9 نقاط حول ضعف السمع المرتبط بتقدم السن

يصيب جميع الناس في حياتهم بدرجات متفاوتة وله علاقة بأمراض الشرايين

9 نقاط حول ضعف السمع المرتبط بتقدم السن
TT

9 نقاط حول ضعف السمع المرتبط بتقدم السن

9 نقاط حول ضعف السمع المرتبط بتقدم السن

قدم البروفسور فرانك ر. لين، أستاذ أمراض وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، ومدير «مركز القوقعة للسمع» في كلية «جونز هوبكنز» للطب، مراجعة علمية متقدمة حول ضعف وفقدان السمع المرتبط بالسن Age-related Hearing Loss.

مراجعة علمية لمشكلات السمع

ووفق ما نُشر ضمن عدد 24 أبريل (نيسان) الماضي من مجلة «نيوإنغلاند جورنال أوف ميديسن» الطبية (N Engl J Med)، أفاد البروفسور لين في مستهل عرضه بالقول: «يؤثر فقدان السمع المرتبط بالسن، وبشكل تدريجي، على كل شخص خلال حياته. وتعتمد قدرة السمع لدى الشخص على «كفاءة عمل» القوقعة (Cochlea) في الأذن الداخلية (Inner Ear) التي تقوم بتشفير الأصوات (Encoding Sound) بدقة، وتحويلها إلى إشارات عصبية (Neural Signals)، ثم إرسالها إلى الدماغ. وفي منطقة قشرة الدماغ تتم بعد ذلك معالجة تلك الإشارات العصبية وفك تشفيرها، لتحويلها إلى معنى يفهم المرء منه الكلام الذي سمعه.

ويمكن للعمليات المرضية التي تحدث على أي مستوى من هذا المسار من الأذن إلى الدماغ، أن تؤثر سلباً على السمع. ولكن ضعف السمع المرتبط بالسن، والذي يشمل القوقعة، هو السبب الأكثر شيوعاً».

وتضمن عرض المراجعة الحديثة والمتقدمة حول ضعف السمع المرتبط بالسن، النقاط التالية:

1- يتميز فقدان السمع المرتبط بالسن بالضعف «التدريجي» في كفاءة عمل خلايا الشعر الحسية (Sensory Hair Cells) في الأذن الداخلية، نتيجة تناقص عددها بموت كثير منها. وهذه هي خلايا متخصصة مسؤولة بالأساس عن تشفير الصوت وتحويله إلى إشارات عصبية. ومن أهم خصائص هذه الخلايا أنها -على عكس الخلايا الأخرى في جميع أنحاء الجسم- لا يمكن لها أن تتجدد.

ويحصل تناقص تدريجي في عدد هذه الخلايا على مدار الحياة، وذلك بسبب التأثيرات التراكمية لكثير من العمليات والمؤثرات المسببة لأذاها. والتقدم في السن بحد ذاته يُعد أقوى عامل خطر لفقدان السمع المرتبط بالسن. كما أن لون البشرة الفاتح، بوصفه مؤشراً على مدى درجة تصبغ القوقعة (Cochlear Pigmentation) -نظراً لأن صبغة الميلانين (Melanin) تحمي القوقعة- وجنس الذكور، والتعرض للضوضاء، هي عوامل أخرى مهمة.

وهناك عوامل خطر أخرى لا يتم التنبه لها، مثل الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض السكري، والتدخين، وارتفاع ضغط الدم. والتي جميعها يمكن أن تساهم في إصابة الأوعية الدموية الدقيقة (Microvascular Injury) في قوقعة الأذن الداخلية.

انخفاض حدّة السمع

2- بدءاً من مرحلة البلوغ المبكرة، تبدأ حدة السمع في الانخفاض تدريجياً؛ خصوصاً فيما يتعلق بالأصوات ذات الترددات الأعلى. ويزداد انتشار ضعف السمع المهم إكلينيكياً، طوال فترة الحياة.

وللتوضيح، يتضاعف تقريباً مقدار ضعف السمع لدى الشخص مع كل عقد من العمر، بحيث يعاني أكثر من ثلثي جميع البالغين الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً أو أكثر، من شكل من أشكال فقدان السمع المهم إكلينيكياً. وتشير الإحصائيات إلى أنه في عام 2019 بالولايات المتحدة، قُدر أن ما يقرب من 73 مليون شخص، أو واحداً من كل خمسة، يعانون من ضعف السمع. وأظهرت الدراسات الوبائية وجود ارتباطات بين فقدان السمع من جهة، وبين ضعف قدرات التواصل والتدهور المعرفي (Cognitive Decline) والخرف (Dementia) وارتفاع التكاليف الطبية، وغيرها من النتائج الصحية الضارة، من جهة أخرى.

وركزت الأبحاث الطبية على مدى العقد الماضي بشكل خاص، في فهم آثار فقدان السمع على التدهور المعرفي والخرف. ووفق الأدلة العلمية المتجمعة، خلصت لجنة «لانسيت» المعنية بالخرف في عام 2020 إلى أن فقدان السمع في منتصف العمر وما بعده، كان أكبر عامل خطورة «للإصابة بالخرف» يمكن تعديله (Modifiable Risk Factor)، وهو ما يمثل 8 في المائة من جميع حالات الخرف.

وتشمل الآليات الرئيسية التي من خلالها يُفترض أن فقدان السمع يزيد من مخاطر التدهور المعرفي والخرف، تلك الآثار الضارة لفقدان السمع في التسبب بضعف التشفير السمعي للصوت، وبالتالي على الشحن المعرفي في الذهن، وضمور الدماغ، والعزلة الاجتماعية.

3- يظهر فقدان السمع المرتبط بالسن في كلتا الأذنين بشكل تدريجي مع مرور الوقت، وبصفة خفية ودون ملاحظة أن ثمة أي حدث مُسبب واضح ويمكن تحديده. فهو يؤثر على مدى قوة سماع الأصوات، ومدى بيان وضوحها، وعلى قدرات التواصل اليومية للشخص. وغالباً لا يدرك الأشخاص الذين يعانون من ضعف السمع الخفيف، وجود ضعف السمع لديهم. وبدلاً من ذلك يعتقدون أن صعوبات السمع لديهم تعزى إلى أسباب خارجية (على سبيل المثال: عدم تحدث الآخرين بوضوح، أو وجود الضوضاء في الخلفية).

ولكن في المستويات الأعلى من فقدان السمع، قد يلاحظ الأشخاص بشكل متزايد أن ثمة مشكلة في وضوح الكلام حتى عند الوجود في البيئات الهادئة. كما يمكن أن يجدوا أن المحادثات في البيئات الصاخبة هي بالفعل مرهقة لهم، وذلك نظراً لازدياد الجهد الذهني الذي على دماغهم بذله لمعالجة إشارات الكلام غير الواضحة، وذلك نتيجة عدم معالجتها في قوقعة الأذن بشكل صحيح. وفي كثير من الأحيان، يكون أفراد أسرة الشخص هم أكثر من غيرهم إدراكاً أن الشخص لديه صعوبات في السمع.

تقييم مشكلات السمع

4- يتطلب تقييم مشكلات السمع لدى المريض فهم أن إدراك الشخص للسمع يعتمد على 5 مكونات:

- جودة الصوت الوارد. على سبيل المثال؛ لأن إشارة الكلام تصبح متدهورة في الغرف والصالات ذات الضوضاء الخلفية أو الصوتيات المترددة.

- التوصيل الميكانيكي للصوت من خلال الأذن الخارجية ثم الأذن الوسطى وصولاً إلى القوقعة (أي السمع التوصيلي «Conductive Hearing»).

- نقل الإشارة الصوتية (Acoustic Signal) إلى إشارة كهربائية عصبية (Neuroelectrical Signal) بواسطة القوقعة.

- نقل تلك الإشارات العصبية إلى الدماغ (أي السمع الحسي العصبي «Sensorineural Hearing»).

- فك تشفير الإشارة العصبية إلى معنى بواسطة قشرة الدماغ (أي المعالجة السمعية المركزية «Central Auditory Processing»).

وعندما يلاحظ المريض مشكلات في السمع، فإن السبب يمكن أن يكمن في أي من هذه المكونات. وفي كثير من الحالات يوجد أكثر من مكون من هذه المكونات المتسببة في تدهور السمع، قبل ظهور مشكلات السمع لدى الشخص.

5- الهدف من التقييم الإكلينيكي الأولي هو تقييم المريض بحثاً عن أشكال فقدان السمع التوصيلي؛ لأنها هي التي يمكن علاجها بسهولة، ثم البحث عن غيرها من أشكال فقدان السمع التي قد تستدعي مزيداً من التقييم من قبل طبيب أنف وأذن وحنجرة متخصص. وتشمل الأشكال التوصيلية لفقدان السمع التي يمكن علاجها بسهولة من قبل طبيب العيادات الأولية -أي التي لا تتطلب طبيباً مختصاً في أمراض الأذن والأنف والحنجرة- كلاً من التهاب الأذن الوسطى (Otitis Media)، وانحشار الصملاخ (Cerumen Impaction) (شمع الأذن). وهذه يمكن أن تكون واضحة على أساس التاريخ المرضي (على سبيل المثال، بداية حادة مع ألم في الأذن «Otalgia» وامتلاء سمعي «Aural Fullness» مع عدوى في الجهاز التنفسي العلوي) أو بتنظير الأذن (Otoscopy) بحثاً عن انحشار الصملاخ الكامل في قناة الأذن.

وبالمقابل، تشمل الأعراض والعلامات المصاحبة لفقدان السمع التي تتطلب مزيداً من التقييم أو التشاور مع طبيب الأنف والأذن والحنجرة، وجود تصريف سائل من الأذن، أو ملاحظة أن الفحص غير طبيعي بالمنظار، أو طنين الأذن المتواصل (Unremitting Tinnitus)، أو الدوار (Vertigo)، أو السمع المتقلب أو غير المتماثل، أو البداية المفاجئة لفقدان السمع دون دليل على وجود سبب توصيلي (على سبيل المثال، ضعف السمع المتوسط الناجم عن التهاب الأذن الوسطى). وتتيح التغييرات التكنولوجية الآن للبالغين إجراء اختبار ذاتي وتتبع سمعهم باستخدام الهاتف الذكي (www.hearingnumber.org)، وشراء أدوات مساعدة للسمع دون وصفة طبية. ويتماشى هذا النهج مع الاتجاهات الأوسع نحو تمكين المستهلكين بالمعرفة والخيارات للعمل على صحتهم دون وسيط طبي.

6- يعد فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ (SSNHL) أحد الأشكال القليلة لفقدان السمع التي تتطلب تقييماً عاجلاً من قبل طبيب الأنف والأذن والحنجرة (من الأفضل خلال 3 أيام بعد ظهور المرض). وذلك لأن التشخيص المبكر والتدخل العلاجي بأحد مشتقات الكورتيزون، قد يحسن فرص استعادة السمع. ويعد فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ حدثاً غير شائع نسبياً؛ حيث يبلغ معدل حدوثه سنوياً 1 من كل 10 آلاف شخص، ويحدث بشكل أكثر شيوعاً عند البالغين بسن 40 عاماً أو أكثر. وبالمقارنة مع فقدان السمع أحادي الجانب الناتج عن سبب توصيلي، فإن المرضى الذين يعانون من فقدان السمع الحسي العصبي المفاجئ غالباً ما يحصل لديهم فقدان حاد للسمع وغير مؤلم، وفي أذن واحدة، مما يؤدي إلى عدم القدرة شبه الكاملة على سماع أو فهم الكلام في الأذن المصابة.

معالجة حالات فقدان السمع

7- في الوقت الحاضر، لا توجد علاجات ترميمية (Restorative Therapies) ذات تأثيرات قصوى، لفقدان السمع المرتبط بالسن. ومصطلح «العلاج الترميمي» يُقصد به طبياً تحقيق أقصى مستوى من الأداء الوظيفي للعضو المريض، مما يمكِّن المريض من الاحتفاظ باستقلاليته في الاعتماد على نفسه بعد آثار المرض أو الإصابة. وهو يختلف تماماً عن العلاج التأهيلي (Rehabilitation Therapy).

ولذا حالياً تركز إدارة معالجة حالات فقدان السمع المرتبط بالسن على 3 جوانب: أولها هو حماية السمع وتقوية الاتصال. وتركز «استراتيجيات حماية السمع» على تقليل التعرض للضوضاء، عن طريق الابتعاد عن مصدر الصوت أو تقليل مستوى الصوت، واستخدام أجهزة حماية السمع (مثل سدادات الأذن) عند الحاجة.

وتتضمن «استراتيجيات تقوية الاتصال» تشجيع الأشخاص على أن يكونوا وجهاً لوجه، وعلى مسافة بعيدة عند التحدث، وتقليل الضوضاء في الخلفية. ويسمح الاتصال وجهاً لوجه للأذن باستقبال إشارة سمعية أكثر وضوحاً. كما يسمح الاتصال وجهاً لوجه للمستمع بإمكانية الوصول البصري إلى تعبيرات الوجه وحركات الشفاه التي يمكن أن تساعد في فك التشفير المركزي لإشارة الكلام.

فقدان السمع المرتبط بالسن يرتبط بالضعف «التدريجي» في كفاءة عمل خلايا الشعر الحسية

8- الجانب الثاني الذي تركز علية معالجة حالات فقدان السمع المرتبط بالسن، هو اعتماد استراتيجيات تحسين جودة الإشارة السمعية الواردة (أي التغلب على تأثيرات الضجيج في الخلفية الذي ينافس سمع أصوات الحديث بوضوح وفهمه).

والجانب الثالث هو استخدام تقنيات معينة على السمع، مثل مُعينات السمع (Hearing Aid) (السمّاعات)، وزراعة القوقعة الصناعية (Cochlear Implantation). والهدف هو زيادة وضوح إشارة الكلام وفهم معانيه والتفاعل معه من قبل الشخص، بدل انطوائه وابتعاده عن الاختلاط بالآخرين والتواصل معهم.

وتشير الأدلة المستمدة من الدراسات الإكلينيكية إلى أن استخدام المعينة السمعية يمكن أن يحسن التواصل ونوعية الحياة، وقد يقلل من تدهور وفقدان قدرات الإدراك الذهني في غضون 3 سنوات، لدى كبار السن المعرضين لخطر التدهور المعرفي والخرف.

9- لا يزال معدل انتشار استخدام المعينة السمعية أو زراعة القوقعة الصناعية بين الأشخاص الذين يمكنهم أن يستفيدوا من أي منهما (كما هو محدد على أساس نتائج فحص سمعهم) منخفضاً للغاية. وفيما بين الأشخاص الذين يعانون من ضعف السمع في الولايات المتحدة، يبلغ معدل انتشار استخدام المعينات السمعية أقل من 20 في المائة، ومعدل انتشار زراعة القوقعة الصناعية أقل من 5 في المائة.

وأسباب انخفاض معدل الاعتماد على هذه الاستراتيجيات العلاجية، هي بالفعل متعددة العوامل. وتشمل عوامل مثل: الوصمة «Stigma» أي: الشعور بأن تركيب السماعة شيء معيب، وضعف إمكانية الوصول إلى تلقي معالجات التدخلات السمعية وعدم القدرة على تحمل تكاليفها، وعدم قدرة تقنيات السمع على التعويض بشكل كامل عن تدهور التشفير المحيطي للصوت الناجم عن فقدان السمع المرتبط بالسن.

* استشارية في الباطنية


مقالات ذات صلة

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

صحتك مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

يُنصح بعدم الإفراط في تناول الأطعمة عالية الصوديوم مثل الوجبات السريعة والمعلّبات لأنه قد يزيد العبء على وظائف الكلى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

وفقاً لدراسة حديثة، قد يُلحق التوتر النفسي المزمن وتناول وجبة طعام في وقت متأخر من الليل، حتى لو كانت وجبة طعام خفيفة

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

في الرابع عشر من حزيران، يحتفل العالم باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تكريماً لملايين الأشخاص الذين يهبون دماءهم طوعاً ومن دون مقابل لإنقاذ حياة الآخرين.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استشارات: الكبد الدهني ومرض السكري - التسمم بالأكسجين

استشارات: الكبد الدهني ومرض السكري - التسمم بالأكسجين

لماذا ينشأ الكبد الدهني لدى مرضى السكري؟

د. حسن محمد صندقجي
صحتك يعاني كثير من الناس من دهون حول البطن (أ.ب)

اكتشف العلاقة بين التوتر وتراكم دهون البطن

يرفع التوتر هرمون الكورتيزول في الجسم، مما يزيد الشهية ويدفع لتخزين الدهون خصوصاً في منطقة البطن، لذلك يرتبط الإجهاد المستمر بتراكم دهون البطن وصعوبة التخلص منه

«الشرق الأوسط» (لندن)

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
TT

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)

يُنصح بعدم الإفراط في تناول الأطعمة عالية الصوديوم، مثل الوجبات السريعة والمعلَّبات؛ لأنه قد يزيد العبء على وظائف الكلى، وكذلك يفضَّل التقليل من البروتين الحيواني بكثرة، خاصة اللحوم الحمراء، والمشروبات الغازية، والأطعمة الغنية بالبوتاسيوم أو الفوسفور بكميات زائدة مثل الموز والبطاطا ومنتجات الألبان.

ووفقاً لوزارة الصحة السعودية، فإن المكمّلات العشبية ليست آمنة في حالة مرضى الكلى، كما أن بعض الفيتامينات يمكن أن تضرّ مرضى الكلى أيضاً، لذلك يجب استشارة الطبيب قبل تناول أي نوع منها.

الحد من الصوديوم

وتنصح الوزارة بالحد من الصوديوم، فمع مُضِي الوقت يفقد مريض الكلى تدريجيّاً القدرة على تحقيق التوازن بين المياه والصوديوم بالجسم؛ لذلك يساعد الحد من الصوديوم على خفض ضغط الدم وتقليل احتباس السوائل بالجسم، وهو أمر شائع مع مرضى الكلى.

ويجب التركيز على الطعام الطازج والمطهو بالمنزل، وتناول كميات صغيرة من طعام المطاعم والأطعمة المعلَّبة؛ لأنها غالباً ما تحتوي على كثير من الصوديوم واختيار منتجات الغذاء التي تحتوي على نسبة صوديوم أقل من 5 في المائة على مُلصَقها الغذائي.

كذلك يجب استبدال تعزيز النكهات بالأعشاب والتوابل والخردل والخل، بالملح، وفي غضون أسبوع أو أسبوعين سيعتاد المريض ذلك.

وتجنب بدائل الملح ما لم يُوصِ اختصاصي التغذية بإمكانية ذلك؛ حيث يحتوي كثير منها على نسبة عالية جداً من البوتاسيوم، والذي قد يحتاج المريض إلى الحد منه.

الكلى تؤثر على أعضاء أخرى في الجسم (جامعة وايل كورنيل)

التقليل من البوتاسيوم والفوسفور والبروتين

ولفتت الوزارة إلى أنه اعتماداً على مرحلة مرض الكلى، قد يحتاج المريض أيضاً إلى تقليل البوتاسيوم والفوسفور والبروتين في نظامه الغذائي، فالفوسفور معدن من معادن الجسم الذي يعمل على تقوية العظام وإبقاء عدد من أجزاء الجسم بصحة جيدة، لكن لا يستطيع جسمُ مريض الكلى التخلص من الكمية الزائدة منه؛ مما يؤدي إلى ضعف العظام وإلحاق الضرر بالأوعية الدموية والعين والقلب.

ويجب على مريض الكلى الحد منه، ويوجد الفوسفور في اللحوم، ومنتجات الألبان، والفاصوليا، والمكسرات، والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، والمشروبات الغازية الداكنة، كما أنه يضاف إلى كثير من الأطعمة المعلَّبة.

والمستوى المناسب من البوتاسيوم يحافظ على عمل الأعصاب والعضلات بشكل جيد، لكن مع مرض الكلى المزمن، يمكن أن يتراكم كثير من البوتاسيوم في الدم ويسبب مشاكل خطيرة في القلب.

ويحتوي البرتقال والبطاطس والطماطم والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة وعدد من الأطعمة الأخرى على نسبة عالية من البوتاسيوم، لكن يحتوي التفاح والجزر والخبز الأبيض على نسبة أقل من البوتاسيوم.

ويجب تناول الكمية المناسبة من البروتين؛ لأن كمية البروتين الزائدة تؤدي إلى زيادة كمية الجهد المبذول من الكلى للتخلص منه وتزيد من سوء حالة مريض الكلى المزمن.


تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء
TT

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

وفقاً لدراسة حديثة، عرضت ضمن الفعاليات العلمية لـ«أسبوع أمراض الجهاز الهضمي DDW 2026» المنعقد الشهر الماضي، قد يُلحق التوتر النفسي المزمن وتناول وجبة طعام في وقت متأخر من الليل، حتى لو كانت وجبة طعام خفيفة، ضرراً كبيراً بصحة الجهاز الهضمي ويسبب اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء (اختلال ميكروبيوم الأمعاء). كما كشف هذا البحث أيضاً عن العلاقة بين تناول الطعام في وقت متأخر من الليل والتوتر المزمن.

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء Dysbiosis قد يشمل نقصاً في تنوع البكتيريا المعوية، أو زيادة في البكتيريا الضارة، أو نقصاً في البكتيريا النافعة. وقد يُسبب ألماً في البطن، وانتفاخاً، وغثياناً، وتغيرات في عادات التبرز.

ويعتبر أسبوع أمراض الجهاز الهضمي المؤتمر العالمي الأبرز في مجال أمراض الجهاز الهضمي والكبد وجراحة الجهاز الهضمي، وقد عُقد في شيكاغو، إلينوي، في الولايات المتحدة، وعبر الإنترنت في الفترة من 2 إلى 5 مايو (أيار) 2026، ويتم بالتعاون بين الجمعية الأميركية لدراسة أمراض الكبد (AASLD)، ومعهد الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي (AGA)، والجمعية الأميركية لتنظير الجهاز الهضمي (ASGE)، وجمعية جراحة الجهاز الهضمي (SSAT).

ولكن هل إن تأخر وقت تناول الطعام بالليل، أم التوتر النفسي الذي يدفعنار إلى ذلك، هو ما يجعل تناول الوجبات ليلاً، حتى لو كانت خفيفة، غير صحي؟

وفق نتائج هذا البحث، اتضح أنه قد يكون مزيجاً من الاثنين، ما قد يؤثر لا على وزننا فقط، بل أيضاً على صحة أمعائنا، بما في ذلك ميكروبيوم الأمعاء. وأشارت الدراسة، التي أجرتها الدكتورة هاريكا داديجيري، من كلية الطب بجامعة نيويورك، إلى أن توقيت تناول الطعام قد يكون بأهمية نوعية مكوناته نفسها.

وفي التفاصيل، استخدم الباحثون الأميركيون مجموعتي بيانات رئيسيتين، هما المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية NHANES ومشروع الأمعاء الأميركي American Gut Project. وحدد فريق البحث «محور التغذية الزمنية - الإجهاد» Chrononutrition - Stress Axis الذي يقيس كيفية تأثير مستويات الإجهاد على أنماطنا الغذائية وتوقيتها.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون الطعام في وقت متأخر من الليل أكثر عرضة بنسبة 39.3 في المائة للإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء، مثل الإمساك أو الإسهال؛ وذلك مقارنة بنسبة 23.2 في المائة لدى الأشخاص ذوي مستويات الإجهاد النفسي المنخفضة الذين يتناولون الطعام في أوقاتهم المعتادة (قبل 9 مساءً).

كما كان الأفراد الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل Late - Night Snackers، والذين عرّفهم الباحثون بأنهم يستهلكون أكثر من 25 في المائة من كمية كالورى سعراتهم الحرارية اليومية بعد الساعة 9 مساءً، أكثر عرضة للإصابة بمشاكل في الأمعاء بمقدار 1.7 إلى 2.5 مرة.كما أن ارتفاع مستويات الإجهاد الفسيولوجي (المعروف بالحمل التراكمي Allostatic Load) يزيد بشكل مستقل من خطر الإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء. وعندما يقترن ذلك بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، ينتج عنه تأثير سلبي أكبر.

التوتر وتأخير الوجبات

وتشير هذه النتائج إلى أن توقيت الوجبات يمكن أن يغير كيفية تأثير الإجهاد على التواصل بين الدماغ والأمعاء.

وقد يسأل أحدنا، ماذا لو كنت أتناول ليلاً وجبات طعام خفيفة بنوعية وحجم ومكونات صحية؟ تشير نتائج الدراسة إلى أنه حتى عندما لا يستهلك الناس بالضرورة أطعمة غير صحية أو مصنعة، فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل قد يُخلّ بعملية الهضم والساعة البيولوجية للجسم Natural Internal Clock، أو إيقاعها اليومي Circadian Rhythm الذي يستمر 24 ساعة. وكانت أبحاث سابقة قد أظهرت أن اضطراب الإيقاع اليومي (بغض النظر عن السبب) مرتبط بأمراض مزمنة مثل الخرف وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. وقالت الدكتورة داديجيري: «هذه دراسة تُعزز الأبحاث الجارية حول محور التغذية الزمنية وتناول الطعام في أوقات محددة».

ولتوضيح الآثار السلبية للتوتر التنفسي على بكتيريا الأمعاء، أظهر الباحثون في دراستهم حصول انخفاض مُخلّ في تنوع بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص الذين يتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل ويعانون من مستويات عالية من التوتر. وهو ما أثبته الباحثون باستخدام مؤشر شانون Shannon Index لقياس تنوع الميكروبات. وهذا هو الأمر الذي يُقدم دليلاً على أن عادات نمط الحياة قد تُخلّ بالتوازن بين الأمعاء والدماغ. (مؤشر شانون هو مقياس رياضي يستخدم في علم البيئة ونظرية المعلومات لتحديد تنوع أو عدم القدرة على التنبؤ بالنظام. يأخذ في الاعتبار أيضاً الوفرة النسبية لكل فئة في ظل المتوسط الهندسي المرجح).

من جانبها، علقت ميشيل روثنشتاين، اختصاصية التغذية الإكلينيكية المعتمدة في مجال أمراض القلب الوقائية بأنه «رغم أن النتائج لم تكن مفاجئة، فإنها وجدت أن من المثير للاهتمام كيف أن الجمع بين التوتر الشديد وتناول الطعام في وقت متأخر من الليل يُضاعف من تأثيراته على صحة الأمعاء». وقالت إن «الإجهاد الشديد وحده يزيد من احتمالية حدوث اضطرابات في حركة الأمعاء بنسبة 32 في المائة تقريباً، ولكن عندما يقترن بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، يرتفع الخطر إلى زيادة تتراوح بين 1.7 و2.5 ضعف، مما يعزز أهمية التوافق مع الساعة البيولوجية للفرد والاعتراف بمحور الأمعاء والدماغ».

آثار صحية سلبية للأكل بعد 9 مساءً

يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة". ويضيفون:" قد ينجم الجوع الليلي عن:

-عدم تناول كمية كافية من الطعام خلال النهار

-ممارسة الرياضة المسائية (زيادة احتياجات الطاقة)

-عوامل عاطفية (الملل، الوحدة، التوتر)

-التعود على تناول الوجبات الخفيفة بشكل متكرر

-انخفاض تناول الألياف أو البروتين أو الدهون خلال النهار

-حالات صحية تؤثر على تنظيم الجوع".

والواقع أن تناول الطعام بعد الساعة التاسعة مساءً يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم، ما يُبطئ عملية الأيض خلال الليل. ولذا فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل بانتظام قد يُسبب العديد من الآثار الصحية المحددة:

1.زيادة الوزن وتغيرات في عملية الأيض. وذلك من خلال العوامل التالية:

-اضطراب عملية الأيض: وتُشير الساعة البيولوجية للجسم إلى أن عملية الأيض تبلغ ذروتها في الصباح وتتباطأ في الليل. والطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يُهضم بشكل أقل كفاءة، ويزداد احتمال تخزينه على شكل دهون.

-تغيرات هرمونية: تناول الطعام في وقت متأخر يزيد من الشعور بالجوع في اليوم التالي، وقد يُؤثر سلبًا على الهرمونات المنظمة للشهية.

-ارتفاع خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي: وتربط الدراسات بين تناول الطعام في وقت متأخر (مثل العشاء في الساعة التاسعة مساءً) وزيادة مؤشر كتلة الجسم، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وزيادة خطر الإصابة بمتلازمة التمثيل الغذائي.

2.مشاكل الجهاز الهضمي. يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة. ولكن تناول الطعام خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل النوم قد يحفز إفراز الحمض في المعدة. وقد يؤدي الاستلقاء بعد الأكل مباشرة إلى صعود الحمض إلى المريء وحصول الارتجاع المعدي المريئي GERD، مما يسبب الشعور بعدم الراحة والتهيج".

ونظرًا لأن الجهاز الهضمي يُبطئ من وتيرة حركته بشكل طبيعي أثناء النوم، فإن الطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يبقى في المعدة لفترة أطول، ما قد يُفاقم الأعراض لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة القولون العصبي IBS.

3.ارتفاعات سكر الدم. قد يؤدي تناول الطعام عندما يكون الجسم مُهيأً بيولوجيًا للراحة، إلى مقاومة الأنسولين وارتفاع مستويات الغلوكوز والأنسولين خلال الليل. ومع مرور الوقت، قد يزيد تناول الطعام بشكل مُزمن في وقت متأخر من الليل من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. ويقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" إذا كنت مصابًا بداء السكري، يمكن أن يساعد مزيج متوازن من البروتين والألياف والدهون الصحية في الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم".

4.اضطرابات النوم. هضم وجبة دسمة - خاصةً الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون - يُنشّط الجسم وقد يُؤثر على تدني جودة النوم ودورة النوم. وقد يؤدي ذلك إلى نومٍ خفيف، واستيقاظٍ متكرر، وتأخر إفراز هرمونات النوم مثل الميلاتونين.

متى يجب التوقف عن تناول الطعام ليلاً؟

لطالما كان الوقت الأمثل للتوقف عن تناول الطعام خلال اليوم موضع نقاش طبي وغير طبي.

وبالعموم، تؤثر عوامل عديدة على وقت توقف الشخص عن تناول الطعام، مثل الشهية، والعادات، والثقافة، وجداول العمل، والتفضيلات الشخصية، والظروف الاجتماعية.

وقد بحثت دراسات حديثة في توقيت تناول الوجبات وتأثيره على الصحة. ولكنها خلُصت إلى أنه لا يوجد وقت محدد للتوقف عن الأكل ليلاً. ولكنها في نفس الوقت طرحت تأثير الساعة البيولوجية للجسم، التي تعمل على مدار 24 ساعة، في تحديد الشخص أفضل وقت لتناوله الطعام خلال فترة اليوم الكامل، ومتى عليه أن يتوقف، وذلك من خلال تأثيرها على الشعور بالجوع، وامتصاص العناصر الغذائية، وحساسية الأنسولين، والتمثيل الغذائي.

ولذا فإن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم هو الخيار الأمثل.

وللمواءمة مع ساعتك البيولوجية، يُنصح بتناول الطعام خلال فترة لا تتجاوز 8 إلى 12 ساعة يومياً، أي خلال ساعات النهار. وقد يؤدي تناول الطعام خارج هذه الفترة إلى معالجة جسمك للسعرات الحرارية بكفاءة أقل، ما قد يساهم في زيادة الوزن، لأن تناول الطعام على مدار أكثر من 12 ساعة يومياً قد يزيد من خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.

ولكن تجدر ملاحظة أن الصيام المتقطع Intermittent Fasting ، أي تناول الطعام خلال فترة زمنية محددة (غالبًا من 8 إلى 12 ساعة) في أي وقت من اليوم، يختلف قليلًا عن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم. ذلك أن العديد من أنظمة الصيام المتقطع تقترح تخطي وجبة الإفطار وتناول معظم الوجبات في وقت لاحق من اليوم.

وكانت عدة دراسات اكلينيكية قد وجدت أن تخطي وجبة الإفطار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمتلازمة التمثيل الغذائي لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و74 عامًا. وتشير دراسات أخرى إلى أن تناول وجبة إفطار أكبر ووجبة عشاء أصغر قد يؤدي إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم، وتقليل نسبة الدهون في الجسم، وخفض مستوى الجوع.

ولذا قد يساهم تقليص فترة تناول الطعام لتكون في فترة 12 ساعة أو أقل، تبدأ من الصباح، في الحد من تناول الوجبات الخفيفة غير الواعية، وبالتالي خفض إجمالي السعرات الحرارية المتناولة ومنع زيادة الوزن.

* استشارية في الباطنية


كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟
TT

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

أظهرت دراسة نفسية حديثة باحثين في جامعة لينجنان (Lingnan University) في الصين، ونُشرت للمرة الأولى في النصف الثاني من شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، في النسخة الإلكترونية من مجلة الطب النفسي للأطفال والتنمية البشرية (Child Psychiatry & Human Development)، أن تغذية الشعور بالذنب والحرمان العاطفي، يزيدان من احتمالية ظهور أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.

قام الباحثون بدراسة استقصائية على مرحلتين بين عامي 2020 و2021؛ حيث تتبعوا 742 طالباً وطالبة، في المرحلة الإعدادية (من الصف السابع إلى الصف الثامن) في مدرستين حكوميتين. وكان الفاصل الزمني بين فترتَي جمع البيانات عاماً كاملاً، وكانت نسبة الإناث المشاركات 52 في المائة، وكان متوسط سن الطلاب نحو 13 عاماً.

تم سؤال الطلاب المشاركين عن تصوراتهم لأساليب التربية التي يتبعها آباؤهم، ومدى رضاهم عن هذه الأساليب. وقام الباحثون أيضاً بسؤال الطلاب عن تقييمهم لردود أفعالهم تجاه الأساليب المختلفة، وأعراض الاكتئاب، وسلوكيات إيذاء الذات.

4 أنماط من التربية

بناءً على البيانات التي تم جمعها من الطلاب، حدد الفريق البحثي 4 أنماط متميزة لأساليب التربية.

• النمط الأول يسمى «النمط الداعم»، وينتمي له ما يقرب من 44 في المائة من الآباء، وهذا النمط تميز باحترام آراء الأبناء، ومنحهم الاستقلالية الكافية، بالإضافة إلى قلة استخدامهم للرقابة النفسية.

• النمط الثاني يسمى «النمط المختلط المعتدل»، وينتمي له ما يزيد على 33 في المائة من الحالات. وهذا النمط تميز بالتأرجح بين التفهم والتشدد؛ حيث أظهر الآباء أسلوباً تربوياً غير متسق ومحير في الوقت نفسه، ما صعَّب على المراهقين توقع ردود أفعالهم.

• النمط الثالث وهو «النمط المسيطر»، وينتمي له أكثر من 17 في المائة من الآباء. وهذا النمط تميز بمطالبة الآباء للأبناء بالطاعة المطلقة، وسمحوا لهم بأقل قدر من الاستقلالية الشخصية، ولجأوا بشكل متكرر إلى أساليب السيطرة النفسية، مثل تغذية الشعور بالذنب أو الحرمان العاطفي، للضغط على أبنائهم.

• النمط الرابع والأخير، وهو «النمط المختلط المرتفع»، وينتمي له نحو 6 في المائة فقط من الآباء. وهذا النمط تميز بالتلاعب النفسي من قبل الآباء؛ حيث قدموا دعماً سطحياً واستخدموا في الوقت نفسه أساليب السيطرة النفسية، تحت ستار مصلحة الطفل، بطريقة النمط المسيطر نفسها.

وأظهرت نتائج البحث أن استخدام الآباء طرق السيطرة النفسية على أبنائهم -مثل إجبارهم على الطاعة من خلال التلاعب بمشاعر الذنب أو الحرمان العاطفي- يُعد نوعاً من الابتزاز العاطفي، يمكن أن يضعف من قدرة المراهق على تنظيم عواطفه، ما يؤدي بدوره إلى ظهور أعراض الاكتئاب، ويزيد من خطر إيذاء النفس؛ خصوصاً في الفتيات.

وقال الباحثون إن تأثير أنماط التربية على المراهقين يختلف بين الذكور والإناث، نتيجة لكثير من العوامل، مثل العوامل البيولوجية والهرمونية والتنشئة الاجتماعية، بالإضافة للتكوين النفسي لكل جنس. وعلى سبيل المثال، تميل الفتيات إلى اجترار المشاعر السلبية، ما يضخم تأثير السيطرة النفسية الأبوية على صحتهن النفسية، وفي المقابل يميل الذكور إلى إلقاء اللوم على الآخرين، ما يؤدي إلى تخفيف حدة الألم النفسي عليهم.

الاكتئاب وإيذاء النفس

أوضحت الدراسة أن نمط التربية الداعم الذي يحترم استقلالية الطفل، ويقدر التواصل العاطفي، يقلل من خطر حدوث الاكتئاب وإيذاء النفس لدى الأطفال. وفي المقابل أظهرت الأنماط الثلاثة المتعلقة بالسيطرة النفسية، وخصوصاً مجموعة السيطرة الكاملة، ارتباطاً وثيقاً بإيذاء النفس غير الانتحاري بعد عام من الدراسة. ويعتبر إيذاء الجسد -من دون غرض التخلص من الحياة- عملاً لمجرد الشعور بالألم كنوع من الإحساس بالذنب.

وكان نمط التربية المختلطة من الأنماط السيئة للغاية على نفسية المراهقين؛ لأن الإشارات المتضاربة للدعم السطحي، المقترن بالسيطرة النفسية الشديدة، تركتهم في حالة من التشتت الشديد، أكثر سوءاً من النمط المسيطر بشكل واضح، ما انعكس بالسلب على نفسيتهم.

ومن المعروف أن السيطرة النفسية الأبوية، تتسبب في حدوث خلل عاطفي للمراهقين، وهو ما يظهر في سلوكياتهم بعد ذلك، مثل الاندفاعية، والمبالغة في ردود الأفعال، وصعوبة التعامل مع المشاعر السلبية؛ حيث يمهد وجود هذا الخلل العاطفي فترات طويلة لحدوث أعراض الاكتئاب وما يتبعها من إيذاء النفس، وهو ما ظهر واضحاً بشكل خاص بين الإناث المشاركات في الدراسة.

ونصحت الدراسة الآباء بضرورة تحقيق التوازن في تربية المراهقين، بين وضع الحدود والاستقلالية المناسبة والدعم العاطفي. ومن خلال تخفيف السيطرة النفسية عليهم، يمكن للآباء مساعدة أبنائهم على تطوير مهارات تنظيم الانفعالات العاطفية المختلفة.

وأكد الباحثون أن هذه الدراسة تُعد شديدة الأهمية في المجتمعات المتقدمة، التي تتميز بتنافسية كبيرة في الدراسة والعمل؛ لأن الآباء في هذه المجتمعات في الأغلب تكون لديهم طموحات عالية جداً لأبنائهم، وبالتالي يضطرون إلى ممارسة السيطرة النفسية عليهم، كشكل من أشكال الرعاية والمسؤولية، لحثهم على التقدم العلمي والتركيز على العمل.

ونتيجة لهذه القناعات يتصرف الآباء بنوع من القسوة، متخيلين أن هذه التصرفات لصالح الأبناء، ما يؤدي إلى حدوث ضغوط نفسية على الأبناء بشكل غير مقصود. وبدلاً من تحقيق النتائج التعليمية المرجوة، في الأغلب تتسبب هذه التصرفات في حدوث ضرر بالغ للصحة النفسية للطفل، وشعوره بقيمته الذاتية، وتؤثر بالسلب على علاقته بوالديه.

واقترح الباحثون أن تقوم الجهات الصحية بعمل مسح لأسر الطلاب، يمكن من خلاله معرفة أساليب التربية المختلفة، وتحديد المراهقين المعرضين لخطر إيذاء الذات غير الانتحاري والاكتئاب، وتعليمهم كيفية إدارة المشاعر ودعم الصحة النفسية.

* استشاري طب الأطفال