ضعف السمع... علاقة وثيقة باختلال التوازن وقدرات الحركة

ضعف السمع... علاقة وثيقة باختلال التوازن وقدرات الحركة

تدخلات علاجية لإبطاء تدهور الوظائف البدنية
الجمعة - 12 محرم 1443 هـ - 20 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [ 15606]

هل يرتبط ضعف السمع لدى الشخص بضعف لاحق في قدراته البدنية، وانخفاض قدرته على التحمل في المشي والهرولة، وتدهور أسرع في الوظيفة البدنية؟ هذا كان السؤال الذي حاولت دراسة أميركية حديثة الإجابة عليه. ولذا قام باحثون من جامعة جونز هوبكنز في ماريلاند وجامعة كولومبيا في نيويورك والمعهد الوطني الأميركي للشيخوخة، بإجراء دراسة شملت حوالي ٣3 آلاف من كبار السن. ونشرت ضمن عدد 25 يونيو (حزيران) من مجلة جاما الطبية JAMA Network Open.


ضعف السمع
وجدت نتائج الدراسة أنه بالمقارنة مع أولئك الذين يتمتعون بحاسة سمع طبيعية، فإن وجود ضعف السمع Hearing Impairment مرتبط بارتفاع احتمالات نشوء ضعف في أحد الوظائف البدنية بشكل ملحوظ (خاصة التوازن)، وبقدرة تحمل منخفضة في المشي Walking Endurance (لأكثر من دقيقتين سيراً على الأقدام)، وبوتيرة أسرع لانخفاض قدرات الوظائف البدنية Physical Function، وذلك مع مرور الوقت.
وأفاد الباحثون: «تشير النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة إلى أنه نظراً لأن ضعف السمع هو حالة سائدة ولكن يمكن علاجها، فقد يكون ذلك هدفاً للتدخلات العلاجية من أجل إبطاء تدهور الوظائف البدنية المرتبطة بالشيخوخة».
وفي التفاصيل، ووفق ما أفاد به الدكتور بابلو مارتينيز أميزكوا، الباحث الرئيسي من جامعة جونز هوبكنز، فإن الباحثين وجدوا أن ثُلث المشمولين بالدراسة كان لديهم سمع طبيعي، بينما كان 40 في المائة يعانون من ضعف سمعي خفيف، و23 في المائة يعانون من ضعف سمعي متوسط، و4 في المائة يعانون من ضعف سمعي شديد. وعلى مدار حوالي 9 سنوات من المتابعة كحدّ أقصى، لاحظ الباحثون بالمقارنة ارتباط ضعف السمع باحتمالات أعلى لاحقاً في حصول انخفاض قدرات الأداء البدني المُركّب وحفظ التوازن وسرعة المشي. وتحديداً، كان لدى الذين يعانون من ضعف في السمع انخفاضٌ أسرع في طاقة الأداء البدني القصير Short Physical Performance، مقارنة بالمشاركين ذوي السمع الطبيعي.
وقال الباحثون في مقدمة الدراسة: «يُعد الأداء البدني ضرورياً للعيش المستقل، ولكنه يميل إلى التدهور مع تقدم العمر. وضعف السمع يؤثر على ما يقرب من ثلثي البالغين الذين تزيد أعمارهم على 70 عاماً، وهو عامل خطر للعديد من النتائج السلبية على الأداء البدني، وذلك من خلال ضعف المُداخلات السمعية Auditory Input التي تُساهم في ضبط المشي والتوازن».


كفاءة الأذن
وعلاقة حفظ توازن الجسم Balance (في الحركة والسكون) من جهة، وكفاءة عمل الأذن من جهة أخرى، هي علاقة وثيقة. وللتوضيح، يتم الحفاظ على توازننا من خلال مُدخلات بصرية Vision Input، ومُداخلات عصبية Nerve Input من أعصاب العضلات والمفاصل (الركبة والعمود الفقري وغيره)، ومُداخلات من الجهاز الدهليزي Vestibular System في الأذن الداخلية Inner Ear.
ويقوم جذع الدماغ Brainstem بمعالجة هذه المُداخلات الواردة من تلك المصادر المختلفة، ويُنسق فيما بين نتائجها إن كان ثمة أي اختلاف فيما بينها، ثم يترجمها إلى معلومات مفيدة تُعطي الجسم فهماً أدق عن الجسم من نواحي: التوازن، وحالة وضعيته في المحيط الذي هو فيه (أي إما الانتصاب أو الجلوس أو الاستلقاء)، وذلك في كل من حالتي: راحة عدم الحركة، وتنقل بذل الجهد. ولذا فإن الدماغ قادرٌ على تنسيق أي تباين في معلومات المُداخلات الواردة من تلك المصادر المختلفة، وبالتالي فهو قادرٌ على حفظ توازن الجسم في السكون والحركة.
ولكن عندما تكون ثمة اضطرابات في عمل الأذن الداخلية، يصعب على الدماغ والجسم تحقيق ذلك التنسيق كله، مما قد يؤدي إلى الإحساس بالدوخة Dizziness أو الدوار Vertigo أو عدم التوازن Disequilibrium. وتجدر ملاحظة الفرق الطبي بين كلمتي: الدوخة والدوار، إذْ إن «الدوخة» هو مصطلح يُستخدم لوصف مجموعة من الأحاسيس «الحقيقية»، مثل الشعور بالإغماء أو الوهن أو الضعف أو اختلال التوازن. بينما «الدوار» هو الشعور «الزائف» بأنك أو ما يحيط بك يلفّ أو يتحرك.
وتتكون الأذن الداخلية من جزأين: القوقعة للسمع، والجهاز الدهليزي للتوازن. ويتكون الجهاز الدهليزي في كل أذن من شبكة مكونة من 3 أنابيب مُلتفة على منطقة مركزية تسمى الدهليزVestibule، وتسمى هذه الأنابيب بـ«القنوات الهلالية» Semicircular Canals. ويتعرّف الجهاز الدهليزي على حركة الجسم ووضعية أجزائه في الفضاء المحيط بالجسم، من خلال خلايا حسية خاصة (في دهليز الأذن) يتم تنشيطها أثناء إمالة الرأس أو تحريكه. والجهاز الدهليزي حساس للغاية لحركات الرأس الصغيرة. ولكن إذا قام الشخص بحركات كبيرة أو سريعة أو طويلة (مثل دوران المرء حول نفسه) فقد يستغرق الأمر بعض الوقت لعودة «استقرار» الجهاز الدهليزي بعد ذلك. وهذا هو السبب في أن الغرفة يمكن أن تستمر في الدوران عندما نتوقف بعد الدوران لفترة. ويرسل الجهاز الدهليزي إشارات إلى العصب الدهليزي، الذي ينقل الإشارات الكهربائية (عن حركة الجسم ووضعية أجزائه في الفضاء المحيط بالجسم) إلى الدماغ.
وعندما يكون ضعف السمع (الذي له عدة أسباب تتعلق إما بالأذن الداخلية أو الوسطى أو الخارجية) ناجمٌ بسبب مشاكل في الأذن الداخلية نفسها، فقد تحدث اضطرابات التوازن. ولذا اعتماداً على السبب الأساسي في ضعف السمع، يمكن أن يحصل أو لا يحصل اختلال التوازن.
ويتم طبياً تشخيص وتقييم اضطرابات التوازن، ذات الصلة المُحتملة بالأذن، من خلال إجراء كل من: اختبار السمع، وتصوير الرأرأة بالفيديو VNG والتصوير بالرنين المغناطيسي MRI. و«الرأرأة» Nystagmus هي حالة من اضطراب حركة العين، وتحدث عندما يحاول الدماغ تحديد موضع الجسم عندما يتلقى رسائل متضاربة من الأذنين، وفحص «تصوير الرأرأة بالفيديو» يتيح معرفة وضعية الجسم التي يشعر فيها المريض بالدوار. ومع ذلك تجدر ملاحظة أن الرأرأة لا ترتبط دائماً بوضعية الجسم Body Position - Related، كما أن ليس جميع أسباب الدوخة تؤدي بالضرورة إلى الرأرأة.


اضطراب التوازن
وعادة ما تكون الدوخة وعدم التوازن المرتبط بالتقدم في العمر، ذات أسباب متعددة ومجتمعة. مثل اجتماع كل من: ضعف العضلات وانخفاض حدة البصر وفشل الأنظمة الدهليزية بالأذن الداخلية وتناول أدوية ذات تأثيرات على الدماغ أو الوعي أو ضغط الدم أو كمية السوائل في الجسم. ولكن من أكثر أنواع حالات اضطراب التوازن ذات الصلة المباشرة بالأذن:
> دوار الوضعة الانتيابي الحميد Benign Paroxysmal Positional Vertigo: وهي مشكلة ميكانيكية في الأذن الداخلية، تحدث عندما تتراكم قطع من كربونات الكالسيوم داخل واحدة أو أكثر من القنوات الهلالية المملوءة بالسوائل في الأذن الداخلية. وهو ما يؤدي إلى اضطراب مباشر في حرية حركة السائل داخل تلك القنوات، وبالتالي اضطراب الرسائل التي ترسلها الأذن إلى الدماغ حول «وضعية الجسم» و«حالة توازنه». وإرسال الأذن الداخلية هذه الإشارات الخاطئة إلى الدماغ، يتسبب في إحساس قصير، ولكنه شديد، بالدوران مع الحركة.
> مرض مينيير Meniere’s Disease: يسبب نوبات الدوار وفقدان السمع وطنين الأذن والشعور بامتلاء الأذن. وهو ناتج عن زيادة ضغط كمية كبيرة غير طبيعية، من السائل الليمفاوي في الأذن الداخلية مع زيادة تركيز البوتاسيوم فيه.
> التهاب العصب الدهليزيVestibular neuronitis: وينتج عن عدوى (غالباً فيروسية) تؤدي إلى التهاب الأذن الداخلية أو الأعصاب التي تربط فيما بين الأذن الداخلية بالدماغ. ويعطل هذا الالتهاب نقل المعلومات الحسية من الأذن إلى الدماغ، وبالتالي الشعور بالدوار والدوخة وصعوبة التوازن.


* استشارية في الباطنية


الصحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة