الفيروس التنفسي المخلوي لدى الأطفال... قصص إنسانية وحقائق علمية

تطورات وقائية حديثة ولقاحات مبتكرة بالأجسام المضادة طويلة المفعول

 السيدة أناهيد الخياري والدة طفلة مصابة بالمرض  مع د. محمد الهندي
السيدة أناهيد الخياري والدة طفلة مصابة بالمرض مع د. محمد الهندي
TT

الفيروس التنفسي المخلوي لدى الأطفال... قصص إنسانية وحقائق علمية

 السيدة أناهيد الخياري والدة طفلة مصابة بالمرض  مع د. محمد الهندي
السيدة أناهيد الخياري والدة طفلة مصابة بالمرض مع د. محمد الهندي

«لم تكن ابنتها تتجاوز بضعة أشهر من العمر، وكانت طفلة سليمة منذ ولادتها، لم تعرف مرضاً ولا علة. بدأ كل شيء بسعال خفيف وحرارة بسيطة، فظنت والدتها أنها مجرد نزلة برد عابرة. لكن الساعات التالية قلبت حياتها رأساً على عقب؛ إذ تحولت الأعراض سريعاً إلى صعوبة شديدة في التنفس، حتى وجدت الأسرة نفسها في قسم العناية المركزة، تتابع بقلق جهاز التنفس الصناعي وهو يساعد الصغيرة على النجاة. لم يكن السبب مرضاً وراثياً نادراً ولا ضعفاً مناعياً، بل فيروس شائع يصيب ملايين الأطفال كل عام، هو: الفيروس التنفسي المخلوي (RSV)».

هذه القصة ليست من نسج الخيال أو من باب المبالغة الإعلامية، وإنما هي قصة حقيقية وواقعية، روتها أم الطفلة (السيدة أناهيد الخياري) في مؤتمر صحافي عقد قبل أيام بمدينة جدة، بعد أن عاشت مع أسرتها ليالي طويلة من القلق والخوف؛ إذ وجدت نفسها فجأة أمام خطرٍ داهمٍ يهدد حياة صغيرتها. وما يجعلها أكثر وقعاً أنها لا تمثل حالة فردية نادرة، بل تجسد مثالاً حياً على ما يمكن أن يفعله الفيروس التنفسي المخلوي حتى عند الأطفال الأصحاء الذين لم يُعرف عنهم أي مرض سابق.

إنه فيروسٌ لا يفرق بين طفل مريض وآخر سليم، ولا يقتصر على أصحاب الأمراض المزمنة، بل قد يضرب الأصحاء فجأة ويؤدي إلى مضاعفات خطيرة.

الأطفال الأصحاء يصابون ايضا بالفيروس التنفسي المخلوي

الفيروس التنفسي المخلوي

• فيروس يهدد الأطفال الأصحاء. سبق أن تطرقنا في أعداد سابقة من ملحق «صحتك» للفيروس التنفسي المخلوي عند كبار السن، وحري بنا أن نتعرف أيضاً على هذا الفيروس عند الأطفال. وقد استشرنا أحد الأطباء المتخصصين في الرعاية الحرجة للأطفال، الدكتور محمد الهندي، استشاري العناية المركزة لحديثي الولادة وتخصص دقيق في الوبائيات الإكلينيكية، فأوضح أن الدراسات الحديثة تؤكد على أن غالبية الأطفال الذين يحتاجون إلى التنويم في المستشفى بسبب إصابتهم بعدوى الفيروس التنفسي المخلوي (RSV) هم أصحاء تماماً، لم يكن لديهم أي مشكلات صحية مسبقة. هذه المعطيات غيّرت الصورة النمطية التي لطالما ارتبطت بالفيروس على أنه يهدد فقط الخدج أو الأطفال ذوي الأمراض المزمنة، ولا بد أن تتغيّر طريقة تفكير الأطباء والأهالي، على حد سواء، بأن هذا الفيروس بات خطراً على صحة أطفالنا ويحتاج إلى وعي ورقابة دائمة.

د. محمد الهندي

وأضاف الدكتور الهندي أن الفيروس التنفسي المخلوي يُعد من أكثر الفيروسات شيوعاً في الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي بين الأطفال في مختلف أنحاء العالم؛ إذ يُسجل سنوياً ملايين الإصابات التي تتراوح شدتها بين نزلات برد بسيطة إلى حالات حرجة تستدعي التنويم في المستشفى والعناية المركزة. ورغم أن بدايته قد توهم الأهل بأنه مجرد زكام عابر، فإن تطوره المفاجئ إلى مضاعفات خطيرة، مثل التهاب القصيبات أو الالتهاب الرئوي، يجعله سبباً رئيسياً في إدخال الأطفال إلى المستشفيات.

لقد ظل التصور سائداً لفترة طويلة أن هذا الفيروس يشكل الخطر الأكبر على فئات محددة من الأطفال مثل الخدج أو المصابين بأمراض مزمنة (أمراض قلب خلقية، أمراض رئوية مزمنة، أو ضعف مناعي)، إلا أن الأبحاث الحديثة جاءت لتقلب هذه الصورة رأساً على عقب، بعد أن أكدت أن غالبية الأطفال المصابين هم في الأصل أطفال أصحاء لم يكن لديهم أي تاريخ مرضي سابق، ما يجعل التهديد أكثر شمولاً، ويضع الأسر كافة أمام تحدٍّ مشترك في التعامل مع هذا الفيروس.

• ماهية الفيروس وانتشاره: الفيروس التنفسي المخلوي هو فيروس تنفسي شائع من عائلة الفيروسات المخاطانية (Paramyxoviridae) ويصيب بشكل أساسي الجهاز التنفسي السفلي. ويظهر عادة في صورة مواسم وبائية واضحة تمتد من أكتوبر (تشرين الأول) حتى مارس (آذار) في نصف الكرة الشمالي، مع تزايد الحالات في فترات البرد.

ويُعتبر الأطفال دون سن السنتين الأكثر عرضة للإصابة بمضاعفاته؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا الفيروس مسؤول عن أكثر من 30 مليون حالة إصابة سنوياً على مستوى العالم بين الأطفال دون الخامسة، منها نحو 3.2 مليون حالة تستدعي التنويم، وهناك ما يقارب 60 ألف وفاة سنوياً، معظمها في الدول ذات الموارد المحدودة.

علامات مخادعة وتقييم طبي

• علامات وأعراض: من أبرز التحديات التي يفرضها الفيروس التنفسي المخلوي طبيعته المخادعة، فهو غالباً ما يبدأ بأعراض بسيطة للغاية تشبه نزلات البرد:

- سعال خفيف.

- رشح أنفي.

- ارتفاع طفيف في الحرارة.

- ضعف الشهية أو خمول.

لكن خلال أيام قليلة قد تتطور هذه الأعراض إلى صورة أشد خطورة، تتمثل في:

- التهاب قصيبات حاد (Bronchiolitis).

- التهاب رئوي (Pneumonia).

- صعوبة تنفس متزايدة (Dyspnea).

- الحاجة إلى أكسجين أو تنفس صناعي.

هذا التدرج السريع من أعراض بسيطة إلى حالة حرجة هو ما يضلل الأهل ويجعلهم يتأخرون في طلب المساعدة الطبية، الأمر الذي يؤدي إلى دخول الطفل المستشفى وهو في حالة حرجة متقدمة.

• مؤشرات تحذيرية للأهل: ينبغي على الأهل مراجعة الطبيب فوراً إذا ظهرت على الطفل أي من العلامات التالية:

- صعوبة تنفس واضحة.

- سرعة غير طبيعية في التنفس.

- زرقة حول الفم أو الأظافر.

- رفض الرضاعة أو ضعف التغذية.

- خمول شديد أو فقدان الوعي المؤقت.

• التقييم الطبي. ويشمل ما يلي:

- التاريخ المرضي: مراجعة النظام الغذائي، والعادات اليومية، والتأكد من وجود أعراض مرافقة مثل الإسهال، أو فقدان الوزن، أو تأخر النمو. هذه المعلومات توجه الطبيب نحو الأسباب الوظيفية أو المرضية.

- الفحص السريري: تقييم النمو الجسدي للطفل مقارنة بمعدلاته الطبيعية، وفحص البطن والتنفس للكشف عن علامات صعوبة التنفس أو الزرقة.

- الفحوصات المخبرية: تتضمن صورة الدم الكاملة، واختبارات البراز للكشف عن الطفيليات، واختبار التنفس لعدم تحمل اللاكتوز، إضافة إلى فحوصات (PCR) للكشف عن الفيروس، والمسحة الأنفية للكشف السريع عن المستضدات.

- الفحوصات المتقدمة: تشمل التنظير أو التصوير مثل أشعة (CT) عند وجود أعراض إنذارية مثل الدم في البراز أو فقدان الوزن الحاد.

- الفروق التشخيصية: وبينما يضمن الاعتماد على التاريخ المرضي والفحص السريري والفحوصات المختبرية، التشخيص الدقيق، فإن الفيروس التنفسي المخلوي قد يختلط مع أمراض أخرى مثل الإنفلونزا أو كوفيد-19 أو الالتهابات البكتيرية الرئوية؛ لذا ينبغي التفريق بينه وبينها.

• أعباء الفيروس التنفسي المخلوي، وتشمل:

- العبء الصحي، فهذا الفيروس يمثل أحد أبرز أسباب تنويم الأطفال في وحدات العناية المركزة، ويضاعف من استخدام الموارد الصحية في مواسم الشتاء حيث يرفع معدلات الحاجة إلى الأكسجين الصناعي أو أجهزة التنفس الصناعي، كما أنه يزيد من احتمال الإصابة بأمراض مزمنة مستقبلاً مثل الربو.

- العبء الاجتماعي؛ إذ تصاب الأسرة والأقارب بقلق بالغ بسبب التدهور المفاجئ للطفل، كما تزداد الأعباء المالية لديهم نتيجة التنويم والرعاية الطبية، إضافة إلى التسبب في تغيب الأطفال عن الدراسة وفقدان الأهل لأيام العمل.

- العبء النفسي، فإصابة طفل بهذه العدوى لا تنعكس على جسده فقط، بل تهز الأسرة كلها وتترك أثراً نفسياً على الأهل والمراهقين، فالأم تعيش القلق، والأب يشعر بالعجز، وحتى الإخوة يتأثرون بالخوف من الانتكاسات وتكرار التجربة. دعم الأسر وتقديم المشورة النفسية عنصر مهم لتخفيف هذا العبء.

لا يهدد الخدج أو الأطفال ذوي الأمراض المزمنة فقط بل والأصحاء أيضاً

العلاج والوقاية

• العلاج: حتى الآن، يعتبر علاج الفيروس التنفسي المخلوي نهجاً داعماً أكثر من كونه نوعياً حيث لا يوجد علاج نوعي مضاد لهذا الفيروس. ويقتصر التدخل العلاجي بشكل أساسي على:

- العلاج الداعم: إعطاء الأكسجين عند الحاجة.

- تعويض السوائل وريدياً.

- استخدام أجهزة التنفس الصناعي في الحالات الحرجة.

- الأدوية: لا تُستخدم المضادات الحيوية إلا عند وجود عدوى بكتيرية مرافقة. تعطى أدوية مثل سيميثيكون لتخفيف الغازات في بعض الحالات. - البروبيوتيك قيد الدراسة لدعم توازن البكتيريا المعوية.

- الأدوية التجريبية: هناك بعض الأدوية التجريبية (مضادات الفيروسات) قيد البحث، تضم تطورات حديثة مبتكرة منها لقاحات تحتوي على أجسام مضادة طويلة المفعول؛ أثبتت الدراسات أن جرعة واحدة منها تعطى للرضع يمكن أن توفر لهم حماية ضد الفيروس، تستمر لعدة أشهر، تغطي موسم الانتشار.

كما يساعد تطعيم الأمهات الحوامل في نقل الأجسام المضادة إلى الجنين قبل الولادة، فيعزز مناعته بعد الولادة.

• الوقاية: أكدت وزارة الصحة السعودية أن الوقاية من الفيروس التنفسي المخلوي لا تقتصر على الإجراءات العامة مثل غسل اليدين بانتظام، وتغطية الأنف والفم عند العطاس، وتجنب مخالطة المصابين، بل تشمل أيضاً التطعيم الحديث للفئات الأكثر عرضة لمضاعفاته.

وفي أبريل (نيسان) 2024، أعلنت الوزارة بدء توفير لقاح «RSV» في المملكة للفئات العمرية 60 سنة فأكثر، موضحة أن هذا الفيروس لا يقتصر أثره على الأطفال فحسب، بل يُعد سبباً مهماً لالتهابات الجهاز التنفسي وزيادة احتمالات الجلطات القلبية لدى كبار السن. وأكدت أن إدراج اللقاح سيحدث فارقاً كبيراً في تقليل العبء المرضي، لتصبح السعودية بذلك من أوائل الدول عالمياً في اعتماد هذا التطعيم. كما أشارت الوزارة إلى أن هناك لقاحاً آخر قيد الإجازة، مخصصاً لحماية الأطفال الرضع خلال الأشهر الستة الأولى من حياتهم.

• البحث العلمي والمستقبل: يشكل الفيروس التنفسي المخلوي (RSV) محوراً لعدد من الأبحاث الدولية الرامية إلى:

- تطوير لقاحات أكثر فاعلية وأماناً.

- دراسة العلاقة بين الإصابة المتكررة بالفيروس وتطور أمراض تنفسية مزمنة مثل الربو.

- تقييم فاعلية برامج التطعيم الجماعي في تقليل العبء الاقتصادي على الأنظمة الصحية.

نستخلص من هذا المقال أن الحقائق العلمية والقصص الإنسانية تُظهر أن الفيروس التنفسي المخلوي خطر مشترك على جميع الأطفال، سواء كانوا أصحاء أو مرضى، وأن مواجهته لا تعتمد فقط على الأطباء، بل تبدأ من وعي الأسرة وملاحظتها المبكرة. غير أن الوقاية اليوم لم تعد تقتصر على التدابير التقليدية، فقد أتاح العلم سلاحاً جديداً يتمثل في «التطعيم الحديث المحتوي على الأجسام المضادة طويلة المفعول».

إن المبادرة إلى أخذ اللقاح، لدينا في المملكة عبر تطبيق «صحتي»، إلى جانب التثقيف المجتمعي والوعي الأسري، تمثل السبيل الأمثل لتقليل العبء الصحي والاجتماعي وحماية صحة أطفالنا، وضمان مستقبل أكثر أماناً للأجيال القادمة.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

4 مشروبات دافئة تُرطّب الجسم بفاعلية تُقارب الماء

صحتك تناول القهوة باعتدال يمكن أن يوفر ترطيباً مشابهاً للماء لدى الأشخاص المعتادين عليها (بيكسلز)

4 مشروبات دافئة تُرطّب الجسم بفاعلية تُقارب الماء

يُعدّ الماء النقي الخيار الأساسي والأفضل للحفاظ على ترطيب الجسم، لكن ذلك لا يعني أن المشروبات الأخرى لا تُسهم في تلبية احتياجات الجسم من السوائل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الأميرة ميت ماريت تحمل أنبوب الأكسجين (إ.ب.أ)

ولية عهد النرويج تظهر في مناسبة رسمية وهي تحمل أنبوب أكسجين

ظهرت ولية عهد النرويج، الأميرة ميت ماريت، في مناسبة رسمية وهي تحمل أنبوب أكسجين لأول مرة.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
صحتك سرعة مفعول زيت النعناع تعتمد على طريقة استخدامه وتوقيت تطبيقه (بيكسلز)

كم يستغرق زيت النعناع ليبدأ مفعوله في تخفيف الصداع؟

يلجأ كثيرون إلى العلاجات الطبيعية لتخفيف الصداع، ويأتي زيت النعناع في مُقدِّمة هذه الخيارات بفضل خصائصه المُهدِّئة، وتأثيره السريع نسبياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قطرات العين مصممة خصيصاً للتصدي للضعف التدريجي في البصر (أ.ب)

تجنب هذه العادة اليومية لأنها قد تضر ببصرك

يتأثر بصرنا مع التقدم في العمر، حيث تضعف القدرة على الرؤية بوضوح، إلا أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على حدة الإبصار بخلاف عامل السن وحده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك حصى المرارة... كيف تتكون وما طرق تشخيصها؟

حصى المرارة... كيف تتكون وما طرق تشخيصها؟

أفادت نتائج دراسة حديثة بأن ارتفاع استهلاك السكر يزيد من خطر الإصابة بحصى المرارة لدى البالغين.

د. عبير مبارك (الرياض)

المُحليات الصناعية تحت المجهر... آثارها السلبية قد تمتد عبر الأجيال

تشير النتائج إلى أن المحليات الصناعية لها آثار سلبية على الميكروبيوم (جامعة جونز هوبكنز)
تشير النتائج إلى أن المحليات الصناعية لها آثار سلبية على الميكروبيوم (جامعة جونز هوبكنز)
TT

المُحليات الصناعية تحت المجهر... آثارها السلبية قد تمتد عبر الأجيال

تشير النتائج إلى أن المحليات الصناعية لها آثار سلبية على الميكروبيوم (جامعة جونز هوبكنز)
تشير النتائج إلى أن المحليات الصناعية لها آثار سلبية على الميكروبيوم (جامعة جونز هوبكنز)

أظهرت دراسة جديدة أن الآثار السلبية للمحليات الصناعية قد تنتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الأجيال. وتشير النتائج إلى أن المحليات الشائعة، مثل السكرالوز، والستيفيا، قد تؤثر سلباً في الميكروبيوم المعوي (مجتمع الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء)، والتعبير الجيني (التعليمات الوراثية)، مما قد ينعكس على الصحة الأيضية، وهو تأثير قد يمتد بين الأجيال.

وتبدي منظمات صحية قلقها إزاء الآثار المحتملة طويلة الأمد للمحليات الصناعية التي تتميز بمذاقها الحلو، لكنها -على عكس السكر- لا تحتوي على سعرات حرارية.

وقالت الدكتورة فرانسيسكا كونشا سيلوم، من جامعة تشيلي، والمؤلفة الرئيسة للدراسة المنشورة في مجلة «فرونتيرز إن نيوتريشن»: «وجدنا أنه من المثير للاهتمام أنه رغم تزايد استهلاك هذه المضافات، فإن معدلات السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي، مثل مقاومة الإنسولين، لم تنخفض».

وأضافت في بيان صدر الجمعة: «هذا لا يعني أن المحليات مسؤولة عن هذه الاتجاهات، لكن ذلك يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تؤثر في عملية التمثيل الغذائي بطرق لم نفهمها تماماً بعد».

وأوضحت كونشا أن «الاختبارات التي أُجريت على النماذج الحيوانية تتيح التحكم بدقة عالية في الظروف البيئية، وعزل تأثير عامل محدد، مثل مركب غذائي، مع متابعة أجيال عدَّة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً».

وخضع كل جيل من حيوانات التجارب لاختبار تحمل الغلوكوز الفموي، الذي يقيس مقاومة الإنسولين، وهي علامة تحذيرية لمرض السكري.

كما أخذ الباحثون عينات من البراز لفحص التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء، وتركيز الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة التي قد تشير إلى تغيرات فوق جينية (تعديلات كيميائية تطرأ على الحمض النووي، وقد تؤدي إلى تشغيل الجينات، أو إيقافها)، وقابلة للانتقال عبر الأجيال. ويُعتقد أن المحليات تؤثر في هذه الأحماض من خلال إضعاف وظيفة الميكروبيوم المعوي، مما قد يغيّر في نهاية المطاف التعبير الجيني.

جينات مرتبطة بالالتهاب

درس العلماء أيضاً تعبير 5 جينات مرتبطة بالالتهاب، ووظيفة حاجز الأمعاء، وعمليات الأيض في الكبد، والأمعاء. وقد اختيرت هذه الجينات لتقديم صورة عن التأثيرات اللاجينية المحتملة في الأمعاء، وعوامل الالتهاب، وعمليات الأيض التي قد تكون مسؤولة عن الآثار الصحية السلبية للمحليات غير المغذية.

ووجد الباحثون أن المحليات المختلفة تُنتج تأثيرات متباينة، وتتغير بمرور الوقت.

قطع صغيرة من السكر (بيكسلز)

قالت كونشا: «عند مقارنة الأجيال، كانت هذه التأثيرات أقوى عموماً في الجيل الأول، ثم بدأت بالتراجع في الجيل الثاني. وبشكل عام، كانت التأثيرات المرتبطة بالسكرالوز أكثر اتساقاً واستمراراً عبر الأجيال».

وأضافت: «يمكن تفسير التغيرات التي لاحظناها في تحمل الغلوكوز والتعبير الجيني بوصفها إشارات بيولوجية مبكرة مرتبطة بعمليات الأيض، أو الالتهاب».

وأوضحت أنه، على سبيل المثال، لم تُصب الحيوانات بداء السكري، بل لوحظت تغيرات طفيفة في كيفية تنظيم الجسم للغلوكوز، وفي نشاط الجينات المرتبطة بالالتهاب، وتنظيم التمثيل الغذائي. وقد تزيد هذه التغيرات من قابلية الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي في ظل ظروف معينة، مثل اتباع نظام غذائي غني بالدهون.

لكن الفريق البحثي يؤكد أنه على الرغم من أن هذه الدراسة تُظهر ارتباطات بين تغيرات مختلفة في الحالة الصحية، فإنها لا تُثبت وجود علاقة سببية.

وتختتم كونشا قائلة: «لا يهدف هذا البحث إلى إثارة الذعر، بل إلى تسليط الضوء على الحاجة إلى مزيد من الدراسات. وقد يكون من المعقول التفكير في الاعتدال في استهلاك هذه المحليات الصناعية».


هل شرب الماء قبل النوم مفيد أم مضر؟

تظهر الأبحاث أن فوائد شرب الماء قبل النوم قد تفوق مخاطره (بيكسلز)
تظهر الأبحاث أن فوائد شرب الماء قبل النوم قد تفوق مخاطره (بيكسلز)
TT

هل شرب الماء قبل النوم مفيد أم مضر؟

تظهر الأبحاث أن فوائد شرب الماء قبل النوم قد تفوق مخاطره (بيكسلز)
تظهر الأبحاث أن فوائد شرب الماء قبل النوم قد تفوق مخاطره (بيكسلز)

يُقدِّم شرب الماء قبل النوم فوائد عدة؛ إذ قد يُطيل مدته، ويُحسِّن جودته، بالإضافة إلى انعكاس ذلك على تحسين الصحة العامة. وقد يميل بعضهم إلى تجنُّب شرب الماء قبيل النوم مباشرةً لتفادي الاستيقاظ للتبوُّل، غير أن الأبحاث تُظهر أن فوائد شرب الماء قبل النوم قد تفوق مخاطره. ومع ذلك، يُنصح بتقليل تناول السوائل قبل النوم بساعتين إلى أربع ساعات، والاكتفاء بشرب نحو 30ملل من الماء قبل النوم مباشرةً، للتقليل من احتمالية الاستيقاظ ليلاً للتبوُّل.

يستعرض تقرير نُشر يوم الجمعة على موقع «فيري ويل هيلث» فوائد شرب الماء قبل النوم، وأضراره، وكيف يمكن تعظيم هذه الفوائد، والحد من تلك الأضرار. وفيما يلي أبرز هذه الفوائد:

ترطيب الجسم

تشكل ساعات النوم في المتوسط نحو ثلث اليوم، ما يعني أن ثلثي اليوم فقط يتبقيان لضمان ترطيب الجسم بشكل كافٍ. ويُعد ترطيب الجسم خلال ساعات النهار ضرورياً لتحسين وظائف الجسم، والعقل. وعندما لا يكون تناول الماء كافياً خلال اليوم، فقد يساعد شرب كميات معتدلة منه قبل النوم في تحقيق هذا الغرض الحيوي.

تحسين الهضم

يهضم الجسم الطعام أثناء الراحة، وكذلك خلال النوم، ويلعب الماء دوراً مهماً في هذه العملية. ويُنصح عموماً بشرب 8 أكواب من الماء يومياً. ويساعد شرب الماء قبل النوم على تحسين عملية الهضم، وتسهيل حركة الأمعاء صباحاً، كما يقلل الشعور بالجوع، ويعزز الإحساس بالشبع، مما يحد بدوره من الإفراط في تناول الطعام قبل النوم؛ إذ إن الجوع أو الإفراط في تناول الطعام مساءً يؤثران سلباً في جودة النوم.

تحسين جودة النوم

يساعد شرب الماء قبل النوم على تنظيم درجة حرارة الجسم وتحسين جودة النوم (بيكسلز)

يُساعد شرب الماء قبل النوم على تنظيم درجة حرارة الجسم، وتحسين جودة النوم؛ فالماء عنصر أساسي لوظائف الجسم، والعقل، بما في ذلك دورات النوم.

وفي المقابل، ورغم أن شرب الماء قد يخفف من آلام العضلات، والصداع، فإن تقليل شرب الماء قبل النوم قد يؤدي إلى الجفاف، خصوصاً عند عدم تناول كمية كافية من الماء خلال اليوم، وهو ما يرتبط بعدد من الأعراض، والآثار الصحية السلبية، مثل الصداع، وآلام العضلات.

كما أظهرت الأبحاث أن شرب الماء قبل النوم قد يُسهم في تخفيف أعراض الاكتئاب، والقلق؛ إذ إن ترطيب الجسم الجيد يساعد على التخفيف من حدتهما. إضافةً إلى ذلك، فإن جودة النوم وكميته تقيان من مخاطر الإصابة بالاكتئاب.

الأضرار

تتمثل المشكلة الرئيسة في شرب كميات كبيرة من الماء قبل النوم مباشرةً في الاستيقاظ ليلاً للتبوُّل. ويستخدم نحو ثلث البالغين دورة المياه مرتين على الأقل في الليلة بعد بلوغ سن الثلاثين، وقد يؤثر ذلك سلباً في جودة النوم. ويمكن أن يحقق شرب كميات أقل من الماء قبل النوم فوائد مع مخاطر أقل؛ إذ يستطيع الجسم الاستفادة منه، وتخزينه في المثانة حتى الصباح.

كما قد يؤدي الإفراط في شرب الماء قبل النوم مباشرةً إلى تفاقم أعراض حموضة المعدة لدى الأشخاص الذين يعانون منها. في المقابل، قد يخفف شرب كميات أقل منه قبل النوم من هذه الأعراض. وللاستفادة من شرب الماء قبل النوم مع تقليل خطر الإصابة بحموضة المعدة، يُنصح بشربه قبل النوم بنحو نصف ساعة، أو الاكتفاء بكميات قليلة قبل النوم مباشرةً.


4 مشروبات دافئة تُرطّب الجسم بفاعلية تُقارب الماء

تناول القهوة باعتدال يمكن أن يوفر ترطيباً مشابهاً للماء لدى الأشخاص المعتادين عليها (بيكسلز)
تناول القهوة باعتدال يمكن أن يوفر ترطيباً مشابهاً للماء لدى الأشخاص المعتادين عليها (بيكسلز)
TT

4 مشروبات دافئة تُرطّب الجسم بفاعلية تُقارب الماء

تناول القهوة باعتدال يمكن أن يوفر ترطيباً مشابهاً للماء لدى الأشخاص المعتادين عليها (بيكسلز)
تناول القهوة باعتدال يمكن أن يوفر ترطيباً مشابهاً للماء لدى الأشخاص المعتادين عليها (بيكسلز)

يُعدّ الماء النقي الخيار الأساسي والأفضل للحفاظ على ترطيب الجسم، إلا أن ذلك لا يعني أن المشروبات الأخرى لا تُسهم في تلبية احتياجات الجسم من السوائل. فبعض المشروبات الدافئة، مثل الشاي والقهوة، تحتوي في معظمها على الماء، وقد تُوفر ترطيباً فعّالاً عند تناولها باعتدال. وتُشير الأبحاث إلى أن هذه المشروبات يمكن أن تكون جزءاً من النظام اليومي للترطيب، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

فيما يلي 4 مشروبات دافئة قد تُساعد في الحفاظ على ترطيب الجسم:

1. الشاي الأسود أو الأخضر

تُستخلص أنواع الشاي التي تحتوي على الكافيين -مثل الشاي الأسود والأخضر والأبيض والأولونغ- من نبات الكاميليا الصينية، وهو نبات مزهر دائم الخضرة. وبفضل محتواها المرتفع من الماء، تُسهم هذه الأنواع من الشاي في تلبية احتياجات الجسم اليومية من السوائل.

وغالباً ما يُعتقد أن الكافيين، بوصفه مادة مُدرّة للبول، قد يؤدي إلى الجفاف. غير أن الأبحاث تُشير إلى أن استهلاك الشاي المحتوي على الكافيين بكميات معتدلة لا يُسبب فقدان سوائل أكبر من الماء، وهذا يعني أن الشاي الدافئ يمكن أن يُسهم في ترطيب الجسم بفاعلية.

وقد أظهرت تجربة عشوائية مُحكمة قارنت بين الشاي الأسود والماء عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في مؤشرات الترطيب أو توازن السوائل، ما يُشير إلى أن تناول الشاي بكميات معتدلة يوفر ترطيباً مماثلاً للماء.

2. شاي الأعشاب

يُعدّ الشاي العشبي -مثل النعناع والزنجبيل والبابونغ- خياراً طبيعياً خالياً من الكافيين. وعلى عكس الشاي التقليدي، لا يُحضّر من نبات الكاميليا الصينية، بل من أوراق وأزهار وجذور نباتات مختلفة، لذا يُصنّف ضمن المشروبات العشبية.

ورغم أن معظم الدراسات ركَّزت على الشاي بشكل عام، فإن الأدلة تُشير إلى أن المشروبات قليلة الكافيين أو الخالية منه، مثل شاي الأعشاب، تتصرف بطريقة مشابهة للماء من حيث الترطيب، خصوصاً بعد حالات الجفاف الطفيف.

وفي دراسة حول توازن السوائل، لم يُظهر الشاي منخفض الكافيين أي تأثير سلبي على الترطيب مقارنة بالماء، كما لم يكن احتباس السوائل بعد شربه مختلفاً بشكل ملحوظ عن الماء بعد ساعتين من تناوله.

3. القهوة

تتكون القهوة السوداء في معظمها من الماء، وتحتوي على كمية من الكافيين قد تزيد من إدرار البول لدى بعض الأشخاص. ومع ذلك، تُشير الأبحاث إلى أن تأثيرها على ترطيب الجسم يكون محدوداً لدى من يستهلكونها بانتظام وبكميات معتدلة.

وأظهرت دراسة مضبوطة تناولت تأثير جرعات مختلفة من الكافيين في القهوة على توازن السوائل أن الجرعات المرتفعة (نحو 537 ملليغراماً أو أكثر، أي ما يُعادل 4 إلى 5 أكواب قوية) قد تزيد من فقدان السوائل، في حين لا تؤثر الجرعات المنخفضة إلى المعتدلة (نحو 269 ملليغراماً، أي 2 إلى 3 أكواب) على توازن السوائل مقارنة بالماء.

كما لم تجد دراسة أخرى قارنت بين استهلاك القهوة والماء فروقاً ذات دلالة إحصائية في مؤشرات الترطيب في الدم والبول، ما يُشير إلى أن تناول القهوة باعتدال يمكن أن يوفر ترطيباً مشابهاً للماء لدى الأشخاص المعتادين عليها.

4. الحليب الدافئ

نظراً لاحتواء الحليب في معظمه على الماء، فإنه يُسهم في زيادة كمية السوائل التي يتناولها الجسم. وتُشير بعض الأدلة إلى أنه قد يُساعد الجسم على الاحتفاظ بالسوائل لفترة أطول مقارنة بالماء.

وفي دراسة استخدمت مؤشر ترطيب المشروبات -وهو مقياس يقارن قدرة المشروبات على ترطيب الجسم- سجّل الحليب كامل الدسم والخالي من الدسم قيماً أعلى من الماء، ما يدل على بقائه لفترة أطول في الجسم، بناءً على معدلات البول واحتباس السوائل على مدى عدة ساعات.

ويرجع ذلك إلى احتواء الحليب على عناصر مثل الصوديوم والبوتاسيوم، وهما من الإلكتروليتات التي تُساعد على الاحتفاظ بالسوائل، بالإضافة إلى الكربوهيدرات التي تُبطئ عملية إفراغ المعدة، ما يطيل مدة الترطيب.