ميكروبات الأمعاء وتأثيراتها على الصحة العقلية

التكامل بين العلاجات التقليدية والتغذوية يحقق تحسنها

	المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء
المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء
TT

ميكروبات الأمعاء وتأثيراتها على الصحة العقلية

	المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء
المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء

تعدّ ميكروبات الأمعاء جزءاً أساسياً من النظام البيئي البشري إذ يوجد في الجهاز الهضمي ما يزيد على 1000 نوع من البكتيريا.

تعايش وتفاعل

هذه البكتيريا لا تعيش فقط في توازن دقيق، بل يتفاعل أيضاً بعضها مع بعض، ومع خلايا المضيف (الإنسان) بطرق معقدة. وعلى سبيل المثال، فإن بعض بكتيريا الأمعاء ينتج الأحماض الدهنية القصيرة؛ مثل البوتيرات، التي تعدّ ضمن السلسلة الغذائية للخلايا المبطنة للأمعاء، ولها تأثيرات مضادة للالتهابات.

ميكروبات الأمعاء - أو الميكروبيوم المعوي - تتكون من تريليونات من البكتيريا والفطريات والفيروسات والبروتوزوا التي تعيش في الجهاز الهضمي. وتلعب هذه الميكروبات دوراً حيوياً في هضم الطعام، وإنتاج الفيتامينات، وتعزيز نظام المناعة. بالإضافة إلى ذلك، تفرز ميكروبات الأمعاء مواد كيميائية يمكن أن تؤثر على الدماغ.

وفي العقود الأخيرة، ازداد الاهتمام بالصحة العقلية بشكل ملحوظ، حيث أصبح من الواضح أن الصحة العقلية والصحة الجسدية مترابطتان بشكل وثيق. وواحد من أهم الاكتشافات في هذا المجال هو العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والصحة العقلية.

وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن توازن ميكروبات الأمعاء يمكن أن يكون له تأثير كبير على وظائف الدماغ والمزاج والسلوكيات.

الصحة العقلية

تعد الصحة العقلية أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتشمل: الاضطرابات النفسية، بشكل رئيسي، والقلق والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب واضطراب طيف التوحد (ASD) والفصام واضطرابات الأكل. وفي عام 2019، قُدر عدد الأفراد الذين يعانون من الاضطرابات النفسية بما يقارب 970 مليوناً (National Library of Medicine (NLM)).

ويمكن أن تؤثر الاضطرابات النفسية على الدراسة والعمل والحياة الطبيعية للمرضى، وتؤدي إلى الانتحار في المواقف الشديدة. علاوة على ذلك، يمكنها أن تؤثر على الحياة الطبيعية لأفراد أسرة المريض. وحديثاً، برزت الاضطرابات النفسية بوصفها مصدر قلق كبيراً على الصحة العامة في جميع أنحاء العالم، وتؤدي أيضاً إلى عبء طبي كبير وخسارة اقتصادية.

ميكروبات الأمعاء

من ناحية أخرى، فإن الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء ومستقلباتها لها تأثير كبير على الحفاظ على الصحة العامة للمضيف؛ إذ تم الإبلاغ عن أن خلل التنسج البكتيري في الأمعاء يرتبط بحدوث وتطور كثير من الأمراض الأيضية المزمنة، مثل السمنة ومرض السكري والسرطانات، علاوة على ربط الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء بالصحة العقلية، التي حظيت باهتمام مزداد في السنوات الأخيرة.

وتم الإبلاغ عن أن الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء يمكن أن تؤثر على الدماغ والصحة العقلية بعدة طرق؛ مثل العصب الحائر (Vagus nerve)، والتنظيم الميكروبي للإشارات المناعية العصبية، واستقلاب التربتوفان بوساطة الكائنات الحية الدقيقة، والتحكم الميكروبي في وظيفة الغدد الصماء العصبية، والإنتاج الميكروبي للمركبات العصبية النشطة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للميكروبات المعوية إنتاج وتنظيم الناقلات العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين والغلوتامات، التي تلعب أدواراً مهمة في الأنشطة العصبية والمناعية في الدماغ.

المحور الجرثومي المعوي العصبي

المحور الجرثومي المعوي العصبي (Gut-Brain Axis) هو نظام التواصل بين الأمعاء والدماغ، وهو يشمل إشارات عصبية، وهرمونات، وجزيئات مناعية تنتقل بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء. إن الدور الرئيسي لهذا المحور هو تنظيم وظائف الجهاز الهضمي، وحديثاً، تشير الأبحاث إلى أن له دوراً أكبر في التأثير على الحالة المزاجية والسلوك.

ويعمل المحور الجرثومي المعوي العصبي قناة اتصال بين الأمعاء والدماغ، تنقل الإشارات عبر العصب الحائر (Vagus nerve) من الأمعاء إلى الدماغ والعكس. بالإضافة إلى هذا العصب الحائر، تلعب الهرمونات والإشارات الكيميائية التي تفرزها ميكروبات الأمعاء دوراً مهماً في هذه العملية.

على سبيل المثال، تنتج البكتيريا نواقل عصبية مثل حمض غاما أمينوبوتيريك (Gamma-aminobutyric acid (GABA))، وهو حمض أميني يعمل ناقلاً عصبياً له تأثير مهدئ ومثبط أساسي للجهاز العصبي المركزي (CNS)، (GABA)، يقلل من قدرة الخلية العصبية على استقبال، أو إنشاء، أو إرسال رسائل كيميائية إلى الخلايا العصبية الأخرى.

تأثيرات ميكروبات الأمعاء على الصحة العقلية

• الإنتاج الكيميائي العصبي. ميكروبات الأمعاء قادرة على إنتاج واستهلاك كثير من النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، التي ترتبط بالحالة المزاجية. فالبنسبة للسيروتونين، على سبيل المثال، يتم إنتاج 90 في المائة منه في الأمعاء، ويعدّ من النواقل العصبية الأساسية التي تساعد في تنظيم المزاج والشعور بالسعادة. أما الدوبامين فإنه من جهته، يلعب دوراً في الشعور بالمكافأة والتحفيز. بالتالي، فإن أي خلل في إنتاج هذه النواقل العصبية يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات عقلية.

السيروتونين والدوبامين ليسا الوحيدين اللذين يتأثران بميكروبات الأمعاء، بل هناك أيضاً «نور أدرينالين» و«أسيتيل كولين» و«غابا». فهذه النواقل تلعب دوراً في تنظيم النوم، والشهية، والمزاج والطاقة العامة. ومعروف أن «غابا» يساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتقليل القلق.

• التفاعل مع الجهاز المناعي. ميكروبات الأمعاء تلعب دوراً في تنظيم الجهاز المناعي، ويمكن للالتهابات المزمنة الناجمة عن عدم توازن الميكروبات أن تؤثر سلباً على الدماغ وتسهم في تطور اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق. وتشير الأبحاث إلى أن الالتهابات المزمنة تؤدي إلى إفراز مواد كيميائية مثل السيتوكينات التي يمكن أن تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتؤثر على وظائف الدماغ. ويتم التفاعل بين ميكروبات الأمعاء والجهاز المناعي عبر إشارات كيميائية معقدة. لذا تساعد الميكروبات الجيدة في تطوير وتنظيم الجهاز المناعي، ما يمنع الالتهابات المزمنة التي يمكن أن تؤثر سلباً على الدماغ.

• الحاجز الدموي الدماغي. الحاجز الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier) هو حاجز فيزيولوجي وهيكل واقٍ يمنع المواد الضارة في الدم من الوصول إلى الدماغ. وتشير الدراسات إلى أن الميكروبات تلعب دوراً في الحفاظ على سلامة هذا الحاجز، وأن أي تدهور في الحاجز الدموي الدماغي يمكن أن يؤدي إلى تسرب المواد الضارة إلى الدماغ، ما يسهم في تطور الأمراض العقلية مثل الاكتئاب والقلق.

دراسات وأدلة علمية

• دراسات الحيوان. أظهرت الدراسات التي أجريت على الفئران أن تغيير ميكروبات الأمعاء يمكن أن يغير سلوك الفئران. على سبيل المثال، الفئران التي خضعت لنقل ميكروبات من فئران مكتئبة أظهرت سلوكيات مشابهة للاكتئاب. وتعزز هذه الدراسات الرأي بأن ميكروبات الأمعاء تلعب دوراً مباشراً في التأثير على السلوك والحالة المزاجية.

• دراسات الإنسان. أظهرت الدراسات التي أجريت على البشر أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية مثل الاكتئاب، لديهم تنوع ميكروبي أقل في أمعائهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسات السريرية أظهرت أن تناول البروبيوتيك يمكن أن يحسن الحالة المزاجية ويقلل من مستوى القلق والاكتئاب. على سبيل المثال، من تلك الدراسات دراسة أجريت على طلاب جامعيين أظهرت أن تناول البروبيوتيك لمدة 6 أسابيع أدى إلى تحسين الحالة المزاجية وتقليل التوتر.

وقد أصبحت تأثيرات المنتجات الطبيعية ضد الاضطرابات العقلية نقطة بحثية ساخنة في مجالات علوم الأغذية والتغذية وعلم النفس والطب النفسي في السنوات الأخيرة، كما أظهرت الدراسات أن بعض البروبيوتيك والمنتجات الطبيعية له أدوار حيوية في إدارة الاضطرابات العقلية من خلال تعديل الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء.

وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أن تناول كميات كبيرة من الخضار والفواكه والألياف ارتبط بشكل إيجابي بالصحة العقلية لدى مجتمع يبلغ 502494 من البالغين في منتصف العمر. كما أظهرت دراسة أخرى أجريت على 482 مشاركاً أن النظام الغذائي الغني بالتريبتوفان كان مرتبطاً سلباً بالاكتئاب، ويمكن أن يحسن الإدراك الاجتماعي.

• دراسة متعددة العوامل؛ أظهرت أن لميكروبات الأمعاء تأثيراً إيجابياً في الحفاظ على الصحة العقلية من خلال إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة وتنظيم الأحماض الأمينية. لذلك، يمكن أن تكون طريقة محتملة لاستهداف ميكروبات الأمعاء للوقاية من الاضطرابات النفسية وعلاجها.

تطبيقات علاجية

• البروبيوتيك والبريبايوتيك: البروبيوتيك (probiotics) هي مكملات تحتوي على بكتيريا حية مفيدة يمكن أن تعزز توازن الميكروبات في الأمعاء. أما البريبايوتيك (prebiotics) فهي ألياف غذائية تغذي البكتيريا الجيدة. وكلاهما أظهر فاعلية في تحسين الحالة المزاجية وخفض مستوى القلق. ويمكن أن تشمل البروبيوتيك بكتيريا مثل «Lactobacillus» و«Bifidobacterium»، التي تعدّ مفيدة لصحة الأمعاء.

• النظام الغذائي. يلعب دوراً كبيراً في صحة الميكروبات. فالأطعمة الغنية بالألياف والمخمرة مثل الزبادي والخضراوات الورقية يمكن أن تعزز صحة الميكروبيوم. الأطعمة المعالجة والسكرية يمكن أن تؤدي إلى اختلال في توازن الميكروبات وزيادة الالتهابات.

• العلاجات النفسية والدوائية. بعض العلاجات النفسية مثل العلاج السلوكي المعرفي، بالإضافة إلى الأدوية النفسية، قد يكون أكثر فاعلية عند استخدامه مع استراتيجيات تستهدف تحسين صحة الميكروبات. إذ تشير الأبحاث إلى أن التداخل بين العلاج النفسي وتحسين صحة الأمعاء يمكن أن يؤدي إلى نتائج أفضل في علاج الاكتئاب والقلق.

وأخيراً، ورغم التقدم الكبير في فهم العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والصحة العقلية، لا تزال هناك تحديات؛ من بينها التنوع الكبير في الميكروبيوم بين الأفراد، ما يجعل من الصعب تطوير علاجات شاملة. ومع ذلك، فإن هذا المجال يوفر فرصاً كبيرة لتطوير علاجات جديدة وشخصية تستهدف تحسين الصحة العقلية من خلال توازن ميكروبات الأمعاء.

إن العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والصحة العقلية هي مجال ناشئ ومثير للاهتمام في البحث العلمي. والفهم الأفضل لهذه العلاقة يمكن أن يؤدي إلى طرق جديدة لتعزيز الصحة العقلية من خلال العناية بصحة الأمعاء. ومن خلال التكامل بين العلاجات التقليدية والتغذية والعناية بالميكروبات، يمكن تحقيق تقدم كبير في علاج وتحسين الصحة العقلية.

• استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

صحتك الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

ما لا يدركه كثيرون هو أن التعامل غير السليم مع الأرز المطبوخ قد يحوّله إلى مصدر محتمل للتسمم الغذائي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك التقنية الجديدة تجعل أنسجة الدماغ الحي شفافة دون التأثير على وظائفها الحيوية (أرشيف - رويترز)

اختراق علمي مذهل... علماء ينجحون في جعل الدماغ الحي شفافاً

نجح باحثون يابانيون في تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق، تمثل في تطوير تقنية جديدة تجعل أنسجة الدماغ الحي شفافة دون التأثير على وظائفها الحيوية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك كوب من عصير التوت الأزرق الطازج (بيكسباي)

فوائد عصير التوت لمرضى القلب

عصير التوت مفيد لمرضى القلب؛ لأنه غني بمضادات الأكسدة التي تُحسن مرونة الأوعية الدموية وتقلل الالتهابات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك سيدة تتمرن بإحدى الصالات الرياضية في رمضان (أرشيفية-أ.ف.ب)

اختباران بسيطان للقوة يتنبآن بطول العمر لدى النساء

أظهرت دراسة جديدة أن قوة العضلات، كما جرى تحديدها من خلال اختبارين، كانت مؤشراً رئيسياً على خطر الوفاة لدى النساء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض مصادر البروتين ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمشكلات صحية مثل أمراض القلب (بيكسلز)

بين اللحوم والبقوليات: أي البروتينات أنسب لصحتك؟

توضح جامعة هارفارد أن اللحوم تُعد مصدراً غنياً بالبروتين عالي الجودة، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من أن بعض أنواعها تحتوي على نسب مرتفعة من الدهون المشبعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأغذية المصنعة سبب انتشار «نوبات الشراهة» عالمياً

اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)
اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)
TT

الأغذية المصنعة سبب انتشار «نوبات الشراهة» عالمياً

اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)
اللحوم المصنعة غالباً ما تكون غنية بالصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية (رويترز)

أفادت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين من جامعة ميشيغان الأميركية، بأن الأطعمة المصنَّعة سبب رئيسي لانتشار «نوبات الشراهة» في مختلف بلدان العالم الحديث. ووفق نتائج دراستهم، فإن تحليل بيانات أكثر من أربعة عقود من الأبحاث يكشف عن أن الأطعمة المصنعة بكثرة ليست شائعة فقط في نوبات الشراهة، بل هي ظاهرة شبه عالمية.

وكشفت الدراسة المنشورة في دورية «International Journal of Eating Disorders»، المعنية بأبحاث اضطرابات الأكل، أن نوبات الشراهة ظهرت كمشكلة سريرية بالتزامن مع سيطرة الأطعمة المصنعة على الإمدادات الغذائية، وأنها لم تبدأ بالظهور في الأدبيات العلمية إلا في سبعينات القرن الماضي بالتزامن تقريباً مع ازدياد هيمنة الأطعمة المصنعة على البيئة الغذائية في العالم.

وقال الباحثون إنه على الرغم من ذلك، نادراً ما تناولت أبحاث اضطرابات الأكل كيفية مساهمة الأطعمة في انتشار «نوبات الشراهة».

وأضافوا، في بيان الثلاثاء، أنه عندما ينغمس الناس في نوبات الشراهة، نادراً ما يكون البروكلي أو التفاح ضمن قائمة طعامهم. بدلاً من ذلك، تظهر أطعمة مثل الكعك والبسكويت والآيس كريم والشوكولاته باستمرار، وتشير دراستهم إلى أن هذا ليس من قبيل الصدفة.

وتسلط هذه الدراسة الضوء على ثغرة كبيرة في أبحاث اضطرابات الأكل. فعلى مدى عقود، دُرست نوبات الشراهة بشكل أساسي بوصفها مشكلة نفسية أو سلوكية، مع إيلاء اهتمام أقل بكثير للأطعمة نفسها.

ويصيب اضطراب الشراهة نحو 2 في المائة من سكان العالم، وتشير بعض الدراسات إلى أنه يصيب النساء بنسبة أعلى من الرجال. يتميز هذا المرض بتأثيره النفسي المباشر على نمط تناول الطعام للأفراد المصابين، حيث يتم تبني عادات غير صحية في تناول الطعام، مثل زيادة كميات الطعام المتناولة. ينجم ذلك عن بعض العادات السلوكية السيئة أو التأثيرات النفسية، والعوامل البيئية التي يتعرض لها المصاب.

عادةً ما تكون الأطعمة المصنعة غنية بالسكريات والدهون غير الصحية (جامعة هارفارد)

وقد يؤدي اضطراب شراهة الطعام في بعض الحالات إلى زيادة كبيرة في الوزن، ويمكن أن يسبب مشكلات نفسية مثل مرض الاكتئاب أو قد يكون ناتجاً عن أو أنه يشير إلى مشكلات نفسية أخرى.

50 عاماً من الأبحاث

وعلى مدار 50 عاماً من الأبحاث، تضمنت نوبات الشراهة في الغالب أطعمة مصنعة بكثرة: في مراجعة 41 دراسة امتدت من عام 1973 إلى عام 2023، كان نحو 70 في المائة من الأطعمة التي تم الإبلاغ عنها خلال نوبات الشراهة مصنَّعة بكثرة، فيما شكَّلت الأطعمة قليلة التصنيع نحو 15 في المائة فقط. من النادر جداً أن ينغمس الناس في نوبات الشراهة بتناول الأطعمة قليلة التصنيع وحدها.

ووفق النتائج، فإن أكثر الأطعمة شيوعاً في نوبات الشراهة هي المنتجات المصنَّعة المصمَّمة لتكون مُرضية للغاية: تظهر نفس الأطعمة مراراً وتكراراً على مدى عقود خلال نوبات الشراهة -الكعك، والآيس كريم، والبسكويت، والشوكولاته، والمعجنات، والبيتزا، ورقائق البطاطس. عادةً ما تكون هذه الأطعمة مصنَّعة للغاية ومصمَّمة بمزيج من المكونات -مثل الكربوهيدرات المكررة والدهون- مما يجعلها مُرضية ومثيرة للشهية للغاية ويسهل الإفراط في تناولها.

ويقول الباحثون إن فهم هذا النمط أمر بالغ الأهمية، لأنه قد يُغير طريقة تعامل الأطباء والأسر وصناع السياسات مع الوقاية والعلاج. وتشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن طبيعة الأطعمة المستهلكة قد تكون جزءاً مهماً من الحل، لا سيما في البيئات التي تتوفر فيها الأطعمة المصنعة على نطاق واسع.


هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)
الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)
TT

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)
الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)

يُعد الأرز من أكثر الأطعمة شيوعاً على الموائد حول العالم، وغالباً ما يُحتفظ ببقاياه لإعادة تسخينها لاحقاً. لكن ما لا يدركه كثيرون هو أن التعامل غير السليم مع الأرز المطبوخ قد يحوّله إلى مصدر محتمل للتسمم الغذائي. وتُعرف هذه الحالة باسم «متلازمة الأرز المُعاد تسخينه» — أو «متلازمة الأرز المقلي» — وهي ظاهرة صحية ترتبط بنمو نوع معيّن من البكتيريا في الأرز عند تركه في ظروف غير مناسبة.

وتؤدي هذه المتلازمة إلى ظهور أعراض التسمم الغذائي، مثل الإسهال والقيء، نتيجة تكاثر بكتيريا تُعرف باسم Bacillus cereus (العصوية الشمعية) في الأرز الذي يُترك مكشوفاً أو في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة، وذلك وفقاً لما أورده موقع «هيلث».

ما أنواع متلازمة الأرز المُعاد تسخينه؟

تنقسم هذه المتلازمة إلى نوعين رئيسيين: النوع «المُقيء» (الذي يسبب القيء)، والنوع «المُسهل» (الذي يسبب الإسهال). وعلى الرغم من أن كليهما يندرج ضمن اضطرابات الجهاز الهضمي، فإن لكل نوع آلية تأثير مختلفة، كما تختلف المدة الزمنية لظهور الأعراض بعد تناول الطعام الملوث.

النوع المُقيء

يرتبط هذا النوع بإفراز سم يُعرف باسم «سيريولايد» (cereulide)، وهو مسؤول عن تحفيز الغثيان والقيء بسرعة. وعادةً ما تظهر الأعراض خلال فترة تتراوح بين 30 دقيقة و6 ساعات من تناول أرز تُرك في درجة حرارة الغرفة لفترة طويلة. ويُعد هذا النوع الأكثر شيوعاً بين حالات التسمم المرتبطة بالأطعمة النشوية، خصوصاً الأرز.

النوع المُسهل

أما هذا النوع، فينتج عن إفراز «سموم معوية» (enterotoxins)، تؤثر في الجزء السفلي من الجهاز الهضمي، ولا سيما الأمعاء الدقيقة. وتظهر أعراضه في وقت متأخر مقارنة بالنوع المُقيء، إذ تتسبب في تقلصات بالبطن وإسهال مائي، عادةً بعد مرور 6 إلى 15 ساعة من تناول الطعام الملوث.

ما الأعراض التي ينبغي الانتباه إليها؟

تشمل الأعراض الشائعة لمتلازمة الأرز المُعاد تسخينه:

- تقلصات في البطن

- صداع

- غثيان

- قيء

- إسهال مائي

وغالباً ما تختفي هذه الأعراض من تلقاء نفسها خلال 24 ساعة.

لماذا قد يجعلك الأرز المتبقي مريضاً؟

تحدث هذه المتلازمة عند تناول طعام ملوث ببكتيريا B. cereus، وهي بكتيريا شائعة توجد في التربة والغبار، وكذلك في بعض الأطعمة النيئة مثل الأرز. وعلى الرغم من أن الطهي يقضي عادةً على البكتيريا، فإنه قد يترك وراءه «أبواغاً» (spores) مقاومة للحرارة.

وتتميز هذه الأبواغ بقدرتها على تحمّل درجات الحرارة العالية، ما يعني أنها لا تتأثر بعمليات إعادة التسخين، سواء في الميكروويف أو أجهزة الطهي أو على الموقد. وعندما يُترك الأرز المطبوخ ليبرد في درجة حرارة الغرفة، تبدأ هذه الأبواغ في التكاثر وإنتاج السموم.

وفي الواقع، فإن التسمية الشائعة «متلازمة الأرز المُعاد تسخينه» قد تكون مضلِّلة بعض الشيء؛ إذ تبدأ المشكلة غالباً بعد الطهي الأولي وترك الأرز خارج التبريد، وليس عند إعادة تسخينه لاحقاً. فإذا تُرك الأرز لأكثر من ساعتين في درجة حرارة الغرفة، تزداد احتمالية تكاثر البكتيريا وإنتاج السموم.

وتُنتج بكتيريا B. cereus نوعين من السموم لا يمكن القضاء عليهما بإعادة التسخين. ولذلك، يمكن أن يسبب الأرز المرض سواء أُعيد تسخينه أو تم تناوله بارداً أو حتى وهو فاتر. ويعتمد نوع السم الناتج على مدة بقاء الطعام خارج التبريد، وكذلك على درجة الحرارة التي حُفظ فيها خلال تلك الفترة.

كيف يمكنك الوقاية من «متلازمة الأرز المُعاد تسخينه»؟

للحد من خطر الإصابة بهذه المتلازمة، يُنصح باتباع الإرشادات التالية:

- تجنّب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين، أو ساعة واحدة فقط إذا تجاوزت درجة الحرارة الخارجية 32 درجة مئوية (90 فهرنهايت).

- احرص على حفظ الأطعمة الباردة في درجة حرارة تقل عن 4 درجات مئوية (40 فهرنهايت).

- حافظ على الأطعمة الساخنة عند درجة حرارة أعلى من 60 درجة مئوية (140 فهرنهايت).

- ضع الأرز في الثلاجة خلال ساعة إلى ساعتين من طهيه.

- تخلّص من بقايا الأرز إذا لم تكن متأكداً من مدة بقائه خارج التبريد.

- انقل الأرز بعد طهيه إلى أوعية ضحلة (مسطّحة) لتسريع عملية تبريده.


لمرضى السكري... البطيخ ليس ممنوعاً لكن بشروط

تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)
تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)
TT

لمرضى السكري... البطيخ ليس ممنوعاً لكن بشروط

تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)
تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري (بيكسلز)

يُعد البطيخ من الفواكه الصيفية المنعشة التي يقبل عليها كثيرون، لكن مرضى السكري غالباً ما يتساءلون عن مدى أمان تناوله وتأثيره على مستويات السكر في الدم. وعلى الرغم من طعمه الحلو، تشير معطيات غذائية إلى أن تناول البطيخ يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي متوازن لمرضى السكري، شرط الاعتدال في الكمية.

هل يمكن لمرضى السكري تناول البطيخ؟

يحتوي كوب واحد من البطيخ على نحو 11.5 غرام من الكربوهيدرات، وهي كمية يمكن التحكم بها ضمن الحصة اليومية المسموح بها لمرضى السكري. ويتميّز البطيخ أيضاً بارتفاع محتواه من الماء، مما يجعله خفيفاً على الجهاز الهضمي وسهل الامتصاص.

ما أنسب وقت لتناول البطيخ لمرضى السكري؟

يُفضَّل تناول البطيخ خلال النهار أو بين الوجبات بدلاً من تناوله على معدة فارغة أو قبل النوم مباشرة، إذ يساعد ذلك على تقليل الارتفاع السريع في مستوى السكر في الدم.

كما يُنصح بتناوله بعد وجبة متوازنة تحتوي على بروتين أو دهون صحية، مما يبطئ امتصاص السكر. ويمكن أيضاً أن يكون خياراً مناسباً بعد النشاط البدني، حيث يستفيد الجسم من السكريات بشكل أفضل.

يحتوي كوب واحد من البطيخ على نحو 11.5 غرام من الكربوهيدرات (بيكسلز)

فوائد البطيخ لمرضى السكري

1. يساعد في الترطيب:

بفضل احتوائه على نسبة عالية من الماء، يساهم البطيخ في الحفاظ على ترطيب الجسم، وهو أمر مهم خصوصاً عند انخفاض مستويات السكر في الدم.

2. سهل الهضم:

يُعد البطيخ من الفواكه الخفيفة التي لا تُثقل المعدة، مما يجعله خياراً مناسباً كوجبة خفيفة.

3. منخفض السعرات نسبياً:

رغم مذاقه الحلو، فإن البطيخ لا يحتوي على سعرات حرارية مرتفعة مقارنة ببعض الفواكه الأخرى.

ما المخاطر المحتملة؟

رغم فوائده، يجب الانتباه إلى أن البطيخ قد يرفع مستوى السكر في الدم بسرعة نسبية إذا تم تناوله بكميات كبيرة، نظراً لمؤشره الغلايسيمي المرتفع. لذلك، فإن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى تقلبات غير مرغوبة في مستويات السكر.

نصائح لتناول البطيخ بأمان:

- الالتزام بحصة معتدلة (مثل كوب واحد).

- تناوله ضمن وجبة متوازنة تحتوي على بروتين أو دهون صحية لتقليل تأثيره على السكر.

- مراقبة مستويات السكر في الدم بعد تناوله.

- استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية عند الشك.

بالخلاصة، يمكن لمرضى السكري الاستمتاع بالبطيخ من دون قلق، ما دام تناوله يتم باعتدال وضمن نظام غذائي مدروس. فاختيار الكمية المناسبة وتوقيت أكل البطيخ يلعبان دوراً أساسياً في الاستفادة من فوائده دون التأثير سلباً على مستويات السكر في الدم.