الفسيحة وظلال الأشجار الوارفة»، وفق ما يقول مصعب لـ«الشرق الأوسط».

متجر لبيع الملابس السودانية (الشرق الأوسط)

الحضور السوداني الكثيف في أحياء مصرية، عكسته أرقام رسمية أشارت إلى وصول أكثر من نصف مليون نازح سوداني إلى الأراضي المصرية منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» العام الماضي، بينما أكد سوادنيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن «الأعداد الحقيقية تفوق هذا الرقم بكثير، لا سيما بعد عبور أعداد كبيرة منهم بشكل غير نظامي عبر الصحراء على مدار الأشهر الماضية».

وتقدِّر الحكومة المصرية عدد السودانيين بنحو 5 ملايين من أصل 9 ملايين لاجئ على أراضيها، فيما يصفهم الرئيس عبد الفتاح السيسي بـ«ضيوف مصر».

انتشار لافت للمحال السودانية بمحافظة الجيزة المصرية (الشرق الأوسط)

وتسبب التدفق الكبير في عدد السودانيين منذ اندلاع الحرب الأخيرة في بلادهم، في الضغط على مكاتب المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين، في القاهرة والإسكندرية، حيث يتم استقبال نحو 3 آلاف طلب لجوء يومي، مما رفع عدد السودانيين المسجلين لدى المفوضية 5 أضعاف عمّا كان عليه سابقاً، ليبلغ اليوم 300 ألف. ويمثل هذا الرقم 52 في المائة من مجمل عدد اللاجئين المسجلين في مصر لدى المفوضية في أبريل (نيسان) الماضي.

تجمُّع سوداني على أحد المقاهي (الشرق الأوسط)

ولهذا السبب فإن المفوضية تتوقع «ازدياد الطلب على التسجيل بشكل مستمر في الأشهر المقبلة بسبب الوضع المضطرب في السودان، مع عدم وجود آفاق فورية لسلام مستدام في الأفق»، مقدرةً عدد السودانيين الذي ينتظرون التسجيل بنحو ربع مليون شخص.

تكتلات

شوارع العاصمة المصرية التي يبدو عليها الهدوء نهاراً، بفعل الحر القائظ، يملأها الصخب كلما اقترب قرص الشمس الذهبي من المغيب، حيث يجري تلطيفها بالمياه قبل أن تتمدد إليها كراسي المقاهي، التي يفضلها سودانيون للقاء بعضهم في ملاذهم الجديد المكتظ بأحياء مثل: «الملك فيصل»، وأرض اللواء، وإمبابة بالجيزة، وحدائق المعادي بالقاهرة، والعاشر من رمضان بالشرقية، وبعض مناطق الإسكندرية، وأسوان، حيث فرضت المتاجر والمطاعم والمخابز وصالونات الحلاقة ومحال بيع الملابس والعطارة واللحوم السودانية نفسها بشكل متزايد، وهو ما وُصف في وسائل الإعلام المصرية بـ«التكتلات السودانية».

لا تخطئ العين الوجود السوداني اللافت في الشوارع (الشرق الأوسط)

لا تخطئ العين الملامح السودانية والثوب التقليدي في الشوارع الرئيسية والفرعية بالقاهرة والجيزة، حيث يوجد الباعة السودانيون ومواطنوهم ممن اقتحموا مجالات عمل كانت مقتصرة على مصريين لعقود، من بينها قيادة سيارات الأجرة والميكروباص داخل الأحياء الشعبية؛ وهو ما عدّه مصعب «أمراً معبِّراً عن سرعة اندماج الوافدين الجدد في تفاصيل الحياة في مصر».

ومن فرط حضور «الزول»، (كلمة معناها الرجل في اللهجة السودانية)، أصبح معتاداً استخدام المفردات السودانية في المتاجر والشوارع والحارات ووسائل المواصلات، لكنَّ محمد عبد المجيد سائق إحدى سيارات الأجرة، التي تعمل في شارع السودان بالجيزة يتقن اللهجة العامية المصرية، ولذلك يجد بعض المصريين صعوبة في معرفة كونه سودانياً.

جانب من إقبال سودانيين على مفوضية اللاجئين بالقاهرة (مفوضية اللاجئين)

لقد تكيف عبد المجيد صاحب الوجه الدائري الباسم مع تفاصيل القيادة في الشوارع القاهرية، فبات يحفظ أسماء ومواقع المحطات عن ظهر قلب، مؤكداً أنه في أوقات متكررة تكون معظم حمولة سيارته من الركاب السودانيين الذين يندمج معهم بتشغيل أغانيهم الفلكلورية: «تشعر كأنك في فرح وليس في مواصلات عامة».

عبد المجيد ليس السائق السوداني الوحيد على خط «شارع السودان» بالجيزة، لكنه واحد من بين 30 سائقاً يحترفون السير في الزحام ويهربون منه إلى شوارع ضيقة بديلة.

السائق السوداني محمد عبد المجيد (الشرق الأوسط)

في أحد أروقة حي فيصل الشهير بالجيزة، كان صاحب متجر العطارة السوداني الستيني عادل محمد، الذي عكست عيناه طمأنينة ترسخت على مدى السنوات الخمس التي قضاها في مصر، ينتظر زبائنه المعتادين في المساء.

محل جزارة «أم درمان» لبيع اللحوم (الشرق الأوسط)

«رغم أن معظم زبائني من السودانيين المقيمين هنا فإن جيراني من المصريين يشترون منّي بهارات الطعام والزيت والسمن والسكر»، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط». موضحاً أن «سبب اكتظاظ المنطقة بالسودانيين يعود إلى تفضيل كثير منهم الإقامة بجوار أقاربهم وعائلاتهم لتقليل الشعور بالغربة، وهو ما خلق مجتمعاً سودانياً متكاملاً هنا». مؤكداً أن «السودانيين يتمركزون في الجيزة، بدايةً من أول محيط شارع فيصل الشهير حتى نهايته لمسافة تقترب من 10 كيلومترات».

ملاذ بديل

لم تكن مواقع «التواصل الاجتماعي» بعيدة عن رصد هذا الوجود السوداني الكثيف في مصر، حيث كرست بعض مقاطع الفيديو فكرة وجود «سودان بديل في البلاد، ومن بينها تعليق مؤثّر سوداني تندَّر على الوجود المكثف لأبناء وطنه بحي فيصل بالجيزة قائلاً: «إذا كنت سودانياً تعيش في الخارج وترغب في رؤية أهلك وبلدك ما عليك سوى الذهاب إلى الجيزة المصرية».

وهو ما يؤكده مصعب، معتبراً أن «مراكز التعليم والمتاجر والمطاعم والمقاهي السودانية على اختلاف أشكالها وأنوعها؛ قد فرضت وجودها على الشارع المصري، حتى بات الخبز السوداني الأبيض ملمحاً مهماً في متاجر مصرية عديدة».

مَخبز سوداني (الشرق الأوسط)

وتشعر زينب مصطفى، وهي سيدة خمسينية قَدِمت إلى مصر من الولاية الشمالية بالسودان، بـ«الأمان» وهي تجلس داخل شقة فسيحة بمنطقة «اللبيني» بحي الهرم (غرب القاهرة) رفقة أبنائها وأختها وبناتها.

مكثت زينب فترة طويلة في مصر من دون زوجها الستيني الذي «لحق بها أخيراً بعد تمكنه من دخول مصر بشكل غير نظامي عبر الصحراء، وهو يبحث راهناً توفيق أوضاعه ليتمكن من العمل في أي وظيفة».

ويعد عشرات آلاف السودانيين الفارين من نار الحرب في السودان، مصر «الملاذ الأفضل» راهناً، لامتلاكها مقومات الحياة والبنية التحتية، ومن بينهم فاطمة حسن التي تمكنت من دخول مصر عبر مسارات التهريب الوعرة أخيراً.

سودانيات في محطة مترو «السودان» بالقاهرة (الشرق الأوسط)

خشيت فاطمة على بناتها من «الاغتصاب على يد الميليشيات المسلحة بالسودان»، وقررت دخول مصر بشكل غير نظامي، وفق ما قالته لـ«الشرق الأوسط».

الحر الشديد والعطش أنهكا فاطمة وبناتها الثلاث على مدار ساعات طويلة لم يذقن فيها طعم الراحة أو النوم، قبل أن تنجح في الوصول إلى الجيزة لتنضم إلى شقيقتها التي سبقتها إلى هناك منذ عدة أشهر، حسب قولها.

ورغم الإعلان عن توقيف حافلات لنازحين سودانيين دخلوا البلاد بطريقة غير نظامية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، فإن عبد الله قوني المقيم في حي المعادي بالقاهرة منذ 15 عاماً ويقصده الكثير من النازحين السودانيين الجدد للمساعدة في توفير مسكن أو فرصة عمل، يؤكد «وصول نحو 11 حافلة من أسوان تقل سودانيين يومياً كلهم من المهاجرين غير النظاميين الذين يدفع الواحد منهم نحو 500 دولار أميركي للمهربين نظير نقله إلى مصر»، وهو ما تؤكده فاطمة كذلك.

تعليم

ومن بين أهم ملامح «السودان البديل» رؤية التلاميذ من أصحاب البشرة السمراء وهم في طريقهم من وإلى المدارس السودانية التي زاد عددها بشكل مطّرد خلال الأشهر الأخيرة، مما دعا السلطات المصرية إلى إغلاق بعضها من أجل «تقنين الأوضاع».

ويقدِّر سامي الباقر، المتحدث باسم نقابة المعلمين السودانية، عدد المدارس السودانية في مصر بنحو 300 مدرسة للتعليم الأساسي والمتوسط.

متجر في منطقة فيصل التي تشهد تكتلاً كبيراً للجالية السودانية (الشرق الأوسط)

ووجهت السفارة السودانية في القاهرة التي نقلت مقرها قبل سنوات من جاردن سيتي إلى حي الدقي، الشكر إلى الحكومة المصرية على تعاونها في إنجاح امتحانات الشهادة الابتدائية السودانية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، عبر 6 مراكز تعليمية تابعة للسفارة، مشيرةً في بيان لها إلى «مشاركة 7 آلاف طالب إلى جانب أكثر من 400 مراقب من المعلمين».

وجامعياً قدّر أيمن عاشور، وزير التعليم العالي المصري، عدد الطلاب السودانيين الذين التحقوا العام الماضي بالجامعات المصرية بأكثر من 10 آلاف طالب.

وكان من بين النازحين السودانيين عدد كبير من الفنانين الذين استقروا في القاهرة على غرار الممثلة إيمان يوسف، والمخرج أمجد أبو العلا والمخرج محمد الطريفي والممثل نزار جمعة، الذين يرتحلون إلى الخارج لحضور فعاليات فنية ثم يعودون من جديد إلى مصر.

وبينما يلجأ السودانيون الذين دخلوا البلاد بشكل نظامي إلى توثيق عقود إيجار شققهم السكنية بمكاتب الشهر العقاري إلى جانب تسجيل أبنائهم في المدارس للحصول على إقامات قانونية في مصر، فإنه لا يوجد أمام النازحين غير النظاميين سوى «التصالح مع وزارة الداخلية المصرية» عبر إنجاز استمارة «تقنين وضع» ودفع رسوم تبلغ ألف دولار، أو التقدم إلى مفوضية اللاجئين والحصول على بطاقة «طالب لجوء».

حساسيات مصرية

مع هيمنة «الجلباب» و«التوب» السودانيين على شوارع وحارات مصرية، وتداول مقاطع لتجمعات سودانية كبيرة في القاهرة عبر «السوشيال ميديا»، والقلق من أخبار طرد مستأجرين مصريين لتسكين سودانيين بدلاً منهم؛ ظهرت بوادر «الحساسية» من «التكتلات السودانية» في مصر.

كما أثارت خرائط رفعها سودانيون لبلادهم تضم مثلث «حلايب وشلاتين»، (أقصى جنوب مصر مع الحدود السودانية)، جدلاً واسعاً، مما دفع السلطات المصرية أخيراً إلى اتخاذ إجراءات ضد هؤلاء النازحين وصلت إلى ترحيل بعضهم إلى بلادهم، وفق مصادر مصرية.

وزاد من وتيرة التحفظات، الإبلاغ عن إجراء أسر سودانية عمليات ختان لبناتهم في مصر، وهو ما واجهه مسؤولون مصريون بالتشديد على ضرورة تفعيل القانون المصري الذي يُجرِّم ختان الإناث.

ودخل إعلاميون مصريون على خط انتقادات «التكتلات السودانية»؛ وكان أبرزهم قصواء الخلالي، التي أعربت عن «قلقها» إزاء وجود تكتلات للاجئين في مناطق شعبية، معتبرةً هذا الأمر «خطيراً للغاية». فيما حذرت الإعلامية عزة مصطفى من «سيطرة بعض اللاجئين على مناطق كاملة من القاهرة، بعد مغادرة مصريين لها عقب رفع إيجارات الشقق». مشيرةً إلى «تداعيات تحمل مصر فاتورة ضخمة جراء استضافة اللاجئين على أراضيها».

وكغيره من عشرات المصريين الذين يعدّون أنفسهم «متضررين من الوجود السوداني المكثف»، لم يُخفِ السباك الستيني عيد محمود، صاحب الجسد النحيل تذمره من «هيمنة النازحين على المربع السكني الذي كان يقيم فيه بالقرب من جامعة القاهرة».

يقول عيد بنبرة يملأها الاستياء: «أجبرتني مالكة الشقة على إخلائها لتسكين أسرة سودانية بدلاً مني».

وبعدما كان عيد الذي يعول 3 فتيات يدفع 1600 جنيه مصري (الدولار الأميركي يساوي نحو 48 جنيهاً) بدل إيجار شهري خلال السنوات الماضية فإن مالكة العقار تحصل راهناً على 6 آلاف جنيه من المستأجرين السودانيين الجدد. وهو ما دفع مصريين إلى «دعوة الحكومة إلى التدخل حفاظاً على السِّلْم المجتمعي».

واضطر عيد إلى البحث عن شقة أخرى في منطقة توصف بأنها «متواضعة»، بـ3 آلاف جنيه.

وتفاعل برلمانيون مصريون مع دعوات تقنين أوضاع اللاجئين، من بينهم سهام مصطفى عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، التي شددت في تصريحات تلفزيونية على أن «كل دول العالم ترفض دخول أي لاجئ أو مهاجر دون أوراق إثبات إقامته بهدف حصر أعداد الأجانب حفاظاً على الأمن القومي».

جانب من إقبال سودانيين على مفوضية اللاجئين بالقاهرة (مفوضية اللاجئين)

مضيفةً: «إن مصر تستضيف ملايين الأجانب وتوفر لهم الخدمات بنفس الأسعار المقدمة للمواطنين دون زيادة، رغم الأزمة الاقتصادية الحالية».

وأغلقت السلطات المصرية أخيراً عدداً من المدارس السودانية بداعي عدم استيفاء الشروط. وطالبت سفارة السودان بالقاهرة، أصحاب المدارس، بـ«التزام ثمانية شروط، وضعتها مصر لتقنين أوضاع المدارس المغلقة»، وقالت إنها «تُجري اتصالات مستمرة لحل الأزمة».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة، أن «الإجراءات المصرية الأخيرة التي هدفت إلى تقنين أوضاع السودانيين في البلاد «طبيعية جداً في ظل ازدياد أعدادهم بالبلاد»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تنظيم اللجوء والإقامة مع طلب زيادة المساعدات من المنظمات الدولية والإقليمية يعدان الخيار الأفضل راهناً للقاهرة».

فيما يؤكد محمد جبارة، أمين «العلاقات الخارجية» بجمعية الصداقة السودانية - المصرية، والمستشار الإعلامي السابق بسفارة الخرطوم في القاهرة، أن «التجمعات السودانية الكبيرة في الشوارع والميادين تثير حساسيات مجتمعية وأمنية بمصر». متهماً بعض أصحاب المدارس السودانية بالتسبب في إغلاقها، لا سيما بعد منح السلطات المصرية أكثر من مهلة لمطابقة المواصفات المحلية وتقنين الأوضاع.

إقبال لافت على مكتب مفوضية اللاجئين بالقاهرة (مفوضية اللاجئين)

وكشف عن «نية سفارة بلاده تنظيم مهرجان كبير بعنوان (شكراً مصر) كنوع من (رد الجميل) لاستضافتها جالية كبيرة من أبناء الوطن».

تخفيف الأعباء

بسبب الأزمة الاقتصادية، طالبت مصر المجتمع الدولي بدعمها في «تحمل أعباء اللاجئين». ورأى وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، عقب لقائه مدير عام المنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، أن الدعم الذي تتلقاه مصر من المجتمع الدولي «لا يتناسب مع ما تتحمله من أعباء، في ظل ما يعانيه الاقتصاد المصري من تبعات الأزمات العالمية.

وأطلقت الحكومة المصرية أخيراً عملية لحصر أعداد اللاجئين المقيمين على أراضيها، بهدف احتساب تكلفة استضافتهم، والوقوف على الأعباء المالية، في ظل أزمة اقتصادية تعانيها البلاد.

وطالبت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمصر، في بيان في شهر أبريل الماضي، بالحصول على 175.1 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحاً للاجئين السودانيين الذين فروا إلى مصر منذ منتصف أبريل 2023.

سودانيون بالقرب من شارع السودان الشهير بالجيزة (الشرق الأوسط)

وبينما يؤكد الخبير الاقتصادي المصري الدكتور مدحت نافع، تكبد مصر أعباء اقتصادية جراء استضافة هذا العدد الكبير، فإنه في الوقت نفسه يرى أنه «يمكن الاستفادة منهم، إذا قُننت أوضاعهم المادية وطرق عملهم واستثمار بعضهم في مصر».

ويقترح نافع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تحصيل أي رسوم تخص الوافدين بمصر بالدولار، ويرى أنه يوجد من بين المقيمين في مصر مستثمرون يقدمون فرصة لتعزيز وجود رؤوس الأموال وحركة الاقتصاد.

ويراهن مصعب في النهاية على تفهم كثير من المصريين للأوضاع الخطرة في السودان، وعلى الروابط المشتركة بين الشعبين، لاستيعاب «الضيوف الجدد»، مؤكداً أن الحساسيات التي تنشأ بين «أبناء وادي النيل» ليست سوى «سحابة صيف عابرة» ستزول بمجرد انتهاء الحرب وتحسن الأوضاع في بلاده.